فكرة

مونودراما

الجديد  ناهض الرمضاني [نُشر في 01/06/2016، العدد: 17، ص(163)]

لوحة: خالد تكريني
الشخصية:

أيّ ممثل (أو ممثلة) يتقن الإلقاء والإيماء. يرتدي زيا ملاصقا لجسده بلون داكن، يرتدي بكفيه قفازات وشعره مدفوع للخلف.

الديكور:

المسرح خال إلا من شاشة في الخلف ويفضل ألا تكون الشاشة بلون مغاير لباقي الجدار.

الإكسسوارات:

صندوق خشبي يشبه العربة بطول 4 أقدام تقريبا وارتفاعه 3 أقدام يفتح من الأعلى وله عجلتا دراجة على جانبيه ومقبض للدفع من أحد طرفيه. سيستخدم كعربة أو طاولة مكتب أو أي شيء آخر يحتاجه الممثل. وداخل هذا الصندوق ستوجد جميع الإكسسوارات اليدوية التي سيستخدمها الممثل وسيخرجها ويعيدها إليه تباعا.

يدخل الممثل وهو يدفع بيده العربة الخشبية وبيده الثانية جرس نحاسي ذو مقبض صغير كالذي يستخدم في المزادات.. الممثل يهز الجرس فيصدر أصواتا ناعمة مستمرة. يدور حول العربة ثم يقف مواجها الصالة ويقوم بإسكات الجرس فجأة.

الممثل – أنا.. أنا فكرة.. مجرد فكرة.. لكنني.. لكنني فكرة عظيمة.. فكرة عظيمة للغاية.. فكرة قد تحمل السعادة إلى هذا العالم.. هذا العالم الذي تملؤه الأفكار الحزينة.. لكنني فكرة مبهمة.. فكرة غامضة.. ولا أحد للأسف يستطيع أن يراني الآن.. إذ لا تستطيع الأفكار أن ترى النور بمفردها.. لا يمكنكم أن تروها إلا إذا مرت بمخاضها الصعب. لا بد للأفكار -مهما كانت- لا بد لها أن تولد من خلال ذهن إنسان ما.. أيّ إنسان.. رجلا كان أو امرأة . عجوزا كان أم صبيا.. لا بد من ذهن إنسان ما.. لا بد من هذا المخاض الصعب وإلا.. وإلا فإنني أنا.. أنا وجميع الأفكار العظيمة الأخرى لن نرى النور.. سنبقى حبيسين في الفراغ.. وسيبقى هذا العالم الحزين.. سيبقى غارقا في حزنه. لماذا تتوالد الأفكار التعيسة بالآلاف ولا تجد فكرة سعيدة واحدة فرصة لها للظهور إلا بشق الأنفس! ما إن تولد فكرة سعيدة واحدة حتى تطوقها جيوش الأفكار التعيسة.. تحاط بالشكوك.. والاتهامات.. يرجم حاملوها.. وتحرق الكتب التي تحاول نشرها.. لماذا.. لماذا؟

( الممثل يهز الجرس وسيستخدمه مع حديثه بالتناوب)

“أنا فكرة.. مجرد فكرة.. لكنني فكرة سعيدة.. أنا فكرة سعيدة قد تحملكم بعيدا عن حياتكم الحزينة التي تغمرها الكآبة والقلق والسواد. لو بحثتم عني فستكتشفون أني اقرب إليكم مما تظنون.. لأنني أنا أيضا -ورغم أنفي- أحتاجكم.. أحتاج إلى ذهن إنسان متقد كي أستطيع أن أولد. سأصبح ملكا لكم.. وفي تلك اللحظة.. في تلك اللحظة تماما سأفقد نفسي. سأنتهي.. لن أكون بعدها فكرة.. سأصبح شيئا ما في عالمكم.. عالم الإنسان.. الإنسان الذي يبدو أنه لا يجيد شيئا قدر إجادته تحويل الأفكار السعيدة إلى شقاء.. أين سأجد الباب الذي أخرج منه؟ أين أين أين؟

الممثل يدور بحيرة وهو يعصر دماغه

أوووه.. ما أغباني! سأذهب إلى الجامعة.. طبعا.. الجامعات.. إنها ملاذ الأفكار. إنهم يدرّسون هناك قصص أسلافي.. تلك الأفكار العظيمة التي غيرت العالم.. سأذهب الى هناك.. الجامعة.. نعم الجامعة.. قد أجد فرصتي.. قد أولد هناك.

يذهب إلى العربة ويدخل رأسه في الصندوق. الشاشة تعرض صور بنايات ومعاهد كلاسيكية فخمة.. رفوف ضخمة تحمل كتبا ثقيلة. وصورا أخرى مشابهة.

يخرج الممثل من خلف العربة وهو يرتدي قلنسوة جامعية فوق باروكة شعر أشيب وروب أسود على كتفيه وعلى عينيه نظارة طبية مستديرة. يتحرك جيئة وذهابا وتحت إبطه كتاب بني قديم سميك. يقف ويتحدث بصوت متصنع مفتعل مستخدما الضمير نحن.

“أهاااا.. لدينا فكرة.. فكرة جديدة.. لابل هي فكرة عظيمة. أنا سعيد.. إنها فكرة أصيلة.. كيف لم تمر ببال أحد قبلي.. أحد قبلي؟ مستحيييييييل.. لا أحد غيري يمتلك العبقرية التي تمكنه من الوصول إلى فكرة عظيمة كهذه.. لقد عثرنا على فكرة عظيمة.. لنسجلها إذن قبل أن تضيع.. سأدونها وأنقحها وأنشرها وأناقشها.. إنها فكرة جديدة حقا.. فكرة جديدة للغاية.. فكرة جديدة؟ جديدة! لكن.. لكن ألا تتعارض هذه الفكرة الجديدة مع أفكارنا؟ تلك الأفكار التي نقوم بتدريسها! ما المانع ؟ لنفكر جيدا بالموضوع.

(يقف خلف العربة وكأنها طاولة مكتب. يفتح الكتاب القديم ويقلب أوراقه وهو مقطب الجبين)

“لا لا لا.. ما هذا! أيّ جنون! ما الذي كنَا سنفعله؟ هذه الفكرة الجديدة خطيرة حقا. إنها تتناقض مع كل ما قمنا بتدريسه خلال 40 سنة.. إنها.. قد تكون حقا فكرة جيدة لكنّها ستنسف تاريخنا الأكاديمي كله.. ستلغي أمجادنا.. وقد نخسر وظيفتنا.. لا لا.. قد تكون فكرة ممتازة ولكن.. لكن الوقت الآن غير مناسب لأفكار كهذه.. لقد كبرنا.. نحن طاعنون في السن الآن ولن نستطيع أن نحمل على أكتافنا عبء نشر فكرة كهذه. فكرة تناقض كل ما قمنا بتدريسه خلال عقود أربعة. لا.. لا لن نسمح لفكرة كهذه أن ترى النور مادمنا على قيد الحياة.. سنحارب كلّ من يحمل أفكارا كهذه. لسنا قادرين الآن على احتمال أي تغيير.. لا لا لا.. أيتها الفكرة اللعينة.. ابتعدي عن ذهننا.. ابتعدي.. سنطاردك سنطاردك أينما حللت. وسنهزأ من كل شخص قد تمرّين بذهنه”.

الممثل يتحرك بجمود كأنه خشبة.. ينزع الإكسسوارات ويعيدها إلى داخل العربة. يحمل الجرس الصغير ويهزه ببطء فتبدأ عضلات جسده المتخشبة بالاستجابة ويتحرك بمرونة شيئا فشيئا. يدور وهو يقول “لقد أوشك أن يحنّطني. أنا فكرة.. فكرة سعيدة.. لكنّني لا أستطيع أن أولد من ذهن رجل أناني جبان مهما كانت ألقابه العلمية.. سأدور.. سأفتش.. سأبحث عن ذهن شاب متّقد.. سأجد ذهنا جريئا متقدا مستعدا للمجازفة في سبيل الوصول إلى أفكار سعيدة”.

(الممثل يذهب خلف العربة. الشاشة تعرض حشودا من الشباب بملابس الهيبيز.. يقومون بتظاهرات احتجاجية غاضبه.. ذقونهم مرسلة يصخبون وهم يصدمون برجال شرطة.. حرائق مختلفة وزجاجات ترمى باتجاه الجمهور..

يظهر الممثل وهو يضع نظارات عصرية وشعره طويل أشعث… يلبس قميصا مشجّرا مفتوحا ويتحدث بحيوية)

“جديد جديد جديد….أووه.. لاشك أننا بحاجة كل يوم إلى شيء جديد.. شيء مختلف.. شيء يقضي على كل هذه الرتابة والجمود.. هذه الرتابة التي دامت قرونا وقرونا.. شيء ينتشلنا من هذه المتاهة… ينتشلني أنا شخصيا من هذا الحزن المخيم علي.. وعلينا جميعا. شيء يخرجنا من هذا الجحيم الذي علقنا فيه”.

(الممثل يدخل رأسه في العربة ويصرخ)

“وجدتها”.

(يخرج من جوف العربة زجاجة خمر قوي وقدح)

“هناك شيء ما سيتغير . أنا أحس بذلك”.

(يصب لنفسه قدحا ويشربه)

“هناك أشياء كثيرة تدور في ذهني.. أشياء كثيرة.. كثيرة.. لن أبقى حبيس الوحدة والألم”.

(يسكب لنفسه قدحا ويشربه.. فيبدأ حديثه بالتثاقل)

“أحس أن هناك تغييرا… تغييرا حقيقيا سيحدث.. هذا ممكن.. ممكن..”.

(ينهض ويسير ذهابا وإيابا وكأنه يفكر. لكن خطواته ثقيلة بعض الشيء. يعود ويمسك بالزجاجة)

“لا.. أنت لست ما أريد.. أريد فكرة.. فكرة جديدة”.

(يدخل رأسه داخل العربة ثم يصرخ ثانية)

“وجدتها”.

(يخرج رأسه وينظر إلى الأمام بابتسامة منتصرة وهو يرفع سيكارة ملفوفة يدويا).

” قد تكون هذه.. إنها فكرة عظيمة. أنا لم أعد أحتمل الحزن”.

(يشعل السيكارة)

“آهااااا. تمر بذهني صور كثيرة. صور كثيرة.. أفكار… أفكار تتزاحم. إنها أفكار سعيدة تود الخروج.. أفكار!! لا بل هي فكرة.. فكرة رااااااائعة.. فكرة جديدة رائعة”.

(يدخل رأسه في العربة وهو يقول)

“أين انت أيها القلم..سأدونها بالتأكيد. سأدونها.. ولكن.. لكن كأسا أخرى قد تساعد”.

يخرج الزجاجة ثانية. يشرب قدحا وهو يدخن ويتكلم بتلعثم

“أراها.. فكرة رائعة.. أراها.. سأدونها.. سأدونها.. أووووه.. ماذا لو تحققت هذه الفكرة العظيمة.. ستكون حلا لكثير من مشاكل هذه المخلوقات التعيسة التي تهيم في كل مكان على هذه الأرض.. فكرة رائعة.. فكرة أصيلة.. سأدونها الآن.. ولكن.. كأس إضافية لن تضير”.

(يسكب قدحا ويشربه)

“أنا.. أنا عبقري كما يبدو. عبقري.. كيف لم تخطر هذه الفكرة ببال أحد.. إنها فكرة قد تغير العالم العالم كله.. العالم ينتظر فكرتي.. سأدونها الآن.. ولكن.. كأس أخرى وسيكارة أخرى.. ثم.. ثم سأدون كل شيء.. سأمسك بها.. سأحولها إلى واقع.. إنا مبدع.. أنا.. أنا…”.

تسقط الزجاجة ويسقط رأسه فوق الطاولة ويصدر شخيرا عاليا..

الممثل ينزع النظارة ويدخل الإكسسوارات في العربة يسير مترنحا وهو يحاول التوازن. يهز جرسه وهو يترنح

لوحة: خالد تكريني

“لا بد من أن أصحو.. أنا فكرة حقيقية عميقة سعيدة. لكن الأفكار الكبيرة لا يمكنها أن تولد من أذهان مشوشة.. وإذا ما ولدت فستكون ناقصة مرتبكة مشوهة.. ولن يلتفت إليها أحد.. لقد كنت أمام عينيه. أمام عينيه تماما لكنه أغلقهما ونام.. وحينما سيصحو لن يكون في ذهنه إلا الصداع. وسيبحث عن فكرة جديدة تعود به إلى حيث بدأ. لا.. لن أولد هكذا أبدا. أنا فكرة سعيدة. من الذي يبحث عن السعادة؟ من يشتري السعادة؟ من يشتري؟ يشتري؟ لمَ لا أعرض نفسي على الناس في السوق. إنهم يشترون ويشترون ويشترون.. إنهم يشترون الأشياء فلمَ لا يشترون الأفكار.. ليشتروني دون مقابل.. وسيحصلون على السعادة.. إنهم يبحثون عن أيّ جديد يجلب لهم السعادة.. وسأضع نفسي بين أيديهم”.

(الممثل يضع نظارة شمسية فوق جبينه ويرتدي بمعصمه ساعة كبيرة فاخرة وحول عنقه وشاح حريري. يدفع أمامه عربته وكأنها عربة تسوّق داخل أحد المولات.. والمغلفات مكدسة فوقها. يتلفت حوله. الشاشة تعرض رفوفا مليئة بالسلع وتبث إعلانات لعدد آخر من السلع.. صور السلع تتدفق من الشاشة باتجاه الجمهور.. ومعظمها عن هدايا الفالنتاين)

المتسوق “عيد الحب.. موسم مليء بالمفاجآت والسلع الجديدة.. آه.. علبة شوكولاتة.. أنيقة! أهي لذيذة أم أنها علبة أنيقة فحسب؟ ألم أشتر منها علبتين قبل أيام؟ نسيت.. سأتركها. لا أحتاج المزيد من الشوكولاتة.. لا لا.. سآخذها معي. فربما…”.

(يتناول علبة أخرى)

” أنيقة.. قد تكون ألذ.. سأجربها ولكن.. مازال هناك أقسام أخرى لم أزرها في هذا السوق. قسم العطور. قسم الــــــ.. لا لن أزور اليوم قسم الساعات والنظارات الشمسية فقد تكدست لديّ وهي باهظة الثمن.. لا أستطيع أن أشتري المزيد. الأقساط تتراكم عليّ.. اللعنة على الأقساط.. لا لن أذهب.. ولكن.. لكن لمَ لا أزور وأشاهد فحسب.. سأزور القسم ولن أشتري شيئا هذا اليوم. سأتفرج.. سأكتفي بالفرجة فحسب.. لن أشتري شيئا..”.

(يسير وكأنه يلتقط بنهم سلعا مختلفة. ينظر طويلا إلى العربة)

“العربة امتلأت وجيوبي ستفرغ.. إنني أشتري.. أشتري.. لكن الثقب الأسود في روحي يتسع ويتسع. أريد أن أملأه بالأشياء. لكنه كالنار التي تكبر كلما ألقي فيها المزيد. في عيد الحب الماضي اشتريت الكثير من الهدايا الثمينة. هدية لزوجتي. وثانية لحبيتي. وثالثة لعشيقتي.. زوجتي تصرفت كعشيقة في تلك الليلة ثم ابتعدت عنّي بعد ساعة ونامت. عادت الحياة إلى برودتها ونمت وحيدا. والثقب الأسود يجذبني إلى جوفه. أما حبيبتي فقد بكت لأنها تعلم أن كل هدايا عيد الحب لن تجعلها زوجة لي. وأنا أعلم أنها لو تزوّجتني فسوف تتحول إلى مجرد زوجة مملة.. وربما وقعت في حبّ امرأة أخرى قد تكون زوجتي الحالية.. والثقب الأسود سيسحبني أكثر.. عشيقتي فرحت أو تظاهرت بذلك. قارنت هديتي بساعة ثمينة جديدة كانت ترتديها وخاتم ماسي جديد يبرق في إصبعها. أدركت أنها قد تلقّت هدايا من آخرين .والثقب الأسود يسحبني ويكاد يمزقني.

ثلاث هدايا وثلاث نساء ومازال الثقب الأسود في روحي يسحبني.. يسحب إلى جوفه كل فرحة يمكنها أن تمر في حياتي. أخشى أن أسقط في هذه الهوة.. سأسقط وأسقط وأنا أصرخ بلا صوت. أيّ رعب! هل اشتري سيارة أفخم وأحدث من سيارتي الحديثة الفخمة؟ ثم ماذا! هل ستنقذني علاقة جديدة بامرأة أخرى؟ أنا وحيد.. وحيد حد اللعنة. وكل من حولي وحيد. يعيش معزولا في جزيرته الخاصة. نحن وحدنا رغم أننا نلتقي.. نحن وحدنا رغم أننا نعمل معا.. وحدنا مع أننا نعيش معا.. ننام في سرير واحد.. إلا أننا في الحقيقة وحدنا.. نحن وحيدون.. وحيدون حد اللعنة. وكل منا يسقط في ثقبه الأسود.. يسقط في هوة روحه التي لا قرار لها..

أمّي غاضبة منّي رغم كل الهدايا التي أرسلها لها في عيد الأم. إنها تلحّ عليّ دائما لأزورها وهي تعلم تماما أن وقتي لا يسمح بذلك. كيف سأتمكن من سداد كل هذه الفواتير ما لم أعمل وأعمل لفترات إضافية. كيف سأتمكن من شراء كل هذه الأشياء إذا ضيّعت وقتي في زيارة عجوز بعيدة! لا فائدة من أيّ شيء.. ماذا لو تركت ورائي هذه العربة بما تحمل وخرجت راكضا من باب السوق دون أن أشتري شيئا! أخرج خاوي اليدين.. أخرج حرا وأقوم بــــــــ .. ما هذا؟ ساعة جميلة.. غالية لكنها.. ما الضير إذا ما اشتريتها.. وهذه ال.. وهذا..”.

(الممثل يذهب إلى العربة يخرج وجذعه مغلف بعلبة هدايا تخفي ذراعيه.. يمزق العلبة والغلاف ويقرع جرسه ويحوم)

” أنا فكرة.. وما دمت فكرة فلن يراني.. لن يراني ما لم أكن مغلفا بعلبة ذات ورق براق. كنت طوال الوقت أدور حوله. أضع نفسي فوق الرفوف. فوق فاترينات العرض. أحاول جاهدا التسلل إلى ذهنه كي أحمل إليه السعادة.. بلا فاتورة يسددها. ولكنني دون غلاف براق. لم تقدمني إليه شركات الدعاية والإعلانات. أنا مجرد وهم. أو خاطر عارض مرّ بذهنه لحظة واحدة واختفى. هو لم يكن تافها هكذا. كان يملك يوما ما ذهنا متقدا وبصيرة حية. وكان قادرا على أن ينتج أفكارا سعيدة. ويتقاسمها مع الجميع. لكنه الآن أسير. ألجمت روحه أغلفة السلع وأعمت عينيه أضواء الإعلانات. لم يعد يستطيع الحركة ولا الرؤية. أصبح أسيرا أجوف الروح.. خسارة.. خسارة كبيرة.. لن أستطيع أن أولد من ذهن أجوف”.

(يهز الجرس)

“فكرة.. فكرة سعيدة.. من يشتري فكرة سعيدة.. من الذي يبحث عن فكرة جديدة ليل نهار؟ من الذي يبذل الكثير من أجل الحصول على فكرة؟.. يمسك بالجرس فجأة وقد انتبه..

أهااااااا.. ملوك السوق.. كيف لم يخطر ذلك ببالي؟ بدل أن أقدم نفسي للمشترين كان عليّ أن أذهب للباعة وهم سيقدمونني للمشترين.. لا.. ليس الباعة البسطاء.. سأذهب الى ملوك السوق.. سيتمكنون من اكتشافي وتسويقي.. سيسوقون للناس السعادة بدلا من تلك السلع المتشابهة التافهة.. لأذهب إذن وأعرض نفسي على ملوك السوق.

(الممثل يذهب إلى العربة. والشاشة ستعرض صورا لبورصة.. الوسطاء يشيرون بأيديهم بحماس.. أوراق تتطاير وتغطي الأرض. ثم صور لآلات عد نقود تصدر تكتكة سريعة. والممثل يظهر وهو يرتدي قبعة وخاتما وإكسسوارات توحي بأنه مستثمر ثري)

“أنا.. أنا من يبيع السعادة للناس.. أغمر الأسواق بسلع وبضائع تلبّي حاجات الجميع.. لديّ كل ما يحتاجونه.. وكل ما لا يحتاجونه. وما لا يحتاجونه لديّ أكثر.. وهنا تظهر براعتي وتفوّقي على الآخرين. السر يكمن هنا. في جعلهم يظنون أنهم بحاجة ماسة إلى كل شيء لا يحتاجون إليه. أعطوني شيئا ما.. أي شيء مهما كان تافها أو ضارا حتى، وأنا سأجعلهم ينتظمون في طوابير طويلة ويتزاحمون للحصول عليه.. عطر.. عطر رديء مثلا.. بإمكاني أن أجعل النساء يحلمن به. يرشّونه على أجسادهن وهن يغلقن أنوفهن. وسأجعل الرجال يتغزلون بشذاه وهم لا يجرؤون على أن يقولوا إنه عطر نتن خشية أن يتهموا بقلة الذوق أو بانعدامه. أو بأنهم لا يفهمون روح العصر.. روح العصر.. كلمة سحرية تفتح أمامي كل الأبواب.. سأبيع ملابس مهلهلة ممزقة بأغلى الأثمان. يكفي أن ترتديها نجمة ما ويوقّع على الزيّ مصمم أزياء كنت قد جعلته شهيرا ليتزاحم الجميع على شرائه وارتدائه.. الإعلان. هذه الكلمة السرية السحرية كفيلة بتحويل أيّ شيء إلى أيّ شيء آخر.. الميديا.. كلمة سحرية.. قوة تحوّل أيّ شي حقيقي إلى شيء تافه.. وأيّ شيء تافه الى سلعة لا غنى عنها.. سأملأ الصحف والمجلات والإذاعات والقنوات والفضائيات بالإعلانات عن هذا العطر أو ذاك الثوب. من يستطيع أن يقف بوجه إعصار الميديا؟ من يجرؤ على ذلك؟ سأبيع.. سأبيع.. سأبيع كل شيء وإذا ما قلّ الطلب سأبتدع فكرة. فكرة جديدة أبيع من خلالها كل ما كدسته وما سأكدسه.. سأخترع عيدا للحب لا تكتمل طقوسه إلا بالشراء. سأغمر رفوف المحلات بالحب. قلوب حمراء. بالونات حمراء. إكسسوارات حمراء.. حب حب حب.. لكنه حب له ثمن.. حب له مقابل نقدي سيصب في جيوبي. أحبّوا بعضكم. أحبّوا بعضكم وبرهنوا على ذلك الحب بالشراء. لن تحبوا حقا ما لم تشتروا. وأنا جاهز للبيع.. أروني نقودكم وستحصلون على الحب. سأحوّل عيد الأمومة إلى موسم آخر للشراء. لا تكتمل البنوّة إلا بتقديم الهدايا. سأجعل كل المناسبات تمر من خلال السوق. أنا أجد كل يوم فكرة. فكرة جديدة تحقق لي المزيد من الأرباح. فكرة.. ما هذا!! أحس أن هناك فكرة ما تحوم حولي.. إنها فكرة جديدة.. فكرة حقيقية. فكرة قد تحمل السعادة للعالم كله. قد تحمل السعادة مجانا للناس. فكرة غير قابلة للتحويل إلى سلعة. شيء لا يباع. اللعنة.. سأطارد هذه الفكرة وأقمعها.. أيّ كارثة ستحلّ بي لو ظهرت مثل هذه الأفكار وانتشرت وابتعد الناس عن الشراء. سأسحقك أيتها الفكرة الجديدة. سأسحقك قبل أن تقضي عليّ.. سأسحقك بقوتي.. وبقوة الميديا.. أين الميديا؟ يا ميدياااااااااا”.

(يمسك قاتلة ذباب بلاستيكية ويدور ويضرب بها الهواء.. يذهب الممثل خلف العربة ويعود مع جرسه وعلى جبينه ضمادة صغيرة)

“نجوت منه بصعوبة. ذلك الحقير. أصابتني ضربة خفيفة واحدة من تلك الـــــ تلك الميديا”.

(يهز الجرس ببطء وحزن)

فكرة.. فكرة جديدة.. فكرة جديدة سعيدة.. أين أنتم يا من تبحثون عن السعادة.. أين أجد من يحتاج إلى فكرة سعيدة.. أوووه كيف فاتني أن أتذكرهم.. أولئك الذين يموتون بالآلاف في الحروب. من الذي يحتاج السعادة أكثر من إنسان قد يخطفه الموت في أيّ لحظة.. لن أذهب إلى الميادين. سأذهب إلى القادة فهم أقدر على اتخاذ القرارات وأقدر على تنفيذها هم صناع الحروب.. وصناع السلام. سأملأ أذهانهم بي.. سأملأ العالم بالسعادة.

(الممثل يتجه إلى العربة ويضيف إلى زيّه نياشين تغطي صدره.. يرتدي قبعة عسكرية ويعلّق في رقبته منظار ميدان وبين شفتيه سيكار غليظ قصير. الشاشة تعرض لقطات من حروب مختلفة. طائرات تصب النابالم على غابات خضراء.. مدن تتعرض للقصف ليلا.. أطفال عراة يركضون خائفين بكل اتجاه.. سيتكلم بلهجة آمرة وبعبارات سريعة الإيقاع. (يشير بيده إلى النياشين ويتحدث بفخر)

” من يحمل وساما أو اثنين من هذه الأوسمة فهو مجرد مقاتل أحمق جازف بحياته ليفعل شيئا تافها ربما ندم عليه ما تبقى له من أيام حياته. لكنه أحمق محظوظ لأن هناك عددا أكبر من المقاتلين الحمقى الذين جازفوا وكان نصيبهم الموت دون أن يتمتعوا ولو لدقيقة واحدة بوسام ما. أما من يحمل مثلي كل هذا العدد من الأوسمة فهو بالتأكيد ليس مقاتلا ولم تطأ قدماه ساحة حرب. وإلا لما امتد به العمر ليحصل على هذا كله. إن من يحمل هذه النياشين أعظم بكثير من كل المقاتلين.. إنه صانع حرب.

صناع الحروب ليسوا بحاجة أبدا إلى الشجاعة. إنهم لا يحتاجون إلا إلى الأفكار.. أفكار تغذي أوهام الناس بعظمة كاذبة. أفكار تنفخ الغرور القاتل. تغذّي إحساس الناس بتفوقهم وتفاهة من حولهم.. أفكار ترعب الناس وتصوّر لهم أعداء وهميين يتربصون بهم في كل زاوية أو ركن.. أعداء سينقضّون عليهم من كل اتجاه. رعب.. رعب هائل يدفع الناس لتصديق أيّ شيء. ولفعل أيّ شيء. أفكار تغذي الأطماع بثروات الآخرين. أفكار تضخها جامعات ومؤسسات ومراكز بحوث. أفكار تبثها فضائيات وتلوكها صحف وتعيدها مجلات.. أفكار أفكار أفكار. كم يحتاج صانع الحروب إلى أفكار. لا أحد يحصل على نياشين كهذه بسهولة. لا بد أن يكون مفكرا ليصبح صانع حرب. والحرب تحتاج إلى ذريعة ما مهما كانت واهية. كذبة.. كذبة حتى لو كانت مفضوحة. والكذب أيضا يتطلب أفكارا. نحن نتعب. نفكر كثيرا لخلق الحرب. نخطط لتهيئتها. ولبدئها. ثم تأتي المرحلة الأصعب إشعالها ثم المحافظة على نيرانها لأطول فترة ممكنة. ما قيمة حرب تمتد لأيام فقط! كم كلفتها وما نتائجها؟ إنها حروب خطط لها أناس فاشلون. أناس لا يستحقون أيّ أوسمة. صانع الحرب الحقيقي يخطط لحرب طاحنة تستمر لشهور.. لأعوام.. وذلك يتطلب دوما المزيد من الأفكار. والمزيد من الأسلحة الحديثة التي يتطلب تصنيعها وتطويرها أفكارا لا تنتهي. الحرب فكرة.. فكرة تدور في ذهن رجل واحد ويدفع ثمنها الملايين. الحرب فكرة عظيمة. فكرة لولاها لامتلأ العالم بمليارات التافهين ولما وجد العظماء لهم مكانا للاسترخاء ولتساوى الجميع في فرص البقاء.. تساوى من ينتج الأفكار ومن يستهلكها. الحرب هي المطهّر الأعظم. تفرز وتحدد من هو الأصلح للبقاء ولحكم هذا العالم. إنها لا تقضي على الأعداء فحسب بل تنظف العالم من الضعفاء والأغبياء من كل الأطراف. ولا يبقى بعدها إلا الأقوى.. ولا يستحق الحياة إلا الأقوى. لكن السعادة.. سعادتي ليست بلا ثمن. إنها تتطلب منّي الحذر الشديد.. تتطلب الدقة.. الدقة والمتابعة لكل تلك الأفكار الخبيثة التي تدعو إلى المحبة.. السلام.. الأفكار التي تدين الحروب وتحاول إخمادها.. وتجريم قادة الحروب ومشعليها.. يجب عليّ أن أقمع تلك الأفكار مهما بدت ضعيفة تافهة. سأقبرها فور ولادتها وأعاقب كل من ينادي بها. أسخر منه.. أشكك بوطنيته.. أسحقه وأجعله أمثولة للآخرين. سأفعل كل ما بوسعي للقضاء على حاملي تلك الأفكار. إنّ هذا يتطلب مني جهدا لا يقل عن الجهد الذي أبذله لإشعال حرب.. وقد تمرست بهذا الأمر وأصبحت ذا خبرة ودراية. أصبحت أتحسس مثل هذه الأفكار قبل أن تولد.. أستشعر وجودها.. وأنا الآن.. الآن وهنا.. في هذه اللحظة تماما أحسّ بوجود فكرة كهذه تحوم حولي في هذا المكان.. فكرة خطيرة.. خطيرة. لكنني مستعد مستعد دائما”.

(يتراجع بهدوء نحو العربة. يدس يده فيها ويخرج مسدسا ويبدأ بإطلاق الرصاص في كل اتجاه وهو يصرخ)

“سأقتلك أيتها الفكرة اللعينة. الموت لك.. الموت. الموت.. الموووووووت”.

(الممثل يختفي خلف العربة يخرج وقد ربط جسده ورأسه بضمادات ملطخة يتكلم بتثاقل وحزن)

” لقد حاول قتلي. حاول قتلي لكنني فكرة.. والأفكار لا تموت بسهولة..

(يذهب إلى العربة ويخرج منها وترا يشده بين يديه ويحركه بأحد أصابعه فيصدر نغمة)

“وتر. هذا الوتر كان في يوم ما مثلي. فكرة. فكرة ولدت من ذهن إنسان.. حاول ذلك الإنسان أن ينقل السعادة التي أحسّ بها إلى الآخرين. ربط الوتر حول إطار خشبي ثم ربط وترا ثانيا وثالثا فأصبحت لديه هذه الآلة الرائعة. يسحب قيثارة خشبية صغيرة من العربة ويمرر أصابعه عليها فتصدر نغما شجيا. يعزف بحنان وهو يحتضن القيثارة كأنها طفل يرفع القيثارة إلى الأعلى.. هذه الفكرة.. أعني هذه القيثارة صدحت فأمتعت القلوب. ذاب مع نغماتها العشاق. كركرت لأجلها ضحكات الأطفال.. أدخلت نغماتها السعادة إلى قلوب العجائز في أكواخهن، والعبيد العائدين من مزارعهم بعد يوم عمل شاق.. فكرة سعيدة ولكن الأفكار الشريرة سرعان ما أحاطتها وقطعت أوتار القيثارة وأعادت ربطها حول عصا مرنة”.

(يسحب قوسا خشبيا ويربط حوله أحد الأوتار فيصبح لديه قوس ويمسك بيده الأخرى سهما ويثبته بالقوس ويطلقه نحو الجانب)

“تحولت القيثارة إلى قوس وسهم. تحول الجمال إلى.. إلى آلة قتل..

وبفكرة سعيدة أخرى تحولت خشبة طافية إلى زورق.. زورق يقصّر المسافات بين الأحباب. وينقل الطعام إلى أناس يفتك بهم الجوع. زورق يسير فوق الأمواج بخفة وهو يحمل الأمل.. لكن الأفكار الشريرة سرعان ما حولت الزورق إلى سفينة ضخمة يجذف فيها العبيد ليل نهار. سفينة تحمل الجيوش لتغزو أراض آمنة بعيدة. ولتجلب المزيد من العبيد الذين سيجذفون في سفن أخرى تبحث عن أراض أخرى.. الأفكار الشريرة كالشياطين.. تتناسل بسرعة هائلة وتمسخنا نحن الأفكار السعيدة وتحوّلنا إلى عبيد لها.. لكنني سأقاوم ولن أذوي ولن أتحول ولن أستسلم.. الأفكار تقاوم.. تقاوم الموت.. بفضل فكرة.. فكرة سعيدة دفعت ذهنا ما للتفكير بوسيلة لخزن الأفكار. نقش فكرته على حجر.. واخترع الكتابة.. الكتابة.. تلك الفكرة العظيمة التي حمت الأفكار العظيمة الأخرى من الزوال. الكتابة.. تلك الفكرة التي ستجعلنا نحلم دائما بوجود فرصة أخرى.. فرصة أخرى.. فرصة أخيرة ربما.. والآن.. يبدو أنه لا مهرب لي.. لديّ محاولة أخيرة.. قد تكون هي الأخطر.. لكنّني.. لكنّني سأحاول. أنا مضطر للذهاب إلى هناك.. إلى وحول الخنادق حيث يقيم الموت حفلا داميا في كل لحظة.. قد يكون مكانا خطيرا للغاية.. لكنّني سأحاول..

إظلام.

الشاشة تعرض لقطات قديمة بالأبيض والأسود لجنود في الخنادق.. ولقطات من الحرب العالمية الأولى.

(الأنوار تطفأ.. أصوات معركة مفاجئة.. رشقات رصاص ووميض متقطع ودوي مدافع.. تخفت الأصوات تدريجيا.. صفير قذيفة وحيدة.. يعقبها صوت انفجار ثم يضاء معها المسرح بحزمة ضوء من الأعلى تتسلط على الممثل وهو يقف بحذر على رِجْل واحدة.. يرتدي ملابس جندي رثة.. ومعطفا عسكريّا طويلا وخوذة معدنية كبيرة.. يحمل بيديه بندقية طويلة.. يحاول أن يضع رجله الثانية على الأرض.. يتردد ثم يرفعها ثانية..

الظلام.. الظلام يلف كل شيء.. أنا وسط حقل ألغام.. من كانوا معي اختفوا جميعا.. هل واصلوا طريقهم وتركوني وحيدا.. هل تقطعت أجسادهم؟ لا أدري؟ الظلام يلف كل شيء.. وأنا.. أنا أقف وحيدا وسط حقل ألغام. لي على هذه الأرض موطئ قدم واحدة فقط. أخاف أن أمدّ قدمي الثانية فتنفجر الأرض بي وأتحول إلى أشلاء قبل أن أخطو خطوة.. الثغرة الآمنة التي كنا قد فتحناها في الحقل ضاعت معالمها الآن.. أين الطريق؟ أين أضع قدمي؟ أنا أقف هنا وسط الظلام.. والموت يكمن تحت قدمي. ألغام ألغام ألغام.. ألغام للدبابات، وأخرى للسيارات.. ألغام صغيرة مدفونة وأخرى قافزة فتاكة.. ألغام في كل مكان.. أريد بعض الضوء لألتمس طريقي.. لكنني أخشى النور.. وأتمنى أن يستمر الظلام.. فحينما ستشرق الشمس.. سأكون واقفا أمام عدو يجهل أنني لا أريد إيذاءه.. وصديق يجهل أنني لست عدوه.. سأكون هدفا للطرفين.. لم أعد أريد مواصلة هذه الحرب التي لم أعلم لحد الآن أسبابها.. ما الذي أفعله هنا؟ من الذي وضعني في هذا المكان ولماذا.. هل أصرخ طالبا النجدة؟ لا.. لا بل سأكتم أنفاسي.. أحس أن الطرفين يتربصان بي.. أقف هنا وحيدا مثل فزاعة.. لا أستطيع أن أسير خطوة واحدة…أخاف من الظلام.. وأخاف من النور.. أخاف من أعدائي وأخاف من أصدقائي.. يمد قدمه ثانية وقبل أن تلامس الأرض يرفعها.. لا لا.. سأحاول أن أثبت في مكاني قدر ما أستطيع.. لمَ حدث كل هذا.. لطالما فكّرت وفكّرت ولم أتوصل إلى جواب.. لكن! ما هذا؟.. ذهني يقدح الآن.. الأفكار تتزاحم في رأسي رغم أني خائف منهك. ذهني يعمل بسرعة وهناك ضجيج يحاول أن يصدع جدران جمجمتي.. أفكار.. بل فكرة.. يا إلهي.. إنها فكرة عظيمة حقا.. إنها الحل.. الحل الذي قد ينقذنا من هذه التعاسة.. لكن.. كيف سأوصل هذه الفكرة إلى الآخرين؟ أنا لا أستطيع حتى أن أدوّنها.. فكرة عظيمة.. لكن.. لكن الشمس توشك أن تشرق.. وجسدي سيكون هدفا واضحا لكلا الطرفين.. ليتني كنت أستطيع الانبطاح وكتابة هذه الفكرة على أيّ مكان أو أيّ شيء.. الشمس سوف تشرق.. الشعاع سينبثق.. وأنا مصلوب كفزاعة رثة.. هدف سهل يتسلى به كلا الطرفين.. هل أجازف وأضع قدمي الأخرى على الأرض.. وإذا ما كانت الخطوة الأولى آمنة فهل سأستطيع أن أسير خطوة ثانية وثالثة وسط حقل الموت هذا؟ هل أصرخ بأعلى صوتي طالبا النجدة من أحد؟ شعاع الشمس يوشك أن يظهر.. والفكرة تتجلى وتتضح أكثر وأكثر.. ما الذي سيحدث لي بعد دقائق؟ هل سأتمكن من النجاة ونشر هذه الفكرة على الناس.. الشعاع سيظهر.. وأنا.. أنا لن أبقى واقفا هنا.. سأسير في حقل الألغام.. فالفكرة التي لديّ تستحق أن أجازف بكل شيء من أجلها.. قد أصل.. قد أصل.. وقد أنقلها للآخرين.. سأحاول”. يضع قدمه الثانية على الأرض ويسير خطوة واحدة.. ظلام مفاجئ.. أصوات بنادق ورصاص ينهمر وقذائف تنطلق.. الدخان يغطي الخشبة وسط أشعة متقاطعة ترافق أصوات الأسلحة التي انطلقت فجأة..

صوت الجندي خائفا متألما “الألغام تملأ الأرض.. والقذائف تملأ السماء.. لكنني.. لكنني سأواصل طرقي.. سأحاول.. سأحاول.. سأحاول..”.

(يقول كلماته الأخيرة مع رنين الجرس الصغير والأنوار تتوقف بالتدريج).


كاتب من العراق