الطفل‭ ‬الشقي‭ ‬عدواً

الجديد  أحمد اسماعيل اسماعيل [نُشر في 01/07/2016، العدد: 18، ص(142)]

تخطيط: فادي يازجي
دأب الكبار،‭ ‬الراشدون،‭ ‬ومنذ‭ ‬عقود،‭ ‬بل‭ ‬قرون،على‭ ‬جعل‭ ‬الأطفال‭ ‬يتمثلون‭ ‬سلوكياتهم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يمارسونه‭ ‬من‭ ‬عادات‭ ‬وتقاليد‭ ‬وأفكار‭ ‬وسلوكيات‭.. ‬وحتى‭ ‬أحلام‭ ‬وطموحات،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬قيل‭ ‬وما‭ ‬يقال‭ ‬عن‭ ‬انتماء‭ ‬الأطفال‭ ‬لزمن‭ ‬غير‭ ‬زمنهم،‭ ‬واختلاف‭ ‬خصوصياتهم‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تخص‭ ‬الكبار،‭ ‬يظهر‭ ‬هذا‭ ‬السعي‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬المتخلفة،‭ ‬المبتلية‭ ‬بفيروس‭ ‬القمع‭ ‬بكل‭ ‬أشكاله‭ ‬وتجلياته،‭ ‬بدءاً‭ ‬بالأسرة‭ ‬حيث‭ ‬الولد‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬‮«‬زلمة‭ ‬البيت‮»‬‭ ‬بعد‭ ‬الأب،‭ ‬وشبيهه،‭ ‬ومروراً‭ ‬بالمدرسة‭ ‬التي‭ ‬يُعامل‭ ‬التلميذ‭ ‬فيها‭ ‬كسجين‭ ‬وبنك‭ ‬معلومات،‭ ‬وعسكري‭ ‬وطليعي‭ ‬في‭ ‬حزب‭ ‬القائد‭.. ‬وانتهاء‭ ‬بالشارع‭ ‬ودُور‭ ‬العبادة‭ ‬أيضاً‭.‬

وكان‭ ‬من‭ ‬الطبيعي،‭ ‬والحال‭ ‬هذه،‭ ‬أن‭ ‬تتم‭ ‬برمجة‭ ‬الطفل‭ ‬ليساهم‭ ‬بدوره‭ ‬في‭ ‬تفعيل‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬التي‭ ‬ستشوه‭ ‬أجمل‭ ‬مراحل‭ ‬عمره،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التماهي‭ ‬أو‭ ‬التقليد،‭ ‬الخاصية‭ ‬النفسية‭ ‬المعروفة‭ ‬لدى‭ ‬الأطفال،‭ ‬والتي‭ ‬تستثمرها‭ ‬المجتمعات‭ ‬الأكثر‭ ‬تحضراً‭ ‬في‭ ‬تربية‭ ‬الطفل،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تقديم‭ ‬الشخصيات‭ ‬الإيجابية‭ ‬على‭ ‬المسرح‭ ‬للتّماهي‭ ‬معها،‭ ‬كالشّخصيات‭ ‬الوطنية‭ ‬والعلمية‭ ‬مثلاً،‭ ‬أو‭ ‬السيّئة،‭ ‬كالخونة‭ ‬واللصوص‭ ‬والكسالى‭. ‬لتجنّبها،‭ ‬ونستهلكها‭ ‬نحن‭ ‬أسوأ‭ ‬استهلاك،‭ ‬أمّا‭ ‬بالتهريج‭ ‬وتقليد‭ ‬الآخرين،‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬والمدرسة،‭ ‬أو،‭ ‬وهذا‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الأمر،‭ ‬بتماهي‭ ‬الطفل‭ ‬في‭ ‬دور‭ ‬الذكر‭ ‬سيد‭ ‬البيت،‭ ‬بجديّة‭ ‬وصرامة،‭ ‬تبدأ‭ ‬بالتدخين،‭ ‬وتكتمل‭ ‬بتقليد‭ ‬الراشدين‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬حركاتهم‭ ‬وتصرّفاتهم،‭ ‬ليتحوّل‭ ‬الطفل‭ ‬المُقلِد‭ ‬إلى‭ ‬كائن‭ ‬ممسوخ،‭ ‬طفل‭ ‬مسترجل،‭ ‬لا‭ ‬طفولة‭ ‬ولا‭ ‬رجولة،‭ ‬وتتضاعف‭ ‬هذه‭ ‬المأساة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الأنثى،‭ ‬ومنذ‭ ‬أولى‭ ‬خطواتها،‭ ‬بدءاً‭ ‬باللباس‭ ‬والسلوك‭ ‬والكلمات‭ ‬المنتقاة‭ ‬والحركات‭ ‬والعلاقات‭ ‬واللعب‭.. ‬وإلى‭ ‬أن‭ ‬تزفّ‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬الزوجية،‭ ‬وتصبح‭ ‬أماً‭ ‬وهي‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬طفلة‭. ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬بمباركة‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬وصناع‭ ‬ثقافته‭ ‬من‭ ‬الكبار‭.‬

إذا‭ ‬كان‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬من‭ ‬حديث‭ ‬عن‭ ‬إهدار‭ ‬الطفولة‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬متخلف،‭ ‬وأثر‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬الطفل‭ ‬ومستقبله،‭ ‬ومستقبل‭ ‬المجتمع،‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬البعيد،‭ ‬غير‭ ‬ظاهر‭ ‬إلاّ‭ ‬للعين‭ ‬الخبيرة،‭ ‬فإن‭ ‬الأمر‭ ‬يختلف‭ ‬تماماً‭ ‬تحت‭ ‬سماء‭ ‬الحرب،‭ ‬حيث‭ ‬المناخ‭ ‬مشبع‭ ‬برياح‭ ‬تنعش‭ ‬النباتات‭ ‬السامة‭ ‬وأزهار‭ ‬الشر‭ ‬وتنمّيها،‭ ‬ليكون‭ ‬الطفل‭ ‬هنا‭ ‬أيضاً،‭ ‬أولى‭ ‬ضحايا‭ ‬هذه‭ ‬الأجواء،‭ ‬وأكثرها‭ ‬خطورة،‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬المجتمع‭ ‬والوطن،‭ ‬ويصبح‭ ‬معها‭ ‬من‭ ‬الصعوبة‭ ‬بمكان،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬الغباء‭ ‬التاريخي،‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬النهوض‭ ‬وإعادة‭ ‬البناء،‭ ‬لأن‭ ‬آلة‭ ‬الحرب،‭ ‬لا‭ ‬المعمل،‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬ستدور،‭ ‬في‭ ‬حروب‭ ‬أخرى‭ ‬مستقبلية،‭ ‬صغيرة‭ ‬أو‭ ‬كبيرة،‭ ‬داخلية‭ ‬أو‭ ‬خارجية،‭ ‬بسلاح‭ ‬أو‭ ‬بلا‭ ‬سلاح‭.‬‮ ‬وبإدارة‭ ‬طفل‭ ‬الأمس،‭ ‬طفل‭ ‬الحرب‭ ‬الشقي،‭ ‬وكل‭ ‬طفل‭ ‬شقي‭ ‬هو‭ ‬مشروع‭ ‬دكتاتور‭ ‬ومجرم‭ ‬حرب‭ ‬وعميل‭ ‬في‭ ‬الغد،ولعلّ‭ ‬ما‭ ‬نشاهده‭ ‬من‭ ‬مظاهر‭ ‬سلبية‭ ‬تتعلق‭ ‬بالأطفال‭ ‬في‭ ‬حروبنا‭ ‬الدائرة‭ ‬اليوم،‭ ‬ومما‭ ‬ينشره‭ ‬شباب‭ ‬صغار‭ ‬على‭ ‬صفحات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬من‭ ‬عبارات‭ ‬وشتائم‭ ‬للآخر،‭ ‬تهدر‭ ‬وطنية‭ ‬وإنسانية‭ ‬شريكه‭ ‬في‭ ‬الوطن،‭ ‬المخالف‭ ‬له‭ ‬طائفة‭ ‬أو‭ ‬قومية‭ ‬أو‭ ‬مذهباً‭ ‬أو‭ ‬سياسة‭. ‬وما‭ ‬يتم‭ ‬استخدامه‭ ‬في‭ ‬ألعابهم،‭ ‬التي‭ ‬تغيرت‭ ‬طبيعتها،‭ ‬وأدواتها،‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬مظاهر‭ ‬مماثلة‭.. ‬يؤكد‭ ‬هذه‭ ‬الهواجس‭.‬

ولأهمية‭ ‬اللعب،‭ ‬الذي‭ ‬يكاد‭ ‬يكون‭ ‬المجال‭ ‬الأكثر‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬نمو‭ ‬الطفل‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬النواحي‭ ‬النفسية‭ ‬والادراكية‭ ‬والجسدية،‭ ‬فإن‭ ‬التحوّل‭ ‬الذي‭ ‬أصابه‭ ‬نحو‭ ‬العنف،‭ ‬والذي‭ ‬بدأ‭ ‬عفوياً‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬والساحات،‭ ‬وانتهى‭ ‬حقيقياً‭ ‬على‭ ‬جبهات‭ ‬القتال‭. ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭.‬

ولقد‭ ‬كانت‭ ‬البداية‭ ‬في‭ ‬إقامتهم‭ ‬الحواجز‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬الضيقة،‭ ‬ومنع‭ ‬المارة‭ ‬من‭ ‬العبور‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يرفعوا‭ ‬أيديهم‭ ‬عالياً،‭ ‬أو‭ ‬يبرزوا‭ ‬بطاقات‭ ‬إثبات‭ ‬شخصياتهم،‭ ‬والتي‭ ‬يمكن‭ ‬إدراجها‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬إيهام‭ ‬وتقليد‭ ‬حروب‭ ‬الكبار‭ ‬الجارية‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬مناطق‭ ‬الوطن‭: ‬جيش‭ ‬حر‭ ‬وشبيحة،‭ ‬داعش‭ ‬ووحدات‭ ‬مقاومة‭ ‬شعبية،عسكر‭ ‬نظام‭ ‬وثوار‭.. ‬راحوا‭ ‬يمارسونها‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬قتال‭ ‬شوارع‭ ‬بعتاد‭ ‬حربي‭ ‬مؤلف‭ ‬من‭ ‬بنادق‭ ‬بلاستكية‭ ‬وأسلاك‭ ‬وعصي‭.. ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬حرب‭ ‬الصغار‭ ‬التي‭ ‬تحاكي‭ ‬حرب‭ ‬الكبار‭. ‬لتتحول‭ ‬هذه‭ ‬الألعاب‭ ‬من‭ ‬الإيهام‭ ‬إلى‭ ‬الحقيقة،‭ ‬أشبه‭ ‬بمسرح‭ ‬تفاعلي‭ ‬يستدرج‭ ‬جمهوره‭ ‬من‭ ‬اللعب‭ ‬إلى‭ ‬الاندماج‭ ‬والمساهمة‭ ‬في‭ ‬التمثيل‭.‬

قد‭ ‬لا‭ ‬نبالغ‭ ‬بالقول‭ ‬إن‭ ‬أياً‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬النظريات‭ ‬التربوية‭ ‬والتعليمية‭ ‬الذين‭ ‬تناولوا‭ ‬موضوع‭ ‬اللّعب‭ ‬ودوره‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الطفل،‭ ‬كوسيط‭ ‬لتطبيق‭ ‬المعارف‭ ‬وممارسة‭ ‬الاكتشافات‭ ‬حسب‭ ‬رأي‭ ‬عالم‭ ‬تربوي‭ ‬معروف‭ ‬مثل‭ ‬بياجيه،‭ ‬والناهض‭ ‬بدور‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬ومحورية‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬النمو،‭ ‬بمختلف‭ ‬جوانبه،‭ ‬حسب‭ ‬عالم‭ ‬آخر‭ ‬هو‭ ‬فيجوتسكي،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ليتخيلوا‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬لعب‭ ‬الأطفال،‭ ‬وبهذا‭ ‬الشكل‭ ‬المرعب،‭ ‬والذي‭ ‬سينعكس،‭ ‬ولا‭ ‬بدّ،‭ ‬على‭ ‬منظومة‭ ‬القيم‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬المجتمع‭ ‬والوطن،‭ ‬وفي‭ ‬علاقة‭ ‬الفرد‭ ‬مع‭ ‬الآخر،‭ ‬الفرد‭ ‬والمجموع،‭ ‬وليجترّه‭ ‬صاحبه‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬نكوص‭ ‬تدميري‭ ‬وتشويه‭ ‬عميق‭ ‬لن‭ ‬يتعافى‭ ‬منه‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬تضع‭ ‬الحرب‭ ‬أوزارها‭ ‬وتنهض‭ ‬الأبنية‭ ‬وتُقام‭ ‬الجسور‭ ‬ويعود‭ ‬العمال‭ ‬إلى‭ ‬المصانع‭ ‬والطلاب‭ ‬إلى‭ ‬المدارس‭.‬

إنها‭ ‬لعبة‭ ‬الحرب،‭ ‬عجز‭ ‬السياسة،‭ ‬كما‭ ‬وصفها‭ ‬مفكر‭ ‬سياسي،‭ ‬بدأت‭ ‬بدمج‭ ‬الأطفال‭ ‬فيها‭ ‬بشكل‭ ‬إيهامي،‭ ‬أطفال‭ ‬تقودهم‭ ‬نزعة‭ ‬التماهي‭ ‬في‭ ‬أدوار‭ ‬الكبار،‭ ‬ثم‭ ‬بشكل‭ ‬فعلي‭: ‬جنوداً‭ ‬وثواراً‭ ‬وتكفيريين‭.. ‬يرتدون‭ ‬الزي‭ ‬الحربي‭ ‬ويتقلدون‭ ‬أسلحة‭ ‬حقيقية‭ ‬يتم‭ ‬تصويبها‭ ‬نحو‭ ‬أهداف‭ ‬حية،‭ ‬لا‭ ‬تشبه‭ ‬الزجاجة‭ ‬الفارغة‭ ‬المثبتة‭ ‬على‭ ‬مرتفع،‭ ‬أو‭ ‬الدريئة‭ ‬المنصوبة‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬الرمي‭ ‬أثناء‭ ‬تدريبات‭ ‬الطلاب‭ ‬الجامعيين،‭ ‬بل‭ ‬مؤلفة‭ ‬من‭ ‬بشر‭ ‬وأماكن‭ ‬وسيارات‭.. ‬ورؤوس‭ ‬حقيقية‭ ‬من‭ ‬لحم‭ ‬ودم‭ ‬يفصلونها‭ ‬بسكاكين‭ ‬حقيقية،‭ ‬كبيرة‭ ‬وحادة،‭ ‬عن‭ ‬أجساد‭ ‬أعداء؛‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأعداء‭: ‬لصق‭ ‬بيته،‭ ‬بيت‭ ‬بيت‭.‬

ولم‭ ‬لا؟‭ ‬مادام‭ ‬هذا‭ ‬العدو‭ ‬مرتدّا‭ ‬وطنياً‭ ‬أو‭ ‬دينياً‭ ‬أو‭ ‬مذهبياً‭ ‬أو‭ ‬سياسياً‭..‬

كارثة‭ ‬وطنية‭ ‬وإنسانية‭ ‬تفوق‭ ‬الوصف‭ ‬بالكلمات‭!‬


‬كاتب‭ ‬مسرحي‭ ‬من‭ ‬سوريا‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬تركيا