الإنسانية بين الانشطار والتجدد

السؤال الذي يجب أن نطرحه على الفكر عامة يتمثل في كيفية تحديد وجهة التفكير بعد المجازر العديدة التي طالت الأمة العربية منذ حرب الخليج الأولى. كيف نفكر الآن ؟ هل مازال للعقل معنى؟ هل مازال للتواصل إمكانية تحرير الإنسانية من القهر والإبادة؟ لا أعتقد أن هذه المجازر لا تهم إلا المثقف العربي ولا أجزم أنها استثناء في معالجة القضايا السياسية. قد تكون هذه التساؤلات غير مجدية سياسيا. ولكنني أردت أن اعرف كيف نتوصل إلى إبقاء معنى لوجودنا أو بالأحرى كيف يمكن للوجود أن يكون حاضرا بعد هذه المذابح التي لا تتحمل مسؤوليتها المنظمات الإرهابية الفاشية والصهيونية الجديدة والإمبريالية العالمية فقط لأن لنا ضلع شديد الأهمية فيما حصل؟

الجديد  فتحي التريكي [نُشر في 01/07/2016، العدد: 18، ص(10)]

لوحة: عبدالقادر عبدالواحد
هذه التساؤلات الأولية هي التي تحدد لنا مجال التفكير بعد تلك المجازر والمذابح. فكما أن الهولوكست ومذابح اليهود على أيدي النازيين والفاشيين في الحرب العالمية الثانية هي التي حددت التفكير فيما بعد فإن على الإنسانية اليوم وبنفس المنطق وحسب نفس الأهداف أن تتساءل من جديد كيف يمكن أن تقع مجزرة الآن؟ كيف يمكن للإنسانية أن تقبل تلك العمليات الإرهابية المتواصلة في الشرق العربي وتلك الضربات الجوية المدمرة وأن تستسلم لإرادة القتلة والفاشيين الجدد؟ بأي منطق تبرر الإنسانية اليوم ما يقع أمامها من تقتيل لم يسبق له مثيل في التاريخ؟ ليست لي الإجابة الواضحة لهذه التساؤلات ولكني سأضع نقط استدلال لعلها توجهنا نحو المزيد من الفهم لوضع الإنسانية حاليا.

العنف والعولمة

إننا نعيش اليوم أحداثا أليمة متسرعة وعنفا شديدا متصاعدا وانحلالا كبيرا في العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الشمال والجنوب ومذابح يومية– مذابح قد يشرعها عجز الرأي العام العالمي، وكل ذلك يمثل صبغة تأسيسية لما يسمى بالعولمة وهو على كل حال ناتج عن تهافت منظومة القيم التي كانت تسود العالم في عصر الحداثة وتعويضها بمنطق الربح والهيمنة وفوضى السوق التي تسود الآن في عصر ما بعد الحداثة.

كيف تعاملت المعقولية الغربية المعولمة مع هذه التغيرات الجذرية في منظومة القيم؟

لقد بين الفيلسوف الفرنسي ميشال سار أنه في الوقت الذي يقوم فيه ديكارت بتأسيس مبادئ العقل، تلك المبادئ التي ستبني حداثة الغرب تقوم الجيوش الإنقليزية والغربية بصفة عامة بتقتيل الهنود في أمريكا وحرق الغابات وبناء المستعمرات التي ستصبح فيما بعد دويلات تتكون منها أمريكا حاليا. وقد أراد أن يبين هذا الفيلسوف أن للمعقولية الغربية وجهين متناقضين بقيا مسيطرين إلى يومنا هذا. ليس هدفنا العودة إلى هذا التاريخ العنيف ولكننا وددنا أن نؤكد ما ذهب إليه ميشال سار من أن ا لعقلانية الغربية لم تصنع العلوم والتكنولوجيا فقط، بل أقامت أيضا منطقا جديدا يقوم على الإقصاء والاستبعاد والتقتيل، بحيث ستؤدي هذه العقلانية إلى إقرار للإنسانية لا محالة ولكن هذه الإنسانية ستأتي مشطورة ذات قطبين، إنسانية محبذة يعمل العقل في تمظهره الغربي على تطويرها والدفاع عنها، وإنسانية أخرى منبوذة، يمكننا في أحسن الأحوال – تركها جانبا، إذا لم يقم هذا العقل بإفنائها وتصفيتها و إبادتها إن اقتضت ضرورة ما لذلك.

لا نريد هنا تعديد الأدلة والشواهد على ذلك إنما نذكر بعض الأمثلة القريبة :

ألم يكن دور العقل في تمظهره الغربي كبيرا في قهر الشعب العراقي استتباعا لحروب الخليج (بواسطة أسلحة الدمار المتطورة وبواسطة الحصار المتواصل) ؟ حروب انتجت مئات الآلاف من الضحايا ؟ ألم يشجع هذا العقل، قوى الظلام والإرهاب بما في ذلك نظام طالبان والقاعدة وجبهة النصرة وداعش وغيرها لكي يحطموا النظم العربية التي كان يمكن لها أن تلعب أدوارا استراتيجية هامة والنظم العربية التي بدأت تسير نحو إرساء الحكم الديمقراطي الحقيقي؟ ألم يقم هذا العقل فيما مضى بمعاقبة العرب على جرائم قام بها هو في الحرب العالمية الثانية عندما حاول تصفية اليهود فأقام دولة إسرائيل بين أٍراضيهم، إسرائيل التي هي بدورها تنفذ إرادة التصفية ضد الشعب الفلسطيني ؟ ألا يتفنن هذا العقل في تحقير الإسلام ومحاولة إبعاده دينيا وسياسيا واجتماعيا عن مجتمعاته فأنتج الآن ما يسمى بالإسلمفوبيا ؟ أليس الإسلام هو ثان الأديان في كثير من البلدان الغربية – بالنسبة إلى عدد معتـنقيه، ولكنه أحقرها عندهم، ثم وبعد هذا كله، ألم يقف هذا العقل وراء جرائم إنسانية مثل مجازر روندا، والبوسنى وغيرها ؟

انشطار الإنسانية

لقد قسم العقل في تمظهره الغربي (المعقولية الغربية) الإنسانية إلى جزأين مختلفين. هناك إنسانية تستحق الدفاع عنها وحفظها وتطويرها واحترامها، وهي تلك التي تنتمي بصفة مباشرة أو غير مباشرة إلى العالم الرأسمالي المهيمن. وإنسانية ثانية غيرية «يترعرع فيها لإرهاب والشر والفقر» وهي تستحق أن نغمرها من حين لآخر «بالعواطف الإنسانية» في أفضل الأحوال.

معنى ذلك أن العالم اليوم عالمان. عالم العولمة والهيمنة المطلقة وعالم «الرحمة و العناية» أي عالم تُرك إلى المنظمات الإنسانية لتهتم بفقره ومرضه وهمومه لأنه قد تم إخراجه» نهائيا من التاريخ بالنسبة إلى المعقولية الغربية في صبغتها الإرتكاسية.

نعم كان حدث 11 سبتمبر هو الحدث الأهم في العشرية الأخيرة (أم الأحداث حسب تعبير الفيلسوف الفرنسي جان بودريار في جريدة Le Monde الصادرة في 2 نوفمبر 2001) لأن العالم المتروك قد أظهر للجميع أنه موجود وأنه يلعب دورا مهما في الحياة. لقد شعرت «الإنسانية الغربية» أنها مهددة في كيانها ومنطقها، مهددة في قابليتها للهيمنة والاستبداد فجاءت التهديدات والتنديدات الأخلاقية والسياسية والتكتلات العالمية ضد الإرهاب. جاءت كلها لتعبر عن دهشة عميقة وعن صيحة فزع ضد الإمكانية التي ظهرت الآن لاندثار العولمة من داخلها وبآلياتها وبواسطة تقنياتها وأركانها.

لا نتحدث هنا عن العلاقة اللامتساوية بين الحياة والموت في العالمين المختلفين بحيث يكون الموت عند بعضهم ولاسيما الظلاميين «تضحية» ومرورا نحو «الأفضل» (العمليات الانتحارية) في العالم الثاني، بينما تكون الحياة في العالم الأول هي الأفضل وهي الغاية القصوى.

ولا نتحدث أيضا عن صمود الضعفاء ضد القهر والهيمنة المطلقة التي وصلت إلى حد لا يطاق. جبروت مارد يقرر ما هو خير وما هو شر، يسطر لك حدود عيشك وتفكيرك بالقوة والعنف ويحّولك إلى بضاعة صالحة فيستعملها للربح والمصلحة أو بضاعة تافهة فيتركها تعبث بها أيادي الزمن.

كما لا نتحدث هنا عن زعزعة رمز العولمة التي منذ التسعينات ظهرت وكأنها الغاية القصوى للإنسانية، وكأنها «نهاية التاريخ» حسب فوكوياما. لقد بين الفيلسوف الفرنسي سابق الذكر (بودريار) أن هيكل العولمة كاملا قد قدم من خلال وهنه الداخلي – يد المعونة للإرهابيين في تحطيم رموزه. لأنه كلما ازداد هذا النسق توحيدا على الصعيد العالمي ليصبح نهجا واحدا، كلما ازداد ضعفه وضوحا في بعض نقط أعماله.

ذهب فوكوياما إلى الأقصى عندما نفى أية إمكانية للثورة. ولكن ثورة تونس وثورة مصر ثم إحداث سوريا واليمن وليبيا وحركات النضال في أسبانيا واليوم حركة الوقوف ليلا بباريس كلها تبين في الأخير أن للتاريخ حركية متواصلة لا تقف شرقا ولا غربا لا في الشيوعية ولا في الليبرالية.

كل هذه الأمور حيوية في نمط فهمنا للأحداث التي تغير الآن مجرى التاريخ أمام أعيننا، ولكنها تبقى غير كافية إذا لم ننتبه إلى طبيعة النظام العالمي الجديد الذي أرادت العولمة وضعه قهرا نموذجا أوحدا لاقتصاديات البلدان وسياساتها.

ليس للمثقف العربي الآن الحرية الكافية للنقد والتحليل والمشاركة في النقاشات العامة واتخاذ المواقف الجريئة، لأن الحركية الديمقراطية الثقافية المفقودة في غالب البلدان العربية

فطبيعته التكوينية الأساسية هي العنف في صبغته الرمزية المعنوية والمادية الجسدية. فهو نسق محكم يحاول تجميع القوى المتواجدة في قوة واحدة عالمية ضاربة اقتصادا وسياسية وثقافة، كما يحاول أيضا تجميع كل الوظائف الاجتماعية والحياتية في آلية تكنوقراطية موحدة للفكر والتفكير، وهو بذلك يولد بؤر ا لصمود داخله وخارجه، فينتج عن العنف الشديد الذي تكوّن به وعمل بواسطته عنفا ولكن بأوراق أخرى وبطرق متغايرة لا تخضع لقوانينه وقواعده وتوجهاته. وقد أكد على هذه الفكرة الفيلسوف الفرنسي جان بودريار قائلا بأن الإرهاب قد تكون لا في النظريات والعقائد المعادية للعولمة كما يذهب إلى ذلك المثقفون و أهل السياسة، بل في العولمة نفسها التي ولدت بعنفها الشديد وبفرضها على نمط الحياة، عنفا من نوع خاص. وبدون أن نذهب إلى أقصى أعماق هذه الفكرة حتى لا نبرر الإرهاب، نقول فقط إن الإرهاب عملية منبوذة جذريا وهي في كنهها غملية لاأخلاقية يجب التنديد بها ولكنها جاءت أيضا ضد عملية لاأخلاقية أخرى وهي العولمة.

فليست القضية إذًا هي قضية تصادم الحضارات. وليست الحرب القائمة اليوم هي حرب بين أمريكا والإسلام، فليس للإسلام من حيث هو دين ولا من حيث هو حضارة صلة أوثق بالإرهاب مما نجده في المسيحية أو اليهودية. ولكن الحرب الآن هي بين العولمة ومستتبعاتها ونتائجها فنكاد نقول إنها حرب داخلية عنيفة يحاول العقل في صبغته الغربية تحويل وجهتها نحو خارجه، نحو بلد ظل بعيدا عن العولمة (أفغانستان) وبلاد الشرق وهي قريبة من أحد رموز العولمة ونعني إسرائيل كذلك نحو حضارة الإسلام التي كانت ومازالت عقدة المعقولية العربية الأساسية.

مسألة القيم

نعرف أن فلسفة ما بعد الحداثة قد قامت على انقراض القيم التي أسستها الحداثة (كفكرة التقدم والحقوق)، مما أدى إلى فراغ حاولت المعقولية الغربية أن تملأه بقيم «مركنتيلية»، تجارية دنيوية وبرغماتية. وهي إيطيقا جديدة تعتمد مقياس قيمة التبادل نموذجا أوحد للتواصل البشري حتى أن الأفراد في المجتمع الغربي أصبحوا يمثلون ذرات مستقلة لا تربطها إلا علاقة الحاجة والمصلحة. فكأن هناك انتصار للفرد ضد المجموعة وكأن الحرية الفردية هي المجال الذي تمتد ضمنه جميع الأفعال والقيم من ابسطها إلى أعقدها.

فلا شك أن للفردانية دورا شديد الأهمية لاسترجاع الحرية المستلبة داخل فضاء الوجود الإنساني، ولا شك أيضا أن الحريات والحقوق تقوم ضمنيا على أولية هذه الفردانية. ولكن الجديد في العولمة يتمثل في محاولة أجهزة النظام السياسي والإستراتيجي الاستيلاء على القرار والإنتاج فيما يخص هذه القيم. فالمعقولية الغربية هي وحدها التي تسطر معاني هذه القيم وحدودها وكونيّتها وهي التي تقرر مقاييس الحرية وميادينها وحدودها، وهي التي تعطي المعاني التي تريد إلى العدل والإنسانية والحقوق والصمود والقيم الأخرى.

فلنا نحن في البلدان العربية المختلفة مسؤولية كبيرة في ذلك، إذ أننا لم نستطع تطوير قيمنا ومقومات حضارتنا حتى نعطيها صبغة شاملة وكونية، فليس للمثقف العربي الآن الحرية الكافية للنقد والتحليل والمشاركة في النقاشات العامة واتخاذ المواقف الجريئة، لأن الحركية الديمقراطية الثقافية المفقودة في غالب البلدان العربية هي التي تولد الخيارات القيمية وهي التي تقدم لهذه الخيارات معاني تتسع لتشمل الحضارة العربية ولتتجاوزها نحو الحضارات المجاورة. فالمثقف العربي، لأنه أسير اللعبة السياسية وأسير السلطة الدينية, مازال مستهلكا للأفكار التي قد تأتيه من أعماق التاريخ أو تتصل به من حاضره الآخر الذي هو ليس فيه. وللأنظمة السياسية العربية ضلع كبير في ذلك، لأنها هي بدورها قد استسلمت إلى العولمة وليس لها خيار غير ذلك باعتبار طبيعتها وباعتبار مآرب أصحابها ومصالحهم، وهي التي اختارت غالبا الحكم المطلق والدكتاتوري لتسيير شؤون الحياة والأفكار بحيث هاجر الفكر من ربوعها فتقوقع في الماضي أو التحق بالحاضر الغربي، وفي كلتا الحالتين ترك فراغا أدّى بالمجتمعات العربية إلى التقهقر فأصبحت مستهلكة غير قادرة على الابتكار والخلق وإنتاج الجديد.

نحو كونية إنسانية جديدة

ولو تمعنا قليلا في ظاهرة علاقتنا بالغربـ، لاستنتجنا أنها تدخل ضمن توحّد الغرب في تدبير شؤون العالم. هذا التوحّد الذي نتج كما بينا سابقا عن إرادة الهيمنة المطلقة أصبح اليوم أكثر تصلبا بحيث أنه قد استبعد الآخر والغير والمختلف وبنى تصورا ذا بعد واحد للحياة والفكر. فقد كتب مثلا المفكر القاضي الإسباني بلتزار كرزون «أن ا لغرب وهياكله السياسية والعسكرية و الاجتماعية والاقتصادية قد اهتمت أساسا بالتقدم المزري والفادح للإنتاج والأرباح المعولمة، ولم تهتم بتوزيع الأرباح توزيعا عادلا بين الناس والشعوب. اهتمت بسياسة الاستبعاد الاجتماعي أكثر من اهتمامها بإدماج الشعوب وبسياسية تقدمية فيما يخص المهاجرين. اهتمت بإبقاء الديون الخارجية وتطويرها أكثر من اهتمامها بغرس حركية إنتاجية في هذه البلدان (غير الغربية) التي نطلب منها اليوم الإعانة والتفهم أو التي نهددها «بالحرب النهائية» بواسطة «العدل اللانهائي» أو «بالسلم الأبدية»». ولم تنتج هذه السلم الأبدية إلا المجازر والموت لأنها هي التي دفعت باسرائيل اقتحام الوطن الفلسطيني والقيام بالمجازر التي لا يقبلها أي عقل والتي صمت إزاءها المثقف الغربي باستثناء البعض وقبلها العقل الأمريكي رغم صيحة بعض الجامعيين الأمريكيين الذين حاولوا التفريق بين القيم الأمريكية والسياسة المعوجة.

فالمعقولية الغربية رغم ردات الفعل القوية للمجتمعات المدنية ضد ما يحدث الآن في العالم العربي لم تستطع ربط مقوماتها التي ترعرعت في الحداثة (العدل، الإنصاف، الحقوق، الإختلاف) بنمط عملها في تواصلها مع الغير. أو بتعبير آخر لم تستطع هذه المعقولية استضافة المعقوليات الأخرى لإحداث كوينيّة عادلة ومشتركة بين الناس وبين الشعوب. هذا الفشل كان أيضا سببا من أسباب فشل العولمة وانقراض عصر ما بعد الحداثة.

وفي حقيقة الأمر، كلما أخضعنا العقل إلى منطقية الجغراسياسية إلا وازداد التوتر بين الحضارات والهويّات وأصبح التفاهم بين الشعوب يكاد يكون مستحيلا، لأنه لا تواصل ممكن بين المجموعة الهائلة من التنوع الحضاري والثقافي إلا إذا كان العقل محايدا لا يخضع إلا لمعايير منطقية مقبولة من الجميع. فأزمة العقل في تمظهره الغربي يتمثل في أنه يحاول تعويض هذه المنطقية المقبولة بمنطق القوة القاهرة الجبارة وكأن الغلبة (اقتصادا واجتماعا) ستعوض القبول العمومي للعقل، وستضع بذلك المعقولية الغربية نفسها حكما ووازعا بين المعقوليات، وهي التي اتخذت صبغة براغماتية نفعية وشكلا جغراسياسيا معينا يبرر غلبة العولمة ويجعلها نهاية التاريخ. لذلك كان لا بد من العودة إلى كيانه لنقده من جديد وتمييز نواته الأساسية عن غاياته النفعية.

وقد حاول الفيلسوف الألماني هابرماس القيام بذلك من خلال أعمال مدرسة فرنكفورت، وبين أن العقل التواصلي هو الذي يمكن أن يكون القاسم المشترك بين كل الثقافات وهو الضامن الأول لإمكانية توحيد التنوع والاختلاف. ورغم أهمية هذا النقد، فإن هذا العقل التواصلي في صبغته الكونية والاجتماعية قد لا يكفي أيضا ليكون هناك حقيقة تحاور بين الثقافات واتصال متواصل يصل إلى مستوى الكوني.

المهم على كل الحال هو الاعتراف بالكثرة والتنوع في الثقافة والأفكار وفي نمط العيش الاجتماعي لأفراد والمجتمعات. ففي هذا الاعتراف الحقيقي يكمن التحول من معقولية الغلبة إلى معقولية الحوار. ولكنه لا يكفي، لأن حق الكثرة وحق الاختلاف قد يتحولا هما أيضا إلى نوع من الاستبداد، بحيث لن يكون هناك إمكانية للانفتاح وللتحاور. فباسم الاختلاف يمكن اقتراف أبشع الجرائم البشرية. لذلك فلا بد أن يؤدي الاعتراف بالكثرة والاختلاف إلى إقرار أرضية للحوار الكوني الذي يحترم الهويّات الشخصية للأفراد والمجتمعات، والشعوب ويبني بينها نقط التقاء ليصبح العيش سويا بينها ممكنا.

فالمعقولية الغربية في صبغتها الإرتكاسية تحاول عكس ذلك تجاوز الهويّات لإقرار كونية لا تخدم إلا مصالحها. هذا لا يعني أن مثقفي الغرب كلهم قد نهجوا نهج هذا التوجه السياسي للمعقولية الغربية. فمن بينهم الكثير من نقد ذلك التوجه وحاول ربط الجسور مجددا مع الآخر واعتبر أن الهوية في صبغتها الانفتاحية ضرورة للتعايش وأود أن أذكر على سبيل المثال والتحية ما يكتبه الفيلسوف الفرنسي إيتيان باليبار مساندا القضية الفلسطينية ومدافعا عن الحق..

لكل ذلك أقول بأن المعقولية الغربية في صبغتها الإرتكاسية قد فشلت في بناء انسانية حقيقية بالرغم مما قدمته من نتائج طيبة ومحمودة في مجال حقوق الإنسان وفشلها يتمثل مثلا في الصفة الإستثنائية التي عالج بها مستتبعات الحرب العالمية الثانية. يجب أن نعتبر الناس سواسية بدون استثناء كلنا نخطأ وكلنا نتعذب ولنا نفس القابلية لفعل الشر ولفعل الخير ولنا نفس القابلية للألم. بهذه الصفة نعيد إلى الإنسانية وحدتها ونعيد إلى منظومة حقوق الإنسان معناها.


كاتب‭ ‬من‭ ‬تونس‭ - ‬صاحب‭ ‬كرسي‭ ‬اليونسكو‭ ‬للفلسفة‭ ‬بالعالم‭ ‬العربي