صاحب الأثــر

الجديد  عقيل مهدي يوسف [نُشر في 01/06/2016، العدد: 17، ص(88)]

لوحة: شيرين عدي
الشخصيات:

• هو – رجل مشهـور .

• هي – صحافيـة .

(المشهــد الأول)

(هو.. منشغل في هندامــه الأنيق.. يمتلئ المكان بالزهور والشموع، والستائر الملونـة.. والهواتف.. في صالة راقية، في أحد القصور الفخمـة.. تدخل فتاة أصغر سنـاً منه، وتحاول أن تسجّل معه لقاءاً صحفياً)..

هي: أتسمح لي..

هو: يا للصحافة! تختارون اللحظات المصيرية، لتشيّدوا مجدكم..

هي: أسألُك عن..

هو: أسئلة، أسئلة.. متى تكفّون عن طرح الأسئلة .

هي: لم يصّرح الناطق باسمكم، بأيّ معلومة تفيد الناس .

هو: ها أنت جئت، لتختصري الشوط وتنتزعين الخبر منيّ مجاناً .

هي: على رسلك.. لِمَ أنتَ غاضب؟

هو: كان من المفروض أن لا تقحمي نفسك في خلوتي التاريخية هذه .

هي: اسمع، الكل مبتهج، يا صاحب الأثر المبجل.. أصغ للموسيقي.. للصخب الجماهيري في يوم مجدك.

(المشهــد الثاني)

(تقوم الفتاة بإخراج حقيبة تضعها قرب مكان الرجل، الذي يخرج، ويتحول المكان إلى فضاء جديد.. وكأنها هي صاحبة القصر).

هي: (لوحدهـــا).

يا لنفاقِك.. لديّ الآن في حقيبتي.. عشرات الأقنعة التي كنت

تتخفى خلفهــا..

هو: (يطرق الباب بشــدة).

افتحتي الباب!.. أتريديني أن أبات الليلة خارج بيتي .

هي: اسمعني جيداً.. إن كنت غدرت بجارنــا.. ولفّقت له تهماً.. وانقضضت عليه كالوحش المفترس، ما أدراني أن أكون ضحيتك القادمــة .

هو: قلتُ لكِ افتحي الباب.. حتى لا ينزعج الجيران .

هي: أنت أزعجت العالم بأسره، وجررتني خلفك مثل عبد تابع.. جعلت مني، دمية حمقــاء.

(المشهــد الثالث)

(يشرب نخباً من قنينة نبيـذ.. وكأنه في مصيف أجنبي، يسمـع موسيقى غربيـــة.. يتطلع في قائمة المأكولات والمشروبـات.. في الخلفية أصوات طائرات، وأضواء مطارات)..

هو: تنتابني الهواجس أحياناً.. ربما لذة الخمر.. أو شهوة المجـد..

حمداً لله، فأنا وحدي الآن..

دعكَ من المنغّصات! واحمل حقيبتك.. وعُدْ.

(يـرنّ الهاتف).

نعم.. أنا في كامل أناقتي..

أنتظر منك الإشارة.. حسناً إلى اللقاء.. سأتوجه إلى الطائرة.

(يغلـق الهاتف).

سأتخلّق بأخلاق القادة الكبار.. برصانتهم، وجنونهم العبقري ! الكل ينتظر، كلماتي البكر.. المتمردة على قواعد اللغة كلها.. وحدهم الحمقى من يكررّون الكلام، تراهم يتقيّدون بالفكرة !

يا للسخريـــة.. فلتسحق الأفكـار..

لألتحق بالوطن، بأقرب طائـرة خاصّة، يا ترى كيف سيكون شكل العالم، لو قررت الرحيل عنـه؟

(المشهــد الرابع)

(الغرفـة.. كما في المشهـد الأول، في القصر)..

هو: عدتِ ثانيـة ؟

هي: لكني هنـا..

هو: اسمعيني، أيتها الصحفية الضالة، لستُ في حالة تسمح لي بإجراءات المقابلة .

هي: حشوت حياتنا، بأساطيرك.. من حق المعجبين بخصالك، أن تتحفهم بحكايا لم يسمعوها.. حدّثهم عن الرجل الذي اختطفته في سيارتك، وجئت به مقيداً إلى حمام بيتك.. مدمى .

هو: كيف اطّلعت أنت على مثل هذه الأسـرار؟

هي: عصرنا، يبجّل الشفافية.. والمكاشفة وإعادة بناء العالم، على وفق تصميم عمراني جديــد.

(المشهــد الخامس)

(يلتحف الرجل، برداء عسكري، وكأنه في أحد الملاجئ.. في حين تبقـى المرأة في القصـر)..

هو: سألتحق بالقصر حالاً.. أين مسدسي؟

يومياً يتعين عليَّ وضع وسام الوطن على صدري !

(يرصف أكياس الرمل فوق بعضها، وهو في خندقه تحت الأرض المكيّف بوسائل الراحة. ثم يزول رقماً في هاتف الميدان)..

لوحة: شيرين عدي

هي: وأنــا؟

هو: الضعف.. البلوى.. أتدرين إن أسرتي، لا تمثلها الزوجة أو يختزلها الأبناء.. أنا أعيش في سماوات المطلق.. تلذ لي الحياة تحت زمجرة القنابل، وأشعر بالأمان وأنا أَتحصّن في ملجئي .

هي: لم تقلّبني إذن، على بركانك الدامي، أَيها المتحصّن السعيد، وأنت تخطّ مصائر الناس، وتلاحقهم على الشبهات؟

هو: مجرمون بحقِّ مجدي الخرافي، هؤلاء الأراذل !

هي: لكنك تأتي بهم، تسقيهم الخمور، ثمّ يكتبون لك أسفارك بعد أن تنقدهم الدراهم البائسة، لتحصد أنت دنانير الشهرة والعبقرية .

هو: أين وضعت حذائي العسكري؟! في أيّ حقيبة ؟.. أجيبي هل تسمعيـن .

(المشهــد السادس)

(وكأنها قرب مسبح، يضطجع كل منهم على كرسي ممدود)..

هو: أنت تذكرينني بكائن أعرفــه .

هي: حقــاً؟

هو: لا أدري، الجميع ينتظر إطلالتي عليهم مثل شمس مقدسة، أينما حللت !

هي: لكنك تمشي حافيـاً .

هو: دعكِ من هذه التفاهات الصحفية .

ما الضير في ذلك؟

لا يفترض بالمحتفى به أن يلبس ملابس بعينها! أو ينتعل حذاءاً خاصاً .

ممكن أن أتنكّر بآلاف الصور.

هي: وهذا ما تفعلــه.

هو: هل قلتِ إنـي…

هي: مــاذا؟

هو: سمعتُ متوهماً، شيئاً.. يخصّ التنكّر، أو ما أشبه ذلك

ما الذي جاء بي إلى هنا؟

ألا ينبغي أن أكون هناك؟

(المشهــد السابع)

(يظهر الرجل، وظهره للجمهور، عار في نصفه الأعلى،

وهي تعـدّ له القهوة)..

هو: قذفتني الأقدار.. فوجدتك جزيرتي الساحرة.

(يناولها السوط.. حتى تســوطه به)..

هي: تدميني، وتركلني، حتى أدمنتُ أنا بدوري على ركلك..

واحدة بواحـدة !

(تضربـه بالسـوط)..

هو: اسكت.. آخ.. آخ.. اضربيني بقوة أكبر..

هي: وجدتُ نفسي.. مُذلّة.. وقبيحـة .

هو: أنت الجميلة.. الأسيانة.. الفاتنة.. الوحشية، وكأنك من

مخلوقات جوجان في الجزر البدائية.. آخ..

هي: طلبـت الطـلاق..

هو: لن أسمح بأَن يطلقني أحـد.. آخ..

هي: لمـاذا .

هو: حتى أطلّقـه أنـا..

هي: نكتـة عبقريــة .

هو: لا ينطقهـا إلاّ مثلـي .

(المشهــد الثامن)

(وكأنهما قرب مايكرفون الإذاعــة)..

هي: جئتني بلهجتك المخجلة.. بخزيك من ملابس أمّك، وعادات أبيك.. وكأنك تحمل عـار الدهور.. لتنثر فوقي الدينار، والدرهم .

هو: العار أنتم، أنا أرجعتُ لكم الكرامـة.. أفنيت عمري الأرضي، من أجلكم، لكني –يا لغبائكم- احتفظتُ بعمري السماوي، في جعبتــي المقدسة هذه .

لوحة: شيرين عدي

(يضع أوسمـة مختلفة على صـدره يخرجها من صندوق صغير أنيـق)..

هي: اسمع إلى هتافهم، وصفيرهم.. وتهليلهــم.. إنهم ينتظرونك في الحفـل..

أغرق المحتفلون الصالة، بالزهور، والهدايا، والإطلاقات النارية، إنهم مغتبطون في عيد الأعيـاد، الذي لا هلال لهم من بعدك .

هو: سيزداد تشوّقهم لرؤيتي، ابتعدي عن شرفتي الملكية هذه أريد أن أخرج لهم لوحدي.. كأوّل يوم للخليقـة.

(المشهــد التاسع)

(ظلال قضبان.. أشبـه بسجـن)

هي: ألا تخجـل من وشايتــك؟

هو: لو لم آكلهم، لكانوا رموا عظامي إلى الكلاب..

هي: غدرت بهم، شتّت شملهم، ومازلت تتقلّب !

هو: الذكاء، أن تضرب بصواب، في الوقت الخطأ .

هي: أسأل نفسي، كيف يمكن لمجنون مثلك أن يغش هؤلاء الناس؟

كيف انطلت عليهم اللعبـة ؟ ألم يكتشفوا مقدار حماقتك.. وغبائك ؟

هو: تستغلين عاطفتي الأسريــة، فتنّفسي عن غيرتك، وحقدك من مجدي الأوحد، وشهرتي العريضة، وإنجازي الخارق .

هي: مع إنك لم تخطّ حرفاً واحداً، أو تضع لبنة واحدة بتّ غارقاً في آثارك العمرانيــة، والحربية، والرياضية، واستحوذت على المآثر كلها، واكتسحت العالم بشهرتك العريضة !

هو: دعِ سفنـي تمرح مع الدلافين، أيتها الجنية، في عالم المخاض الدامي، بطقوسه السرّية، من يدري، ربما أنزلق من أبراج الأبدية !لأجد نفسي قبّرة مستوحدة. هذه القصيدة ستكون مفاجأة الافتتــاح.

(المشهــد العاشـر)

(عـودة إلى المشهد الخاص بالقصـر)

هو: هل أجرينــا اللقـاء؟

هي: لا.. لكنك.. تتحدث مع نفسـك.

هو: مـاذا قلت؟

هي: ما أدراني.. حتى إنك لم تدعني أطرح عليك سؤالاً واحداً.

هو: وماذا أقول للجماهير المحتشدة؟

وأنا الآن أمثل لهم جدارية عملاقة، يكتبون عليها نجاحاتهم، وإخفاقاتهم، يضرعون إليَّ، يطلبون مني السلوى والخلاص .

هي: أَنا صحافيـة من معشر الإعلاميين الفقراء .

هو: تبحثيـن عن الغنى إذن؟

هي: غنـى عمودي الصحفـي .

هو: وأنا من يدبّج حروفك بالذهب حين تطلبين المكافأة !

هي: بل أكون واسطة بينك والقـرّاء .

هو: الحشود المليونيــة حين تقرأ أخباري، تنتفعون أنتم في تسويق الجريــدة، وأخسر أنا.

هي: كيـف؟

هو: أنا من يصنع الجمهور أيتها الخائبــة.

يرمي عليها رزم النقـــود..”.

(المشهــد الحادي عشر)

(تختفــي وراء أحدى الأبواب، وهو يحاورهــا من جهـة الباب الأخـــرى)..

هو: اخرجي، وإلا استدعيت قوات الطوارئ .

هي: ما ذنبــي؟..

هو: مَنْ أرسلك؟..

هي: الذين صنعــوك..

هو: كيف علمتِ؟

هي: لطيبة قلوبهم، صدّقوا بكرامتك السياسية، والفكريــة، والأسطوريـــة..

هو: إنهم، التقطوني من القاع كما يحسبون، لكنهم لا يدرون، كيف اجتهدت لالتقط الطعم بإرادتي أرادوا تجنيدي، فجندّتهم لخدمتي أنا.

لوحة: شيرين عدي

هي: هم يستحقون حالاً أشرف من هذا الحال .

هو: غادرون، أوغاد، أعطيتهم كل شيء كل شيء، لم يبق لي سوى هؤلاء المحتشدين الرعـاع .

هي: هم يحتفلون اليوم بآثارك، ومنجزاتك ويكرمونك، ولا يعلمون باحتقارك لهم .

هو: هم اشتروني، وانتشلوني من الحضيض .

هي: أتقصـد الجمهور؟

هو: أقصد أصحاب القرار، الذين درّبوني .

هي: ومن غير الجمهور بيـده القرار؟

(المشهــد الثاني عشـر)

(في غرفـة القصـر)..

هي: سأنزع باروكتي، علّك تتعرف عليّ .

هو: مَن ؟.. أنتِ.

هي: أنا.. زوجتـك.. طليقتـك..

هو : لكنـك صحافيـة .

هي: استعنت بواحدة من وسائلك، خذ حقيبة الأقنعـة..

هو: الحقيبة التي ظننا أنها اختفت..اتضح أنك سرقتها منيّ !

ظننت أني سأكون بدونها بلا حول ولا قوة.. خذيها لكِ.

هي: إنما أخذتها لتبقى ذكرى عن الأيام الخوالي.. أتسمح لي بفتحها..

هو: وكأنك لم تفتحيها مرات.. ومرات !

هي: تأكّد، إني لم أفتحها إلا أمامك أنت !

هو: مــا تقصديـن؟

هي: سأريك أقنعتك (تفتح الحقيبة، لتخرج قناعاً تلو الآخر) هذا من لفّقت عليه، فأودع السجن بتهمة الخيانة، وهذا من طمرته في أخدود، يا صاحب الأخدود، وهذا من سخرت منه حتى جعلت منه أضحوكة للعالمين، كنت تصعد مثل سرعة البرق إلى سدّة الحكم بمفاسدك وتنزل كالصاعقة على الأرامل.. والشرفاء.. طلقتني، وكنت السبب في إذلال أميّ، وموتها بعد أن طافت بالزنازين، وانتُهكَتْ كرامتها.

(المشهــد الثالث عشر)

(تنزل أسلاك شائكة، لتعزل أحدهم عن الآخر)..

هي: لا أدري هل أجبروك على طلب يدي أم جئت طوعاً؟

هو: كنتِ أشبه بأسبانية خلاسية، لكنك تحولت ضدّي، بفعل مكائد أُمّك .

هي: كانت تشفق عليك، رأتك مضطرباً، غير متزن في انفعالاتك .

هو: المهم.. انتشلتك من بيت الرذيلـة..

هي: عجبي منك!.. هل بإمكانك الادعاء بالفضائل، أتذكر ما فعلت بي؟

هو: جعلتك أميرة هذا القصـر..

هي: ومـاذا بعـد؟

هو: طماّعون.. اختنقتم بحجرات خزائني .

هي: كنتَ أفقر من الفقـر نفسه .

هو: منحتـكِ الحريـة .

هي: حجرتني في قصركَ، مثلُ عصفور في قفص.

هو: يكفيكِ شرفاً، إني تزوجتـكِ.

هي: لم يكن زواجاً، بل اعتقالا للروح، وخراباً للحياة .

(المشهــد الرابع عشر)

(يجلسان على الأرض، أحدهم مقابلاً للآخر)..

هي: أطلعتني على أسرار الناس، وفضحت، وهتكت، وتماديت..

هو: لكنك كنتِ معي هنا، أبقيتك قربي.

هي: رائحة فضائحك تزكم الأنوف..

هو: أتدعّيـن العفّـة؟

هي: أتركها لك.. لأنك أنت من انتزع العفة منيّ بالإكراه والجبروت .

هو: كنت أسمعك شرائط صوتية، وأريك مناظر، واعترافات فاضحة لأناس، كانوا يتقلبّون في أطوار التهتك، والدسائس، واللــذة.. والشبق .

هي: تقززتُ منك! تتلصّص على أسرار البيوت الآمنة، وتحولها إلى أدلة جرمية ضدّهم .

هو: ذنبي، أني بُحتُ لك بالأسرار كلها .

هي: وكتمت عني سرّي الخاص، سرّ أميّ المغدورة بتلفيقاتك.

(المشهــد الخامس عشر)

(أسلاك.. فنادق.. سجون..)..

هي: من حق الأم، أن تحرص على ابنتها .

هو: وكأني آخذك إلى كوخ الذّل لا العرس !

هي: لم تر أمي قصرك الباذخ، بل رأتك .

تعرفّت على مَصدر هذا السحت الحرام .

هو: كأنكِ تتلفظين بنصّ كلامها.

هي: جعلتني ألهث، وأنا أنتقل من سجن إلى معتقل إلى جُبّ، بحثاً عنها في دهاليز غامضة، مرعبة، رطبة .

هو: قلتُ لكِ لا أعرف عن هذا الأمر شيئاً .

هي: بيّتَ لها مكيدتكَ، كيف تجرؤ على الأذى.. كيف تتطاول على معنى الأمومـة؟.. أتذكّرها، في يوم خطبتي، كسيرة.. خائفة..

هو: منيّ.. نعم تخافني.. لم تعجبها ملامحي، وذقني، وتصرفاتي، وحقائبي وأرصدتـي .

هي: أنهيت حياتها بجدارة الجلادين العتاة، قطعت بيني وأمي، حبل الحياة الســرَّي .أمّي التي لا تكفي دموع أهل الأرض من تخفيف حزني عليها.

(المشهــد السادس عشر)

(طرق يشتد على الأبواب، وأصوات غاضبة، مزمجرة)..

هي: سأفتح الآن بنفسي الأبواب .

هو: انتظري، ريثما أعــدّ نفسي، لملاقاة حفلي البهيّ.

(يغيرّ من طريقته في الكلام) عندما أعطيك الإشارة .

هي: لم تنطق بهذه الطريقــة؟

هو: عندما ألتقـي بالحشود، تلهمني الطاقة الكونية، وذبذبات الحنجرة، بأن أصبح عظيمــاً مثل زيوس أو جوبتير، لأسرد على العالـم، طقوسي، وأُظهر عجائبي، وأتمتم بالأبجدية الأولى، لكي يسمعني هذا العالم الأصمّ.

هي: اسمع، إنهم يهــدرون.

هو: لا بحر سواي.. الضجيج في داخلي أنا..

هي: يريدون ابتلاعك.

هو: بحري يبتلع المغفلين، بمثل ما ابتلعتهم من قبل.

هي: وأنت.. مَن تكون؟

هو : أنـا صاحب الأثــر .

الختـــام الأول

(المشهــد السابع عشر)

(يظهر الرجل جالساً على كرسي أبيض، وبملابس بيضاء وكذلك الأرضية والخلفية بيضاء.. وتبقى المرأة خارج هذا الفضاء الأبيض)..

هو: في موتي هذا.. يمكنني التفاهم معك.

هي: لكنك مُت !

هو: لا أُخفي عنك ذلك.. لأكن صريحاً..

أليس هذا ما تمنيته طوال حياتك؟

هي: تمنيت.. نعم.. لكن أن تكلمني، وأنت ميّت، بهذه الطريقة، أمر لم يخطر على بالي من قبل .

هو: أرأيت.. حين يتحقق المستحيل، أو ما كنت تخافين الإفصاح عنه في الحياة يصبح الأمر كابوساً ثقيلاً عند الموت يدور بيننا الآن .

هي: لم أخف شيئاً عنك.

هو: نعم أخفيت رغبتك الدفينة في الانتقام مني، طوال حياتنا الزوجية.

هي: أردت فقط مثلما أراد الآخرون أن تشعر بالندم، ولو لمرّة واحدة !

(المشهـد الثامن عشر)

(يجلس الرجل داخـــل مكعب مفّرغ من السطوح وتجلس المرأة على كرة دائريــــة)..

هو: ابتدأتُ حياتي.. مذّلاً.. منبوذاً .

هي: اعترف أكثر، حتى تخفف من ذنوبك القاتلـة .

هو: لا يلذّ لي أن أرى الآخر متفوقاً بل أصدقك القول، كان نجاح أقراني يضايقني.. لدرجة أني كنتُ أتمنى أن تنقضّ صاعقة عليهم لتمحقهم من الوجود، كنتُ أقول لماذا هم، ولست أنا من يحقق النجاح، والفوز.

هي: أعرف ذلك.. كنت تهرب من المدرسة، لأنك لا تتحمل سخرية الأطفال منك في الصف، لغبائك، وتوحّدك .

هو: لجأتُ من حينها إلى توهّماتي الشخصية، أبتكر لنفسي عوالم من الخيال.. فأنتقم منهم، وأترصدهم واحداً واحداً .

هي: ومن ثم.. أصبحت ذلك العظيم صاحب الأثر، في زمنك الأرضي السابق.

(المشهــد التاسع عشر)

(يجلس على مائدة الخمر.. وهي تسجل صوته)..

هو: الذاكرة البشرية تربك تصوري عن العالم .

هي: الأطفال مثلاً لا ذاكرة لديهم، لذلك لا يقدمون آثاراً خالدة للبشرية لولا معجزة السيد المسيح، فإنها تبقى الاستثناء الوحيـد.

هو: أنا، مثل الملائكة حين يأتون إلى الحّمامات ليغتسلوا من الغبار الملوث كنت أتصور نفسي.. طاهــراً حتى في دنسي.

هي: أكمل..هم رشّحوك.. ماذا لقنوك؟

هو: الدرس.. لقنوني درس الافتراء وإذكاء الفتن. أتخيّل أمراً مشيناً، فالصقه عمداً بعدوي.. لأقتصّ منه، بالتشهير تارة، وبالاستعداء، والتصفيــة، تارة أخرى.

هي: لكنه كان صديقك الأثير، هذا الذي غدرت به قبل موتك بلحظات؟

هو: وما أدراني.. تنقلب عندي الموازين في اللحظات الحرجـة .

فيصبح حليفي، وأخي، وحبيبــي، فجأة متحوّلاً إلى طاعون، إلى وباء ماحق .

هي: بمثل ما فعلتــه مع زوجتك.. معي والأطفال .

هو: لأنني معجب بسرديات حياتـي، التي لا أجدها حاضرة عند الناس أجمعين.

(المشهــد العشرون)

(.. يجلس في مقدمة صفوف من الكراسي على كرسي أبيض وهي تقف على الخشبـــة أمامه، تسلط عليها بقعــة ضوء، ملونة، وتبقـى الإضاءة شاحبة عليـــه)..

هي: ما رأيُك بما شاهـدت؟

هو: تفاهة.. كل ما يمرق أمام عّيني في عالم هؤلاء من المنافسين الأرضيين الذي يحاصرونني بمؤامراتهم الصغيرة أجدهُ يستفزني .

هي: فتبحث عن تسويق مقنع لتدميرهم، بما تجيده من تهكّمات وتلفيقات .

هو: مازلت.. وأنا.. الآن.. في موتي المترفع لا أعرف بالضبط ما الذي يعتريني حين أكره، أوزعّ بعض كرهي على شبكة الإنترنت، وأبقي بعضه لنفسي، لكي أتسلى بـه.

لوحة: شيرين عدي

هي: هل فكرت بالحب، الذي خدعت فيه زوجتـك الغرة، الصغيرة، البريئـــة .

هو: لا تذكري البراءة أَمامي، حتى في موتي أحنّ للتلوث الخاص بي، الذي لا يشبه تلوّث الناس القـــذر، وهم يخفونه بدعوى الحب، والأسـرة، والصداقـــة لقد انزلقت من كوكب سماوي إلى عالم الجحيم هذا .

(المشهــد الحادي والعشرون)

(في منطقـة مغايـرة من الغرفـة الفخمــة)..

هو: شغفتُ بالحرية، ودعوت لها بقــوة .

هي: أفصح أكثر.. كيف كنت هناك؟

هو: قبل موتي هذا، كنتُ صادقاً تماماً في دعوتـــي إلى التحرر، والديمقراطية، والتمرد النبيــل .

هي: اعترف.. قُل.. هل كنت كذلك .

هو: اسمعيني جيداً.. حين أصغي لكلمة الحرية التي ينطقها الآخرون.. أشعر كأنها كلمة زائفة.. بل تعني العبودية نفسها !

هي: لا سيما معي.. أنا زوجتـك .

هو : مليون حالة وحالة تخيلتك فيها .

هي: وكيف كانت حالاتك المتخيلة عنيّ؟

أخبرني بصراحة فالموتى لا يكذبون .

هو: كانت الصورة..

هي: كيف كانت صورتك عنيّ، هيا أكمل ما لم تبُح به لأًحد .

هو: خجلٌ أنا من البوح العلني.. هكذا كنت في حياتي الأولــى .

هي: والآن؟

هو: كنتِ تخونني.. مع أقرب أتباعي.. مقترفة بذلك الدنس أشنع جرائم العصر. وغالباً ما كنت أرمق عضّات عشاقك السرّيين، وهم يغرزون أنيابهم الزرقاء في جسدك اللّدن. كانت بقعاً تقلق ليلي مثل طاعون يجتاح المدينـة.

(المشهــد الثاني والعشرون)

(يقتربان الرجل والمرأة، بكرسييهما وجهاً لوجــه)..

هي: وإخلاصك أنت ؟ أكنت تصطنعه مع الآخرين .

هو: كنت أُظهر للآخرين مودة لا تشوبها شائبة حين أنفرد بأحدهم أجعله يظن بأنه صديقي الأثير حقاً؟

هي: بمثل صداقتك المزعومــة معي.

هو: بل وأكثر.. تحدوني غريزة كاسحة من الحب، والكراهية في آن واحد لك أنت وللجميع .

هي: لم تكن تصغي حتى لأبسط أفكاري .

هو: بل كنتُ أتدخل في صياغة انطباعات صديقاتك عنك.. وأنقل لهم أرائي عنك، وكأنها معتقداتك أنتِ .

هي: لفقت عليَّ، وأنا زوجتك، ما لا يليق أن يلصق بإنسان، فجعلتهن ينفرن منّي .

هو: مازلت حتى في محنة موتي هذا.. أشعر بأن لا إنسان حقيقي سواي، مخيّلتي الإنسيّة لا تطيق خبث مؤامراتهم الشيطانية .

هي: حتى بعد أن انكشف الوهـم؟

هو: لوهمي حقيقته الصافية، الخالصة بمثل حقيقة حياتي السالفة، وحقيقة موتي الراهن الملموس هنا. بالوهم أتحكم بالعالم، حتى لا يتلاعب بي الغادرون .

(المشهــد الثالث والعشرون)

(يجلس في مكعبه.. وتعكس الإضاءة ظلاله المعتمة.. المتشظية)..

هو: من الصعب عليَّ أن أتراجع.. في حين يتقدم الآخرون .

هي: هذه لغة المراهنات في سباق الخيول .

هو: أُجنُّ حين يتفوّه أحدهم بكلام غريب لم أقل مثله من قبل.

أو يقدم مأثرة.. أو ينتصر في اختبار.. أو حين يصفق له الجمهور.. عرفاناً منهم بنجاحه !

هي: ومشروعي الأول.. حين اقترحت عليك أن تكون الداعم له؟

هو: حسبته أشبه ببيضة أفعى.. وكان يتعيّن عليَّ أن أوفر الدفء لها، حتى ينضج الصِل فيها، ويلدغني لدغـة الموت الكبــرى .

هي: ها أنت ميّت الآن، سواء لدغك الصلّ أو لم يلدغك .

هو: موت عن موت يفــرق .

هي : كيــف؟

هو: كنتُ سأموت على طريقتك.. لا على طريقتي .

هي: أَكنتَ تخاف تفوقي عليك؟

هو: لم أسمح لأحد أن يتجاسر على تفوقي وأنا حيّ أرزق .

(المشهــد الرابع والعشرون)

(.. في الغرفة.. أمام المرايا.. يقفـــان)..

هو: السخرية من الآخرين الكبار، والتطاول على منجزاتهم، والتحلل من المواثيق.. والتملق للصغار.. هكذا كانت لعبتي .

هي: لكنهم بشر، فكيف تتلهّى بهم، أو تخدعهم؟

هو: هنا تكون اللعبة شرسة، وغامضة، ومزدوجة بيني وبينهم، فتزداد قيمتي في نظر المتنطعين الجدد .

هي: لكنهم يتعذبون أيضاً، حين يكبرون أقصد، أتباعك الجدد هؤلاء؟

هو: هذا منبع لذّتـي.. الآن في موتـــي.. لا أعايش تلك المشاعـر والانفعالات التي اختبرتُها في حياتـي الأولى الفانيـــة، وكانت لي السلوى والعزاء الشافـي .

هي: وعنـيّ.. والأطفال.. ألم نترك في ضميرك رقعة للحنوّ والرحمة، أم تظننا مادة لجنونك السعيد .

هو: المستقبل لا يعني لي، سوى مستقبلي أنا .

هي: تزوجتُ غيرك.. مندهشة من تواتر ذكر اسمك الكريه عند عوائل ضحاياك “ينهشهم البغض منك ومن أفعالك وتحيّرت من شهرتك العريضة” كيف انطلت جرائمك على أتباعك. كيف سكتت عنك عُصبتك المغفّلة، هل تراه الخوف منك ومن انتقامك؟

(المشهــد الخامس والعشرون)

(تحمل المرأة باقــة ورد تضعها على ضريح رخامي.. يتمدد.. بجانبــه.. الرجل)..

هي: تحايلت حين كان ينبغي لك أن تحال على التقاعد، وقاتلت بضراوة .

هو: كيف يتقاعد واحد مثلي، بجرّة قلم بيروقراطيــة؟

هي: وحين تركت موقعك..

هي : شعرت كأن ذلّ الدنيـا والآخرة قد انصبّ عليّ مثل حمم بركانية كاسحة .

هو: وصحتــك .

هو: كان ينبغي أن يتدهور العالم، بمثل تدهور صحتي.. منيّ يعرفُ، ألما قبلُ وألما بعدُ، والصحة والمرض .

هي: مثيولوجيا شخصك العظيم، حلّت بديلاً عن أساطير القدامى، واختراعات العصر الحديث .

هو: أُفتش عن أَسلحتي القديمة، لأعيد الاشتغال عليها. أفتح مراكز مقفلـة، تعيد صلتي بالعالم، أستعير طبقات صوت منسيـة، من مجدي الغابـرّ، وأنتقي حركات انفعالية، وكلمات سحرية، مخدرة للجماهير، أحشّد مفردات الكره، والجحود والتآمر، وأهضم الخراف الغوغائية الصغيرة، لكي أبدو أسداً بزئيري .

هي: إذن، ارقد بسلام أيها الجحيم، بجانب الفردوس، فلم يكن زئيرك المستعار هذا سوى واحد من ألاعيبك.. يا صاحب الأثــر .

الختــام الثاني والأخيـــر


كاتب من العراق