تهويمات‭ ‬الهاجس‭ ‬المسرحي

من‭ ‬زمن‭ ‬الدكتاتورية‭ ‬وحتى‭ ‬متن‭ ‬الثورة

الجديد  علي سفر [نُشر في 01/07/2016، العدد: 18، ص(106)]

لوحة: خالد عقيل
لطالما‭ ‬فُتنت‭ ‬بنص‭ ‬«الأخلاق‭ ‬في‭ ‬المسرح»‭ ‬للكاتب‭ ‬الأسباني‭ ‬خاسينتو‭ ‬بينابنتي،‭ ‬فمنذ‭ ‬أن‭ ‬قرأه‭ ‬علينا‭ ‬الكاتب‭ ‬السوري‭ ‬الراحل‭ ‬ممدوح‭ ‬عدوان‭ ‬سنة‭ ‬1992‭ ‬في‭ ‬حصة‭ ‬الكتابة‭ ‬المسرحية،‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬الثالثة‭ ‬من‭ ‬دراستنا‭ ‬في‭ ‬قسم‭ ‬الدراسات،‭ ‬في‭ ‬المعهد‭ ‬العالي‭ ‬للفنون‭ ‬المسرحية‭ ‬بدمشق،‭ ‬وحتى‭ ‬الآن،‭ ‬بقيت‭ ‬مشدوداً‭ ‬إلى‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬حاول‭ ‬أن‭ ‬يضعها‭ ‬مؤلفه‭ ‬فيه،‭ ‬محاولاً‭ ‬تتبع‭ ‬خطوطٍ‭ ‬تقودني‭ ‬إلى‭ ‬إجابات‭ ‬عنها‭.‬

ربما‭ ‬كانت‭ ‬الفتنة‭ ‬في‭ ‬ربط‭ ‬أسئلة‭ ‬الفن‭ ‬المسرحي‭ ‬وخطابه،‭ ‬بهواجس‭ ‬المجتمع،‭ ‬وتحوّلاته،‭ ‬هي‭ ‬أيضاً‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬ممدوح‭ ‬عدوان‭ ‬إلى‭ ‬ترجمة‭ ‬نص‭ ‬هذا‭ ‬المؤلف‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬ينقل‭ ‬من‭ ‬مسرحياته‭ ‬الكثيرة‭ ‬إلى‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬سوى‭ ‬القليل‭ ‬جداً‭.‬المعروف‭ ‬بنرجسيته‭ ‬وتأففه‭ ‬الشديد،‭ ‬مع‭ ‬تهافت‭ ‬هاملت‭ ‬وقلة‭ ‬حيلته‭ ‬والحرب‭ ‬تدق‭ ‬أجراسها‭ ‬في‭ ‬مسقط‭ ‬رأسه‭.‬

في ذلك الوقت كانت سوريا تدخل شيئاً فشيئاً في مرحلة سبات عميق، بعد أن باتت عنصراً فاعلاً في ضمان أمن المنطقة إثر مشاركتها في عملية تحرير الكويت من احتلال جيش صدام حسين في العام 1990، وبعد أن طوّبت القوى الدولية وجود جيش نظام الأسد في لبنان، إثر تصفيته لمقاومة الجيش العوني واحتلاله بيروت الشرقية، ومع هذين الحدثين، كانت الدكتاتورية تستعد للدخول في مرحلة تهيئة السبل لتكريس الجمهورية الوراثية، ولكن مصرع باسل الابن الأكبر لحافظ الأسد، الذي كانت تتم تهيئته ليخلف أباه في العام 1994، أدخل خطة التوريث في دورة أطول، تطلبت وقتاً جديداً قبل أن تكتمل أركانها. وفي السنوات التي تلت سيكون على سوريا أن تعيش كقطعة من اللحم المتروكة في ثلاجة، إذ أن البلد الذي كُرّست كل سلطاته في يد رجل واحد، سيكون من الصعب تصور أن ثمة حراكا تجديديا ما فيه، على أيّ من الصعد السياسية أو الاقتصادية وصولاً إلى الثقافية، يمكن أن يمضي في مساره الطبيعي دون أن تتم الموافقة عليه من قبل «الأب القائد»! ومع تفاقم مرض الدكتاتور، كانت القرارات تُتخذ من قبل المسؤولين الذي تأبدوا في مناصبهم لعشرات السنين، ضمن حدود تسيير الأعمال، بعيداً عن المنعطفات التي بات استحقاقها يطرق الأبواب..

بين كل ما كان يحدث في (مملكة الصمت)، كان التفكير بالمسرح وبضرورته، هاجساً لجيل كامل من الشباب السوري الذي توجّه بعضه صوب دراسة هذا الفن أكاديمياً، وتوجّه بعضه الآخر إلى العمل فيه ضمن قنوات المنظمات الشعبية، التي كانت تتيح المجال لظهور فرق مسرحية تنوس تجاربها بين طابع الهواة كالمسرح الشبيبي، وبين طابع الاحتراف الذي مثلته في الكثير من الأحيان فرق المسرح العمالي وفرق المسرح الجامعية. وقبل هذا كله كانت المؤسسة المسرحية الرسمية (مديرية المسارح والموسيقى) التابعة لوزارة الثقافة تعمل ضمن أجندة خاصة تفسح المجال للكثيرين في المسرح القومي والجوال وغيرها، ولكنها تعيش أيضاً ضمن ذات الهواجس التي تستعصي عليها الإجابات، فالمسرح لا يمكن فصل خطابات أعماله عن حاجات المجتمع، ولكن هذا الأخير يعيش حالة كبيرة من الاختلال، بسبب من توفّر طاقات كبيرة، يتمّ كبتها وتفريغ قدراتها عبر تثبيط عملية النمو، بسبب فرض سياسات تقليدية بائسة على كافة الأصعدة، وعليه فإن العطالة التي باتت صفة راسخة لمفاصل الحراك المجتمعي انعكست على كلّ شيء بما فيها تلك الجدلية التي كان التفكير بالمسرح يحتوي تفاصيلها ويحاول مماحكتها، ليكون له دوره المؤثر في عملية التنمية المجتمعية.

هنا لا يمكن تصوّر وجود فعل مسرحي دون نوابض الحرية المفقودة، وضمن هذا الوضع يمكن تذكر كيف كانت الواقعة المسرحية (عملية إنتاج العرض المسرحي من البداية وحتى النهاية) تكدح في أرض جرى تصحيرها، وكأنما فرض على المسرحيين أن يكونوا أهدافاً للتدمير النفسي عبر مختبرات البيروقراطية القاتلة.

في هذا المناخ، كانت أسئلة خاسينتو بينابنتي حول الأخلاق في المسرح تبدو لي وكأنها دليل عملي للتفكير كثيراً بضرورة ألا يستسلم المسرحيون لواقعهم، لأن المأمول منهم هو أكبر بكثير من عذاباته.

النص وإن كان يحكي عبر عنوانه عن معضلات التفكير الأخلاقي في مختبر المسرح، إلا أنه يحاول الفعل في الخطاب المسرحي أكثر منه في الوعظ والإرشاد، ولهذا نرى كيف أن الأسئلة المدهشة تمد حبلها السري بين الفاعلين في الواقعة المسرحية وبين الجمهور المتلقي من جهة، وبين السلطة التي تتحكم في سيرورة الفعل في جهة مقابلة، وهكذا فإنه من الطبيعي أن يوجه خاسينتو بينابنتي ضوء الخشبة المسرحية إلى ما هو خارجها، فالمسألة هي وبحسب النص «كم من الحرية يمكن للدولة أن تسمح به للفنون؟» أي أن ما يشغل بال المفكرين في خطاب المسرح، لا يأتي من طبيعته بذاته، بل يأتي من قدرة المؤسسة التي تحتكر القوة، وتحتكر السلطة، على التعاطي بمرونة مع هذا الفن الذي يستمد قوته وضرورته من إمكانياته الخلاقة والفاعلة في التأثير على ضمير المجتمع كله.

من هذه الزاوية المنفرجة في التفكير كان بينابنتي يصنع تقاطعاً بين هواجسه في زمنه الأسباني، وبين زمننا السوري، أي أزمنة الأمم التي تتشابه مع بعضها في كونها معتقلة، ومحرومة من الحرية، ورغم أن المؤلف يقدم إجابة على سؤاله، ضمن منظور عام يفترض قبول الدولة أو السلطة بدور المسرح في التأثير، إلا أن ما فاته كان في الحقيقة هو تصور وجود دول تدرك مؤسساتها أهمية المسرح، وتتبنى ظاهرياً خطابه التغييري، ولكنها تمارس على الفاعلين فيه سياسة الإبعاد (التطفيش)، والإرغام على الصمت حتى الموت قهراً، وفي تاريخ المسرح السوري أمثلة كثيرة عن مسرحيين قتلهم القهر، حين لبس شكل أمراض سبقتها كآبات مقيمة، فمن فواز الساجر الذي حوصر وضيّق عليه ومات فجأة، إلى سعدالله ونوس الذي رأى كيف مارست دولة الأسد اعتقال المجتمع كله وإلغاء السياسة من تفكيره،… إلى شريف شاكر الذي مات في منفى اختياري، إلى فؤاد الراشد الذي مات منتحراً، وصولاً إلى طلال نصرالدين الذي عاد من أوروبا بعد رحلة قصيرة للعلاج من السرطان بعد إهمال نقابة الفنانين وتجاهلها لضرورة علاجه من مرضه ليموت في مدينة السويداء!

كانت هواجس المسرح في سوريا وقد قمعتها سلطة آثمة أشبه بقاتل صامت يرتكب جريمته دون أن يترك في أجساد ضحاياه أيّ أثر، إنه يحكم شدّ حباله المعنوية والنفسية على أعناق الذين آمنوا به، ورهنوا أعمارهم من أجله، فيسحق أرواحهم، وكأنه يعيد إنتاج مصائر الشخصيات المسرحية المهزومة على الخشبة في الواقع، وبينما كانت معادلة المسرح البريشتي تقول بأن هزيمة البطل على الخشبة تعني انتصاراً أخلاقياً قوامه تفجّر الأسئلة لدى الجمهور، كان جمهور المسرح السوري، وكانت الحركة الثقافية، وكانت سوريا كلها تدرك بأن هزيمة هؤلاء المسرحيين، وموتهم هذا ليس سوى جريمة أخرى ترتكبها السلطة المتبلدة، التي تحولت وبصورة تشبه التقاطة مسرحية أيضاً، إلى «لوياثان» فاجر، اسمه الدولة القمعية.

لا أحد من المسرحيين السوريين غامر ذات يوم في معالجة عرض مسرحي بخطاب تدميري، بل إن أغلب العروض المسرحية، كانت تذهب نحو عتبات أيديولوجية ترمي إلى ممارسة فعل إصلاحي، أو تغييري في أحسن أحوال الجرأة

يتحدث خاسينتو بينابنتي مختصراً كل المعادلة التي عانى منها المسرحيون في علاقتهم مع القامعين، فيوجّه النصيحة إلى صاحب قرار ما، وإلى الأنا المجتمعية، التي ما فتئت تشكل بذاتها عنصراً قامعاً حين يصبح من الواجب على المسرحيين مراعاة بناها الأخلاقية التقليدية، وتحمل تخلّفها، ونكوصها الغريب إلى كل ما هو قديم يشعرها بالطمأنينة، ويقول «أعتقد أن الفن يجب أن يمنح كل حرية ممكنة، أو كما يعبّر عنها باري: يجب أن يمنح الفن كل ترخيص إلا الترخيص بمعاداة الحب. لكننا قد قررنا أن الفن لا يمكن أن يكون معادياً للمجتمع لأن جوهره هو التواصل الروحي والتعاطف وبمعنى آخر الحب. وحتى حين يكون الفن في أقصى حالات التشاؤم والإزعاج، حين يهاجم كل شيء وليس لديه علاج لأيّ شيء، حين يقول لنا أن كل شيء شرّ فإنه يبشّر بأن مثله الأعلى هو الخير. إن ضمير الفنان يتمتع بالحق الكامل لإظهار نفسه بحقيقته الكاملة. يستطيع أن يقول لنا إن كل شيء شرّ وألم وموت، ويستطيع أن يقول لنا إننا يجب أن ندمر المجتمع والعالم ونبعثر بذور الحياة ذاتها وسيكون قوله ذلك معادياً للمجتمع إذا ما فشل الضمير الاجتماعي لدى سماعه ذلك في التحرك بطاقة أكبر للدفاع عن نفسه. وإن لم تكن الحالة كذلك، إذا قبل المجتمع الحكم فإنه يكون عبارة عن عضوية مهترئة. وعندها لا يكون الكيّ الفني قد أتلف إلا اللحم الميت. إنه لم يحرق الحيّ».

لا أحد من المسرحيين السوريين غامر ذات يوم في معالجة عرض مسرحي بخطاب تدميري، بل إن أغلب العروض المسرحية، كانت تذهب نحو عتبات أيديولوجية ترمي إلى ممارسة فعل إصلاحي، أو تغييري في أحسن أحوال الجرأة، وفي ذات سياق معالجة قضايا «الإنسان الصغير»، كانت بعض العروض تركز على «المطلبي»، وكان بعضها الآخر يذهب نحو قراءات سيكولوجية لطبيعة الإنسان المقهور، وفي قفزات لافتة تتكرر بين مسافات زمنية طويلة، كانت هناك تجارب تحاول مناكفة السلطة، عبر استدعاء نصوص من خارج النص المسرحي السوري، لتبني من خلالها خطابا يماحك طبيعة الدكتاتورية، وتأثير قمعها المستدام على ذوات السوريين، ولكن هذه التجارب كلها، كانت تأخذ بالاعتبار ضمنياً أن ثمة خطوطا حمراء لدى المؤسسة الثقافية الرسمية غير قابلة للاختراق، وإن أيّ محاولة لفعل ذلك لن تكون ممكنة طالما أن الواقعة المسرحية لا تمرّ دون رقابة واطّلاع موظفي هذه المؤسسة! وطبقاً لهذه الوقائع التي يتذكرها المسرحيون جيداً، فإن ما يتحدث عنه بينابنتي، ويحاول التحريض فيه وضده، يبدو حالة ناضجة ومتماسكة وواضحة بدرجة أعلى بكثير مما كان يعانيه المسرح السوري طيلة عقود حكم الدكتاتورية، فبينما تقوم السلطة في المكان الافتراضي الذي يخاطبه برسم حدود واضحة بين المسموح والممنوع، كان كل شيء في الحالة السورية مائعاً وغير واضح الملامح، فالخطوط الحمراء لم تكن مكتوبة وموصّفة، بل كانت كيفية وتتعلق بفهم الرقباء ومدى إدراكهم لمحتوى الخطاب المسرحي، بالاستناد إلى محرمات بنيت وفقاً لخطاب السلطة ذاتها، فسوى الحديث عن رأس النظام، كل شيء مسموح، ولكن ضمن دائرة المسموح يمكن لكل شيء أن يصبح ممنوعاً أيضاً، طالما أن السلّم المعياري للرقابة يتم صنعه بناءً على حيثيات غير محددة، وضمن هذا المسار كان جزء كبير من عمل المخرج والدراماتورج يهدر على تخليص النص من الشوائب المستفزّة للرقيب، وبمعنى آخر كان جهد القراءة المسرحية للنص ينصبّ على تعقيمه وتخليصه من جراثيم مضرّة، كرست المؤسسة المسرحية الرسمية مواصفاتها طيلة عشرات السنين في عقول العاملين في المسرح، وهكذا يمكن لموظف في الإضاءة المسرحية، في أحد مسارح دمشق أن يتطوّع من أجل كتابة تقرير بعرض مسرحي يقول فيه إن ما يطرحه يمكن أن يشكل إساءة بالغة لصفو الأمان الأخلاقي للمجتمع السوري، كما يمكن في مرحلة أرقى أن يكتب صحفي في جريدة الثورة تقريراً صحفياً/أمنياً في آن معاً بنص وعرض مسرحية «الاغتصاب» لسعدالله ونوس لاعتقاده بأن ونوس يدعو إلى التطبيع مع الإسرائيليين!

سؤال الأخلاق في المسرح، الذي يستدعيه ممدوح عدوان من خلال ترجمته لنص بينابنتي ورغم حمولته العامة التي تتحرّى شعرية المسرح في أزمنة متبدلة، ينحو إلى تعزيز الرؤى الفكرية لدى المشتغلين على إنتاج الخطاب المسرحي، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن مؤلفه قد عانى مع نظام دكتاتوري مستبد كنظام فرانكو في أسبانيا، فإننا نرى كيف أن الظروف المتشابهة قد تسمح بإقامة معادلة مثاقفة بين الهواجس المسرحية في أسبانيا المقموعة آنذاك، وبين سوريا التي ظلت تعيش شرطاً مشابهاً طيلة عقود، فممدوح عدوان ذاته عانى ما عاناه من رقابة المؤسسة، ويذكر المسرحيون كيف أن عرض مسرحيته «ليل العبيد» الذي أخرجته نائلة الأطرش، تم منعه قبل بدء تقديمه على خشبة مسرح الحمراء بيوم واحد في العام 1977، بذريعة مخالفة خطابه لتوجهات المؤسسة الدينية، كما منع عرض مسرحيته «حكايا الملوك» الذي عمل عليه المخرج وليد القوتلي في العام 1986 بحجة سخيفة تقول بأن برنامج المسرح المزدحم لا يسمح بتقديم هذا العرض.

ما استطاع بينابنتي قوله في النص، من جهة توصيف العلاقة بين الفن و بين المجتمع والسلطة، كان من الصعب أن نعثر على ما يشبهه في النص الآخر الذي كان السوريون يدوّنونه في تجاربهم، الفن وكما يقول بينابنتي «لا يستطيع أن يكون معادياً للمجتمع لأنه نتاج المجتمع ذاته، إنه قد يبدو معادياً للمجتمع، كما في حالة الفن الثوري، ومعارضاً للنظام الاجتماعي السائد. ونحن جميعاً إما أننا محافظون وإما أننا ليبراليون، وليس بالضرورة بالمعنى السياسي بل بالمعنى الأوسع الذي يعني أن نجد أنفسنا ميّالين إلى الأشياء كما هي أو باحثين بلهفة عمّا هو أفضل، مؤمنين بالإرادة البشرية وبتطور الإنسان. وتعبيرا عن هذين الاتجاهين المتعارضين سيظل هناك دائماً فن محافظ، فن رسمي، وفن حر ومندفع يضع مثله في حالة اجتماعية أكثر كمالاً».

المسرح يبدأ من الهامش

كان عليّ أن أنتظر سنوات طويلة بعد الغرق في هواجسي المسرحية الشخصية، لأشهد حادثة غريبة، ففي نهاية العام 2010، كنت عضواً في لجنة تحكيم مهرجان الشباب المسرحي السوري الذي تقيمه منظمة اتحاد شبيبة الثورة التابعة لحزب البعث، في مدينة درعا، وهناك في مسرح المركز الثقافي الذي كانت قد ألصقت على بابه ورقة قيدت فيها أرقام الفروع الأمنية كي يتصل بها المواطن في حال لاحظ أمراً يعرّض أمن الوطن للخطر، كانت عروض المهرجان تجري يومياً وسط ضجيج كانت تسببه حركة وكلام عشرات من الفتية الصغار، الذين كانوا يعبّرون عن استيائهم مما يشاهدونه على الخشبة، دون الاهتمام بملاحظاتنا المتكررة لهم والتي كانت تذهب دون جدوى، طالما أنها تطلب منهم الصمت أثناء العرض، ورغم أنني حاولت فهم سبب هذا الإصرار على إثارة الضجيج ولم أنجح، إلا أنه كان عليّ الانتظار ثلاثة شهور، وتحديداً إلى 18 آذار 2011 حيث اندلعت ثورة عارمة في المدينة ستعمّ سوريا كلها لاحقاً، قيل إن أسبابها بدأت بفتية صغار كتبوا على جدار مدرستهم شعارات تدعو إلى إسقاط دكتاتور سوريا.

شيء مثل هذا لا يحدث مع الإنسان مرتين في الحياة، ولكنه رغم أنه يأتي لمرّة واحدة، إلا أنه يكفيه لأن يسترجع الأسئلة التي طرحها على نفسه قبل سنين، ألم تكن سوريا المعتقلة طيلة عقود قابلة للانفجار في أيّ لحظة؟ لقد كانت كذلك فعلاً، وتاريخ معارضاتها السياسية والعنفية يشهد بذلك، كما تشهد به خشبات المسرح القليلة، والتي كانت الدكتاتورية تصرّ على جعلها معتمة، وباردة، ولكنّ الثورة التي غيّرت كل تاريخنا وخياراتنا، غيّرت الآن وستغير لاحقاً كل مفاهيمنا عن الفن، وكل معاييرنا عن فهم المسرح، بعد أن حوّل شبابها كل شوارع المدن والقرى إلى مسارح مجازية، كانوا يصرخون فيها ويرقصون ويمثّلون كل ما كان حبيساً طيلة عقودٍ في قلوب السوريين. ولينعكس هذا في خلق أساليب جديدة للتعاطي مع راهن الحكاية المسرحية، والانقلاب على الرقيب العام بكل أشكاله بما فيها الرقيب الداخلي، وإذا كان لنا أن نحكي عن نماذج لهذا الفعل المدهش فإن ما ينتجه الشباب السوري اللاجئ على خشبات المسارح في بلدان اللجوء يمضي في هذا الاتجاه، ليؤكد أن العلاقة بين المسرح كفن وبين المجتمع باتت تحتاج لقراءات أكثر عمقاً حتى من تلك الأسئلة التي كانت تحاصرنا في أزمنة القمع في سوريا القديمة التي انتهت بغير رجعة.

وكمثال على ما سبق أتوقف عند عرض حمل عنوان «بروفة لا تنتهي» قامت بإخراجه الفنانة المسرحية السورية أمل عمران بالتعاون مع شباب سوريين في مدينة أورفة التركية.

ففي مساحة لا تتجاوز المترين، احتوت تفاصيل حياتية كعلب التبغ، وموقد «غاز″ والكثير من الشموع، جلس الممثلان حاتم حداوي وحارث مهيدي، ليقدما للمرة الحادية والأربعين «بروفة» عرضهما المسرحي العتيد..!

يقوم حاتم بإلقاء مونولوج خاص به، فيجيبه شريكه بلفظ بعض كلمات المنولوج بما يشبه الصدى، وحين ينتهي يأتي دور الآخر، الذي يقوم برواية حكايته، ولكنه حين يصل إلى ذكر شخصية الشهيد يمان، ينتفض حاتم مانعاً إياه من إكمال دوره، منبهاً إياه بأن يمان هو «خط أحمر»، فيستاء الحارث ويكظم غيظه للحظة، ولكنّه يتابع، في سرد رواية أخرى، سبق له أن قالها، وهكذا. حاتم هو المخرج، وهو من يثني على أداء الحارث، وهو من يورّطه في تذكّر حكاية مضحكة عن «أبو قصوب» المحقق الذي كان يعذّبه في فرع الأمن، ذاكراً وبشكل عرضي بأنه كان صديقه، ولكن الحارث ينتفض بوجه حاتم، فيروي له الحكاية عبر الأداء، ليكشف بأنه لم يكن صديقاً لأبي قصوب الذي كان يعذبه، وأن الحكاية لم تكن مضحكة.

وهكذا يمكن لموظف في الإضاءة المسرحية، في أحد مسارح دمشق أن يتطوع من أجل كتابة تقرير بعرض مسرحي يقول فيه إن ما يطرحه يمكن أن يشكل إساءة بالغة لصفو الأمان الأخلاقي للمجتمع

وإذ تتالى الحكايات، تتالى أيضاً الاتهامات بين الشخصيتين، فالحارث متّهم بأنه يخرج عن نص المسرحية، وهو يتهم حاتم بأنه كتب نصاً غير مفهوم، لا علاقة له بالواقع، ولكنهما ورغم كل ما يحصل يكرران المشاهد، التي تتضح عن مقاربة حادة وقاسية للكثير من الوقائع اليومية التي عاشها الشباب السوري، الذي ذهب في خيار الثورة حتى النهاية.

الحكايات الشخصية، في البروفة هي المادة، التي يجب أن يتقن كل واحد من الممثلين روايتها، أو تجسيدها، ولكنّ الصراع الذي ينشأ بينهما إنّما يتركّز حول دقة وصدق الرواية، وعدم الاستهتار بتفاصيلها، وكلّما كان الممثل يذهب نحو شخصيته، كلّما كان الجدل يشتد حول التفاصيل، فهما يخرجان عن النص المكتوب.

النص المبهم يحتاج إلى شرح للمفردات، كما يطلب الحارث من حاتم، فقد احتوى على كل المفردات المتداولة لدى السوريين في الوقت الراهن، من المظاهرات إلى الثورة والسلاح وجبهة النصرة وداعش.. الخ، ولكن ظهورها في السياق يظل مرمّزاً وخاضعا للخطوط الحمر، وفي النهاية يجد طرفا المعادلة نفسيهما في مواجهة بعضهما، فحاتم صاحب النص مصرّ على منجزه، بينما يرى الحارث أنه يعيد ويكرّر نصّا لا يفهمه، ويرى أنه بعيد عن الواقع، ولا يعبّر عن الثورة، وهنا يصل العرض إلى ذروته، فالعرض سيتوقف بعد أن قرر الحارث ترك حاتم والنص.. ولكن هذا الأخير سرعان ما يعود لاستدراك الموقف، واقتراح صيغة جديدة للمتابعة.

هذا النموذج المسرحي، مستولد من بحث فريق العرض عن طريقة ما لمقاربة حكايات السوريين، ودمجها في سياق تشابكي جدلي، يخرجها من صيغة الراوي أو السارد التقليدية. فالحكايات التي باتت مادة السوريين الأهم في حياتهم المبنية على تفاصيل القمع والسجون والنضالات والتهجير والمجازر والسلاح والكتائب المقاتلة وغيرها وغيرها، تتكرّر في كل زمان ومكان، ولكنّها تروى متشابهةً في مكوناتها السردية، وربما تفترق عن بعضها في المصائر والنهايات، ولكنها هي الحكايات ذاتها. ولهذا لا بدّ من أن يقوم صناع المسرح باللجوء إلى أسلبةٍ (نمذجة) من نوعٍ ما لتحويل هذه الحكايات إلى مادةٍ دراميةٍ، تروى على الخشبة دون أن تذهب إلى تكرار تقليدي يحوّلها إلى مادة مملّة. وهنا في العرض، يقترح علينا فريق العمل أن يكون الاشتغال على نصّ افتراضي غير واضح المعالم أو التحديد، يتم الخروج منه، والعودة إليه، وبما يقرّب المسافة بين الجمهور وبين التفاصيل التي يتمّ سردها، وهي بكل الأحوال شبه معروفة لدى المتفرّجين بحكم تشابهها مع حكاياتهم هم أنفسهم، وبالاستناد إلى أن التجربة تقوم على نوع «مسرح الغرفة» الذي لا يقوم على الشكل المسرحي التقليدي، فإن هذا الاشتغال يجد صداه العالي لدى المتفرّجين، حتى أن هؤلاء يجدون أنفسهم في صلب الحكاية وفي متن العرض، فلا يعرفون بدايته أو نهايته، فالبروفة لا تنتهي وكذلك الحكايات، وكذلك محاولات الممثلين لاقتراح صيغة جديدة لرواية حكاية في كل مرة.

استخدام المعادلات البصرية في العرض، استند وبشكل رئيسي إلى التفاصيل البسيطة التي تم فردها في المساحة الضيقة، فهنا ثمة بضعة بلاطات قرب جدار علّقت عليه صور مرسومة بالألوان المائية، نكتشف في سياق العرض أنها صور متخيلة لشهداء مرّوا في الحكايات، وإذا تركنا لمساحة التخيل أن تمتد فإن هذه الصور تتشابه مع صور وجوه الشهداء التي رأيناها مراراً وتكراراً، وخاصة في مجموعة الشهداء الذين قضوا في سجون النظام، وفي كل حكاية يتمّ سردها يحتاج حاتم لأن يقوم برسم صورة من هذه الصور، وبما يشكّل نوعاً من التقابل بين المسرود الشفوي وبين الحكاية المصوّرة، كما أن العود الذي كان جزءاً من إحدى حكايات الحارث، يتحول إلى صوت ثالث، قد نستطيع اعتباره صلة وصل تشتغل على الإحالة الذهنية لدى المتفرج، فالألحان التي يعزفها الحارث هي جزء من المكوّن الذهني لدى المتفرجين، ورغم أنها قد تتسبب بنوع من إشغال تركيز المشاهدين على الحكايات وسردها، إلا أنها تقوم بدمج التفاصيل ضمن اليومي المعيش من قبلهم. وعلى غير عادة العروض المسرحية التقليدية، ينتهي العرض بعرض «شارة نهاية» سمّى الممثلون أنفسهم فيها كشهداء، مع أسماء شهداء فعليين، مروا في المشهد السوري الراهن..

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن أداء كلّ من الممثلين كان يحتاج في بعض التفاصيل إلى بعض الوقفات، التي تعزز بعض مفاصل العرض، ولا سيما في موقف الاشتباك بين الممثلين، وخلافهما حول النص، والذي يمكن اعتباره ذروة العرض، فقد بدا المشهد أقل حدة قياساً باحتداد المواقف الأخرى في العرض، ما جعله أقلّ ممّا يفترضه السياق.

تجربة «بروفة لا تنتهي»، واحدة من أبرز التجارب المسرحية التي تم تقديمها في سياق إنتاج عروض مسرحية في المنفى، فهنا ثمة مفاهيم ومفردات مختلفة يتم إنتاجها بعيداً عن آليات المؤسسات الثقافية السورية في الداخل، كما أن غياب الإمكانيات الكبيرة يدفع بأصحاب التوجهات الجادة نحو اقتراح أدوات مسرحية جديدة أو غير مستخدمة سابقاً قد يكون مسرح الغرفة واحداً منها، وهذا ما نجح العرض بالعمل عليه.


شاعر من سوريا مقيم في تركيا

مقالات أخرى للكاتب:

  • يوم الاحتفال
  • الشاعر‭ ‬يؤسس