نوستـالجيا

مونودراما

الجديد  صالح زمانان [نُشر في 01/06/2016، العدد: 17، ص(154)]

لوحة: عامر الوهيبي
الفكرة:

رجل عربي، ضائع في أزمات الزمان والمكان العربي. ومتورط بفكرة الوجود والعدم. يحمل مرض النوستالجيا الذي يجعله في حالة حنين دائمة وعميقة لماضيه البعيد، الواقعي حيناً، والخيالي في حين آخر.

الشخصية:

رجل في منتصف العمر، أعرج، نصف رأسه ولحيته شيب، يلبس لباساً غريباً وبالياً، يشبه لباس سبعينات القرن العشرين، لكن ألوانه بهيجة رغم رثّتها.

عموم المسرح إظلام تام.

يدخل صوت المخرج: يا ولدي هذا ما ينفع.. روح نادي الممثل، تأخرنا، صار لنا ساعة ننتظره.

يرن هاتفه، ثم يرد:

هلا، هاه، قلت لكم لا عاد تدقون وقت البروفات. (…..)

خلاص، أرسلوا أيّ مصيبة على الواتس آب، وبجيبها وأنا راجع، باي.

الله من كل هالقرف!

يا ولدي أش تسوي هنا؟ روح نادي الممثل.

يا صوتيات.. صوتيات وينك؟

بعد ذلك تعمل الشاشة في منتصف المسرح

•مشهد شاشة بمنتصف المسرح: الممثل خارج فناء المسرح، يناديه أحدهم، ويتجه للمسرح، حتى يلتقي المخرج، يعاتبه على التأخير وهو يعتذر، يراجع الممثل النص قليلاً، ثم يصعد على الخشبة ويبدأ في الأداء.. ولمّا يقول أول كلمة “المأساة”. يختفي، يختفي تماما من الوجود، تبحث عنه الكاميرا، تتلفت، تبحث، وفجأة تجده في الصفوف الأخيرة للمسرح، مندهشاً من الأمر. ثم تنطفئ الشاشة (تشويش).

•تعود الشاشة للعمل بمنتصف المسرح: يدخل الممثل من خارج فناء المسرح، يناديه المخرج، يعاتبه على التأخير وهو يعتذر، يراجع الممثل النص قليلاً، ثم يصعد على الخشبة ويبدأ في الأداء.. ولما يقول أول كلمة “المأساة”. يختفي، يختفي تماما من الوجود، تبحث عنه الكاميرا، تتلفت، تبحث، وفجأة يخرج الممثل إلى المخرج من أحد أبواب المسرح الجانبية، مندهشاً من الأمر أيضا ومبدياً استغرابه وذهوله. ثم تنطفئ الشاشة (تشويش).

•يعود مشهد الشاشة بمنتصف المسرح مرة أخرى: يدخل الممثل من خارج فناء المسرح، يناديه المخرج، يعاتبه على التأخير وهو يعتذر، يراجع الممثل النص قليلاً، ثم يصعد على الخشبة ويبدأ في الأداء.. ولما يقول أول كلمة “المأساة”. يختفي، يختفي تماماً.. ثم تنطفئ الشاشة. (تصبح سوداء، ويتم إخفاء/ إخراج الشاشة من المسرح، تحت وقع الظلام والموسيقى).

إضاءة بيضاء تبدأ باهتة في منتصف المسرح، وتشتد، حيث هنالك كتلة من “الكراتين” على شكل بيضة، وتحت وطأة الموسيقى المتصاعدة، يخرج منها الممثل، وكأنه طير يخرج من بيضته إلى الوجود، وبعد أن يخرج كاملاً، يتقدم قليلاً وهو يتوقع أنه سيختفي بعد أن يتكلم.

يبدأ يقول متردداً “المأساة..” وهو ينتظر الاختفاء. لكنه لا يختفي. يتحسس جسده، ويعيدها “المأساة”، ثم يصرخ بها “المأأأأأأساة”.

بعدها يبتسم قليلاً، ويقول للجمهور:

الممثل: هل.. هل ما زلتُ موجوداً؟

هل تشاهدونني.

(ينظر إلى المخرج في الكنترول، ويقول له وهو يلوّح.)

الممثل: هل تراني. هييييييييه هييه، هل ترى؟

رائع أيها العبقري. أنا لم…..بح. (يجسد بيده الاختفاء).

الممثل: لقد كنتُ أعوّلُ على هذه اللعبةِ المخيفة.. والجميلةِ.

أعني أن تكون، ثم… لا تكون. ههههههه.

لكن أليس هذا الأمرُ على كلِّ حال. أن نكونَ، ثم فجأة لا نكون.

أوه.. تذكرت..

المأساة..

لا أحدَ يحبُّ هذه الكلمة،

لا أحدَ يريدُ أن يعرفَ عن الأمرِ شيئاً..

ليس ثمةَ تسليةٌ، وحدَها بعضُ الحلوقِ ترددُ..

المأساةُ.. هيَ الطريقُ الشاقُ إلى الحكمة!

ما نفعُ الحكمةِ، الوجودُ طريقٌ شاق، لم أسمعْ بحكمةٍ صارتْ شجرةً، ولا رغيفا، لم أسمعْ بحكيم..

بلى.. المأساةُ بدأتْ حين وُلِدْنَا

وتجلّتْ حين ابتكرنا الخطيئةَ

لقد فَشِلْنا فشلاً ذريعاً في الوجود

وبلى.. والمأساةُ بدأت حين وُلِدْنا.

(ثم تحت وطأة الموسيقى الصاخبة والمفاجئة.. يشتدّ حبل من خاصرة الممثل إلى أعلى المسرح ومن فوق الجمهور إلى الكنترول، وكأنه الحبل السري، فيقوم الممثل بسحبه إليه ومحاولة انتزاعه، يتقدم، يتراجع، يشدّه، يتعذب، وبعد صراع طويل، يصيح الممثل:

الممثل:

أرجوك.. كفى

أتوسل إليك.. كفى.

(فيرتخي الحبل ويعود كما كان، ثم يحاول الممثل بيأس أن يقطعه أو يفصله من جسده، يعضّه، لكن لا فائدة.. فيلوّح معتذراً.. ويقول ووجهه تجاه الجمهور:

الممثل:

إنَّ المأساةَ قديمةٌ وأبدية، محالٌ أن تزول. تحسسوا الخاصرة. هنالك اللعنات، في المنتصف، حيث السلالة المؤجلة، تعرف إرثها الحزين.

(الممثل يهبط الأرض، مقلداً تكوّر الأجنّة في بطون الحوامل، ويقول:

في لحظةٍ عاطفيةٍ.. أغرانا الوجود، وهَبَطْنا كُرماً للأمهات.

آه يا أمي..

ما أبعدَكِ عن صراخي، وما أقربَ صراخي إليك.

أنا متورطٌ هنا يا أمي، متورطٌ في الأيامِ الطويلة، الأيامِ التي تُبعَثُ فيها أحزانُ القُدَامى المنسيين، التي تتذكر فيها الأرضُ أنها قبرُ عِمْلاقٍ، التي تتخطى من فوقِ جلدِ العُمرِ كأفعى.

أيامٌ طويلةٌ لا تنفع إلا للتذكّرِ، وتقليبِ المواجعِ على جمرِ المعتادِ والروتين، الرفقةٌ فيها قليلة، والتعبُ كثيرٌ كثيرٌ مثلُ الناس.

(يتفقد جيوبه، بشكل هستيري، وهو يردد “أمي.. أمي.. أمي”، يخرج محفظته، يفتشها جيداً، ثم يجد الصورة.. ويتنهد، باركاً على ركبتيه).

الممثل:

آه يا حبيبة، ما أقسى العدم. لقد انتصرَ حين وقفَ الأحبابُ في صفه، وتركونا في هذه المحنة.

(يقبل الصورة ويعيدها في المحفظة).

الممثل:

مر وقتٌ طويلٌ لم ألمسْ هذه المحفظة ههههههههه. تعرفون. صاحبُكم ليس بموظف. والمسرحُ لا يمكنُ أن تجنيَ منه مالاً.. صرنا نكتفي بمشاهدةِ هذه الوجوهِ الرائعةِ. وهي تكفي.

(يفتش المحفظة.. ثم يخرج بطاقة اسم)

الممثل:

أووه. أوه. الطبيبُ طاهرُ مروان. مرت سنواتٌ أيها الطبيبُ النفساني المخضرمُ النحريرُ الجهبذ. (يقلد الدكتور).. قد تكون مصاباً بالنوستالجيا.

الأطباءُ النفسانيون.. يحبون أن نقولَ لهم أسرارَنا. ثم يتهموننا بالأمراض، يريدون أن نكونَ ضعفاءَ، نجهشُ بالبكاء، ثم بهدوئِهم يشعرونكَ أنهم بخير، ومسيطرون على الأمور، فقط.. لتصدقَ اتهامَهُم، وكأنك الوحيدُ الذي يطاردُهُ ماضيه، وليس هذا العالمُ بأسره الذي يجترُّ أيامَه الخوالي وأحداثَه القديمةَ كلَّ يوم.

لكن أخبروني.. أليس رائعاً أننا نتجولُ في الشوارعِ والحاراتِ فلا نقرأُ “عيادة الدكتور بلابلابلا للتطبيب النفسي”. نتجولُّ وكلُّ اللافتاتِ.. فلافل، فول، تميس، كبدة.

(يخرج بطاقة أخرى من المحفظة)

الممثل:

عشرُ خطواتٍ كي تنام، لا قلقَ بعدَ اليوم.

أتذكر هذه البطاقة، كنتُ شاباً، وكان زمنُ الشعاراتِ، والمقاهي، والسجائرِ الجيدة. وكنا نعتقد أنَّ الرفاقَ سينقذون العالمَ. وكنا لا نجيدُ النومَ بسبب القهوة، مرت عدةُ أعوام، صعدت منابرُ الموتِ الأول، بدأت مسيرةُ السواد، وسقط المعسكرُ، ثم سقط النومُ معه، لم نعدْ ننام. ليس بسبب القهوة.

(يصرخ) بل بسببِ فناجينِ العار، الخياناتِ، والموتى المجانين.

(ينهار) الفقرُ ما زالَ يحرسُ المنازل، والليلُ صار طويلاً للغاية. والعجائزُ والشيوخُ صمتوا للأبد. كم من الخيباتِ حلّت.. كم من الخيباتِ ظلت. وكم من ساعاتِ اليقظةِ راحت سُدى.

أريدُ أنْ أنام. في النومِ نفعلُ ما لم نستطع فعلَه في الصحو.

الأحلامُ قد تفي بالغرض.

(يتجهز للنوم، ويردّد بخفوت)

في النومِ نفعلُ ما لم نستطعْ فعلَهُ في الصحو.

(لمّا يغفو تبدأ أغنية “نام يا وليدي نام” التراثية، وهي تغنيها امرأة بصوت هادئ على ألحان آلة العود، والممثل يتحرك مثل النائم الغارق في نومه، ولما تنتهي الأغنية بانسياب.. تبدأ إضاءة خافتة على الممثل، تزيد في السطوع، وفجأة يمتد الحبل من خاصرته ويشده بقوة، فيصحو مفجوعاً وهو يصرخ، ويبدأ يشد الحبل، ويصرخ، يتقدم ويتأخر، ويصرخ: كففففففى، توقفْ، لقد صحوت، كفى كفى.

(يرتخي الحبل قليلاً، ويتنهد الممثل…)

الممثل:

من المفترضِ أن تكونَ هذه الحياةُ المؤقتةُ جميلة، الشيءُ القصيرُ يأتي لذيذاً، أما أنا، فحياتي القصيرةُ.. طويلةٌ للغاية، ومعبأةٌ بالحيرةِ، واللظى، كنتُ أبكي صغيراً فتسكتني أمي ولا يعلقُ على بكائي أحدٌ من الجيران، ولما كبرتُ لم أستطعِ البكاء.. لقد تعبأت المدينةُ بمحلاتِ الدعايةِ والإعلان.. لا أحبُّ الأغاني الرائجة، وكلما خرجتُ من البيتِ أولادُ الحيِّ القساةُ يمرقون بسيارتِهِم الفارهةِ ويرفعون صوتَ هذهِ الأغنيات، إنهم يبقرون الذائقة.. أوبرا الشارعِ العربي.

العربي.

العربي.. (يخفت صوته).

العربي. (يهمس).

أنا عربي، عربي، أنا من أبناءِ الغربةِ الأصليين، لكنّي نسيتُ هذا النسبَ الطويل، أنا مثلُكُم، خائفٌ ووحيد، وهذه الحشودُ لا تعنيني ولا أعنيها في شيء، أنا مثلُكُم، لكنّي غائبٌ في الماضوي منّي، قلقٌ ونافرٌ مثلُ إبهامٍ وارم.. وأسألُ.. أين دربُ الطفولة، أريدُ أن أعود، أنا مثلُكُم، خائفٌ ووحيد.. يتحكمُ بي أحدُهم من الظلام. (يمد يده إلى مصدر الحبل في الكنترول أعلى الجمهور، فيشتد الحبل، لكنه لا يصرخ، وكأنه غير مهتم ولا مبالٍ.)

الممثل: على رِسْلِك.. على رِسْلِك. لقد تعبنا جميعاً.

(يظهر صوت طبل هائل، دقات الطبل واضحة ومخيفة، وترمز إلى التهديد والوعيد)

يحدق الممثل إلى أعلى، ثم إلى الظلام البعيد، يخاف، يتوتر، يصاب بهستيريا ثم يقول:

الممثل:

هيييييييييه

هذا ليس طبلاً.. إنه ما تبقى من جثةِ البقرة، وأنتم تضربون جلدَ الموتى.

(يصرخ): هذا ليس طبلاً.. إنه ما تبقى من جثةِ البقرة، وأنتم تضربون جلدَ الموتى.

(ينهار): هذا ليس طبلاً.. إنه ما تبقى من جثةِ البقرة، وأنتم تضربون جلدَ الموتى.

الممثل:

لقد كنتُ صغيراً، وكان الحقلُ قريبا، كنّا بخير، وكنّا نعرفُ أهلَ القريةِ جميعاً، لم يكن أحدٌ لينامَ حزيناً قبل أن نداريَهُ ونضحكَ معه. كان الشرُّ قليلا، عندما كنّا نخافُ على بعضِنا.

لكن.. صرنا نخافُ من بعضِنا، وصارَ الحقلُ بعيدا، وأمي ذهبت.. ولم تعد أبداً، وأنا بدأتُ أشيخ.

بدأت أشيخ فعلاً، وبدأت تكتبَ عني حتى.. (وقبل أن يتم جملته يتذكر ويبدأ في هستيريا ضحك لا تتوقف، ساخراً من نفسه) هههههههههههه.

بلى بلى.. بدأت تكتب عني حتى الصحف!

ويواصل الضحك وهو متجه لطرف المسرح.. يأخذ الجريدة، يفتش عن الخبر، ثم يقرأ:

الممثل:

سرق أحدُ المرضى الجوالين أمسِ فستاناً أبيض من أحدِ الأسواقِ الكبيرةِ في قلبِ المدينة، ويبدو أنه يعاني من مرضٍ نفسيٍّ حاد، حين تقدمَ إلى أحدِ الباعةِ وأخبره أنه يحملُ سلاحاً مخيفاً في جيبِه، ممّا جعله يعطيه الفستانَ ويترُكُه يهرب من السوقَ إلى حيثُ لم يرهُ أحدٌ بعدها.

هههههههههههههههههههه.

لقد أخذتُ الفستانَ لأسبابٍ مؤجلة، نعم لقد سرقتُهُ، لكن لستُ وحدي من سرق، الجميعُ يسرق، بل إنهم لا يسرقون الفساتين، إنهم يسرقون الأوطان والأجيال والقلوب، يسرقون الحرية والبسمة، يسرقون يوم الأربعاء ويسرقون الخميس، أما أنا فما سرقتُ إلا فستاناً، وقد كان سبباً وجيهاً أنْ فعلت، من يعرفُ متى يحينُ موعدُ عرسِه، فلا يجدُ لزوجتِه ما تقهرُ بهِ هذا السوادَ الكبير؟

أتعملون أيَّ الأسلحةِ كان في جيبي وقتَها؟ (يبتسم).

يدخل يده في جيبه وهو يردد:

إنه سلاح فتاك.

(ثم يخرج مرآة صغيرة، ويصوبها تجاه الجمهور وهو يضحك).

الممثل:

بلى بلى.. المرآة.

أتعجبون؟!

المرآة سلاح فتاك، دعِ الناسَ يرونَ وجوهَهُم وسيصرخون.

أيُّ ألمٍ قد تشعرُ بهِ وأنت تحدقُ فيك؟

وأنت ترى هذه الخسارةَ الفادحة؟ ترى هذا العمرَ المهدور؟ هذا الفناءَ الصارخ؟

على كلِّ حالٍ. لقد أعدتُ الفستانَ أمس، لستُ في حاجةٍ إليه. لقد أيقنت أنني لن أفعلَهَا، ثم إن أمي غائبةٌ ولن تحضر.. (ينهار شيئاً فشيئاً)

أمي غائبةُ ولن تحضر

ومن فقدَ أمَّهُ شاخ

وقلَّ تبسُّمُه

وانهارَ حظُّه.

كنتُ صغيراً (يحدق في طرف المسرح).

كنتُ صغيراً، كنتُ أجري خلفَ السيارةِ التي أخذتهَا، جريتُ جريتُ جريتُ ولما كدتُ ألمسُ السيارة،.. أوقفني، أوقفني، وسقطتُ.. سقطتُ للأبد.

أواه يا أمي، لولاه، كنتُ سألمسُكِ لآخرِ مرة، كنتُ لأشمُّكِ قبلَ أن تدخلي المستشفى، كنتُ سأضمُّكِ إليّ، لكنه منعني، أعاقني، وتركني مضرجاً بدمائي.

سآخذ بثأري، بلى، لا يتركُ الرجلُ ثأرَه، ولو بعدَ حين، ومن يدري متى يحينُ الموت، علينا أن نسرعَ للثأر، الليلةَ سآخذ ثأري، سأقتصُّ منه.. الذي حرمني رؤيةَ أمي في يومِها الأخيرِ وأنا طفل، سأقتصُ منه الليلة.. سأجلبُه هنا، وأحرقُ قلبَه كما أحرقَ قلبي. إلى الثأر.. إلى الثأر.. إلى الثأر (يجري إلى باب المسرح الجانبي ويختفي في الكواليس، وبعد برهة، تشتغل شاشة المسرح).

(يبدأ المشهد وهو خارج من المسرح، بنفس ملابسه وهيئته في الأداء “كأنه بث مباشر من الخارج” حتى يخرج من مبنى المسرح إلى موقف السيارات ويأخذ تاكسي، ويتجهان ويخبره إلى أين يذهب..)

على المرءِ أن لا يغفو يا صاحبَ التاكسي.

وعليك أن تسرعَ فما زال العرضُ المسرحيُّ قائماً.

هيا هيا قبل أن يصابوا بالملل، كل شيء مدعاة لملل، ومكدّس بالإعادة.

(وصاحب التاكسي لا يتحدث وتبدو عليه ملامح الخروج عن المألوف وكأنه مخمور أو متعاط ما يجعله هادئا وشارداً وغريباً، ويشغّل أغنية شعبية قديمة من أغاني عيسى الأحسائي، وعند حيّ قديم، يوقف السائق فجأة، ثم ينزل جارياً، بعدها ينسلّ في أحد الأزقّة، وتراقبه الكاميرا حتى يختفي لتعود لوجه السائق وهو ينتظره ، وفجأة يعود من الزقاق ومعه شيء في قماش يجري بشكل بطيء، ويتلفت خلفه، حتى يضع ما في يده بالتاكسي، ويتحرك عائداً إلى المعرض) وفي الطريق يقول:

العرضُ المسرحيُّ يا رجل. أسرعْ، الناسُ ينتظرون، و… ثأري ينتظر.

يتوقف عند بابِ المعرض، ويدخل مسرعا إلى المعرض وهو يحمل قماشه الملفوف، حتى يدخل مع ذات الباب الذي خرج منه، فتنطفئ شاشة العرض، ويتقدم إلى خشبة المسرح:

الممثل:

هذا الذي أصابني وأنا ألحقُ بأمي، حرمَني منها وتركني أعرج.

اليوم، وقبلَ أن أموتَ، آخذ بثأري.

(يزيل القماش… فإذا به لوح قديم به مسمار كبير)

هذا هو القاسي، هذا هو الذي منعني من أمي وفتحَ في قدمي جرحاً لا يزول. (يبكي).

(ينظر إلى اللوح كما لو كان شخصاً يحدثه ويهزه) ويقول:

الممثل:

أيها المسخُ.. أنت لم تكن شجرة.

أنتَ لم تكن شجرة.

الليلة سأشعلُ النار، سأتدفَأُ قليلاً، وأنتم عليكم أن تتدفأوا، تحدثوا مع من تحبون قبل فوات الأوان، وأخبروهم أن في دمائكم مساكن لهم، وفناجين قهوة.

وانتبهوا من الألواحِ البالية، ذاتِ المسامير..

وأعلموا أن القبرَ ليس غرفةً لتبديلِ الملابس

لكنه أولُّ الدربِ

في النزهةِ الأبدية.

(ثم يقعد في كرتونه الذي خرج منه، وكأنه فوق ظهر سفينة، ويغني هذا الشعر بلحن حزين حتى اختفائه في الكرتون):

القبرُ ليسَ غرفةً لتبديلِ الملابس

لكنه أولُّ الدربِ

في النزهةِ الأبدية.

إظلام


كاتب من السعودية