الثقافة‭ ‬الرسميّة‭ ‬والثّقافة‭ ‬المضادّة

تونس‭ ‬ماضيا‭ ‬وحاضرا

الجديد  حسونة المصباحي [نُشر في 01/07/2016، العدد: 18، ص(28)]

لوحة: محمد عرابي
منذ‭ ‬آنهيار‭ ‬نظام‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬مطلع‭ ‬عام‭ ‬2011،كثر‭ ‬الحديث‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الأعلام‭ ‬بمختلف‭ ‬أنواعها‭ ‬وأيضا‭ ‬في‭ ‬النّدوات‭ ‬التي‭ ‬تنتظم‭ ‬هنا‭ ‬وهناك‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الملتقيات‭ ‬أو‭ ‬النّوادي‭ ‬عن‭ ‬أوضاع‭ ‬الثّقافة‭ ‬التّونسية‭ ‬منذ‭ ‬الإستقلال‭ ‬وحتى‭ ‬هذه‭ ‬السّاعة‭. ‬وثمّة‭ ‬كثيرون‭ ‬لا‭ ‬يتردّدون‭ ‬في‭ ‬القول‭ ‬بإن‭ ‬ّبلادنا‭ ‬عاشت‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود‭ ‬طويلة‭ ‬‮«‬تصحّرا‭ ‬ثقافيّا‮»‬‭ ‬وعلى‭ ‬جميع‭ ‬المستويات‭.‬

لذا لا بدّ من العمل على إعادة الاعتبار للثّقافة والمثقّفين من أجل مستقبل أفضل لبلادنا التي تعيش وضعا جديدا يتميّز بالحريّة واحترام الرأي الآخر وبعدّة عوامل إيجابيّة أخرى تتيح انبعاث ثورة ثقافيّة بالمعنى الحقيقيّ للكلمة. غير أن هذا التّشخيص يظلّ مُسطّحا، مُخفيا لحقائق مهمّة يتوجّب التّوقّف عندها لكي تكون الصّورة واضحة وجليّة. لكن قبل أن أتقدّم بتشخيصي للثقافة في تونس في ماضيها وحاضرها، أودّ أن أشير إلى أن القمع والاضطهاد والتّسلّط والاستبداد وما ينجرّ عن كل هذا لم يعطّل الإبداع والخلق الفنّي بل كان مشجّعا لهما في جميع الأزمنة والعصور، وفي كلّ المجتمعات بطريقة غير مباشرة. والأمثلة على ذلك كثيرة. غير أنّنا سنقتصر على العصر الحديث. ففي روسيا، قبل اندلاع الثّورة البلشفيّة، لم يمنع الطّغيان القيصري من ظهور أعمال عظيمة في الرّواية والفلسفة والشّعر، وفي غير ذلك من أنواع الفنون والآداب. وتلك الأعمال التي أبدعها كتّاب وشعراء ومفكرون من أمثال تولستوي وغوغول ودستويفسكي وتورغينييف وتشيكوف وبوشكين وباردييف ومكسيم غوركي، وغيرهم، فتحت عيون الرّوس على واقعهم المرير لتدفعهم في ما بعد إلى الثورة على النظام الظّالم والإطاحة به. وقد ظنّ الكثيرون أن وضع الثقافة سيكون أفضل بعد الثّورة غير أن الأحداث سرعان ما أثبت أنهم كانوا واهمين. فباسم الثّورة، وباسم البروليتاريا، وباسم المبادئ الماركسيّة-اللينينية شرع زعماء الحزب البلشفي في ملاحقة المثقفين والمبدعين والفنّانين مُصدرين الأوامر والقوانين لتكميم الأفواه المحتجّة والغاضبة. ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ بل إن ستالين أرسل إلى المشانق وإلى المحتشدات الرّهيبة في سيبيريا، المئات من المثقفين والمبدعين اللامعين ليقضي أغلبهم هناك قهرا وجوعا، أو ليموتوا ببطء أمام أعين حرّاسهم الأشدّاء. وأمّا الذين أشادوا بالثورة في بداياتها ومجّدوها في قصائدهم وفي أعمالهم قبل أن ينتبهوا إلى الفظائع التي انجرت عنها، فقد فضّلوا الانتحار. وهذا ما فعله إسينين وماياكوفسكي على سبيل المثال لا الحصر. وثمّة آخرون فرّوا إلى المنافي ليعيشوا مراراتها مثل نابوكوف الذي سيجد نفسه منجذبا في ما بعد للكتابة باللغة الإنكليزيّة. وأمّا بوريس باسترناك فقد اختار البقاء في بلاده ليعيش الغربة الدّاخليّة المرّة والعصيبة. وعندما أصدر روايته الشّهيرة “الدّكتور جيفاكو”، التي أدان فيها العنف والتطرّف في الثورة البلشفيّة، شنّ عليه الحزب الشيوعي الحاكم حملة شعواء متّهما إيّاه بـ”الخيانة الوطنيّة” وبـ”العمالة للغرب الرّأسمالي”.

لذلك يمكن القول إن التصحّر الثّقافي بدأ في روسيا بعد الثورة. بل إن هذه الثورة وضعت حدّا لحركة ثقافيّة وفنّية وفكريّة وإبداعيّة عظيمة لم تشهدها روسيا قبل ذلك. وهذا ما حدث في أغلب البلدان التي شهدت ثورات مثل الصّين وكوبا وفيتنام. وفي بلد عربيّ مثل مصر، كان وضع الثقافة في العهد الملكي يتميّز بإيجابيّات كثيرة. ورغم العراقيل والمضايقات وسلطة الرّقابة، تمكّن المثقّفون والفنّانون والمفكّرون من إبداع وإنتاج أعمال عظيمة جعلت من القاهرة في ذلك الوقت عاصمة للثقافة العربيّة الجديدة بامتياز. فلمّا تمّت الإطاحة بالنّظام الملكي، بدأ الوضع الثقافي يتعفّن، ويشهد هبوطا واضحا على جميع المستويات. ويعود ذلك إلى الرّقابة الشديدة التي سلّطها عبدالنّاصر على الإنتاج الأدبي والفكري، وإلى قمعه للمثقفين المعارضين لنظامه. وهكذا راح البؤس الثقافي يزداد تفاقما يوما بعد آخر ا ليؤدّي إلى هذا الوضع المزري الذي تعيشه بلاد النّيل راهنا حيث انتشرت ثقافة الموت وعذاب القبر والفتاوي الصّفراء..

أعود إلى تونس لأقول بأن تاريخنا المعاصر يكشف لنا أنّ الفترات المضيئة في ثقافتنا كانت دائما وأبدا مرتبطة بالأوقات التي يحتدّ فيها الصّراع بين القديم والجديد، وفيها يتجلّى الطّموح من أجل التّحديث والإصلاح. ففي مطلع القرن العشرين، أي عندما أخذت الحركة الإصلاحيّة الحداثيّة تستعيد حيويّتها، وتستردّ أنفاسها القويّة بعد الضّربة القاسية التي أصابتها في أواخر العقد الثّالث من القرن التّاسع عشر، أي إثر سقوط حكومة خيرالدّين باشا، أصدر الشّيخ عبدالعزيز الثعالبي الذي كان شابّا في ذلك الوقت، كتابه الشّهير “روح التّحرّر في القرآن”. وفي هذا الكتاب نحن نجد أنفسنا أمام أطروحات جريئة وأفكار تقدّميّة لم يتورّع أحد من قبل على طرحها أو على الجهر بها لا في تونس ولا في العالم الإسلامي برمّته!

فقد تطرّق العالم الشابّ الذي كان منبهرا إلى حدّ بعيد بحركة النّهضة العربيّة التي انطلقت في أواسط القرن التّاسع عشر، إلى العديد من القضايا السّاخنة في عصره والتي لا تزال على هذه الصّورة إلى يوم النّاس هذا، مثل قضية التّسامح والحجاب وحرّية المرأة وفصل الدّين عن الدّولة والانفتاح على الغرب، وإلى غير ذلك من القضايا.

وما يمكننا أن نستخلصه من هذا الكتاب هو أن صاحبه دعا إلى ضرورة جعل القرآن دستورا دفاعا عن التّحرّر والتّقدّم والرّقيّ، مهيبا بالعلماء المسلمين للعمل على تنوير مجتمعاتهم لكي تتمكّن من الخروج من عصور الانحطاط والتّخلّف والقهر. وقد أثار كتاب “روح التّحرّر في القرآن“ جدلا واسعا في أوساط النّخبة التّونسيّة بجميع فصائلها وتيّاراتها. وكان من الطبيعيّ أن يجد الفصيل المتطلّع للتحرّر والتّجديد من النّخبة التّونسيّة في الكتاب ما يدعم مواقفه وآراءه وطموحاته.

أمّا الأوساط المحافظة فقد شنّت عليه حملة ضارية متّهمة صاحبه بالكفر والإلحاد، وبالدّوس على الإسلام ومقوّماته. بل وطالبت هذه الأوساط التي لم تستنكر أبدا المظالم المسلّطة على الشّعب من قبل الاستعمار الفرنسي بتطبيق الحدّ عليه. غير أن الشّيخ الثّعالبي واجه هذه الهجمة الشّرسة بشجاعة، ورباطة جأش رادّا على خصومه بالحجّة وبالدّليل. وقد أحدث كتاب “روح التحرّر في القرآن” تأثيرا قويّا في النّخبة التّونسيّة الصّاعدة مكسبا إياها أسلحة فكريّة جديدة وناجعة لمواجهة الأوساط المحافظة والمتعصّبة الرّافضة للتّقدّم والرّقي.

بعد الحرب الكونيّة الثّانية سوف تتجدّد المعركة بين المناصرين للتقدّم والتّحديث، والرّافضين لهما، لتشمل في هذه المرّة مجالات أخرى غير مجال الدّين والفقه وما يتّصل بهما. فقد برزت للوجود أجيال شابّة طموحة ومتعطّشة للمعارف الحديثة ولثقافة تعكس العصر وتتفاعل مع التحوّلات التي كان يشهدها المجتمع خصوصا في المدن الكبيرة.

وكان واضحا أن هذه الأجيال الجديدة تتطلّع إلى الغرب للتّسلّح بالوسائل الممكنة لمواجهة المرحلة الجديدة بكلّ متطلّباتها. وفي هذه الفترة ولد في تونس تيّار فكريّ جديد أعني بذلك الفكر الاجتماعي متجسّدا في الطّاهر الحدّاد. ورغم أنّ هذا الأخير كان من طلبة جامع الزّيتونة، فإنه انجذب مبكّرا إلى الأفكار التحرّريّة والإصلاحية ليدافع عنها في ما بعد بشراسة وبإيمان عميق. ومن المؤكد أن ذلك كان عائدا إلى تأثره بحركة النّهضة وبما ورد في كتاب “روح التّحرّر في القرآن”. كما كان عائدا للتّأثيرات التي أحدثها فيه صديقه محمّد علي الحامّي الذي أقام في برلين قرابة الستّة أعوام عاد منها بتجربة فكرية وسياسيّة في غاية الأهمّية ليؤسّس اعتمادا عليها أوّل اتّحاد للنقّابات في بلادنا. وبفضله هو الذي عاش عن كثب وقائع اغتيال روزا لوكسمبورغ المناضلة الاشتراكية الفذّة، أصبح الطّاهر الحدّاد نصيرا للعمّال، وعنهم وعن أوضاعهم سيكتب. كما سيكتب عن طوافه مع محمد علي الحامّي عبر البلاد من شمالها إلى شرقها لبعث نواتات نقابيّة.

بعد الضّربة القاسية التي وجّهتها السلطات الاستعمارية للحركة العمّاليّة الفتيّة عام 1925، انشغل الطّاهر الحدّاد بقضيّة لا تقلّ خطورة وأهمّيّة عن قضيّة العمال، أعني بذلك قضيّة المرأة. وفي كتابه «امرأتنا في الشّريعة والمجتمع» نجده يناصر تحرّرها من التّقاليد البالية، ومن كلّ ما يمنعها من المشاركة الفعليّة في بناء وتقدّم المجتمع الجديد الذي إليه يطمح التونسيّون. وفي هذه المرّة كانت ردّة فعل الأوساط المحافظة عنيفة وقاسية إلى أبعد الحدود. فبالإضافة إلى تهم الإلحاد والكفر والتّعدّي على الدّين، حرّض المتزمّتون العامّة والرّعاع على الاعتداء بالضّرب على صاحب الكتاب المذكور، بل على قتله كعدوّ للإسلام والمسلمين. وبسبب المظالم التي تعرّض لها والإهانات المشينة التي كان ضحيّتها، مات الطّاهر الحدّاد كمدا وقهرا وهو في السّادسة والثلاثين من عمره.

بعد الحرب الكونيّة الثّانية سوف تتجدّد المعركة بين المناصرين للتقدّم والتّحديث، والرّافضين لهما، لتشمل في هذه المرّة مجالات أخرى غير مجال الدّين والفقه وما يتّصل بهما. فقد برزت للوجود أجيال شابّة طموحة ومتعطّشة للمعارف الحديثة

إلى جانب الفكر الاجتماعي ظهرت تيّارات في المجال الأدبيّ يدعو أتباعها إلى التّجديد وإلى الثّورة على القديم. وكان أبو القاسم الشابّي أول من انتقل بالشعر التونسي الذي كان يعاني إلى حدّ ذلك الوقت من الابتذال والسطحيّة والرّكاكة، إلى الحداثة بالمفهوم الحقيقي للكلمة. ورغم أنه كان “يطير بجناح واحد” كما كان يحبّ أن يقول للإشارة إلى جهله باللغات الأجنبيّة، فإنّه تمكّن بفضل صديقه محمّد الحليوي من الإلمام بجوانب مهمّة من الشعر الأوروبيّ، وتحديدا الجانب الرّومانسيّ منه. وهذا ما يبرز في ديوانه “أغاني الحياة” وأيضا في كتابه النّظري البديع “الخيال الشّعريّ عند العرب”. وقد تلقّت الأوساط الأدبيّة المحافظة الرّؤية الشعريّة الجديدة للشابّي وكأنّها صفعة، أو كأنّها دعوة للتّمرّد عليها، وعلى مفاهيمها للأدب والحياة. لذا تصدّت لها بعنف، وحاربتها بشدّة، مجبرة صاحبها على الهجرة بقصائده إلى مجلّة “أبولو” المصريّة التي كانت في ذلك الوقت منبرا للحركة الرومانسيّة في المشرق العربي. ولم تكتف تلك الأوساط بذلك، بل لجأت إلى الدين لتكفير الشابّي الذي كان يعاني منذ الطفولة من مرض القلب ليزداد وضعه الصّحّيّ سوءا فيموت وهو في الخامسة والعشرين من عمره.

ولم يقتصر الشابي على الدّعوة إلى تجديد الشعر، بل دعا إلى ضرورة تحرير المجتمع من مخلّفات عصور الظّلام والانحطاط حتى لا يكون الشّعب مجرّد “جذوع خاوية”. ومثل كلّ الرّومانسيّين الثوريّين كان الشابّي يرى أنه ليس بإمكان المجتمع أن يكون حيّا وجديرا بأن يكون له مكان تحت الشّمس، إلا بثورة ثقافيّة توقظه من التّحنّط ومن الكساد والخنوع.

وفي هذه الفترة الغنيّة بمختلف التّجارب، أي فترة ما بين الحربين، لمع في المشهد الثّقافي التّونسي تيّار أدبيّ آخر والمتمثّل في ما أصبحوا يسمّون بـ”جماعة تحت السّور”. و”تحت السّور” هو اسم المقهى الذي كانت ترتاده هذه الجماعة والواقع في حيّ باب سويقة الشّعبيّ. والواضح أن هذه الجماعة التي تنتمي إلى أوساط فقيرة أو متوسّطة الحال، والتي كانت تعيش البطالة، وتكابد متاعب الحياة ومصاعبها، تأثّرت مبكّرا بالأدب الفرنسي في مجال الشعر والقصّة والرواية والمقالة وأدب الرّحلة كما هو الحال في كتاب “جولة بين حانات البحر المتوسّط” لعلي الدوعاجي. ورغم الإنتاج القليل الذي تركته هذه الجماعة في مجال القصّة والأزجال، فإنّ تأثيرها في الثقافة التّونسيّة كان مهمّا إذ أنها أتاحت للأدب أن يكون متّصلا بالواقع وملتصقا بقضايا النّاس الفقراء ومتوسّطي الحال بالخصوص. كما أن هذه الجماعة أوجدت أنواعا من الأدب كانت مجهولة من قبل مثل القصة القصيرة والمقال النقدي الجريء الذي يتطرّق إلى المواضيع المحرمة مثل الدين والجنس.

أما الظّاهرة البارزة الأخرى فتمثّلت في كتابات المسعدي الذي عاد من فرنسا حيث كان يدرس في جامعة “السّوربون” محمّلا بأفكار جديدة تولّدت عنده بعد قراءته لأعمال الكبار من الغربيّين في مجال الفلسفة والأدب، من أمثال شوبنهاور ونيتشة وسارتر وكامو ومالرو وغيرهم. والجديد الذي أتى به المسعدي هو ذلك الأدب الذي يقوم على التّأمّلات الذّهنيّة والفلسفيّة وعلى التجريد. وخلافا لجماعة “تحت السّور” الذين بسّطوا اللغة وعملوا على تطعيمها باللغة اليوميّة وتحريرها من البلاغة الثقيلة، عمد المسعدي إلى إعادة الإشراق للّغة العربيّة القديمة كما كان حالها عند أبي حيّان وابن المقفّع، والمتصوّفة من أمثال محي الدين بن عربي. وقد كان المسعدي كلاسيكيّا في لغته، غير أنه كان حداثيّا في أفكاره وفي نظرته للحياة وللوجود. ففي “السدّ” مثلا، هو يتطرّق إلى طموح الإنسان لتحدّي ما يبدو له مستحيلا. وفي “حدّث أبو هريرة قال…”، هو يطرح قضيّة ميتافيزيقيّة شائكة ومعقّدة تتّصل بحيرة العربيّ المسلم في العالم المعاصر. ويتوجّب علينا أن نشير أيضا إلى أنّ اختيار المسعدي الكتابة بلغة صعبة وقديمة كان اختيارا متعمّدا وذكيّا. ففي تلك الفترة، فترة ما بين الحربين، كان المتفرنسون ودعاة الدّارجة يشكّكون في قدرة اللّغة العربيّة على التّجددّ ومواكبة العصر، وبالتالي هي في رأيهم لغة ميّتة لا قدرة لها على أن تكون لغة أدب يعكس الواقع الجديد ويعبّر عن مصير الإنسان الحديث. إلا أن المسعدي تحدّى هؤلاء مثبتا من خلال ما كتب أن اللّغة العربيّة لا تزال تتمتّع بالحيوية، وأنّ أمر تجديدها موكول إلى أهلها.

بعد الاستقلال ستعيش الثّقافة التّونسيّة أوضاعا مختلفة عن تلك التي عاشتها قبل ذلك. ففي هذه المرّة لن يكون الصّراع قائما بين القديم والجديد كما كان الحال في النّصف الأوّل من القرن العشرين وإنّما سيتّخذ منحى آخر ليصبح بين الثقافة الرّسميّة التي يمثّلها النّظام القائم، وبين الثّقافة المضادّة. واللافت للانتباه هو أن النّظام البورقيبي احتضن في البداية الأدب الجديد في القصّة والشعر والمسرح وكافّة التّعابير الفنّيّة الأخرى، وفتح صفحات جرائده ومجلاته للمواهب الشابّة الرّاغبة في التّجديد، والمنتقدة لأوضاع البلاد على مختلف المستويات. وهذا ما فعلته جريدة “العمل” الناطقة باسم الحزب الحاكم في ذلك الوقت. كما فعلته مجلّة “الفكر” لصاحبها محمد مزالي الذي كان من رموز النّظام. وعلى مدى خمس سنوات من عقد الستّينات من القرن العشرين شهدت الثّقافة التّونسيّة انتعاشة لم تشهدها من قبل أبدا. وكانت الجرائد والمجلاّت الرّسميّة تنشر قصصا وأشعارا ونصوصا نقديّة ومسرحيّة تتعارض مع السّياسة القائمة، وتنتقد الأوضاع المزرية التي تعيشها الطّبقات الكادحة، وفقراء الفلاحين في الأرياف. كما كانت تنتقد بسخرية التّزمّت الدّيني وتغلغله في العقول والنّفوس. وكان واضحا أن أصحاب تلك النّصوص متأثرون بالموجات الطّلائعيّة في الأدب الفرنسي والعالمي، مثل السّورياليّة والرواية الجديدة والوجوديّة. ولم تكن الواقعيّة الاشتراكية غائبة عن تلك التّأثيرات التي كانت تفعل فعلها في المواهب الجديدة خصوصا في مجال الشّعر. أمّا في النّقد فنلمس تأثيرات لوكاتش ورولان بارت. وكما سبق وأن ذكرنا، كان النّظام يبدو وكأنه متفاعل مع تلك الموجات الجديدة، متقبّلا انتقاداتها اللاذعة غالب الأحيان، أو غاضّا الطّرف عنها. بل إن بورقيبة الذي كان مغرما بالعكاظيّات الشعريّة التي تنتظم بمناسبة عيد ميلاده في قصر «صقانس» بالمنستير، مسقط رأسه، والتي كان يشارك فيها المدّاحون من أصحاب القصيدة الخليليّة، لم يكن يتردّد في استقبال الأدباء الشبّان الذين كان يحتضنهم برنامج “هوّاة الأدب” في الإذاعة التّونسيّة، وجلّهم من المناصرين للموجة الطليعية. غير أنّ الأحداث السّياسيّة التي شهدتها البلاد في السّنوات الأخيرة من عقد ستّينات القرن الماضي سوف تحدث قطيعة بين النّظام والثقافة المضادّة، أو الطليعيّة التي برزت بعد الاستقلال. وكانت المظاهرات الطلاّبيّة التي اندلعت في العاصمة بعد هزيمة حرب 1967 والتي بدت وكأنها تحدّ لا للنّظام فقط، وإنّما لبورقيبة نفسه الذي كان من المعارضين الكبار لسياسة عبدالنّاصر التي أفضت إلى تلك الهزيمة العربيّة المهينة والمذلّة. وأمّا الحدث الثّاني فقد تمثل في تصاعد الغضب الشعبيّ في مناطق مختلفة من البلاد بسبب الفشل الذريع التي أدّت اليه سياسة التّعاضد الاشتراكية. وللردّ على كلّ هذا قام النّظام بإصدار أحكام قاسية على من اعتبرهم محرّضين على المظاهرات والاضطرابات التي شهدتها البلاد. في الآن نفسه أغلق أبواب صحفه ومجلاّته أمام ما سمّي آنذاك بـ”حركة الطّليعة “ مانحا الفرصة في هذه المرّة للثّقافة الرّسميّة لتبسط هيمنتها من جديد متحوّلة إلى أداة للرّقابة تتحكّم فيها وزارة الدّاخليّة بصفة مباشرة. وعلى مدى عقد السّبعينات من القرن العشرين الذي شهد العديد من المحاكمات السياسيّة في أوساط الطّلبة والنّقابييّن والمعارضين من مختلف التّوجّهات سوف تعيش تونس فقرا ثقافيّا وفنّياّ خانقا بسبب انحسار الثقافة المضادة والطليعيّة وسكوت رموزها عن الكلام المباح.

مع ذلك ظلّت نقاط ضوء تتلامع في العتمة، وواحات صغيرة خضراء تخفّف من بشاعة الصّحراء الجرداء. فقد واصلت نوادي السّينما التي كان يسيطر عليها اليساريّون نشاطها متحدّية الرّقابة المسلّطة عليها. وقدّمت فرق مسرحيّة مثل فرقة الكاف بإدارة منصف السويسي، وفرقة قفصة بإدارة رجاء فرحات مسرحيّات اخترقت الخطوط الحمراء التي وضعها منظّرو الثّقافة الرّسميّة بأمر من الحزب الحاكم. وفي أواخر سبعينات القرن العشرين أسّس كلّ من محمد إدريس والحبيب المسروقي وفاضل الجزيري وفاضل الجعايبي فرقة “المسرح الجديد” التي أبهرت أحبّاء المسرح بأعمال بديعة شكلا ومضمونا. وفي المهرجانات الصّيفيّة قدّمت عروضا موسيقيّة وفنّيّة مشرقة أنست الجمهور الثقافي قحط السّنوات العجاف. وثمّة حدث جميل لا يمكن أن ينسى، ففي صيف عام 1974، قدّمت الفنّانة التقدّمية المشهورة جاين بايز حفلا بديعا على ركح مسرح قرطاج الأثري. وفي نهايته حيّت الرئيس بورقيبة راجية منه إطلاق سراح أبنائه الطلبة المساجين فلبّى طلبها وفعل ذلك عشيّة الاحتفال بعيد الجمهوريّة!

مطلع ثمانينات القرن الماضي، عاشت تونس انتعاشة ثقافيّة جديدة أذابت بسرعة جليد السّبعينات. ولعلّ ذلك يعود إلى ما سمّاه البعض بـ”ربيع الدّيمقراطيّة”. إذ أن النّظام ارتأى بعد أحداث “الخميس الأسود” في جانفي 1978، وأحداث قفصة الدّامية تعديل سياسته، والجنوح إلى المصالحة الوطنيّة بهدف التّخفيف من وطأة الاحتقان السّياسي والاجتماعي الذي كانت تعيشه البلاد. لذلك سمح للبعض من حركات المعارضة بالنّشاط وبإصدار صحف. كما أطلق سراح العشرات من المساجين اليسارييّن والنّقابييّن. وفي هذا المناخ “الديمقراطي” استعادت الحركة الثقافيّة حيويّتها فتعددّت الأصوات في جميع مجالات الفنّ والأدب والسّينما والمسرح وفي مختلف التّعابير الأخرى. ومن أهمّ الأحداث المهمّة التي وسمت تلك الفترة يمكن أن نذكر “مسرحيّة غسّالة النّوادر” (هي أمطار بداية الخريف في الدارجة التونسية) التي كانت بديعة في مضمونها وإخراجها وأدائها لذلك أثارت إعجاب المتفرّجين من مختلف الشّرائح، وأبهرت النّخب المثقّفة التي كانت تتطلّع إلى فنّ جديد وأصيل عاكس لواقع البلاد. لذلك كانت مسرحيّة “غسّالة النّوادر” بمثابة الغيث النّافع الذي أعقب جدبا طويلا مزيلا الوحشة والغبار، ومتيحا الفرصة لتفتّح الزّهور واخضرار الأرض. وأمّا الحدث الثقافي الآخر فتمثّل في العرض الافتتاحي لمهرجان قرطاج عام 1980. ففي ذلك العرض التّاريخيّ الرّائع اكتشف التّونسيون، خصوصا سكّان المدن، ثراء الفنّ الشعبيّ وجمال الموسيقى الفولكلوريّة في مختلف مناطق البلاد. وبفضل الشعراء والكتاب الجدد الذين برزوا في تلك الفترة، تمكّنت الثقافة المضادة من أن تفرض وجودها بقوّة مجبرة الثقافة الرسميّة على الانحسار والصّمت. وفي هذه المرّة سيغضّ النّظام الطّرف عن هذه الثقافة الصّاعدة، غير أن الاتجاه الإسلامي الذي سيصبح حركة “النّهضة” في ما بعد والذي كان في طور التشكّل آنذاك، سيحاول في العديد من المرّات التّصدّي لها عبر أدبيّاته أو بالتّهديد والوعيد كما فعل مع البعض من الشعراء والكتاب والفنّانين الذين انتقدوا التزمّت الدّيني والأفكار الظلاميّة التي بدأ يروّج لها في الأوساط المدرسيّة والجامعيّة بالخصوص. وبالاشتراك مع حميدة النّيفر، قام الشيخ راشد الغنّوشي بإصدار كتيب لا يتعدّى الخمسين صفحة من الحجم الصّغير حمل عنوان “ما هو الغرب؟”، وفيه شنّ هجوما عنيفا على كبار فلاسفة الغرب ومفكّريه وعلمائه معتبرا الحضارة الغربيّة حضارة “تفسّخ وانحلال “وناسبا لها كلّ الأمراض والكوارث التي أصابت الإنسانيّة. وعوض تقديم تحاليل لأعمال الفلاسفة الغربييّن، اقتصر الشيخ الغنّوشي وصاحبه على شتمهم بأقذع الشتائم. فماركس “يهودي قذر”، ونيتشة “كلب مسعور” وفرويد “عصابي” الخ… والحقيقة أن الهدف الحقيقي من ذلك الكتيب السّطحي كان التّهجّم على النّخبة التونسيّة المستنيرة والتي كانت رافضة لأطروحات الاتجاه الإسلامي، والتّحقير من شأنها باعتبارها “عميلة للغرب”.

ومنذ التسعينات من القرن الماضي وحتى سقوطه مطلع عام2011، وفّر نظام بن علي للثقافة الرسميّة كل الوسائل الممكنة، المادّية منها والمعنويّة بهدف التّصدّي للثقافة المضادّة بمختلف تعبيراتها غير أنه فشل في ذلك فشلا ذريعا. فقد ظلّت هذه الثقافة تقاوم مختلف العراقيل والعقبات للمحافظة على وجودها. كما ظلّت محافظة على نقاوتها، وعلى قوّتها في رصد الواقع بمختلف تضاريسه وتطوّراته. وهذا ما انعكس في العديد من الأعمال الشعريّة، والقصصيّة والروائيّة والسينمائيّة والمسرحيّة والموسيقيّة وغيرها. أمّا الثقافة الرّسميّة فقد بقيت منكمشة جامدة كعادتها، سجينة المكاتب الرّماديّة، وسطحيّة في مضمونها وشكلها. لذا كان الجمهور العريض ينفر منها ويعرض عنها ويرفضها.

بعد الاستقلال ستعيش الثّقافة التّونسيّة أوضاعا مختلفة عن تلك التي عاشتها قبل ذلك. ففي هذه المرّة لن يكون الصّراع قائما بين القديم والجديد كما كان الحال في النّصف الأوّل من القرن العشرين

الآن، ومنذ انهيار نظام بن علي نحن نعيش مرحلة جديدة في المجال الثقافي. وهذه المرحلة لا تخلو من مخاطر جسيمة. أوّلها العداء الذي تكنّه حركة النّهضة للمثقفين والفنّانين والمفكّرين وهو عداء قديم ومتأصّل في برنامجها وفي منهجها العقائدي. وهذا ما لم يتمكّن واحد من رموزها، أعني بذلك منصف بن سالم وزير التعليم العالي في حكومة “الترويكا” من إخفائه حيث نعت علي الدّعاجي وجماعة “تحت الّسّور” بـ”الكحولييّن” نافيا عنهم دورهم الريادي الكبير في الثقافة التونسيّة المعاصرة. ولأنّ حركة النّهضة تعلم أنه لا كتّاب ولا مفكرين ولا فنّانين حقيقييّن يمثّلونها، ويتعاطفون معها سياسيّا، فإنها ستسعى إلى استمالة البعض من أولئك الذين يكونون دائما قادرين على أن يكونوا صالحين لأيّ زمان ومكان. وأما المعارضون لها فسوف لن تتردّد في أن تستعمل ضدّهم مختلف وسائل التّرهيب. وهذا ما بدأت ملامحه تبرز بوضوح منذ انتصارها في انتخابات 23 أكتوبر 2011. وما إكثارها من دعوة الدّعاة المشارقة المعروفين بتشدّدهم وتعصبهم إلا بهدف الحدّ من نفوذ الثقافة المضادة. وأمّا مطالبة النهضة بفتح كتاتيب ومدارس قرآنية فليس الهدف منه توفير المناخ لانتصار الإسلام الوسطي كما يزعم زعماؤها، وإنّما لضرب المشروع الحداثي والإصلاحي الذي تبنّته مختلف النّخب التّونسيّة منذ خير الدين باشا التّونسي وحتى يوم النّاس هذا، وخلق جيل جديد مناصر لها ولأطروحاتها. ويتمثّل الخطر الثاني في بروز السّلفيّة المتطرّفة والتي يجاهر أنصارها بعدائهم المطلق لمختلف التّعابير الثّقافيّة والفنّيّة. ومنذ سقوط نظام بن علي دأب هؤلاء على التهجّم اللّفظي والمادّيّ على المثقّفين والفنّانين والمفكّرين. كما أنهم أوقفوا ندوات فكريّة ونشاطات فنّيّة. وفي العديد من الجامعات سعوا إلى تطبيق أفكارهم مستعملين في ذلك الخناجر والسّيوف ولم يتردّدوا في الاعتداء بالعنف على الأساتذة وعلى الطّلبة المخالفين لهم في الفكرة والرأي. وما أظنّ أن مثل هذه المظاهر الخطيرة سوف تكفّ بل لعلها ستزداد تفاقما ذلك أن مثل هذه التيّارات معروفة بكرهها للثقافة والمثقفين وميلها إلى استعمال العنف لفرض وجودها. وهذا ما أثبتته الأحداث الأليمة التي عاشتها الجزائر في التسعينات من القرن الماضي حيث قامت الجماعات المسلّحة بقتل وذبح العديد من المثقفين والفنانين والجامعيين المرموقين.

وثمّة ظاهرة سلبيّة أخرى تتوجّب الإشارة إليها وهي استغلال البعض من الانتهازيين لما يسمّونه بـ”الثّورة” لترويج أدب هزيل وفنّ تافه واستخدام شعارات جوفاء لكتابة أشعار أو قصص أو دراسات أو إنتاج أفلام أو مسرحيّات لا هدف من ورائها غير الرّكوب على الأحداث، وتوفير أرضيّة لإعادة الحياة للثّقافة الرّسميّة لكن باسم الثورة في هذه المرّة. وهذا ما تجلّى مؤخّرا حيث أعلن عزّ الدين المدني الذي يرأس لجنة جائزة أبي القاسم الشابي منذ عهد بورقيبة عن إسناد جائزة لأفضل قصيد كتب في تمجيد ما سمّاه بـ”ثورة 14جانفي”! والأمر الذي تتوجّب الإشارة إليه أيضا هو أن هؤلاء الانتهازيين الجدد شرعوا باسم “الثورة “ في ممارسة الإقصاء والتّهميش ضدّ العديد من المبدعين والفنّانين تماما مثلما كان الحال في عهدي بورقيبة وبن علي، بل ربّما أشنع بكثير. لذا يمكن القول إن الثقافة المضادّة لا تزال تواجه نفس العراقيل التي واجهتها في الماضي القريب والبعيد والتي كان الهدف الأساسيّ منها تعطيل قدرات أهلها والفاعلين فيها وخنق أصواتهم وتهميش تطلّعاتهم. ولا تزال الصّراعات الفكريّة النّزيهة التي من شأنها تعميق الحسّ النّقديّ لدينا، وإبعادنا عن الضغائن والأحقاد التي كانت تسمّم الأجواء في الماضي شبه غائبة إن لم تكن غائبة تماما. ومن بين المظاهر السلبيّة الأخرى قلة المجلاّت والملاحق الثقافيّة التي تعنى بالثقافة وبالفنون بجميع أصنافها. والمجلّتان الوحيدتان المتكفّلتان بذلك، أي “الحياة الثقافيّة“ التي تصدرها وزارة الثقافة و”المسار” التي يصدرها اتّحاد الكتاب التّونسييّن هزيلتان بحيث لا ترتقيان إلى مستوى احتضان التعبيرات الثقافيّة والفنيّة التي تزخر بها البلاد. الأمر الآخر الذي تتوجب الإشارة إليه هو سيطرة الجامعيين على الحياة الثقافية بجميع فروعها. وهو أمر بات يمثل خطرا جسيما على الإبداع والفن والحرية الفكرية. ويعود ذلك إلى أن هؤلاء الجامعيين يتعاملون مع الكتّاب والشعراء وكأنهم طلبة يتوجب عليهم الرضوخ إلى إرشاداتهم وتعاليمهم.

إجمالا يمكن القول إن الثقافة المضادة التي جسّدت ولا تزال تجسّد الثقافة في مفهومها الصّحيح والأصيل هي اليوم أمام تحدّيات كبيرة. وعلى الفاعلين فيها أن يتكاتفوا ويتضامنوا لمواجهتها وتذليل العقبات التي ستضعها حركة النّهضة أمام مسيرتهم المقبلة حتى لا تعيش تونس مستقبلا تصحّرا ثقافيّا يتمّ هذه المرّة باسم “الثورة”، أو باسم حماية الدّين والأخلاق والمقدّسات!


كاتب من تونس