السيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬والرواية

تماثل‭ ‬السرد‭ ‬وتباين‭ ‬القراءة

الجديد  إلياس فركوح [نُشر في 01/07/2016، العدد: 18، ص(44)]

تخطيط: حسن موسى
في‭ ‬معرض‭ ‬تقليبه‭ ‬لنقاط‭ ‬اللقاء‭ ‬والافتراق‭ ‬بين‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬والرواية،‭ ‬يشير‭ ‬جورج‭ ‬ماي،‭ ‬بينما‭ ‬يحاول‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬تحديدٍ‭ ‬حاسم،‭ ‬‮«‬إنَّ‭ ‬الرواية‭ ‬والسيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬هما‭ ‬شكلان‭ ‬يمثّلان‭ ‬قطبين‭ ‬لجنسٍ‭ ‬أدبيّ‭ ‬مترامي‭ ‬الأطراف،‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الآثار‭ ‬المنضوية‭ ‬فيه‭ ‬أنها‭ ‬تتخذ‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬إنسان‭ ‬موضوعاً‭ ‬لها‮»‬‭. ‬‭(‬1‭)‬‭.‬

حين نقرأ الكتاب في جميع فصوله، فلن نخرج، كما هو حالُ كاتبه، بحدودٍ قاطعة ترسمُ لنا الفرقَ الجوهريّ، بعد الإنجاز، بين كتابتين تُعلِنُ الأُولى منهما (السيرة الذاتية) أنها تقدّمُ للقارئ أحداثاً ووقائع حقيقيّة بصدقٍ ألزمها به ما أطلقَ عليه فيليب لوجون «ميثاق السيرة الذاتيّة» ـ كأنما هو ميثاق شَرَفٍ أبرمتهُ (أنا) الكاتبُ المُعلَن مع قارئٍ مجهول، لكنه مفتَرَض-. بينما تذهبُ الثانيةُ (الرواية) لتقولَ صراحةً بأنها كتابةٌ تخلّقت من خيالٍ أعادَ صياغة بعض الأحداث وقُصاصات الوقائع ليقدّمها للقارئ على سبيل التقابل والتوازي، وربما المفارقة، لا التطابق ولا الانعكاس. لا، بل إنَّ كثيراً من نماذجها يعلنُ كُتّابُها أن لا شيء فيها من الواقع ـ ولهذا اقتُضيَ منهم التنويه-! فهل يتحلّى هذا التكثيف التعريفي بالدِقّة حقاً، إنْ كنتُ صائباً في عرضي له، مع إدراكي لصفة العموميّة فيه؟ أوليست هنالك خياناتٌ كبرى تخرقُ ميثاقَ الشرف عند قراءتنا لعددٍ من السير الذاتيّة، عالميّة وعربيّة، فتخرجُ عن طبيعة تدوينها للسيرة بوصفها تسجيلاً توثيقياً صادقاً وموضوعياً لسيرورة شخصيّة، إذ يخالطها كُلٌّ من الزَعْمِ والتغييب المقصوديَن؟ تماماً مثلما نتعرَّضُ لضربٍ من الخِداع حين تطالعنا رواياتٌ تتسمُ بقدرٍ ضئيل من الخيال لا يكاد يُلْحَظ، ولعبة قَصّ ولَصْق التجربة الخاصّة بأصحابها، أو بشخصيات واقعيّة، مكشوفةٌ للإفلات من حدود السيرة الذاتيّة وإيهامنا بروائيتها!

ثم؛ ماذا عن فَرَضيّة جورج ماي القائلة بأنَّ السيرة الذاتيّة والرواية شكلان يمثلان قطبين اثنين لجنسٍ أدبيٍّ واحد، لكنه مترامي الأطراف؟

إذا تفحصّنا ودققنا في مضمون الاقتباس السابق، فلسوف نخرجُ باستنتاجٍ يؤدي إلى أنَّ ما يجمعُ بين الرواية والسيرة الذاتيّة، ككتابتين تعلن كلُّ واحدة منهما انتماءها لجنسٍ كتابيّ مختلف عن انتماء الأخرى، إنما هو أكثر بكثير مما يُفرّقُ بينهما. فهما، منذ البداية، تنطلقان من السرد القَصصي، أو ما يماثله، ليبنيا به نصوصهما. كما تلجأ كلاهما للواقع الراهن، أو المُستعاد، في خُلاصةٍ تتماهى مع عَرْضٍ لموقفٍ ما مما جرى ويجري، وتشتبك الشخصيّةُ الكاتبةُ/المكتوبة (إنْ كانت سيرة المؤلف بقلمه، أو أقنعة الروائي) بالضرورة في تدوينِ خُطاطةٍ تقتربُ من الشهادة: الشهادة على الذات، والشهادة على الواقع. الشهادة على الذات في تقاطعها مع الواقع وافتراقها عنه في الآن نفسه، والشهادة على أنَّ وجودهما معاً لا يستقيمُ أو يكون بمعزلٍ عن الكتابة، أو بغيرها، أو خارجها. وتحديداً خارج هذه الكتابة! وإلاّ، لماذا كانت في الأصل؟

كأننا، إذا سَلّمنا بالاجتهاد الأخير، إنما نزعم باستحالة فهم العلاقة الكائنة بين الذّات وواقعها المعيش من دون أن تُكْتَب. أو أنَّ هذه العلاقة بشتّى وجوهها، القارّة الهادئة الأنيسة، والمتوتّرة الجيّاشة القلقة، هي التي تعملُ على نَسْج الذات وصَبْغها في مراحل تناميها وتحوّلاتها، فتصبحُ الكتابةُ حينذاك إحدى الوسائل لرصد الذات وتفسيرها، أي لغاية عَرْضها وتبيان موقعها من العالم الذي يحيطُ بها. وهذا بقدر ما يَصِحُّ على السيرة الذاتيّة، فإنه يتداخلُ مع الرواية أيضاً؛ إذ هي تفعلُ الأمرَ نفسه متجاوزةً ضمير الأنا الواحدة المتفردة والمنفردة بالسرد عن هويتها (دون تنحيتها، فهي تتخفّى وراء قناعٍ أو أكثر) لتكتبَ رأي كاتبها ورؤيته لذاته، ولغيره، وللعالم عبر تضاعيف الواقع وأحداثه، بألسنةٍ وضمائر متعددة.

دون الكتابة، والحالة هذه، كأننا نقولُ بأنْ لا وجود لذواتنا الكُليّة؛ إذ هي تذوبُ وتتلاشى وتُنْسى وتزولُ في طيّات الآفل والمنقضي! كأننا بالكتابةِ نقاومُ المحوَ، أو الإلغاء، أو التزوير، فـ»ننهضُ بها من بين أجداث الموتى»؛ فالمكتوبُ باقٍ يشهدُ على كاتبٍ فانٍ.

أهذا ما قصدتُ به عنواناً لواحدة من أوراقي «أكتبُ لأكون!»، أي: أكتبُ لأكونَ حاضراً الآن، ولأبقى حين أغيب.

ربما. وأعتقدُ بأننا حين نفعلُ هذا إنما نصادقُ، ولو جزئيّاً، على وجاهة الفَرَضيّة التي أوردها جورج ماي في الصفحة نفسها (206)، لمّا أشار إلى احتمال «أنَّ الرواية والسيرة الذاتية ليستا إلاّ طريقتين لتحقيق حاجة واحدة هي تأليه الإنسان بمنحه القدرة على الخلْق، أو بتمكينه من الإفلات من ربقة الزمن».

صحيحٌ أنَّنا بالكتابة نعيدُ خلْق الأشياء على هوانا، وصياغة أنفسنا كما نشتهي، أو نستنكرها حتّى، غير أنَّ الغايةَ ليست تأليه البَشَريّ فينا بقدر ما هي بَسْطُ رؤيتنا للعالم ولأنفسنا بالكلمة. أما أن نتمكّن من الإفلات من ربقة الزمن؛ فهذا جائزٌ إنْ لم أقُلْ بمشروعيته كاجتهادٍ بَشَريّ، احتكاما مِنّا إلى أنّ «في البِدء كانت الكلمة».. فلِمَ لا نُصانُ ونُحْفَظ بواسطتها للأبد!

2

أعودُ إلى إشارة جورج ماي لِكُلٍّ من الرواية والسيرة الذاتية، وأسأل: أينتميان فعلاً إلى جنسٍ أدبيّ واحد، لكنه مترامي الأطراف؟ وما اسم هذا الجنس الأدبي؟

فإذا كان المقصود به السرد القصصي، فلهذا السرد تسمياته الفرعيّة المتعارف عليها من قصة قصيرة، وقصيرة جداً، ورواية، ورواية قصيرة (نوفيلا) ـوهذه كلّها تعتمد التخييل إطاراً لها ومنبعاًـ إضافةً إلى نصوص أدبيّة جانبيّة منفلتة من كافة التسميات السرديّة لكنها تأخذُ منها وتضيفُ عليها، وأحياناً تستقطعُ من الشعر لغتَه ورؤاه لتغتني به. غير أنها، بعد ذلك كلّه، تكتفي بأنها مجرد «نصوص أدبيّة» بلا تحديدٍ حاسم يفارقُها جذرياً على نحو ما هي عليه «السيرة الذاتية».

تدفعنا مساءلتنا لإشارة جورج ماي لأن نتطرّق إلى عددٍ من نقاط الالتباس التي شابت العلاقة بين هاتين الكتابتين، وجعلَت منهما لدى البعض وجهيَن لهُويّةٍ واحدة. فالقول بـ»أدبيّة» السيرة الذاتيّة إفتاءٌ بعزل نصوصها عمّا يماثلها ويشتبكُ معها من كتاباتٍ هي أقرب إليها، وأعني المذكّرات واليوميات، وإدخالها إلى الأدب من باب الرواية، أو الاحتفاظ بها على تخوم الأدب دون تعيين سوى أنها سيرة ذاتية، لمجرّد أنها تعتمدُ السردَ وملاحقة الأحداث والدخول في تفاصيل مظاهر الحياة اليوميّة، العامة والشخصيّة الخاصة مستعينةً بالذاكرة أيضاً. أو لأنَّ كثيراً من نصوصها كَتبَهُ أدباء. فهل هذا يكفي على مستوى الإقناع؟ ماذا عن السير الذاتيّة لسياسيين، وفنانين، ورجال أعمال كِبار، وعسكريين، وقادة أحزاب، وزعماء ثورات، وأشخاص أصحاب تجارب حياتية مميزة، إلخ؟

لا يتحلّى السردُ في نصوص الكتابتين، عند المقارنة وعلى ضوء التعريف التقليدي، بخاصيّةٍ مشتركة واحدة؛ إذ يتصف سردُ السيرة الذاتيّة، غالباً، بالتعاقب الخطّي المتصاعد زمنيّاً (الكرونولوجي)، وإذا ما تراجعَ للخلف كي يربط الراهن بالماضي فإنما يفعل هذا لِماماً، وعلى نحوٍ تقريريٍّ مباشر، دون اللجوء لأيّ وسيلةٍ روائيّة تندرجُ ضمن ما يُعرَف بالانخطاف للوراء (فلاش باك). بينما لا تلتزمُ الروايةُ في سرودها بهذا التعاقُب كشرطٍ واجب؛ فنراها تتعاملُ مع الزمن وفقاً لانتقالات الشخصيات المختلفة والمتعددة فيه، ملتزمةً بالحالات الخاصّة وأزمانها، وهي حالات غير متسقة بالضرورة في أوقات وأمكنة حدوثها.

كما أنَّ الرواية تباشرُ نَصَّها انطلاقا من بديهيّة المفهوم المعمم، لدى كاتبها وقارئها معاً (كأنما هو ميثاقٌ آخر)، بأنها نَصٌّ متخيَّل أساساً وأوّلاً، يندرجُ في ما اصطلح عليه بالإنكليزية بمفردة FICTION، ومعناها القاموسي: 1 (أ) قصة، رواية. (ب) الأدب القصصي. 2 تخيُّل. 3 خيال. والصفة بحسب قاموس المورد نفسه fictive تعني: 1 (أ) خيالي. (ب) زائف. 2 (أ) تخيلي. (ب) قادر على التخيّل. أما السيرة الذاتية فهي AUTOBIOGRAPHY، وتعني قاموسياً السيرة الذاتية: قصة حياة الكاتب بقلمه.

صحيحٌ أنَّ الكتابتين تتعرضان لقصص حيوات أشخاص، لكنَّ هنالك فرقا جوهريا بين حياة متخيّلة لشخصية متخيّلة (وإنْ كان أصلها محتمل الوجود في الواقع) يكتبها روائي كطرفٍ ثانٍ يُظاهِر الحياد، وحياة حقيقيّة يكتبها صاحبها الحقيقي باسمه الحقيقي يدّعي الموضوعيّة. إنه الفرقُ بين نقل تجربة شخصيّة ما ومحاولة تدوينها كما هي من قِبَل مَن جَرّبها، واختلاق أُخرى وكتابتها بالتصرُّف الكامل والحُرّ بها وفقاً لضرورات واختيارات فنيّة من قِبَل روائي لا يَنسبُها لنفسه. وهذا فرقٌ يؤسسُ لجنسين كتابيين مختلفين في الجوهر تماماً. فالسيرة الذاتية تُسردُ عبر صوتٍ واحدٍ مُعْلَن الهُويّة، بينما تُسرد الرواية عبر ثلاثة أصوات هي: كاتب النصّ الروائي، والراوي العليم، والبطل المتحرك فوق مسرح الأحداث مستقلاً عن كاتبه وراوي مسيرته معاً. (2).

إذا كان هذا ما تمَّ الاستقرارُ عليه، كمفهومٍ عام، فلماذا باتَ التداخُل بين هاتين الكتابتين لاحماً إلى درجة وجوب العودة للفصل بينهما؟ ألاْ تكفي حدود التعريفات الأُولى؟

لوحة: حسن موسى

3

يبدو لي أنَّ مجرد لجوء المرء إلى السرد القصصي، أو ما يماثله، للبدء ببَسْط مسيرة حياته، سوف يؤدي بالكتابة نفسها لأن تنزاحَ من تلقائها صوبَ التماس مع الرواية، أو مع أشكالٍ منها، منقوصة ربما. لكنّها، وبسببٍ من منطق ملاحقة الأحداث وتطوّراتها داخل تلك المسيرة، غالباً ما نجدها تراكمُ نفسها كـ»حكاية متناميّة». أما ما يعززُ أدبيتها لدى كثيرين من قُرّائها ونُقّادها؛ فهو نأيُها المتنامي والنسبي عن اللغة التقريريّة الجافة التبليغيّة أو الإخباريّة، ولوذها بلغةٍ ذات تشكيلٍ أدبيّ تأمّلي يساعدُ على النهوض بها مبدأُ التخييل! وتحديداً تلك السِيَر الخاصّة بأدباءٍ لم يصطنعوا لها لغةً مغايرةً للغةِ أعمالهم الأدبيّة.

نعم؛ ففي السِيَر الذاتيّة مساحاتٌ من الماضي المنقضي لم تخضع للتوثيق المُسْبَق، ولذا لا يكون بوسع صاحبها سوى الاعتماد على ذاكرته. والذاكرةُ، كما نعرف، إضافةً إلى تذبذبها في وظيفة الحِفظ والتخزين نتيجة النسيان، فإنها ذات طبيعة انتقائية، مقصودة وعفوية في آن. فكما أنَّ ثمّة نواقص في أرشيف المدونات الورقيّة بسبب الضياع أو الإتلاف المتعمَّد، كذلك ثمّة بؤر داخل الذاكرة عملت ميكانيزمات الدفاع الذاتي على إفراغها للتخلّص من آثارها المدمّرة لأصحابها. عندها؛ لا يبقى أمام حالات الوصل بين الفواصل الفارغة سوى أن نتخيَّل ماذا حدث! وهذا في ذاته خيانةٌ وخَرْقٌ لميثاق الشرف بين كاتب السيرة والقارئ! كما هو، بالضرورة، إحالةٌ لنصّ السيرة على عالم الرواية.

يقعُ المتابعُ لعددٍ من سِيَر الأدباء الذاتيّة على خطوةٍ أكثر حسماً باتجاه العالم الروائي، وذلك حين يتحوّل أصحابُها إلى شخصيات تتحركُ على مبعدة، يرصدونها كأنما هي ليست هُم، وذلك لوجود تلك المسافة الكافية لأن يتأملوا الماضي ومعاينة ذواتهم داخل ذلك الماضي. غير أنَّ هذا الابتعاد يخلقُ معه رغبةَ وحافزَ النقد والتقييم بضغطٍ من غواية الوعي الراهن، فتتخلّقُ بالتالي ذواتٌ ليست هي كما كانت في السجلات المستعادة على نحوٍ مُحَرَّف! ولدى تأملنا هذه النتيجة نكتشفُ أنَّ عمليّة نَقْل الماضي والإخبار عنه (غايةُ السيرة وهدفُ تسجيلها) ذهبت باتجاه تحويل الماضي وإعادة تخليقه على نحوٍ آخر. وهنا تُضافُ خطوةٌ جديدة للسيرة الذاتيّة باتجاه الرواية.

غير أنَّ سؤالاً يبقى خاصّاً بكّل كاتبٍ أستقيه من مبدأ «القصد»، والذي على أساسه تُبنى النصوص: هل هَدَفَ كاتبُ السيرةِ أن يكتبَ سيرته روايةً منذ الكلمة الأُولى، أم سَحَبَتْهُ باتجاه عالمها ضروراتُ السرد القصصي، وعواملُ التخييل بسبب النسيان والتناسي، وغوايةُ الرغبات الشخصيّة في أن يكونَ في الكتاب غير ما كانهُ حقاً في الواقع؟

تحتاجُ الإجابةُ عن سؤالٍ كهذا إلى قراءاتٍ متأنيّة بالتأكيد.

4

أجدني مع الاجتهاد القائل بأنَّ انطلاق الرواية من بؤرة ذات كاتبها، وبصوت ضميرها، يكفي لأن تنزاحَ على الفور باتجاه النَهْلِ من سيرة كاتبها الذاتيّة. عندها، تخضعُ تلك الشواظ المُستقاة من ماضي الكاتب إلى «مادةٍ خام» يتمُّ معالجتها بتحويلها في مصهر الكتابة الروائيّة إلى علاماتٍ ومحطاّت تُشير إليه ولا تشيرُ، في الوقت نفسه. فبقدر ما هي مُستَقْطَعَة من خصوصياته، إلاّ أنها قابلة إثر عمليات التحويل لأن تخصَّ سواه كذلك. فكثيرٌ من الروايات بُنيَت في أجزاءٍ منها، كبيرة أو صغيرة، من تلك الشظايا المتحوّلة؛ فألان روب ـ غرييه يُصرِّحُ قائلاً «أعتقدُ أنَّ كُتبي كانت دائماً سيرة ذاتية، وذلك منذ البداية. فروايتي الأولى التي كُتبت سنة 1949 وطُبعت سنة 1978 تتكون من مقطعين لتجربة عشتها. (….) إنَّ روايتي الثالثة ‘الغيرة’ رواية سيرة ذاتيّة حقيقية. فقد جرت أحداثها في البيت الذي عشتُ فيه بفور دو فرانس، لكنني مزجتُ الديكور الأفريقي بديكور بيت من المارتينيك. وكانت الحكاية حكايتي بشكلٍ وافر، رغم أني في الواقع لم أكن الزوج بل الجار». (3).

وعلى صعيدٍ آخر، تأخذنا مارغريت دوراس نحو منطقةٍ جديدة تدعو للتأمل، إذ تقول بتكثيفٍ كبير «لا نكتبُ شيئاً خارج الذات»(4).

إنَّ تصريحاً كهذا، رغم المباشرة في معناه الفوري، إلاّ أنه يحتمل تعدد التأويل. فهل نُسَجِّلُ ما اختزنتهُ الذاكرةُ من أحداث واحتفظت به من شخصيات، فأنزلناه مُدَوّناً كما هو على الورق؟ أم انسَرَبَت كُلٌّ من الأحداث والشخصيات (والعالم بالتالي) داخل «موشور» الذات، قبل الكتابة وخلالها، فباتت جزءاً مِنها، وكُتِبَت بوصفها كذلك؟

وهكذا أراني أُميّزُ وبوضوح بين التسجيل والتدوين بوصفهما عمليات نَقْل، والكتابةُ الأدبيّة-الفنيّة بصفتها آليّة تحويل وإعادة تخليق. ولقد كان هذا ما هدفتُ إلى التأكيد عليه في مستهّل روايتي «أعمدةُ الغبار» عندما أشرتُ «كلّما حاولتُ ذاكرةً تسترجعُ ما فاتَ، انكسرتُ على شفرة الغياب. قلتُ لعلَّ الكلمات هي القادرة. لكنَّ شيئاً، في الخارج، لم يحدث».

إذَن لا شيء يَخُصُّ الخارجَ نكتبُهُ في الرواية يكونُ منفلتاً من ذواتنا الجُوّانيّة. فذواتنا، عند الكتابة، هي المرجعيّةُ والمصدر.

***

ولأنَّ أمور الكتابة وحيثياتها اتسمَت بالمناحي السابقة، في الرواية والسيرة الذاتيّة، فإني أخرجُ بهذه الخُلاصة على مستوى كيفيّة قراءتي لهما:

* السيرة تسجيل وتوثيق يكتنف مصداقيتها الشك وتحيطُ بأحداثها الريبةُ. وهي في سيرورتها نأت عن أصلها، فباتت نصوصاً هجينةً يَصْعُبُ علينا ضبطها داخل حدودٍ تُلْزِمها باسمها وما يدلُّ عليه. فإنْ قبلنا بأدبيتها، نجدُ عدداً وفيراً من نصوصها لا يتحلّى بذلك، وأخصُّ بالتحديد «غربةُ الراعي» لإحسان عبّاس ضمن المنشور العربي؛ فهي تكاد تكون مجرد توسعة بسيطة لجردة تأريخ شخصي بارد! وكذلك «البئر الأُولى» الخالية من التوهج الأدبي للغة جبرا إبراهيم جبرا في رواياته. وكم ستبدو الأدبيّةُ ساطعةً في «الضوء الأزرق» لحسين البرغوثي وفاضحةً لخفوتها في العملين السابقين! أما ضمن المنشور العالمي، فتكفينا قراءة «الكلمات» لجان بول سارتر، (ترجمة خليل صابات ومراجعة محمد مندور)، لنكتشفَ المراجعةَ الذهنيّة لماضيه وتغليب فلسفتها على أدبيّة نصوصه القصصيّة. كما تتعرضُ منهجيّةُ فَصْل السيرة الذاتية عن المذكرات، بالمفهوم التقليدي، إلى خلخلةٍ كبيرة حين نقرأ «مذكرات كازانتزاكي» بجزأيها «الطريق إلى غريكو»، و»تقرير إلى غريكو»، (ترجمة ممدوح عدوان). ومذكرات بابلو نيرودا «أشهدُ أنني قد عشت»، (ترجمة محمود صبح)، ومذكرات رفائيل ألبرتي بجزأيها «المرج الضائع» (ترجمة نامق كامل)، و»الغابة الضائعة» (ترجمة باهرة محمد). و»يوميات أناييس نن» بأجزائها العشرة، على سبيل المثال. فنحن عند قراءتنا لتلك المذكرات واليوميات سرعان ما نصطدمُ بتماهٍ لافت بين سرودها وسرود السيرة الذاتيّة الصريحة، مثل «أكه: سنوات الطفولة» لوول سوينكا، و»سيرة ذاتيّة» لهرمان هسّه، و»العُمق الرمادي: سيرة ذاتيّة مبكّرة» ليفغيني يفتوشينكو، وحتّى كتاب باراك أوباما «أحلامٌ من أبي» الذي تمت الإشارة إلى أنه «… جميلُ الصياغة، رائع التنظيم، وتسير أحداثه على نهج الروايات». (5). كما أننا لا نُخطئ إذا ما أشرنا إلى تماثل كتابة صفحات وصفحات من هذه الكتب جميعاً مع الكتابة الروائيّة، بالمنظور السردي.

* الرواية كتابة فنية تحتمل التأويل المتعدد ولا تحسم دلالتها بانتهاء قراءتها. وهي في سيرورتها حاذت السيرة الذاتية والغَيريّة كذلك، إضافةً إلى استفادتها من تقنية اليوميات والمذكرات والرسائل باحتضانها وتحويلها وفقاً لاحتياجاتها. ولقد استطاعت بفضل حِراكها الدائم من داخلها وانقلابها على تقليديّة أساليبها المستنفَدَة، واعتمادها المخيلةَ أداةً تنفتحُ من خلالها على المحتمَل، أن تضفي الشرعيّةَ على مشاكستها للوقائع، دون التعرض للتشكيك والريبة. فالتجربة الحياتيّة في الرواية ليست هي التجربة في الواقع؛ فلقد طالها التحويل لا النسخ أو الاستنساخ! كما أنها، مهما بلغت في تماديها في الخروج على تعريفاتها القارّة وأشكالها السائدة، تبقى مشدودةً إلى روائيتها، بمعنى التزامها بمبدأ مخالفة صلابة الواقع بتمييعه وإحالته ليصبحَ واقعاً آخر موازياً ومفارقاً وقابلاً لقراءات مختلفة.

هوامش:

(1) جورج ماي، السيرة الذاتية، ص 206، ترجمة محمد القاضي وعبدالله صولة، بيت الحكمة، تونس، 1992.

(2) لمزيد من التفصيل، مراجعة د. سلطان سعد القحطاني، بين الرواية والسيرة الذاتية، جريدة الشرق الأوسط، 2 أكتوبر 2008، العدد 10901.

(3) حرائق السؤال، حوارات مع خورخي لويس بورخيس، وامبرتو إيكو، وألان روب ـ غرييه، ولورنس داريل، ترجمة محمد صوف، دار أزمنة، الأردن، 2006، ص ص 53-54.

(4) توماس كليرك، الكتابات الذاتية: المفهوم، التاريخ، الوظائف والأشكال، ترجمة محمود عبدالغني، دار أزمنة، الأردن، 2005، ص 10.

(5) باراك أوباما، أحلامٌ من أبي: قصةُ عِرْقٍ وإرث، ترجمة هبة نجيب مغربي وإيمان عبدالمنعم نجم، مراجعة مجدي عبدالواحد عنبة، مشروع «كلمة»، الإمارات العربية المتحدة، و»كلمات عربية» القاهرة، ط 2، 2009، (الغلاف الأخير).


كاتب من الأردن