أشباح‭ ‬أبو‭ ‬غريب

فصل‭ ‬من‭ ‬رواية

الجديد  عواد علي [نُشر في 01/07/2016، العدد: 18، ص(40)]

لوحة: ريما سلمون
«تعرّضتَ إلى الاغتصاب في سجن «أبو غْريب» أكثر من مرة.

كان عمري 16 عاماً حين اعتقلني الأميركان في الطرف الجنوبي من «الفلوجة». يومها كنا في العشر الأواخر من شهر رمضان وقوات الاحتلال تصبّ على المدينة، من البر والجو، كل أنواع القذائف الفتاكة: صواريخ، قنابل عنقودية وفسفورية، مدفوعةً بروح انتقامية وحشية، بعد أن فرضت عليها حصاراً خانقاً، وقطعت عنها التموين من الخارج نهائياً.

أراد أبي أن يجنّبنا الموت، فأمر أمي بأن تأخذنا، أنا وشقيقتيّ الأصغر مني، إلى بلدة «النعيمية»، رفقة أسرة جارنا بسيارته البيك آب، بينما بقي هو ليقاتل المارينز، الذين سيقتحمون المدينة ريثما يتأكدون أنهم أنهكوها.

خرجنا فجراً، حاملين ما نحتاجه من متاع، وأغذية معلبة جلبها جارنا من دكانه الصغير المجاور لبيته، وتوجهنا صوب حي الشهداء الذي يُعدّ أقرب نقطة ننطلق منها إلى «النعيمية». ما إن اجتزنا الحي، وسلكنا الطريق الترابي، التي ستقطع أوديةً قاحلةً، وكان يستخدمها المهربون، حتى اعترضتنا مركبة همفي كانت تغلق الطريق مع مجموعة مركبات أخرى، ونزل منها جنديان أميركيان شاهرَين سلاحهما، وأخذ أحدهما يتفحص وجوه أمي وشقيقتي وزوجة السائق المحشورين إلى جانبه في مقصورة القيادة، بينما راح الثاني يدور متبختراً حول حوض السيارة، ويتفرّس في وجوه القابعين فيه، وهم أنا وأبناء السائق الثلاثة، الذين لا يتجاوز عمر الكبير منهم الثانية عشرة. فجأةً ركّز بصره عليّ وأشار لي بأن أنزل، فامتثلت له وأمر السائق أن يواصل سيره. لكن أمّي صرخت وفتحت باب السيارة ورمت نفسها عند قدميه، وأخذت تتوسل إليه أن يتركني، إلاّ أنه دفعها ووجه بندقيته إلى رأسها، وأمرها أن تعود إلى مكانها، ففعلت صاغرةً. ثم أطلق بضع رصاصات في الهواء ولوّح للسائق بأن يقود سيارته.

أمسكني من ذراعي وكبّل الثاني معصميّ بالإغلال، وهو يرطن بكلام لم أفهم منه سوى كلمة «Terrorest»، ثم شدّني من أغلالي باتجاه المركبة، وتناول من جندي ثالث، يقف مستنفراً بمحاذاتها، كيس قماش أسود. أدخل رأسي فيه ودفعني إلى بطن المركبة، ووضعني في صندوق خشبي يشبه التابوت وأحكم إغلاقه.

بعد فترة مسير قصيرة قدرتها بأقل من ساعة توقفت المركبة في مكان ما. كانت عظامي تؤلمني وحلقي شديد الجفاف لأنّني لم أذق طعم الماء منذ الليلة السابقة. فتح أحدهم الصندوق وأمسكني من حزامي بعنف وأخرجني منه، ثم سحبني من الطرف السفلي للكيس،كما تُسحب البهيمة، وأدخلني إلى مكان ما، عرفت بعد ستة أشهر أنه المكان الذي تستلم فيه إدارة سجن «أبو غْريب» المعتقلين الجدد.

فتّش أحدهم جيوبي وأفرغ ما في داخلها: هوية الأحوال المدنية، ومحفظتي الصغيرة التي تحتوي على صورة لوالدي، وقليلاً من النقود، وورقة دوّنت فيها بعض الأرقام التليفونية لأصدقائي وأقاربي. ثم سألني، مستعيناً بمترجم، عن اسمي والحيّ الذي أسكن فيه وعدد أفراد أسرتي وأسمائهم، فأجبته. وتشجّعت فسألت المترجم عن سبب اعتقالي وأنا هارب من الموت رفقة أسرتي، فرد عليّ بأن المحقق سيجيبني على سؤالي فيما بعد. وكان يطرق سمعي أثناء ذلك خليط من الأصوات الرجالية والنسائية على مقربة مني.

جرى اقتيادي بعدئذ إلى مكان آخر تُركت فيه وحدي، وسمعت عقب لحظات صوت اصطفاق باب حديدي، فأيقنت بأنه سجن، ثم تأكدت منه حين أخذت أتحسس المكان بقدميّ الطليقتين. وعندما تعبت جلست على حافة السرير الذي اصطدمت به، وأخرجت لساني لترطيب شفتي.

بعد انقضاء حوالي ساعة فُتح باب السجن فنهضت. رفع أحدهم الكيس عن رأسي، وفكّ الأغلال عن معصمي، فأبصرت أمامي، في الضوء الشاحب، عسكرياً مفتول العضلات، حليق الرأس، ذا بشرة يعلوها النمش، يرتدي تي شيرت زيتياً بلا أكمام وبنطلوناً خاكياً مدفون الساقين في بسطار عسكري صحراوي، ويمسك بإحدى يديه عصا وبالثانية كيساً ورقياً. أخرج من الكيس سندويتشةً وعبوة ماء بلاستيكية صغيرة وناولني إياهما، كنت جائعاً وعطشاناً فأخذتهما. شربت نصف العبوة أولاً ثم ركنتها عند رأس السرير، وطفقت أتناول السندويتشة، دون أن أعرف ما بداخلها بالضبط، لكن طعمها بدا مستساغاً.

كان يحدّق إلى وجهي بنظرات شيطانية حادة ويفرك أنفه، فتحاشيته ورحت أجول ببصري حول المكان لاستكشف ملامحه، زنزانة مكفهرة لا نافذ فيها، تهويتها الوحيدة تأتي من بين القضبان، على جدرانها خربشات وكلمات، وآثار زيت طبعتها أكف وأصابع سجناء سابقين. عندما أتممت السندويتشة سألني بلهجة عراقية ركيكة، ذات نبرة جافة، عن اسمي وعمري فأخبرته. خطا بضع خطوات تجاهي، وضغط على ذراعي بقوة وسحبني من أمام السرير إلى وسط الزنزانة، وأخذ يدور حولي. ثم وقف خلفي وأمرني أن أفتح حزامي وأخفض بنطلوني. اجتاحني رعب شديد، فأمسكت بحزامي ولذت بالحائط أحتمي به، وقد تصلّبت أطرافي، وتسارعت دقات قلبي، وتفصّد جبيني بالعرق. تساءلت في دخيلتي «أي تحقيق هذا؟»، ظنّاً منّي أنه المحقق الذي ذكره المترجم. استشاط غضباً وتقدّم إليّ، رفع يده وصفعني على خدي وأعادني إلى مكاني مكرراً أمره بنبرة حازمة. أطعته وأخفضت بنطلوني إلى ركبتيّ، وباعدت بين ساقيّ كي أحول دون نزوله إلى قدمي. لكنه لم يكتف بذلك، بل أزاح بعصاه سروالي الداخلي إلى الأسفل، وأخذ يطبطب بها على عجيزتي، فغطّيتها بكفيّ، لا إرادياً، مرتجفاً من الذعر، وفي رأسي جرس يدقّ منذراً إيّاي بأنه ليس محققاً، وإنما أحد حرّاس السجن يبغي فعلاً منكراً، خاصةً أنني كنت قد سمعت من أصدقائي في المدرسة عن حالات اغتصاب جرت لمعتقلين ومعتقلات في السجون التي يديرها الأميركان. أردت أن أصرخ، لكنني خفت أن ينهال عليّ بالضرب.

فجأةً زعق جهازه اللاسلكي، فأومأ لي أن أرتدي بنطلوني، وتحدث مع شخص ما. لم أفهم ما دار بينهما، إلاّ أنّني خمّنت أن ذلك الشخص طلب منه الحضور، فخرج على الفور، وأغلق باب الزنزانة.

تنفست الصعداء، وحمدت الله، كأن زلزالاً أنقذني. غاب الضوء الشاحب عن الزنزانة، سرت على مهل صوب الباب، حاولت أن أتطلّع إلى الممر من خلال القضبان، دون أن ألمس واحداً منها خشية أن يكون مكهرباً أو يصدر إنذاراً (هكذا خُيّل إليّ)، لكني لم أستطع أن أبصر أبعد مما يسمح به طرفاها اللذان ينتهيان إلى دعامتين اسمنتيّتين، بينما كانت الواجهة المقابلة للزنزانة جدار صلب ليس له نهاية. قلت لنفسي «يبدو أنّهم تعمّدوا ذلك لئلا يرى السجين نظيره المقابل له ويتواصل معه».

لبثت في مكاني، متلفّتاً يمنةً ويسرةً، فلم تتناهى إلى أذنيّ أيّ حركة داخل الممر. أمر مريب، لا يمكن أن يكون السجن هادئاً إلاّ إذا كانت هذه الزنزانة معزولةً، أو أنها في طرف قصيّ خال من السجناء. خطرت في بالي السجون التي سبق أن رأيتها في الأفلام، وأخذت أستحضر مشاهد ممّا بقي عالقاً في ذاكرتي، لكن ثمّة أصواتاً كانت تأتي من بعيد، كأنها خارجة من أعماق كهف. في البدء كانت واهنةً متداخلةً تشبه الحشرجات، ثم صارت قويةً وأكثر وضوحاً فطفقت أصغي إليها بانتباه، وسرعان ما تبيّن لي أن بعضها آهات حزينة وأصوات فيها توجع، وبعضها الآخر عتابة ومواويل يشكو بها أصحابها ما أصابهم من حيف، بلوعة وشجن يفطران القلب، وكأنّهم يخاطبون وجداناً جمعيّاً غائباً، أو يرسلون رسائل إلى الله يستجيرون به.

ارتفعت موجة الغمّ في داخلي، فأجهشت بالبكاء وعدت إلى السرير. أخذت عبوة الماء وجرعت ما تبقى فيها دفعةً واحدةً، لكنّي شعرت بعد لحظات بامتلاء مثانتي، «اللعنة، ماذا أفعل؟ هل أصيح حتى يأتي ذلك الخنزير ويأخذني إلى المرحاض؟ لكني أخشى أن…». نهضت من السّرير.. بقيت حائراً.. مرّت دقائق.. ازداد الوضع سوءاً.. «ساعدني يا الله».. ضغطت على مثانتي.. وفجأةً جاءني الإلهام، تناولت العبوة الفارغة، أدرت ظهري للباب وأدنيت سحّاب بنطلوني وشخخت فيها ورميتها تحت السرير واستلقيت على ظهري.

وددت لو أنّي أستطيع النوم في لمح البصر، إلا أنّني مكثت حوالي نصف ساعة إلى أن شعرت بالنعاس، فأدرت جسمي إلى جنبي الأيمن ووضعت راحتي تحت رأسي ليكون وجهي باتجاه القضبان. بقيت بعض الوقت أتنهّد وأفكّر فيما سأواجهه من مصائب، وأتخيّل ما جرى لأمّي المسكينة بعد اعتقالي، بينما كانت عيناي الواهنتان تُغمضان وتُفتحان إلى أن غفوت.

لا أدري كم من الوقت استغرقته في النوم حين انقضّت عليّ أحلام مزعجة، مبعثرة، لا متناهية، أحلام يستحيل على المرء أن يتذكّر، عندما يصحو، سوى نتف منها.

أفاقتني زمجرة باب الزنزانة ودخول ذلك الحارس ثانيةً. استعدلت ونظرت إليه بخوف أشد مضاءً مما سبق، وهجست أن روحي تفارق جسدي ببطء وتتجه إلى مكان مجهول. كان يحجب عينيه بنظارة كبيرة هذه المرة، فبدا لي مع ظله أطول من المعتاد، يشبه ممثلاً من أبناء جلدته اشتهر بأدوار إجرامية. أشار لي بعصاه أن أنزل من السرير، دون أن يتفوه بكلمة. أردت أن أستعطفه ليرفق بحالي ويتركني أنام بعض الوقت، لكني تذكرت أن استعطاف الوحش أمر عديم الفائدة، فأنّى له أن يفهمني أو يحفل بي؟

نهضت واقفاً، شبكت يديّ على إبزيم حزامي، وأبقيت بصري شاخصاً إلى الأرض. اقترب منّي ورفع ذقني بإصبع واحد، وسألني بلهجته السقيمة:

- هل تريد استعمال المرحاض؟

أجبت من دون تردد:

- لا شكراً.

- لماذا؟

لم أجرؤ أن أخبره بأنني فعلتها في العبوة، قلت:

- مثانتي فارغة.

– والماء الذي شربته؟

- لا أعرف.

- أنت تكذب، تعال معي.

- والله العظيم لا أكذب.

- هل شربته كله، أين العبوة؟

أحسست بالذعر، بم أجيبه؟ ترددت قليلاً، تظاهرت بعدم سماع الجزء الثاني من السؤال وقلت:

- نعم شربته.

صرخ محتدّاً:

- أنت تتغابى! أين هي؟

أشرت إلى تحت السرير.

- أخرجها أريد أن أراها.

انفجرت باكياً وارتميت على طرف السرير، لكنه أمسكني من أذني ودفعني إلى الأرض، وأمرني بأن أدخل رأسي تحت السرير، فامتثلت له وأخرجت العبوة، وأنا ممتلئ بالخوف. حين رآها معبأةً أكثر من نصفها بالبول ضحك ضحكةً مجلجلةً، ثم اكفهرّ وجهه وغمغم:

- أفرغت مثانتك فيها!

قلت مرتجفاً:

- والله فعلتها رغماً عني.

- حسناً، سأجعل مثانتك تمتلئ ثانيةً لتستعمل المرحاض.

ظننت أنه يريد أن يجلب لي عبوة ماء جديدةً، فقلت:

- سأفعل، والله سأفعل.

- اشرب.

- ماذا أشرب؟

- العبوة التي في يدك.

- مستحيل! كيف أشرب هذا؟

- مثلما عبّأته فيها أعده إلى معدتك.

- دخيلك!

- ما معنى دخيلك؟

- أعنّي أرجوك، أتوسل إليك خذني إلى المرحاض لأفرغها هناك.

- بل ستفرغها في معدتك.

- لا استطيع.

صفعني صفعةً كافرةً على خدّي الأيسر ولّدت طنيناً في أذني، وشعرت بأن الأرض تميد بي. تمنيت لحظتها خروج روحي من بدني على أن أنفذ أمره، لكني جرعت العبوة رغماً عني، وكأني أجرع سمّاً، فتدفّق من جوفي، في الحال، شلال أصفر.


كاتب من العراق