تَغريبة‭ ‬ابن‭ ‬سيرين

‮ ‬مونودرام

الجديد  مفلح العدوان [نُشر في 01/06/2016، العدد: 17، ص(136)]

لوحة: هيثم شكور
يحتوي المسرح على مجموعة من الأسرّة المعدّة للنوم، وهي تعكس في هيئتها، وشكلها، المستوى الاجتماعي والحضاري لأصحاب هذه الأسرة، حيث هي أماكن للنوم، والحلم، من أزمنة مختلفة، قديما، وحديثا: سرير بطابقين.. فرشة على الأرض.. أريكة فخمة.. صخرة مستوية.. مسند سلطاني.. مهد أطفال.. مقعد رصيف.. كتلة قش.. مفرش صوفي.. كل واحد من تلك الأسرّة له دلالة اجتماعية، وحضارية، وثقافية، من أزمنة وطبقات مجتمعية متباينة.

يقف وسط هذه الأسرّة ابن سيرين، لابسا زيا نصفه كفّن أبيض، ونصفه الثاني رداء ملون، يعكس حالته بين الغياب والحضور، الموت والحياة، اليقظة والحلم، العري والستر.. هو ليس نائما ولا مستيقظا، حالة بين الاثنتين، تارة يحلم، وتارة ينقل حالة حلم عن آخرين، لكنه ضجر، قلق، مستاء، وكأنه يبحث عن شيء فقده.

يتقدم نحو مقدمة المسرح، ويواجه الجمهور، واضحة عليه ملامح الحيرة، وكأنه خارج من عالم آخر..

ابن سيرين: دفنت وكان عمري تسعين عاما.. أتذكّر آخر شهقات الغياب.. حقا متّ.. كان هذا قبل ألف ومئات عدة من السنين.. نعم مت.. أنا “محمد بن سيرين”.. لكن ما الذي أعادني بعد كل هذه السنين؟

يضرب كفا بأخرى

ابن سيرين: مضى عمري.. وانتهيت.. فأيّ قدر جعلني حاضرا في كل زمان؟!!

آلاف الأعمار مضت.. كل يوم هناك رحيل، ووداع، لكنهم ليسوا مثلي، فما إن يغيبوا حتى يزداد ثقل التراب عليهم، ويكملون نومهم، ولا أحد يوقظهم بعد وداعهم الأخير..

يشير إلى من حوله

ابن سيرين: ها هم على أسرّتهم ساكنين، مرتاحين: بشر.. حيوانات.. أطفال.. نساء.. رجال.. كلهم لا أحد يوقظهم.. وقد مضوا..

يشير إلى نفسه

ابن سيرين: لكنّي رغم غيابي، ما زلت هنا.. معهم في صحوهم، وفي نومهم.. في غيابهم، وفي حضورهم.. دائما أعيش معهم.. وأتلصّص عليهم..

يصمت.. كأنه يريد أن يتراجع عن بعض أقواله.. ثم يتابع

ابن سيرين: لا.. حاشا لله أن أتلصّص عليهم.. هم يقولون لي كل شيء بمحض إرادتهم.. كل ما عندهم يثرثرون به لي..

يتأمل أناسا متخيلين.. كأنه يستقبلهم في بيته..

ابن سيرين: يأتون نحوي.. ينظرون إليّ.. كانت نظرتهم توحي برجاء.. تُنبئ عن خوف.. تُعبّر عن تَوق.. تريد أُمنية، ولو كانت كاذبة.. ترغب في بارقة أمل، وإن عزّ تحققها..

يهدأ برهة، كأنه يفكر في أحوال من جاءه.. ويحاور نفسه..

ابن سيرين: لكن إلى متى يمتد هذا؟ كلهم نيام.. وإذا استيقظوا جاءوا إليّ.. وبدأوا سرد حلمهم على صحو.. يزيدون عليه.. يؤلّفون ما يتوقون له.. يثرثرون معي.. وأنا أسمعهم.. يبنون قصور أمنياتهم.. ويشيدون بيوت رغباتهم..

يتحرك نحو الأسرّة حوله..

ابن سيرين: هنا يرقد حُلم عالِم، وهناك يغفو حُلم مومس، وفي تلك الزاوية حلم جندي.. وفي الجهة الأخرى حلم سلطان.. وفي كل الأمكنة هناك أحلام بعدد المقيمين في جُزُر النوم: حلم القديس.. وحلم الكافر.. وحلم اليائس.. وحلم البائس.. وحلم.. وحلم.. كلها أحلام تمر أمامي، كأنها استعراض عسكري.. كلها تريد أن تظهر بكل قيافتها، لأقول كلمتي فيها..

يخبط على جبهته..

ابن سيرين: لكن وبعد أن أمضيت العمر، كلّ عمري، وأنا أسمع، وأسمع، وأسمع.. اكتشفت أنّي نسيت حلمي، وأنا مشغول بأحلامهم.. تلاشت كل تفاصيله وأنا أرقب أضغاث نومهم، عند صحوهم.. تبا لعمري الذي أضعته عبثا، متعقبا فيه تفسير أحلامهم، مهملا حلمي الذي أهملته، فنسيته.. أنا أريد الآن أن أعرف حلمي، أرغب أن أكتشفه، أتوق لأن أحمله طفلا عزيزا عليّ، وأثرثر معه، مثل كل الخلق، وأبحث عمّن يفسره لي.. أين حلمي؟ أين هو؟ لماذا أضعته؟

يبدأ بالتفتيش بين الأسرة.. يبحث تحت الأغطية.. يحدق في تفاصيل الأرض.. يتأمل فضاءات السماء.. وبعدئذ يجلس مستسلما على حافة أقرب سرير منه.

ابن سيرين: نعم كنت أحلم.. كنت مثلهم.. مبتهجا أصحو، لأسرد ما رأيت.. لكن حين بدأت الحكاية.. كانت الصدفة هي التي جعلتني أنسى حلمي، وأنشغل بهم..

يستند على حافة السرير، ويتمدد عليه.. ينام.. ويتململ في السرير كأنه يحلم.. يعبر عن حلمه بحركات وتمتمات وهو نائم.. ثم يصحو..

ابن سيرين (وهو متمدد على السرير): نمت.. وصحوت.. في تلك الأيام كنت أنام وأصحو مثل كلّ الناس.. وكنت أحلم أيضا.. أول مرة حلمت فيها صحوت فرحا.. يصمت كأنه يريد أن يتراجع عن تصريحه.. يكمل).. لا.. لا.. كنت حزينا) يصمت، ويتردد، ثم يكمل.. (لا.. لا.. كنت خائفا).. صمت.. كنت قلقا.. كنت مرتابا.. كنت مندهشا.. كنت ربما كل هذا.. وربما لا شيء من هذا.. وكان الجميع نياما.. وعدت فرحا بالحلم، أحاول النوم مرة أخرى..

ينهض من السرير، ويجلس على حافته..

ابن سيرين: لماذا كانوا نياما عندما صحوت؟ لو كان واحد منهم مستيقظا، كنت سردت له حلمي.. كنت احتفظت بالحلم في خزانة ذاكرة هذا المستيقظ الذي استمع إليّ.. لكن لا أحد كان مستيقظا.. ولم أسرده لأحد، وعندما نمت وصحوت، مرة أخرى، لم أتذكر الحلم.. وأنا حتى الآن لا أتذكره: ربما كنت فيه فرحا.. ربما حزينا.. ربما خائفا.. ربما غاضبا.. لا أعرف.. لكنّني حلمت.. أقسم أنّني حلمت.. كنت حالما آنذاك، ولم أكن مفسرا للأحلام.. أين حلمي؟ أين اختفى مني؟ سأحاول مرة أخرى!!

يعود للاستلقاء مرة أخرى.. فلا يستطيع النوم.. ينتقل إلى سرير آخر.. وآخر.. وآخر.. إلى أن ينام بعد محاولات.. ثم يصحو بسرعة.. ويتأمل الأسرة الملقاة حوله..

ابن سيرين: ما زالوا نائمين.. وأنا يراوغني الحلم تارة، ومرات أراوغه.. أقسم أنني حلمت.. لكنني لم أستطع فك رموزه.. لا أتذكره.. لكنني كنت أشعر بلذة ما.. إحساس ما..

يتحرك بجدية بين الأَسِرّة..

ابن سيرين: عقدت العزم على أن أوقظهم.. قلت لهم: قوموا من سباتكم.. أخبروا عن أحلامكم.. وبدأوا يستيقظون، كأنهم في قيامة جديدة.. ولكن قبل أن أحدّثهم عن الحلم الذي كنت أكاد أن أتذكره، بدأوا يسألونني.. توجّهوا إليّ بقصص نومهم.. كل واحد يسرد حلمه لي.. أشغلوني بأحلامهم حتى نسيت حلمي.. وعلي أن أعود إلى البداية لكي أتذكر.. ربما أتذكر..

يقترب من مهد رضيع.. يهزه باستمتاع.. يضع أذنه على خشب المهد.. يحركه، كأنه يريد منه أن يعطيه إشارة يتذكر بها حلمه.. يصدر المهد صوتا.. صريرا.. يترافق مع صوت طفل.. بكاء.. ضحك.. يختلط مع حركة وصرير المهد..

ابن سيرين: ذات يوم كنت هنا.. كنت أنا ذاك الطفل.. كانت الدنيا بيضاء أمام عيني.. صافية.. شفيفة.. رائقة.. ساكنة.. نقية.. لم يلوّثها حبر الزمن.. كنت طفلا آنذاك.. وكانت لي أحلامي الخاصة.. وأضحك وحدي.. وأبكي بكل إرادتي.. وأحلم.. أحلم.. ولكنّي لم أكن ألثغ بأحرف تعبر عَمّا أرى نائما.. لم أكن أستطيع الكلام.. المصيبة أن تحلم ولا تستطيع الكلام عن حلمك.. كانت أحلاما كثيرة، لكنّي كنت في البداية، ولم تتحقق أبجدية وجودي بعد.. الآن أريد أن أعرف حلم تلك اللحظات الأولى: ماذا كانت؟ هل كانت تحمل تفاصيل عالمنا الأرضي.. أم أنها تعبير عن عوالم سماوية يأتي منها الطفل، فيُلْجَم نُطقه، حتى لا يعبر عنها؟ هل كل الأطفال هم براءة أحلام السماء؟ هل كنت أحلم بدفء رحم أمي؟ أم أعيد تلك الهمسات التي كانت تحكيها لي دون وعي منها؟

يسير حتى بداية المسرح.. كأنه نسي شيئا، تذكره في هذه اللحظة.. يصلح من وضع ملابسه.. يقف في مواجهة الجمهور..

ابن سيرين: نعم كنت طفلا.. ولدت، أنا ابن سيرين، عام 30 للهجرة.. وصنّفت من التابعين.. كانت الرسالة توشك أن تتحقق.. ولم أكن أعي تلك الفترة.. كنت طفلا، ولكن أحلام كثيرة كانت تتحرك في الفضاء من حولي بدءا من انتشار الرسالة المحمدية، حتى تدوين القرآن، وحراك الأسئلة، والتضييق على الأجوبة.. كانت هناك أحلام تتحقق أيضا.. نعم كانت الأحلام تتحقق.. وربما لهذا لا أتذكر حلمي الآن.. هل تحقق حلمي وأنا لا أدري؟ وهل للحلم قيمة إن تحقق، ونحن لم نحلم به بعد؟ لكن الأحلام في تلك الفترة من الزمن كانت تتحقق، كأنها المعجزات، وربما لهذا لا أتذكر أحلامي!! أو أن الأحلام التي نتذكرها هي تلك التي تبقى حسرتها في القلب لاستحالة بلوغها!! ربما..

يمشي بجدية نحو سريرين متجاورين، ويقلبهما بشكل يجعلهما على هيئة كهف، ويدخل بينهما، وينام هناك.. يعلو شخيره.. ثم يصحو.. ويلتفت حوله.. يخرج.. يجلس أمام السريرين..

ابن سيرين: كل هذا الزمن الذي مضى وأنا في كهف.. هل دفنوني هنا، لأتقمص أحلام أهل الكهف؟

يلتقط كتابا بجانبه مكتوب عليه “تفسير الأحلام لابن سيرين“

ابن سيرين (يقرأ بصوت مرتفع): “تفسير الأحلام لابن سيرين”.. هذا أنا..

يلتفت باتجاه الكهف..

ابن سيرين (يتساءل): كم لبثت نائما في سرير الكهف؟

ابن سيرين (يضيف بعد لحظة صمت): ثلاثمئة وازددن تسعا؟ لا.. لا.. أكثر..

يتأمل ساعة معلّقة في السقف.. مؤشر التاريخ يشير إلى أعوام تجاوزت الألف وأربعمئة للهجرة.. يبدأ حساب الزمن على أصابعه..

ابن سيرين: ياه.. أكثر.. أكثر.. أربعمئة.. خمسمئة.. ألف.. ألف وأربعمئة.. بل أكثر.. أكثر.. كل هذا عمر من النوم..

يبدأ الانتقال بين الأسرّة.. وعند كل سرير يمزق ورقة من كتاب تفسير الأحلام، ويرميها على السرير..

ابن سيرين: عمر من النوم.. ليس عمري وحدي، بل أعمار من ماتوا بعدي أيضا.. كلها مضت في جمود السبات.. وأنا ما زلت غائباً ابحث عن حلمي.. تائه في أسئلتي، بينما كل من حولي يحلمون.. يحلمون..

يتحرك بين الأسرة، وهو يوزّع الأوراق التي يمزّقها من كتاب تفسير الأحلام..

ابن سيرين: خُذ هذا تفسير حلمك.

ينتقل إلى سرير آخر

ابن سيرين: وهذا لحلمك.

ينتقل مرة أخرى إلى سرير مختلف

ابن سيرين: وهذا حلمك.

يتحرك نحو كل الأَسِرّة، وهو يردد مع كل ورقة يلقيها على سرير: “هذا حلمك.. هذا تفسيره”.

بعد أن يمر على معظم الأسرة على خشبة المسرح، يقف عند سرير يشبه التابوت، وله عجلات، بحيث يستطيع التحرك به.. يلقي فيه ورقة، ثم يضع الكتاب جانبا، وبعدئذ يتسلق ليدخل في التابوت.. ويتمدد فيه، في البداية، ثم بعد لحظات يقرفص في التابوت/السرير..

ابن سيرين: تُرى.. ماذا كان حلمي عندما متّ؟ وهل متّ حقا مثل بقية خلق الله؟

يعدل من وضع جلسته في التابوت.. يتناول من داخل التابوت مجدافين.. يبدأ بالتجديف كأنه يبحر في الماء..

ابن سيرين: كنت أبحر بقاربي كل تلك السنوات.. أعاين سيولة الزمن.. أتفحص الأمكنة كأني بعضا منها.. أتأمل وجوه البشر قارئا خرائط وجوههم.. كنت أمرّ على كل هؤلاء: الجزر.. البحار.. الأنهار.. الشواطئ.. الناس.. الأموات.. الأحياء.. العبيد.. السلاطين.. الجنود.. العاهرات.. القديسين.. اللصوص.. كلهم كنت أمرّ عليهم.. وأعاين أحلامهم.. أنبشها، وأُفَصّلها.. أقرأها، وأُفسرها.. كانت حالة قلق دائم.. مقام متشابه عليّ؛ لا هو موت ولا هو حياة.. وكلما حاولت الغياب استحضروني.. لم أرتح ميتا.. ولا ارتحت حيا.. وحتى الآن لا أدري هل أنا ميت حي.. أم حي ميت.. كنت أبحث عن حلمي، غير أني ضعت في أحلام الآخرين.. كنت أحاول أن أتذكر.. فلم أستطع.. وَغِبت في حالة الاستماع لأحلام الآخرين، علّ واحدا من أحلامهم يشبه حلمي، ويُذكّرني بالحلم الذي نسيته..

يُجدّف أكثر.. وكأنه يسير في بحر.. ويتحرك تابوته/قاربه.. ليمرّ على كل الأسرّة حوله.. وكلما توقف عند واحد منها يحاول استعاد سيرة صاحب الحلم..

ابن سيرين: تنقلت بين أحلامهم، كأني ربان أعمارهم.. ولم أقف عند زمن واحد، بل أبحرت في كل الأزمنة.. تداعيت مع تلك الأحلام، رأيتها نقشا على جدار كهف، تلمّستها، شغفت بها، وجاءت كأنها تشي بالنطفة الأولى للرؤية البكر، فتهت بين يقظتي الموهومة، ونومي الموارب، وموتي المشكوك به، لأعاين كل أحلام من سبقوني، ومن جاؤوا بعدي.. هل كنت حاضرا كل تلك الأزمنة؟ ربما صرت بما أنا عليه حلما يستنسخ كل حين، عن أحلام ماضية، توارثها الخلف عن السلف!! ها هي أرواحهم تتقمصني.. أحلامهم تتقافز نحوي، في لهاث عمره آلاف السنين لتتجلّى أمامي.. وأنا قبطان قارب التفسير، في نهر أحلامهم المستعادة..

يقف عند سرير عليه شبك كأنه زنزانة..

ابن سيرين: هذا حلم توقفت عنده كثيرا: واحد قال “إني أراني أعصر خمرا”.. والثاني قال “كأن الطير تتلقف العنب من فوق رأسي”.. اثنان في ذات المكان سرير السجينين.. وكنت أستمع إلى الحلم.. استحضرته مذ كان يوسف سجينا قبل مئات السنين.. قلت واحد يصبح جليس الملك.. والآخر يموت غدا..

يقترب أكثر من السرير بطبقتين..

ابن سيرين: وجلست مع كلا السجينين على حدة.. واحد قلت له اسأل عن حلمي عند السلطان.. والآخر قلت له اسأل عني في العالم الآخر.. وغابا .. وغبت.. وكان السلطان مشغولا بحلم يهدد ملكه، سبع بقرات سمان، وبعدهن سبع بقرات عجاف.. وسبع سنابل ملأى، وسبع تذروهن الريح.. كيف لكل هذه الأحلام أن تتمثل أمامي، ولا أنسى حلمي؟!

يُجدّف بقاربه.. يبتعد نحو صخرة.. وينزل مقتربا منها، ثم يتمدد عليها..

ابن سيرين: هذا حلم آخر: رأيته وقد نام على مثل هذه الصخرة، هو الذي كان يحلم بالخلود.. مشى.. ارتحل مثلي.. خاض تغريبته عبر البحور والجبال والأنهار.. التقط جلجامش عشبة الخلود التي يحلم بها.. كان لا يريد لروحه أن تفارقه.. يريد عمرا أبديا.. واستلقى بعد طول تعب.. صار يحلم بما بعد تحقق الحلم..

يتمثل ابن سيرين حالة نوم جلجامش.. يستلقي على صخرة، وبجانبه عشبة الخلود.. تطول غفوته.. ثم يتكلم ابن سيرين بلسان جلجامش..

ابن سيرين (متقمصا شخص جلجامش): رحلتي لم تنته بعد.. ها قد تحقق الحلم.. الخلود بين يدي.. والأرض ستبقى مقامي الدائم.. أحلم قليلا قبل أن أتذوق العشبة، أتشرّب لذة تحقق الحلم.. المتعة أن تتجرع النجاح نقطة نقطة، كأنه نبيذ سماوي.. وبعدها يكون التحقق..يكون الـ..

يتلمس موقع العشبة، فلا يجدها.. تمسك يده قسوة الصخر..

ابن سيرين (ما زالت تتقمصه شخصية جلجامش): رَقّ الجلمود وما تحقق الحلم.. الأقدار عدوّة الأحلام.. كيف تَأَتّى للأفعى أن تحلم مثلي بالخلود، وأنا الذي أرهقت بحثا عن عشبة الحياة؟ ها هي الأفعى تلتهمها دون عناء، بينما أبقى أنا رهين ترقبي لتحقق الحلم.. ها قد ضاع الحلم.. ضاع الخلود.. ضاعت الحياة..

يركب ابن سيرين قارب الأحلام، ويبتعد عن الصخرة..

ابن سيرين: ربما الأفعى كانت تحلم أيضا.. وكان سريرها رحم التراب..أي هذا العذاب!! أحلام تقاتل أحلام..وعيني هي الوحيدة التي لا تنام.. أريد أن أنام.. بي توق لأن أخلع عباءة المستمع للأحلام..

يتحرك بهيستيريا، وهو في قاربه، كأنه يريد أن يهرب، أو يُبعد أشباحا تتعقبه..

ابن سيرين (بصوت مرتفع، وبسرعة): مفسر الأحلام أنا.. العارف بها.. المحلل رموزها.. كل هذا أنا.. وربما عرّاف.. أو ضارب رمل.. أو قارئ فنجان.. محدق في الأشياء..كل الأشياء.. التيجان.. الوجوه.. القلوب.. الأحذية.. العيون.. الأحزان..

يمرّ على تفاصيل موزعة على المسرح.. يمسكها أثناء ثورة احتجاجه..

يمسك كأسا فارغا

ابن سيرين: الكأس الفارغ يعني نهاية العمر.

يمسك كتابا..

ابن سيرين: الكتاب المفتوح، فضاءات حكمة، وكوة نجاة.

يمسك مجموعة مفاتيح

ابن سيرين: المفاتيح زنازين مغلقة.

يمسك حجرا كريما أزرق

ابن سيرين: العين الزرقاء، مرآة الحاسدين.

يمسك زجاجة خمر

ابن سيرين: العناقيد خمر متاح، وعمر مباح

يمسك حبة تفاح

ابن سيرين: التفاح خطيئة ومزاح.

يعيد سرد دلالة كثير من الأشياء، تظهر في الأحلام، وهو من يفسرها.. إلى أن يقف وسط المسرح منهكا، ثم يشير إلى كل ما حوله

ابن سيرين: أحلام الآخرين.. هي تارة توصلنا إلى أحلامنا، ومرات تبعدنا عنها، وأنا في متاهة التأويل حائر.. لكن ماذا لو جاءني الحلم، أو كان رؤيا، وكان لا بدّ لي من تفسير حلمي، هل سأمتلك الشجاعة لتأويله، ومواجهة قدري..

يصمت لحظات.. تتضح عليه الحيرة..

ابن سيرين: يا لثقل الأحلام.. يا لعظمة الرؤى.. لو يبقي الزمن سائلا منسابا، وأنا أبحر فيه، نحو كل عصر، وعهد، نابشا الرؤى، معاينا الأحلام.. لو يبقى هذا.. حتما سأقف حائرا أمام “رؤيا الذبيح”.. مأساة الرؤيا حين نفسرها، وتكون النتيجة خنجرا على رقبة الابن.. وهذا ما كان..

يتضح خيال ظل على جدار المسرح.. كهل يقترب من صبي وبيده خنجر.. يقترب منه، استعدادا لذبحه..

ابن سيرين: يا لحيرة إبراهيم في تلك اللحظة، وكان حلمه ابتلاء له، وامتحانا لصبره.. تصدق الأحلام مع الصِدّيقين.. وكان قد فسر الحلم كما رآه.. واليقين دلّه على أن يتحقق الحلم دما واقعا ينز من وريد ابنه..

ينظر الكهل في خيال الظل إلى السماء، ويعيد نظره مرة أخرى إلى ابنه، والسكين في يده..

ابن سيرين: مسؤولية هو الحلم.. رسالة.. علامة.. بشارة.. من فسّره نال شرف فك الحجب ومحاكاة النواميس.. ها أنا أرى اللحظة الأخيرة قبل أن يصل النصل إلى الرقبة.. جاء الصوت..

يلتفت ابن سيرين نحو الأعلى..

صوت: “أصدّقت الرؤيا يا إبراهيم..”..

ابن سيرين: رحمة الرب أوسع.. وأكثر تفسيرا للرؤى.. كان إبراهيم ينتظر التفسير من العليّ، وهذا ما كان.. وجاء من يفتدي الابن بدم آخر، ليكون فداء أبديا، وأضحية حتى نهاية الحياة..

يختفي خيال الظل.. ويبقى ابن سيرين مبحرا بين الأسرة/القبور.. ثم يتجه إلى بساط بسيط من صوف، ملقى في زاوية المسرح.. يترجل من قاربه، ويمشي إليه، وهو يضحك..

ابن سيرين: بين فترة وأخرى، أعود إلى زمني مفسرا لحالي الذي كان.. أنا أيضا حلمت امرأة بي.. يا الله كم فرحت حين جاءتني المرأة تسرد لي حلمها بي…

يتجه ابن سيرين إلى البساط، ويجلس عليه، ويضع أمامه طبقا صغيرا فيه حبات تمر..

ابن سيرين: جاءت المرأة إليّ، وكنت كهلا في آخر العمر آنذاك… قالت أتلو عليك حلمي.. قلت ألا تنتظرين حتى أكمل طعامي؟ قالت: الحلم لا ينتظر.. ورفعتُ يدي عن تمرة أمامي.. قالت نجم يضرب آخر، ويسقط بين يديك.. وكان تأويلي له هو موتي بعد سبع ليال.. ومضت المرأة إلى حال سبيلها، كأنها مبعوث الإله.. وفسرت حلمها على نفسي.. وقضيت سبع ليال في انتظار غيابي.. ومتّ بعدها.. حقا متّ.. بعد موتي بدأت تغريبتي، حيث كان كل من يحلم يستحضرني رغم موتي، يستدعيني من قبري، يسألني، كأني الوحيد الذي عنده صندوق تفسير الرؤى، أنا الذي لم يأتني الحلم، نسيته، وغاب عني.. بل حتى عندما جاء حلم رحيلي، الذي ينبئني بموتي، جاء نكاية بي حلما غائبا، هبط على امرأة مجهولة، بداية آخر أسبوع من نهاية عمري.. هذا كثير.. لا أستطيع احتماله.. وكلما تذكرته تمنيت لو أعود مرة أخرى، وأمضي ما تبقى من عمري حالما.. صانعا لحلمي.. بانيا له بكل أمنياتي التي أشتهيها.. لا عاجزا، صامتا، لا همّ لي سوى قراءة أحلام غيري..

يشير الى مجموعة الأسرة حوله..

ابن سيرين (بغضب): كنت أعيش واقعا كما هو حولي الآن، في تلك الأزمنة التي فيها عشت.. ولم تتغير بعد ذلك.. صارت حالة تتكرر، وكلما عدت إلى زمن عبر تغريبتي الممتدة، في سبيل تفسير الأحلام، أجد الصورة تتكرر.. آلاف الأسرّة، وملايين النيام، كلهم مدفونون أحياء في مقابر الأحلام، في غيبة قهرية عن وهم واقعهم الذي يريدون خلاصا منه..

يصعد إلى تابوته المتحرك.. يتحدث وهو يتحرك بين الأسرة الأخرى..

ابن سيرين: كأنّ غولا مرعبا يقلقهم آناء يقظتهم، فينامون ليهربوا منه، علّ واقعا آخر يطمئنهم خلال حلم يتمنون، فيكون سديما بهيجا جديدا غير قتامة الحال الذي هم عليه من غيب، وترقب مجهول، ولهاث وراء رزق معدوم.. لهاث، وراء لهاث، ولا جدوى، حتى يكون الوصول إلى تخوم الحياة الأخيرة.. كل يوم يلجأون للنوم، يستغيثون بالأحلام علّها تحقق أمنياتهم، علها تغير واقعهم، لكنهم يستسلمون لأضغاثها، ولا تأتيهم ثمارها، فيتيهون في وهم الحلم، مثلما كان تيههم في وهم اليقظة…

يترك ابن سيرين قاربه/ تابوته.. يقف على المسرح، متقمصا شخصية المتعبين في الأرض، كأنه يحمل أثقالا، أو يصعد جبالا.. وتتغير وتيرة تحركه، بين مشي، وركض، وزحف،.

ابن سيرين: هي حالة من اللهاث.. في اليقظة، أو في الحلم.. لهاث.. ركض.. قلق.. لهاث.. قفز.. حركة.. تسلق.. تعب.. دوران في كل اتجاه.. ونحو لا اتجاه.. دوران.. دوران.. حتى يكون التعب.. الضعف.. النهاية.. الخاتمة.. ينتهي اليوم.. يكون الزحف إلى السرير.. كأنه المنقذ.. يبدأ لهاث في النوم مرة أخرى وراء الحلم.. ترقب آخر: هل يأتي الحلم؟ هل يكون محملا بما نشتهي؟ أم يصبح رعبا آخر مكملا للهاث اليقظة؟

يستلقي ابن سيرين على أحد الأسرّة.. يغمض عينيه.. يتكلم وهو هادئ، مستلق، ومغمض عينيه..

ابن سيرين: مرة تأتي الأحلام من الأعلى.. تأتي من عالم آخر.. تستقبلها قلوبنا، تكون أرواحنا مضت بعيدا، ووصلت نحو أمكنة مجهولة، ثم تعود محمّلة بتلك الرسائل الأحلام..

يظهر نور شفيف، مريح، يغطي المسرح، وموسيقى هادئة منبئة بأجواء روحانية صافية..

ابن سيرين: ومرة أخرى.. تأتي الأحلام من داخل صناديق أجسادنا.. قلوبنا.. أرواحنا.. أنفسنا.. تأتي انعكاسا لما كان عليه يومنا.. تجسيدا لخريطة واقعنا..

يظهر على المسرح إبهار أنوار متداخلة، فيها القاتم، والصافي، والأسود والأبيض، وبقية الألوان، مع موسيقى تعكس حالة القلق داخل الأرواح، والأجساد، وفي تداعيات الفعل اليومي…

ينتفض ابن سيرين من سريره.. ينهض، متجها إلى قاربه..

ابن سيرين: لن أستسلم.. لا بد من أن أصل حلمي، لا بد من أن أجده، أمتلكه، ثم أفسره، وأُكَفّر عن خطيئة انشغالي كل عمري في تفسير أحلام الآخرين، وأنا غافل عن حلمي.. أريد حلمي.. سأتابع تغريبتي.. أتابع البحث عنه.. لا بد أن أجده.. لا بد..

ينطلق ابن سيرين بقاربه، ويبتعد نحو عمق المسرح، إلى أن يختفي..

تعتيم


كاتب من الأردن