الهيمنة الأبوية الذكورية في المجتمع والسلطة

يعود مصطلح بطريركي (Patriarchat, Patriarchy) في أصوله إلى اللغة اليونانية ويعني»حكم الأب»، أي هيمنته على العائلة والتسلط عليها بحيث يكون القرار بيد الذكر «البطريرك» فقط باعتباره رب البيت ورئيس القبيلة. كما استعمل المصطلح بمعنى ديني أيضا حيث سمي القديس (Pater) «أبانا» في الكنيسة الأرثودوكسية فيما بعد.

الجديد  إبراهيم الحيدري [نُشر في 01/07/2016، العدد: 18، ص(14)]

لوحة: حسين جمعان
النظام الأبوي-البطريركي بنية اجتماعية وسيكولوجية متميزة ومتجذرة في الذاكرة الجمعية تطبع العائلة والقبيلة والسلطة والمجتمع في العالم العربي، وتكون علاقة هرمية تراتبية تقوم على التسلط والخضوع اللاعقلاني التي تتعارض مع قيم الحداثة والمجتمع المدني واحترام حقوق الإنسان نتجت عن شروط وظروف تاريخية واجتماعية واقتصادية وعبر سلسلة من المراحل التاريخية والتشكيلات الاجتماعية والاقتصادية المترابطة فيما بينها، حيث ترتبط كل مرحلة منها بمرحلة تسبقها حتى تصل إلى مرحلة النظام البطريركي الحديث الذي هو نمط معين من التنظيم الاجتماعي والاقتصادي السابق على الرأسمالية الذي يختلف في بناه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية عن بنية النظام العربي البطريركي الذي اتخذ نوعا متميزا باعتباره مجتمعا تقليديا يقابل المجتمع الحديث الذي يتصف بالتقدم العلمي والتقني الذي من خصائصه قابليته على مقاومة التغير لبنيته الأصلية منذ العصر الوسيط حتى الآن وقابليته على الاستمرار للحفاظ على قيمه التقليدية كالانتماء إلى القبيلة والطائفة والمنطقة وارتباطه بالبيئة الصحراوية التي أفرزت نظاما أبويا بطريركيا ذكوريا سيطر على المنطقة العربية قرونا عديدة وما يزال.

وإذا كانت أغلب المجتمعات السائدة في العالم اليوم، ديمقراطية كانت أم اشتراكية أم رأسمالية أو غيرها، هي مجتمعات أبوية بطريركية، فإن المجتمع العربي هو أكثر أبوية من غيره من المجتمعات، لأنه مجتمع تقليدي ماضوي راكد ويفتقد إلى القوة الداخلية التي تحركه.

وعلى الصعيد الاجتماعي يهيمن النظام الأبوي على العلاقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية التي تغلب عليها الانتماءات القبلية والطائفية والمحلية، لأن المجتمع الأبوي هو نوع من المجتمعات التقليدية التي تسودها أنماط من القيم والسلوك وأشكال متميزة من التنظيم. وهو يشكل لذلك، كما قلنا، بنية نوعية متميزة تتخذ أشكالا مختلفة من بينها بنية المجتمع الأبوي العربي، الذي هو أكثر ذكورية من غيره من المجتمعات وأشد تقليدية وأكثر محاصرة لشخصية الفرد وثقافته وترسيخا لقيمه وأعرافه الاجتماعية التقليدية وتهميشا للمرأة واستلابا لشخصيتها، لأنه ذو طابع نوعي وخصوصية وامتداد تاريخي يرتبط بالبيئة الرعوية الصحراوية والقيم والعصبيات القبلية التغالبية. فمن المعروف أن العالم العربي هو أعظم موطن للبداوة مثلما هو أكثر مناطق العالم تأثرا ومعاناة في الصراع بين قيم البداوة وقيم الحضارة، كما أشار إلى ذلك علي الوردي في كتابه «طبيعة المجتمع العراقي»، ذلك الصراع الذي ما يزال يؤثر في بنية الثقافة والشخصية العربية.

النظام الأمومي

يمثل النظام الأمومي مرحلة سحيقة في الزمن سادت فيها سلطة المرأة/الأم في المجتمع واحتكرت القيادة الاقتصادية والسياسية وكذلك السلطة الدينية. وهو ما يقابل النظام الأبوي الذي حلّ محل سلطة الأمّ فيما بعد.

وبالرغم من أن المرأة من الناحية الفسيولوجية هي أضعف من الرجل إلا أنها كانت قد احتلت مكانة اجتماعية عالية في العائلة والمجتمع والسلطة وأن تتبوّأ مكانة روحية عالية في مرحلة تاريخية قديمة سادت فيها علاقات جنسية متحررة تم فيها الانتساب إلى خط الأم، أي انتساب الأولاد إلى أمهاتهم وذلك لعدم إمكانية معرفة الأب الحقيقي للأولاد. وقد أطلق الأنثروبولوجيون على هذا النظام مصطلح النظام الأمومي (Matriarchat)، أي سلطة المرأة في المجتمع.

وكان الأطفال في تلك المرحلة ينتسبون إلى أمهاتهم وليس إلى آبائهم، لأنه لم يكن بالمستطاع حينذاك تحديد الأب لعدم وجود نظام قرابي يحدد العلاقات الجنسية، ولهذا أيضا تمتعت النساء، بوصفهن الوالدات الوحيدات المعروفات بكل ثقة وتأكيد للأطفال، بقدر كبير من الاحترام واكتسبت المرأة بذلك مكانة اجتماعية ودينية عالية.

اكتسبت المرأة مكانتها الاجتماعية والدينية العالية في بدايات استقرار الإنسان واستمدت مكانتها العالية من الطبيعة، لأن المرأة هي أول من استقرّ في الأرض واكتشفت الزراعة ودجنت الحيوانات، ولان مبدأ الخصوبة في الأرض هو نفسه مبدأ الخصوبة عند المرأة. وهكذا تطورت سلطة المرأة في المجتمع التي هي في الحقيقة حق طبيعي لها.

وبسبب اكتساب المرأة أهمية روحية، نتج الدين، واجب العطاء عند الولادة. ولذلك قدس الإنسان الأرض مثلما قدس الأنثى، فالأنثى هي صورة وخليفة للأم الأصل-الأرض. فلم تقلد الأرض الأنثى، بل قلدت الأنثى الأرض وأصبحت مقدسة مثلها وأصبح الاحترام الديني والتقديس لها الأساس في سلطتها وارتفاع مكانتها الدينية والاجتماعية وسياستها للدولة وإدارتها للطقوس الدينية.

والأنثى هي الأصل ، لأنها تتقدم على الرجل بعطائها ولأن الرجل هو نتيجة ذلك العطاء. فالابن هو زوج المستقبل الذي يخصّب بدوره المرأة ويصبح أبا. كما أن التنظيم القرابي يجد مكانه في أحضان المرأة وعنه تطورت جميع التنظيمات الاجتماعية الأخرى. وبهذا يصبح حق الأم هو حق طبيعي لها.

التحول إلى سلطة الرجل

إن سلطة المرأة لم تدم طويلا بعد أن سيطر حق الدولة على حقها الطبيعي وذلك بعد تطور دولة المدينة الذي أوجد أول تنظيم اجتماعي جديد للحياة الجنسية والذي أخذ شكل منظومة الزواج وتطور فيما بعد إلى شكل الزواج الأحادي وارتبط بنظام ديني كان قد حدد العلاقات الجنسية بين الرجال والنساء وتطور مرحلة أخرى هي مرحلة سلطة الرجل والانتساب في خط الأب بدل الانتساب في خط الأم وتحول العلاقات الجنسية التي تنظم الزراعة والزواج والقرابة. وفي هذه المرحلة تم انتقال النظام الديني من عبادة القمر إلى عبادة الشمس.

كانت بدايات تنظيم العلاقات الجنسية بين الرجل والمرأة هي بدايات قيام الدولة التي أعطت السلطة بيد الرجل وأجبرت المرأة على أن تفقد حقها الطبيعي بالتدريج عن طريق اكتشاف المعادن وتطور نظام الملكية وانتشار الزراعة المنظمة ونشوء المدن وبدأت على أنقاض ذلك النظام بدايات مرحلة حضارية جديدة في تاريخ تطور المجتمعات البشرية هي مرحلة «سلطة الأب»، وبذلك فقدت المرأة الأم عصرها الذهبي التي ارتفعت فيها مكانتها الاجتماعية والدينية من خلال سحر الأمومة ووظيفتها البايولوجية.

إن مرحلة حق الأب هي مرحلة «الحق الميتافيزيقي» كما يطلق عليها باخوفن والتي تمثلت في انحسار حق الأم، وهو الحق الطبيعي لها، الذي ظهر مع سيادة النظام الأبوي/البطريركي في أعلى أشكاله في الدولة الرومانية وقبلها في الدولة البابلية والذي مازال قائما حتى اليوم في اغلب المجتمعات في العالم. (إبراهيم الحيدري، النظام الأبوي وإشكالية الجنس عند العرب، بيروت 2003).

جذور النظام الأبوي العربي

تمتد جذور النظام الأبوي العربي إلى مرحلة ما قبل الإسلام حيث سيطر نظام «المشيخة» على المجتمع العربي الذي هو نتاج علاقات اجتماعية/اقتصادية خاصة بنمط الإنتاج الرعوي في الصحراء العربية القائم على العصبية القبلية التي تستند على نظام القرابة وصلة الدم وحيث يتماهى الفرد مع القبيلة التي تبادله الولاء وتحميه باعتبارها مسؤولة على صعيد اجتماعي وسياسي عن كل فرد من أفراد القبيلة، وهو ما يؤدي إلى تعزيز النظام القبلي القائم على العصبية القبلية الذي يجعل من العائلة حجر الزاوية في البنية الاجتماعية التي تتوسع دائرتها لتشمل العشيرة فالقبيلة باعتبارها عائلة موسعة تبسط سيطرتها على الجميع وتعزز كيانها بسيطرة مزدوجة: سيطرة الأب على العائلة والرجل على المرأة والشيخ على القبيلة ويصبح الخطاب المهيمن هو خطاب الأب وأمره وقراراته.

بالرغم من أن الإسلام حاول تغيير البنية القبلية وجاء بمفهوم «الأمة» بديلا لمفهوم العصبية القبلية، إلا أن النظام القبلي بقي مهيمنا على المجتمع والدولة حيث استمرت القيم والتقاليد

تمتد جذور النظام الأبوي العربي إلى النظام القبلي الذي يقوم على صلة الدم والقربى والعصبية القبلية، وتكون من شروط تاريخية وجغرافية وثقافية وذلك عن طريق سيطرة الثقافة البدوية على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عن طريق نظام القبيلة (المشيخة)الذي كان بديلا للدولة وإدارتها كتنظيم اجتماعي يقوم على القيم والعصبيات والعلاقات العشائرية التغالبية.

وبالرغم من أن الإسلام حاول تغيير البنية القبلية وجاء بمفهوم «الأمة» بديلا لمفهوم العصبية القبلية، إلا أن النظام القبلي بقي مهيمنا على المجتمع والدولة حيث استمرت القيم والتقاليد في تأثيرها على العلاقات الاجتماعية. كما استمرت الصحراء العربية برفد القرى والأرياف بموجات بدوية مستمرة خضع لها سكان الأرياف والمدن وتأثروا بقيمها وأعرافها وعصبياتها وذلك بسبب ضعف الدولة المركزية، بعد سقوط الدولة العربية الإسلامية وعاصمتها بغداد على يد هولاكو عام 1258 مما سبب هيمنة النظام القبلي والمحلي على المجتمع وبصورة خاصة على بنية العائلة الممتدة في علاقاتها الاجتماعية والاقتصادية واستمرت حتى العصر الحديث بشكل أو بآخر، بالرغم من دخول كثير من عناصر التحديث إليه، لأن الدولة الحديثة ما زالت لم تكتمل وتنضج، وكذلك مفهوم الوطن والمواطنة والهوية، التي ما زالت مفاهيم هلامية أولا، ولأن تركيب بنية العائلة العربية في شكلها الأولي لا يختلف كثيرا عن تركيب بنية القبيلة العربية لعصر ما قبل الإسلام إلا في بعض مظاهرها الخارجية التي تأثرت بالتحديث، وليس في سلوكها ومضامينها وقيمها وذهنيتها ثانيا. كما أن النظام الأبوي هو بنية سيكولوجية ناتجة عن شروط تاريخية وحضارية نوعية تكوّنت من مجموعة من القيم والأعراف وأنماط من السلوك التي ترتبط بنظام اقتصادي تقليدي له خصوصية وبواقع اجتماعي حيّ، وليس مجرد خاصية من خواص نمط إنتاج معين بالعالم العربي.

العصبية القبلية

ومن أهم خصائص النظام الأبوي العربي التقليدي إنه يقوم على العصبية القبلية وتماهي الفرد مع القبيلة التي تبادله الولاء بوصفها مسؤولة عن حمايته على الصعيد الاجتماعي والسياسي وهو ما يؤدي إلى تعزيز النظام القبلي القائم على العصبية، الذي يجعل من العائلة حجر الزاوية في البنية الاجتماعية كما تفترض أن بنية القبيلة هي «كلّ» لا يمكن تجزئته باعتبارها عائلة موسعة أو عشيرة أو مجموعة من العشائر التي تكون القبيلة، التي تعزز كيانها بسيطرة مزدوجة: سيطرة الأب على العائلة وسيطرة الرجل على المرأة والولد على البنت، بحيث يبقى الخطاب المهيمن هو خطاب الأب الذكر وأوامره وقراراته.

وقد اتخذت «الأبوة « صفتها من صلة القربى والدم وضرورة احترام الابن لأبيه والقيام على خدمته. ولا زالت تقاليد تقديم الابن فروض الطاعة لأبيه واحترامه مستمرة حتى اليوم. كما أن احترام الابن لأبيه هو الاحترام نفسه لعشيرته مركزاً في شخص واحد يمثلها هو شيخها. وفي الحقيقة فإن سلطة الأب ما هي إلا مظهر فرديّ لسلطة القبيلة. ورغم مرور مئات السنين بقي المجتمع العربي مجتمعا قبلياً يتكون من وحدات اجتماعية أساسها القرابة التي تتمثل بالعائلة، التي هي جزء من الحمولة فالفخذ فالعشيرة فالقبيلة فاتحاد القبائل الذي يشكل المجتمع بأوسع صوره.

وتتكون الأسرة العربية من عدة عوائل عموما، وهي أسرة ممتدة كبيرة الحجم والتي تشكل السمة الأساسية لبنية العائلة العربية حتى منتصف القرن الماضي وتضم كل المتحدرين من جد ذكر واحد وينصهرون في وحدة واحدة ويحمل جميع أفرادها اسم الجد الأول للأسرة.

في الحقيقة فإن سلطة الأب ما هي إلا مظهر فرديّ لسلطة القبيلة. ورغم مرور مئات السنين بقي المجتمع العربي مجتمعا قبلياً يتكون من وحدات اجتماعية أساسها القرابة التي تتمثل بالعائلة

وفي الأرياف العربية ترتبط بنية العائلة ارتباطا وثيقا بأسلوب الإنتاج الاقتصادي السائد والعلاقات الاجتماعية التي تشكل الأرض والزراعة ركيزتها الأولى والأساسية، وتعكس بشكل واضح بنية النظام القرابي الذي يقوم على التضامن والتماسك والتعصب العائلي في مواجهة المشاكل والأعباء والصراعات مع العوائل الأخرى ومع الحكومات وغيرها. ولذلك تحتاج العائلة إلى تكثير النسل لرفد الأرض بأيدي عاملة ذكورية كثيرة والزواج المبكر ومن داخل العائلة (ابن العم وابنة العم) وكذلك تعدّد الزوجات التي تفرضها وحدة العمل في الأرض. وهكذا بقيت العائلة العربية الممتدة حتى وقت قصير تشكل وحدة اجتماعية إنتاجية بفعل استمرار الظروف والشروط البنيوية لتطورها حتى نهاية القرن التاسع عشر.

ويلاحظ المرء بقاء مظاهر سلوكية ما تزال تفعل فعلها في إعادة إنتاج العلاقات القرابية، التي تظهر في الميل إلى التقارب السكني في منطقة واحدة أو مدينة واحدة وتوثيق علاقات القرابة بحضور المناسبات العائلية المختلفة وبخاصة في مناسبات الزواج والأعياد والوفيات وغيرها. وما زال الزواج الداخلي يشكل النموذج المفضل لدى كثير من العوائل العربية الممتدة. كما يمتد النظام الأبوي-البطريركي العربي إلى تشكيلات السلطة التي ما زالت تعتمد على النفوذ العائلي، وما زالت التكتلات العائلية والعشائرية تلعب دورا هاما وبارزا في كثير من القرى والأرياف وحتى في كثير من المدن العربية.

النظام الأبوي والمرأة

يقوم حجر الأساس في النظام الأبوي على هيمنة الذكر على الأنثى واستعباد المرأة واضطهادها ونفي وجودها الاجتماعي وذلك لأنه مجتمع أبوي يسيطر فيه الرجل على المرأة لأنها أقل درجة منه ويكوّن ذهنية ذكورية ذات نزعة تسلطية ترفض النقد والحوار وتعاقب كل من يخرج على هذا النظام الأبوي البطريركي.

فمنذ فجر الحضارات العليا الأولى في التاريخ كانت المرأة ضحية المجتمع الأبوي/البطريركي-الذكوري الذي قنن قيما وأعرافا وتقاليد جعلت المرأة أدنى من الرجل درجة، وهو ما جعلها مضطهدة، ومن يضطهدها هو الرجل، مع أن الحياة لا تكتمل إلا بهما.

ويأخذ الاضطهاد أشكالا ثلاثة وهي:

أولا- الاضطهاد النوعي الذي يقوم على تفوق الرجل على المرأة وهيمنته عليها من أجل تحقيق مصالحه الخاصة والعامة التي أدت إلى طمس شخصية المرأة والتقليل من أهميتها ودورها الاجتماعي واستلاب شخصيتها في الأخير، مما سبب عدم التكامل والتكافل الاجتماعي بين الجنسين.

ثانيا- الاضطهاد الأبوي-الذكوري، الذي يظهر في هيمنة الرجل على الأنثى في العائلة والمجتمع والسلطة. ويتم التعبير عن هذه الهيمنة وهذا الاضطهاد بتسلط الذكر على الأنثى والأب على الأم والأولاد، تسلطا لا عقلانيا يوجب خضوعهم وطاعتهم له طاعة عمياء، مثلما يسيطر الولد على البنت حتى لو كانت أكبر منه سنا وأرزن منه عقلا.

ثالثا- الاضطهاد القانوني الذي ينبثق من الاضطهاد الأبوي والذي ينعكس في القوانين الوضعية والعرفية التي تضطهد بدورها المرأة في حقوقها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهو ما يعيق تقدمها ومساواتها مع الرجل في الإنسانية.

والواقع لم يكن اضطهاد المرأة واستلابها بسبب العامل البيولوجي أو الديني أو النفسي، وإنما بسبب العوامل الاجتماعية والطبقية والقيم الذكورية التي نتجت عن مصالح الرجل في الهيمنة عليها والاستحواذ بها وإخضاعها لمشيئته، وهو أساس عدم المساواة بين الجنسين والصراع الأزلي بينهما.

النظام الأبوي والتسلط السياسي

ليس من النادر أن نجد أفراد قبيلة واحدة أو طائفة واحدة أو مدينة واحدة أو منطقة واحدة يسيطرون على السلطة والدولة والنفوذ ويتحكمون في رقاب الناس، كما في أغلب الدول العربية. وهذا دليل على أن السلطة الأبوية ترتكز على العائلة الممتدة، التي هي النمط القرابي السائد، الذي يمتد إلى النظام السياسي الحديث ويستمد شرعيته من كونه نظاما قرابيا أبويا يطرح الحاكم نفسه فيه على أنه «الراعي» و»الأب القائد» وأن جميع أفراد الشعب هم أبناؤه، وهو يخاطب رعاياه بـ»أولادي» وعليهم جميعا واجب تقديم الولاء والطاعة والخضوع له دوما، وفي ذات الوقت ينتظر «الأب القائد» من أبنائه الولاء المطلق له. وهو بهذا يجسد النظام الأبوي-الذكوري المسيطر على المجتمع العربي. والأب الحاكم في الحقيقة هو المستفيد الأول من هذه «الأبوة» التي تساعده على السيطرة على رعيته وإخضاعها لمشيئته واستبداده.

لوحة: حسام بلان

وتدعم النزعة الأبوية من جهة أخرى فكرة الجماعة المتشابهة المطيعة التي تساعد على الخضوع للنظام الاجتماعي والسياسي، مثلما تساعد على تغييب مفهوم المواطن الفرد واستقلاله الفردي عن الجماعة وكذلك تغييب خصوصيته وتذويب شخصيته في الجماعة. وكلما يفقد المرء فرديته واستقلاليته، كلما يشعر بعدم أهميته وضعف مسؤولية، لأن المسؤولية الجماعية تقع على عاتق العائلة والعشيرة والتي تطغى على كل مسؤولية فردية.

إن الشخصية، التي تهتم بالوسائل أكثر من الغايات، ترسخ هيمنة «الراعي» وتمنع الأفراد من إقامة أيّ تعاقد اجتماعي بينهم والتسليم بما هو موجود بحيث تصبح عاجزة ومشلولة ولا تستطيع الرفض وقول «لا». وتقف جميع المؤسسات التقليدية خلف هذا العجز وتدعمه وترسّخه.

والحقيقة فإن الحضارة الحديثة تقوم على عقد اجتماعي وعلى مفهوم التخصص وتقسيم العمل الاجتماعي بين الأفراد حيث يوضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وهو ما يتعارض مع قيم العائلة والعشيرة والقرابة والطائفة والجيرة وما يشبه ذلك، التي لا تضع للفرد من أهمية سوى كونه واحدا من الجماعة، بعكس الحضارة الحديثة التي تعطي للشخص مكانه المناسب حسب إمكانياته وكفاءته ومقدراته. وهذه الحوافز هي التي مكّنت المجتمعات المتقدمة من التطور والرقي الحضاري.

إن العلاقة التي تتحكم بين الرئيس والمرؤوس، في العائلة والقبيلة والطائفة والمجتمع والدولة، هي شكل من السيطرة الأبوية الهرمية التي تقرر ثنائية من التسلط والخضوع، ليس بين الفرد والعائلة فحسب، بل بين الحاكم والمحكوم، حيث ما زال الحاكم العربي يستبد برأيه. فهو الخليفة والوالي والأمير والشيخ والرئيس والأب القائد، الذي يصدر الأوامر والنواهي وعلى الرعية والسكان والشعب أن يخضعوا لأوامره ونواهيه ويقولوا دوما: سمعا وطاعة!

هذه العلاقة غير المتكافئة بين الرئيس والمرؤوس لا بد وأن تولّد صراعاً اجتماعياً من شأنه تضخيم الذكورة وتبخيس الأنوثة وتجعل من الولد الأكبر (البكر) رجلا متسلطا حتى على أخته التي تكبره سناً وثقافة. وهي علاقة تسلطية هرمية تنمو في ظل تربية أخلاقية صارمة تعلّم الأفراد الطاعة العمياء، حيث يمثل الأب القوة والسلطة والأم الطاعة والخضوع. وحينما ينمو الولد يقوم بتقليد أبيه وأخذ دوره التسلّطي وتقوم البنت بتقليد أمها وأخذ دورها في الخضوع والانصياع. وينتقل التسلط والخضوع من العائلة إلى المدرسة والشارع والوظيفة والمصنع والمؤسسات الأمنية والعسكرية وحتى إلى أعلى قمة في هرم السلطة. وهي علاقة استبدادية تسلطية قد تؤدي إلى استجابات متعارضة، فهي إما أن تؤدي إلى الخضوع الزائد عن اللزوم للمتسلط، أو النبذ التام لسلطته والتمرد عليه. كما أن هذه العلاقة التسلطية تلغي الحرية مثلما تلغي الحوار والتفاهم في الأسرة وفي المجتمع وكذلك في السلطة، أي تلغي السياسة، من حيث هي فعل حواري بين أفراد مستقلين يتخطى العائلة إلى السلطات الحاكمة التي هي أساسا سلطات عائلية أيضا، تهتم بمصالح العائلة لا بمصالح الشعب والوطن. وهكذا ينتقل الاستبداد والتسلط من العائلة الأبوية إلى السلطة الحاكمة.

كما تقوّي العلاقة التسلطية التنظيم البيروقراطي، الذي يقوم على القمع والطاعة والخضوع ويحوّل الأفراد إلى مجرد آلات بحيث تمسخ شخصياتهم وتغتصب حقوقهم وتمتلخ إنسانيتهم. وبهذا المعنى فإنّ هذا النوع من الاستبداد لا يعني بلوغ الرشد، وإنما اللارشد، الذي لا يحرّر الإنسان، وإنما يقيده بسلاسل من الجهل والخوف والخضوع، بحيث يفقد المرء الثقة بنفسه والاحترام المتبادل مع الآخر وكذلك مع المجتمع. وهكذا يكشف النظام الأبوي الذكوري عن وجهه الاستبدادي القمعي وترسيخه لقوة الموروث التقليدي.

ويرتبط بالنزعة الأبوية الاستبدادية عوائق وتحديات واجهت المسألة السياسية التي ما زالت مطروحة حتى الآن، حيث بقيت الحرية وأزمة الدولة والسلطة دونما حلّ لتحديد العلاقة بين الحاكم والمحكوم وبقيت مجرد أمنية بعيدة عن التحقيق منذ استقلال الدول العربية والسعي لتحقيق الدولة القومية ذات المضمون الاجتماعي-السياسي وتأسيس قواعد قانونية ثابتة تقوم أساسا على الفصل بين السلطات والعدالة والمساواة أمام القانون وتحقيق المواطنة الحرة، ومازال العالم العربي يشهد تغيبا شبه كامل لمثل هذه القواعد القانونية والدستورية، بل وانحسارا كبيرا في شرعية السلطة والتفرد بها وبصنع القرار، مما يفسح المجال إلى إعادة إنتاج، بل وترسيخ ما قبل الدولة القومية بمكوناتها الإثنية والقبلية والطائفية وتحول الولاء إليها على حساب الوطن والدولة والهوية.

إن من نتائج «الدولة الأبوية» الاستبدادية والتخلف وقمع الحريات هذه الردة الحضارية التي يعيشها العالم العربي اليوم، التي أنتجت دولا تتسلط بالقوة والبطش على جميع مؤسسات الدولة والمجتمع بأيديولوجيتها الشمولية وتحتكر السلطة للهيمنة على المنظومات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، وكذلك القوى الاجتماعية باسم الأمة والشعب والقانون وكذلك تماهي الرؤساء إلى رموز تأليهية تعلو على المراقبة والمحاسبة، مستخدمة جميع أدوات القوة والقهر لإخضاع الأفراد وإجبارهم على الطاعة والخضوع.

وتشكل العائلة في المجتمعات الأبوية-البطريركية، كما في المجتمعات العربية عموما، بنية أبوية-ذكورية تعمل على بناء شخصية تابعة تميل إلى الخضوع للكبار والإذعان للعائلة وكذلك للسلطة عبر تربية أبوية صارمة تعلّم الأفراد التلقين والخضوع والطاعة العمياء. وحينما ينشأ الأولاد، يقوم الولد بتقليد الأب ومحاكاته وأخذ دوره في التسلط على أخته أولا ثم على عائلته بعد الزواج ثانيا. وتقوم البنت بتقليد الأمّ وأخذ دورها التابع والانصياع إلى أوامر الذّكر ونواهيه. وينتقل التسلط من العائلة إلى العشيرة ومنها إلى المدرسة والشارع والدوائر والمصانع وإلى جميع المؤسسات الرسمية وغير الرسمية.

إن الخضوع وعدم مخالفة الأوامر تجعل الفرد ينفذ تلك الأوامر دون أيّ تفكير أو رفض أو احتجاج. وبذلك يكون الطفل المطيع «ولدا طيبا يسمع الكلام دائما». ولكن عندما يكبر الولد المطيع ويتكيّف مع ضرورات المواقف تحدث عنده ردود أفعال متناقضة ويبدأ بتطوير عدوانية مكثفة ضد الأب وضد المعلم وكذلك ضد الموظف والشرطي وغيرهم، كما يضطر، بسبب الخوف والاحترام الزائد للقيم والأعراف، إلى كبت هذه العدوانية، التي من الخطر عليه إظهارها، غير أنها تتحوّل بالتدريج إلى عامل ديناميكي في بناء شخصيته وتكوّن لديه قلقا واضطرابا وتدفعه إلى أن يخضع إلى أكثر من جهة، وفي ذات الوقت، تخلق له تحديات وردود أفعال عدوانية أحيانا موجهة إلى الآخرين وإلى الحياة نفسها بصورة عامة. كما أن ردود الأفعال هذه تؤثر سلبا على شخصيته وتطوّر بمرور الزمن سمات جديدة وتصبح جزءًا من شخصيته.

ومن المعروف أن السلطة الاستبدادية غالبا ما تبحث عن الإنسان الضعيف الخاضع وتحاول تطويع عقله ضمانا لتطويع جسده وتستخدم لذلك آليات مختلفة من بينها قتل البعد العقلاني النقدي وتحريفه وتطوير مسلمات تبريرية، كنظرية المؤامرة والأعداء الجدد وغيرها لخلق مسوّغات تساعد على فرض قيود ومحرمات وعوائق تقيد الفكر وتصب عادات وأنظمة جديدة في قوالب جاهزة في البنية الذهنية تقف سدا منيعا أمام أيّ مقاومة تبديها الفئات الاجتماعية المقهورة، التي تفضي بمرور الوقت إلى تطويع الجسد وإخضاع العقل وإضعاف الإحساس بالمسؤولية، التي تسهل عملية الخضوع.

إن الإنسان الضعيف والعاجز أمام القوة الأبوية المتسلطة التي يفرضها الحاكم أو الشرطي أو الشيخ أو المعلم أو الموظف الذي يمتلك صنع القرار إذا لم يستطع التملص من التسلط فليس أمامه سوى الرضوخ وبذلك يفقد السيطرة على مصيره ومستقبله. وبدلا من المقاومة والرفض يقوم بسلوكيات تعويضية كالتزلف والاستسلام والمبالغة في احترام المتسلط وتبجيله، اتقاء لشره من جهة، والطمع في رضاه من جهة ثانية، والأمل في العيش بسلام لأنه لا يستطيع الرفض والتمرد والمجابهة من جهة ثالثة. وفي هذه الحالة تنعدم علاقة التكافؤ لتحل محلها علاقة التشيؤ، وذلك لعدم وجود اعتراف بالأنا كقيمة إنسانية. وهكذا تتطور علاقة جديدة ومن نوع آخر حيث يصبح «الآخر هو الجحيم». وكلما تتضخم ذات المتسلط تفقد ذات العاجز أهميتها واعتبارها وفاعليتها حتى لتكاد تفقد إنسانيتها مثلما تفقد الإحساس بمعاناة الآخرين والتعاطف معهم وكذلك تزداد المخاوف من الآخر والحاجة إلى الأمن والطمأنينة ويصبح الإنسان نهبا للقلق واللامبالاة، بحيث ينطبق عليه قول المتنبي «مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الهَوَانُ عَلَيهِ/ما لجُرْحٍ بمَيّتٍ إيلامُ».


باحث من العراق مقيم في لندن