تجديد الدفاع عن شريعة الغاب

ما الذي يفعله عربي يرى كل هذه الفوضى والخراب والاستبداد في عالمه الكبير والصغير ويصرخ بأعلى صوته خلاصا ونجاة مما هو فيه ولا أحد يستمع إلى ندائه أو مطالبه أو يحس بوجعه؟

الجديد  أحمد برقاوي [نُشر في 01/07/2016، العدد: 18، ص(22)]

لوحة: عمر إبراهيم
ماذا نفعل ونحن نرى هذا الخراب الذي أسست له الدكتاتوريات العسكرية الأمنية المتخلفة والدمار الذي ألحقته بالأوطان، ماذا نقول عن تحطيم القيم الذي يتسع ويتسع إلى الحد الذي ليس بمقدور عقل سليم أن يتصوره؟

أيها العرب العاربة والمستعربة والغريبة والمغاربة عودوا إلى شريعة الغاب أولاً، أجل نريد عالماً عربياً تسود فيه شريعة الغاب. أجل، شريعة الغاب، لا يستغربنّ أحد دعوتنا هذه. وتسألون لماذا؟ أنا سأجيبكم.

الأهم وقبل كل شيء هو أن شريعة الغاب هي شريعة، أي عالم له قوانينه الطبيعية. وعالم بقوانين الطبيعة يجري على الناس وينظم حياتهم خير من عالم بلا أيّ قانون، ولهذا أريد شريعة الغاب وأدعو إليها شريعة في بلاد العرب، البلاد التي لا شريعة طبيعية فيها أو مدنية.

في شريعة الغاب الغابة مكان للجميع، وكل حيوانات الغابة حرة في التجوال والرعي والتنقل. فلا جوازات سفر ولا حدود ولا هم يحزنون في أنحاء الغابة.

في شريعة الغاب الملكية تقوم وفق مبدأ لكل حسب حاجته، إذا شبع أحد الحيوانات الآكلة اللحوم يرتاح ولا يطلب المزيد، وهناك اعتراف بحق آكلة اللحوم بالافتراس، ولكن حسب الحاجة، وليس افتراس أحد الوحوش لكل حيوانات الغابة. نريد وطناً عربياً يسوده هذا القانون الجميل الافتراس من أجل البقاء. ‏

شريعة الغاب لا تسمح لأحدٍ أن يلبس ثوب أحدٍ ويحتل مكان أحد.‏ فحمار الوحش رغم جماله لا يسعى لأن يكون ملك الغابة، ولا يحمله ملك الغابة على الخضوع له صاغراً، ولا يحمل أحداً على أن يركبه.‏ أو أن يستغله لأعمال مرهقة. في الغابة كل شيء حقيقي، فالأسد أسد حقيقي وليس في الغابة غنمة أعلنت نفسها أسداً. وما من دجاجة لعبت دور الثعلب، وما من جرذ يتنمر على نمر.

يكمن جمال شريعة الغاب في أن الحيوانات من فصيلة واحدة تتشاجر ولا يقتل أحدها الآخر في الغالب، كما لا يمثل أحد بجثة الآخر ولا يحقد أحد على أحد. نريد شريعة تسود في عالم العرب على هذا النحو من التسامح. ‏

شريعة الغاب شريعة تسمح لكل حيوانات الغابة أن تمارس حياتها بحرية دون قمع ومنع وعسس وسجون ورجم، إن عالمها عالم الحرية المستند إلى قواعد اللعبة الطبيعية.

شريعة الغاب شريعة حضور الاختلاف والاعتراف بالاختلاف، تنوع هائل لأصناف الحيوانات، لا يفرض صنف على الآخرين أن يكون مثله في السلوك. فلا تطالب الزرافة من الذئاب أن تسلك سلوكها.‏

في شريعة الغاب يسود مبدأ القوة، فالقويّ يأكل الضعيف كي يعيش، ولا يمكن لكائن صغير ضعيف أن يخيف كائناً قوياً كبيراً. فالفأر لا يخيف الفيل. والفيل لا يتوسل رضا الفأر والصراع صراع بقاء والبقاء للأصلح والأذكى.‏ وداخل كل صنف من أصناف الحيوانات قوانين تحكم العلاقات بينهم.

شريعة الغاب تحرّم على أيّ نوع من أنواع الحيوان تدمير الغابة، بل على العكس جميع الحيوانات تحرس الغابة من الزوال والاندثار وتحمي تجددها الدائم بشكل عفوي وتلقائي، وإلا لما ظلّ حيوان على قيد الحياة.

في الغابة جميع الحيوانات متساوية بحق اللعب والراحة والمتعة كل فصيلة وفق ما ترتئي من ممارسة حياة اللهو. فحرية المتعة في شريعة الغاب مصانة وفق أعراف وقيم سنّتها الطبيعة وحدها.

أجل يا سادة يا كرام أنا أدعوا إلى شريعة الغاب أن تسود في عالم العرب في هذه اللحظة من التاريخ.

لأنك لو سألت ما الشريعة التي تسود عالم العرب، لجاءك الجواب لا شريعة في عالم العرب.

ففي عالم العرب الفأر يختال مزهواً أمام النسر، والنسر يجلس في عشه خائفاً من غدر الضب، الوطاويط تتربع على عروش هنا وعروش هناك وأسراب النحل تمضي عمرها خادمة لها. الحمير تسوّر مكاناً لها وتقول للجميع هذا المكان لي، وتهرع الثعالب لتتحلّق حول الحمير ولتدبج لها قصائد المديح بصوتها العذب. الذئاب تموت من شدة القهر وهي ترى الأرانب تتصدر عرش الغابة.

في العالم العقلي انتقل الإنسان من شريعة الغاب الطبيعية إلى الشريعة المدنية لتجاوز مثالب شريعة الغاب وأخطارها، أما عالم العرب اللاعقلي الاستبدادي، عالم القهر والخنوع فقد حطموا شريعة الغاب وعادوا إلى ما هو أدنى منها بكثير. فالعودة إلى شريعة الغاب مرحلة للعودة إلى الشريعة المدنية، فالانتقال من شريعة طبيعية إلى شريعة مدنية أسهل من الانتقال من مرحلة ما قبل الشريعة إلى الشريعة. المستبدون الصغار جداً أعادونا إلى ما قبل شريعة الغاب، والطائفيون الأسافل يحاربون كي نبقى فيما قبل القانون الطبيعي، والرايات السوداء والصفراء تدمر روح الحياة، أترانا بعد هذا نلام إذ ندعو إلى شريعة الغاب.‏


كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات