رواية‭ ‬عذراء سنجار

هلين‭ ‬سنجار‭ ‬المخطوفة‭ ‬أو‭ ‬نشتمان‭ ‬طروادة‭ ‬‮ ‬

الجديد  علي حسن الفواز [نُشر في 01/07/2016، العدد: 18، ص(148)]

تضعنا‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬عذراء‭ ‬سنجار‮»‬‭ ‬للروائي‭ ‬وارد‭ ‬بدر‭ ‬السالم‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬منشورات‭ ‬ضفاف‭ ‬ومنشورات‭ ‬الاختلاف‭/‬بيروت‭/‬2016‭ ‬أمام سرديات‭ ‬عجائبية‭ ‬للمأساة‭ ‬العراقية،‭ ‬إذ‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬طاقة‭ ‬تمثيلية‭ ‬تتنوع‭ ‬تشكّلاتها‭ ‬الموضوعية‭ ‬والتعبيرية،‭ ‬وعن‭ ‬منظور‭ ‬سردي‭ ‬تتمثل‭ ‬قراءته‭ ‬وكشوفاته‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأحداث‭ ‬ذات‭ ‬الطابع‭ ‬الملحمي،‭ ‬ومجموعة‭ ‬من‭ ‬الشهادات‭ ‬عن‭ ‬تفاصيل‭ ‬حياة‭ ‬مسكونة‭ ‬بالوجع‭ ‬والمحو‭ ‬والاستلاب‭..‬

تحفل الرواية‭ ‬بلحظة‭ ‬تاريخية‭ ‬عراقية‭ ‬مفارقة،‭ ‬يحتشد‭ ‬فيها‭ ‬استلاب‭ ‬الكائن‭ ‬مع‭ ‬موت‭ ‬المكان،‭ ‬مثلما‭ ‬يتحول‭ ‬فيها‭ ‬زمن‭ ‬الكتابة‭ ‬الى‭ ‬زمن‭ ‬محكوم‭ ‬بالواقع‭ ‬وموته،‭ ‬إذ‭ ‬تتمخض‭ ‬أحداثها‭ ‬عن‭ ‬تمظهرات‭ ‬ومواقيت‭ ‬تُحيل‭ ‬إلى‭ ‬سيمياء‭ ‬الخراب،‭ ‬وتُفضي‭ ‬إلى‭ ‬التقاطات‭ ‬تتفتح‭ ‬عبرها‭ ‬معانٍ‭ ‬شوهاء‭ ‬للوجود،‭ ‬وبما‭ ‬يُعطي‭ ‬للجهد‭ ‬السردي‭ ‬مهمة‭ ‬استثنائية‭ ‬في‭ ‬توصيل‭ ‬الرسالة‭ ‬وفي‭ ‬فتح‭ ‬أفق‭ ‬تتفجر‭ ‬عبره‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬شحنات‭ ‬التخيّل،‭ ‬ويتوافر‭ ‬على‭ ‬تقانات‭ ‬لتنمية‭ ‬الاجتهاد‭ ‬الروائي‭ ‬في‭ ‬التحرّي‭ ‬عن‭ ‬محنة‭ ‬الكائن‭ ‬والمكان،‭ ‬وفي‭ ‬الإبانة‭ ‬عن‭ ‬عدمية‭ ‬الزمن‭..‬

هذا‭ ‬الثالوث‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬مادة‭ ‬حكائية‭ ‬عميقة‭ ‬الغور‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬والتاريخ‭ ‬والوجدان،‭ ‬وعلى‭ ‬سياقٍ‭ ‬تعبيري‭ ‬تتبدى‭ ‬فيه‭ ‬مظاهر‭ ‬الحجب‭ ‬ومظاهر‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬معا،‭ ‬إذ‭ ‬تتبأّر‭ ‬الأحداث‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬عبر‭ ‬ثيمة‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الغائب،‭ ‬وعبر‭ ‬مقاربة‭ ‬ثيمة‭ ‬الحضور‭ ‬المُستَلب‭ ‬والإيهامي‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الغائب‭.. ‬أبطالها‭ ‬يخوضون‭ ‬صراعهم‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أنسنة‭ ‬هذا‭ ‬الغائب،‭ ‬وتسحير‭ ‬وجوده‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬الحكاية،‭ ‬وفي‭ ‬معروضها‭ ‬السردي،‭ ‬ليس‭ ‬للتخفيف‭ ‬من‭ ‬قسوة‭ ‬الواقع‭/‬الوثيقة‭/‬الشهادة‭ ‬بل‭ ‬لإعطاء‭ ‬هذا‭ ‬العرض‭/‬الخطاب‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬المفارقة‭ ‬الحرّة،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تعطي‭ ‬للقراءة هامشا‭ ‬لتقصّي‭ ‬وجود‭ ‬ضديّ،‭ ‬أو‭ ‬تحقق‭ ‬سيميائي‭ ‬خلف‭ ‬أقنعة‭ ‬‭(‬الموت‭ ‬العلني‭)‬‭ ‬إذ‭ ‬تموّل‭ ‬القراءة‭ ‬البصرية‭ ‬المشهدَ‭ ‬بنوعٍ‭ ‬من‭ ‬التحوّل،‭ ‬مثلما‭ ‬تُسبغ‭ ‬على‭ ‬الجسد‭/‬الأضحية،‭ ‬المُستلَب،‭ ‬والمُغتَصب‭ ‬إيهاما‭ ‬بطاقة‭ ‬فائقة،‭ ‬وبسياق‭ ‬مموّه‭ ‬لمواجهة‭ ‬رمزية‭ ‬القهر‭ ‬والمحو‭ ‬الهوياتي‭ ‬الديني‭ ‬والأنثروبولوجي‭.‬

عتبة‭ ‬سيميائية

تقترح‭ ‬عتبةُ‭ ‬العنوان‭ ‬قراءةً‭ ‬لثيمة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الغائب،‭ ‬فـ‮»‬العذراء‮»‬‭ ‬تتحول‭ ‬في‭ ‬مجرى‭ ‬الخطاب‭ ‬إلى‭ ‬سيمياء‭ ‬لوجود‭ ‬طهري‭ ‬تعويضي‭ ‬يواجه‭ ‬لعبة‭ ‬المحو‭ ‬التي‭ ‬يتعرض‭ ‬لها‭ ‬المكان،‭ ‬والعذرية‭ ‬هنا‭ ‬هي‭ ‬شفرة‭ ‬الطهر‭ ‬مقابل‭ ‬اغتصاب‭ ‬المكان‭/‬تلويثه‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتبدى‭ ‬عبر‭ ‬إصرار‭ ‬البطل‭ ‬‮«‬سربست‮»‬‭ ‬في‭ ‬ديمومة‭ ‬عملية‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬ابنته‭ ‬‮«‬نشتمان‮»‬‭ ‬بوصفها‭ ‬سيرورة‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬الغائب‭ ‬الطاهر‭.‬

عبر‭ ‬شفرة‭ ‬هذه‭ ‬العتبة‭ ‬المشهدية‭ ‬نعاين‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأحداث‭ ‬التي‭ ‬يختلط‭ ‬فيها‭ ‬الواقعي‭ ‬بالسردي،‭ ‬التخيّلي‭ ‬بالسحري،‭ ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬صيغة‭ ‬خطاب‭ ‬مسرود‭ ‬ذاتي،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الصيغ‭ ‬التي‭ ‬يصنعها‭ ‬اللاوعي‭ ‬الجمعي،‭ ‬والتي‭ ‬تتشكل‭ ‬تبعا‭ ‬لتصعيد‭ ‬الأحداث،‭ ‬فهي‭ ‬تتّكئ‭ ‬على‭ ‬ثيمة‭ ‬البحث،‭ ‬وعلى‭ ‬تبئيرها،‭ ‬لكنها‭ ‬تتجه‭ ‬بالمقابل‭ ‬إلى أن‭ ‬تكون‭ ‬مركزا‭ ‬لتشكيل‭ ‬زاوية‭ ‬نظر‭ ‬تحتفظ‭ ‬بـ‮»‬المسافة‭ ‬والمنظور‮»‬‭ ‬كما‭ ‬يسميها‭ ‬سعيد‭ ‬يقطين،‭ ‬لكي‭ ‬تعزز‭ ‬هذا‭ ‬البحث‭ ‬وتضاعف‭ ‬صوره‭ ‬عبر‭ ‬ما‭ ‬يسّاقط‭ ‬من‭ ‬وجدان‭ ‬جميع‭ ‬الضحايا،‭ ‬وللاستدلال‭ ‬عبرها‭ ‬عن‭ ‬شفرات‭ ‬الفقد‭/‬الخطف‭/‬الاغتصاب،‭ ‬بوصفها‭ ‬خطابا‭ ‬سيميائيا‭ ‬للراوي‭ ‬وللشخصيات،‭ ‬وللكشف‭ ‬عن‭ ‬البشاعة‭ ‬‮«‬الأنثربولوجية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬بلغتها‭ ‬الوقائع‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬سنجار‭.‬

عتبة‭ ‬السيمياء‭ ‬تقترن‭ ‬بالمعروض‭ ‬السردي،‭ ‬وبالإخبار‭ ‬عن‭ ‬تمثلات‭ ‬هذا‭ ‬المعروض،‭ ‬فـ‮»‬الكل‮»‬‭ ‬يعيشون‭ ‬هواجس‭ ‬الضحايا،‭ ‬والكل‭ ‬يتسترون‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬ضدّيّ‭ ‬‭(‬أسماء،‭ ‬هويات،‭ ‬أقنعة‭ ‬دينية‭)‬‭ ‬و‮»‬الكل‮»‬‭ ‬ينتظرون‭ ‬‭-‬أيضا‭-‬‭ ‬خلاصا‭ ‬قدريا،‭ ‬و‮»‬الكل‮»‬‭ ‬يعيشون‭ ‬أوهامهم‭ ‬عبر‭ ‬إنتاج‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬العلامات‭ ‬النفسية‭ ‬والتعبيرية‭ ‬والسحرية‭ ‬للإيهام‭ ‬بذلك‭ ‬الخلاص‭ ‬عبر‭ ‬استيهامات‭ ‬فيها‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬السحري‭ ‬والفنطازي‭ ‬والتخيّلي‭ ‬الديني‭ ‬حسب‭ ‬ما‭ ‬يقترحه‭ ‬الروائي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إيراد‭ ‬استهلالات‭ ‬دينية‭ ‬وشعرية‭ ‬من‭ ‬الموروث‭ ‬الأيزيدي‭.‬

العناوين‭ ‬الفرعية‭ ‬للرواية‭ ‬لا‭ ‬تنفصل‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬العتبة،‭ ‬بل‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مجسات‭ ‬سردية‭ ‬للكشف‭ ‬عن‭ ‬سرائرها،‭ ‬ولتوصيف‭ ‬عوالمها‭ ‬ويومياتها،‮ ‬بوصفها‭ ‬عتبات‭ ‬صغيرة‭ ‬للمتن‭ ‬الحكائي،‭ ‬لكنها‭ ‬الأكثر‭ ‬إثارة‭ ‬واستنفارا،‭ ‬إذ‭ ‬تضع‭ ‬فعل‭ ‬القراءة‭ ‬أمام‭ ‬معينات‭ ‬مُغذية‭ ‬للسرد،‭ ‬كالمونولوج،‭ ‬والتذكّر،‭ ‬وأمام‭ ‬لعبة‭ ‬لا‭ ‬يحضر‭ ‬فيها‭ ‬الراوي‭ ‬عبر‭ ‬ضمير‭ ‬‮«‬الغائب‮»‬‭ ‬بل‭ ‬عبر‭ ‬صيغة‭ ‬الإحالة‭ ‬إلى‭ ‬التنوع‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الضمائر‭ ‬وأزمنتها،‭ ‬وإلى‭ ‬تقانة‭ ‬المكاشفة‭ ‬عبر‭ ‬أحداث‭ ‬تاريخية،‭ ‬أو‭ ‬وقائع‭ ‬أو‭ ‬نصيّات‭ ‬هي‭ ‬الأقرب‭ ‬للوثائق،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تُسهم‭ ‬سرديا‭ ‬في‭ ‬تفجير‭ ‬شفرة‭ ‬الاستئناف‭ ‬الدائم‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬أسرار‭ ‬الغائب،‭ ‬وأسرار‭ ‬الضحايا،‭ ‬والتي‭ ‬تعيش‭ ‬عاهاتها شخصيات‭ ‬الرواية‭ ‬طوال‭ ‬أحداثها‭.‬

فـ‮»‬أرامل‭ ‬الرواية‮»‬‭ ‬كما‭ ‬يسميها‭ ‬الروائي‭ ‬هي‭ ‬جوهر‭ ‬فاعل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الفقد‮»‬،‭ ‬فهي‭ ‬تحتمل‭ ‬عبر‭ ‬هذا‭ ‬التوصيف‭ ‬التسجيلي‭ ‬مقاربةً‭ ‬لما‭ ‬يتداعى‭ ‬من‭ ‬الأحداث،‭ ‬ولما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬خطابها‭ ‬التبئيري‭ ‬بمثابة‭ ‬مجال‭ ‬نفسي‭ ‬للتعبير،‭ ‬والاعتراف،‭ ‬ولتشكيل‭ ‬مشاهد‭ ‬يتمركز‭ ‬ظاهرها‭ ‬عبر‭ ‬ديالوغات‭ ‬متعددة،‭ ‬ويتجوهر‭ ‬مُضمرها‭ ‬حول‭ ‬الحديث‭ ‬السري‭ ‬التناوبي‭ ‬عن‭ ‬ثيمة‭ ‬‮«‬الفقد‮»‬‭ ‬وثيمة‭ ‬‮«‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الغائب‮»‬‭ ‬وهوما‭ ‬يستدعي‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬‮«‬السرد‭ ‬التنكري‮»‬‭ ‬حيث‭ ‬النزوع‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬التماس‭ ‬أدوات‭ ‬‮«‬الواقعية‭ ‬السحرية‮»‬‭ ‬للتخفيف‭ ‬من‭ ‬عبء‭ ‬الواقع‭ ‬وأحداثه،‭ ‬فالروائي‭ ‬يقترح‭ ‬مشهدا‭ ‬حواريا‭ ‬لـ‮»‬أبطاله‭ ‬الأرامل‮»‬‭ ‬تتأنسن‭ ‬فيه‭ ‬اللغة‭ ‬السردية‭ ‬والشخصيات،‭ ‬وتذوب‭ ‬حدودها‭ ‬عبر‭ ‬حراك‭ ‬الضمائر‭ ‬واحالاتها،‭ ‬ولتصطنع‭ ‬لنا‭ ‬فضاء‭ ‬تجوس‭ ‬فيه‭ ‬عين‭ ‬الكاميرا،‭ ‬بوصفها‭ ‬عينا‭ ‬حيادية،‭ ‬مثلما‭ ‬تتحفز‭ ‬فيه‭ ‬الشخصيات‭/‬الضحايا‭ ‬للمشاهرة‭ ‬بحضورها‭ ‬وبتوترها‭ ‬بوصفها‭ ‬من‭ ‬الذوات‭ ‬غير‭ ‬المتواطئة‭ ‬مع‭ ‬الواقع،‭ ‬وتنخرط‭ ‬عبر‭ ‬هذه‭ ‬المفارقة‭ ‬في‭ ‬لعبة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬غائبها‮»‬،‭ ‬والغائب‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬‮«‬المفقود‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬أيضا‭ ‬‮«‬المدينة‮»‬‭ ‬و‮»‬الهوية‮»‬‭.‬

التبدلات‭ ‬السردية

لا‭ ‬تشتغل‭ ‬الرواية‭ ‬على‭ ‬صيغة‭ ‬السرد‭ ‬الذاتي‭ ‬للروائي،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬صيغة‭ ‬المعروض‭ ‬القريب‭ ‬من‭ ‬التسجيل‭ ‬السردي،‭ ‬والذي‭ ‬يتمثل‭ ‬أحداث‭ ‬‮«‬احتلال‮»‬‭ ‬داعش‭ ‬لمدينة‭ ‬‮«‬سنجار‮»‬‭ ‬العراقية‭ ‬وتفكيك‭ ‬منظومتها‭ ‬الديموغرافية‭ ‬والدينية‭ ‬والهوياتية،‭ ‬والذي‭ ‬تتشكل‭ ‬أحداثه‭ ‬عبر‭ ‬ما‭ ‬ترويه‭ ‬الشخصيات،‭ ‬ليس‭ ‬بوصفها‭ ‬أقنعة‭ ‬للروائي،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬طاقة‭ ‬تشكيلية‭ ‬فاعلة‭ ‬لسردنة‭ ‬الوقائع،‭ ‬ولموضعة‭ ‬خطابها‭ ‬عبر‭ ‬شهادات‭ ‬لا‭ ‬يعمل‭ ‬الراوي‭ ‬فيها‭ ‬سوى‭ ‬ضبط‭ ‬إيقاع‭ ‬عين‭ ‬الكاميرا،‭ ‬وهو‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬مقابل‭ ‬سردي‭ ‬لضبط‭ ‬حركة‭ ‬الضمائر‭ ‬وتمثلاتها‭ ‬النفسية،‭ ‬ولتأطير‭ ‬إحالاتها‭ ‬واستعمالاتها‭ ‬عبر‭ ‬صياغة‭ ‬التحولات‭ ‬داخل‭ ‬الحيز‭ ‬المكاني،‭ ‬وعبر‭ ‬ترسيم‭ ‬علائق‭ ‬شخصياته،‭ ‬وفي‭ ‬إعادة‭ ‬توليف‭ ‬الوثيقة‭ ‬الواقعية‭ ‬عبر‭ ‬تسحيرها،‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬شهادة‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬المدينة‭.‬

زمن‭ ‬الرسالة

لوحة: سمان خوام

ترهين‭ ‬الأحداث‭ ‬باحتلال‭ ‬داعش‭ ‬للمدينة‭ ‬يعني‭ ‬وضعها‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬زمني‭ ‬له‭ ‬صيغته،‭ ‬وله‭ ‬مهيمناته،‭ ‬فصيغة‭ ‬الخطاب‭ ‬الروائي‭ ‬ستكون‭ ‬هنا‭ ‬رهينة‭ ‬بتوصيف‭ ‬التحولات‭ ‬والاستلابات‭ ‬التي‭ ‬تعيشها‭ ‬الشخصيات،‭ ‬إذ‭ ‬هي‮ ‬تعيش‭ ‬وقائعها‭ ‬وفقدها‭ ‬وكأنها‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬المتاهة،‭ ‬وبما‭ ‬يجعلها‭ ‬خاضعة‭ ‬لتبدلات‭ ‬قامعة،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬مهيمنة‭ ‬المحو‭ ‬‭(‬محو‭ ‬الاسم،‭ ‬والدين‭ ‬والهوية‭)‬‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬يفرض‭ ‬شروطها‭ ‬ورعبها‭ ‬شخصيات‭ ‬‮«‬الغريب‮»‬‭ ‬و‮»‬الأفغاني‮»‬‭ ‬وغيرهما‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬تستقطبهم‭ ‬أوهام‭ ‬‮«‬حروب‭ ‬الجهاد‮»‬‭ ‬وتداعياتها‭ ‬العابرة‭ ‬للمدن‭ ‬والهويات،‭ ‬وعبر‭ ‬حواريات‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬رهاب‭ ‬هذه‭ ‬الحروب‭:‬

‮«‬أنا‭ ‬الآن‭ ‬آزاد‭.. ‬آزاد‭ ‬المسلم‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬ورقة‭ ‬التوبة‭ ‬في‭ ‬جيبه‭.‬

ابتسمت‭ ‬وهي‭ ‬تقول‭: ‬كل‭ ‬أسماء‭ ‬السنجاريين‭ ‬تغيرت‭ ‬فلا‭ ‬أستغرب،‭ ‬فقط‭ ‬عيدو‭ ‬ظل‭ ‬على‭ ‬اسمه‭ ‬القديم‭ ‬ولم‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬الإسلام،‭ ‬لأنه‭ ‬مجنون‭ ‬كما‭ ‬تعرف‭..!!‬

لكني‭ ‬الآن‭ ‬مسلم‭ ‬ولست‭ ‬أيزيديا‭..‬ولهذا‭ ‬اسمي‭ ‬آزاد‭ ‬وتركت‭ ‬سربست‭ ‬في‭ ‬الجبل‭.. ‬أنا‭ ‬الآن‭ ‬تائب‭ ‬يا‭ ‬أخت‭ ‬هههه‮…»‬‭ ‬‭(‬ص32‭)‬‭.‬

تقوم‭ ‬الرواية‭ ‬على‭ ‬تقانات‭ ‬المشاهد،‭ ‬وعلى‭ ‬تقانة‭ ‬الاسترجاع،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬النظر‭ ‬الى‭ ‬فكرة‭ ‬الزمن‭ ‬ترتبط‭ ‬بـ‮»‬الزمن‭ ‬الحاضر‭/‬زمن‭ ‬الاحتلال‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬أحداث‭ ‬وصراع‭ ‬وقتل‭ ‬وإعدامات،‭ ‬والزمن‭ ‬الذي‭ ‬تتمثله‭ ‬الشخصيات‭ ‬وهو‭ ‬زمن‭ ‬الحكي،‭ ‬أي‭ ‬الزمن‭ ‬السردي‭ ‬الذي‭ ‬يضعنا‭ ‬داخل‭ ‬علائق‭ ‬مضطربة،‭ ‬وتخيلات‭ ‬نستخلص‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬أحداثا‭ ‬متخيلة،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬يصطنع‭ ‬تواتر‭ ‬شفراتها‭ ‬الروائي‭ ‬لكسر‭ ‬مسارها‭ ‬الحكائي‭ ‬من‭ ‬جانب،‭ ‬وللتخفيف‭ ‬من‭ ‬رهاب‭ ‬واقعيتها،‭ ‬وتوحش‭ ‬صورها‭ ‬ومفارقاتها‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬حصول‭ ‬سربست‭ ‬على‭ ‬ورقة‭ ‬من‭ ‬السماء‭ ‬للتجوّل‭ ‬بين‭ ‬المدن‭ ‬المسبية،‭ ‬طريقة‭ ‬رمي‭ ‬الخال‭ ‬عفدال‭ ‬من‭ ‬السطح‭ ‬واختفائه في‭ ‬الكونكريت،‮ ‬والزوج‭ ‬الذي‭ ‬نبتت‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬مقتله‭ ‬شجرة‭ ‬تين،‭ ‬وعلاقة‭ ‬الصقر‭ ‬بالمرأة‭ ‬التي‭ ‬يبلغ‭ ‬حملها‭ ‬12‭ ‬شهرا‭ ‬وترفض‭ ‬الإنجاب،‭ ‬والطريقة‭ ‬التي‭ ‬أخذ‭ ‬بها‭ ‬الصقر‭ ‬عيدو‭ ‬من‭ ‬قفصه‭ ‬لحظة‭ ‬إعدامه‭ ‬بالحرق‮»‬‭.‬

هذه‭ ‬الوقائع‭ ‬الضدية‭ ‬لزمن‭ ‬الموت،‭ ‬وللمسار‭ ‬الحكائي‭ ‬الكرونولوجي‭ ‬تفترض‭ ‬لها‭ ‬زمنا‭ ‬سحريا‭ ‬يتجاوز‭ ‬الواقع،‭ ‬وهو‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬عمد‭ ‬إليه‭ ‬الروائي‭ ‬الكولومبي‭ ‬غابرييل‭ ‬غارسيا‭ ‬ماركيز‭ ‬في‭ ‬روايته‭ ‬‮«‬مئة‭ ‬عام‭ ‬من‭ ‬العزلة‮»‬‭ ‬حين‭ ‬يعمد‭ ‬إلى‭ ‬تقانة‭ ‬الإخفاء‭ ‬لتفكيك‭ ‬زمن‭ ‬الموت‭ ‬الذي‭ ‬يخص‭ ‬لحظة‭ ‬الموت‭ ‬والهروب،‭ ‬وللإنوجاد‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬إيهامي‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬الخلاص‭ ‬التطهيري‭ ‬السحري‭ ‬عبر‭ ‬استدعاء‭ ‬‮«‬شخصية‮»‬‭ ‬المنقذ،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تكون‭ ‬فائقة،‭ ‬وخارجة‭ ‬عن‭ ‬زمن‭ ‬القصة‭/‬زمن‭ ‬الموت‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬متخيل‭ ‬عجائبي‭/‬زمن‭ ‬نفي‭ ‬الموت‭ ‬‮«‬وبلمح‭ ‬البصر‭ ‬تعلق‭ ‬عيدو‭ ‬بأقدام‭ ‬الصقر‭ ‬الهائج‭ ‬وهو‭ ‬يخطف‭ ‬على‭ ‬رأسه،‭ ‬فكانت‭ ‬لحظة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬نسيانها‭ ‬وهي‭ ‬تستغرقنا‭ ‬في‭ ‬عجائبيتها‭ ‬الرهيبة‭ ‬حينما‭ ‬طار‭ ‬عيدو‭ ‬وبأذياله‭ ‬نار‭ ‬صغيرة‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬طرنا‭ ‬معه،‭ ‬وطارت‭ ‬سنجار‭ ‬بأسرها‭ ‬إلى‭ ‬السماء‮»‬‭ ‬‭(‬ص199‭)‬‭.‬

كثرة‭ ‬المشاهد‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬توحي‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬المفارقات،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬يتناوب‭ ‬فيها‭ ‬الزمن‭ ‬السردي‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭ ‬الفيزيقي،‭ ‬والذي‭ ‬يوظفه‭ ‬الروائي‭ ‬كإطار‭ ‬لاستقراء‭ ‬الحمولات‭ ‬الدلالية‭ ‬للحدث‭ ‬الكبير‭/‬احتلال‭ ‬سنجار،‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬سردنة‭ ‬استثنائية‭ ‬لهذا‭ ‬الحدث،‭ ‬عبر‭ ‬اعتماد‭ ‬منطق‭ ‬الكشف،‭ ‬وعبر‭ ‬تصميم‭ ‬الشخصيات،‭ ‬وعبر‭ ‬اصطناع‭ ‬زماناتها‭ ‬وعلائقها،‭ ‬وعبر‭ ‬الاستعانة‭ ‬بالمنولوج‭ ‬للتخفيف‭ ‬من‭ ‬حدّة‭ ‬الوقائع،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬الانخراط‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬التداعيات،‭ ‬وأحيانا‭ ‬بالتكرار‭ ‬والتعدد‭ ‬الصوتي‭ ‬للشخصيات،‭ ‬لأن‭ ‬الواقع‭ ‬صار‭ ‬مجالا‭ ‬مشوّها،‭ ‬وأن‭ ‬ضديّته‭ ‬تفترض‭ ‬التخيّل‭ ‬والاسترجاع،‭ ‬وربما‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬الزمن‭ ‬الواقعي‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬الزمن‭ ‬الدائري‭ ‬الذي‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬معاودة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬النصي‭ ‬بربطه‭ ‬بالدلالة،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬معاينته‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬البناء‮»‬‭ ‬‭(‬تحليل‭ ‬الخطاب‭ ‬الروائي‭/‬الزمن‭ ‬السرد‭/‬التبئير‭/‬‭ ‬د‭. ‬سعيد‭ ‬يقطين‭/‬المركز‭ ‬الثقافي‭ ‬العربي‭/‬الدار‭ ‬البيضاء‭/‬‭ ‬المغرب‭ ‬ط4‭ ‬2005‭ ‬ص‭ ‬163‭)‬‭.‬

هذه‭ ‬القراءة‭ ‬تضع‭ ‬الأبطال‭/‬الضحايا‭ ‬داخل‭ ‬فضاء‭ ‬السرد،‭ ‬حيث‭ ‬يكتبون‭ ‬حكاياتهم،‭ ‬وحيث‭ ‬يسترجعون‭ ‬وجودهم‭ ‬عبر‭ ‬تضخيم‭ ‬فكرة‭ ‬الغائي،‭ ‬وعبر‭ ‬توسيع‭ ‬مساحته‭ ‬في‭ ‬المتن‭ ‬السردي،‭ ‬إذ‭ ‬يتحوّل‭ ‬هذا‭ ‬الغائب‭ ‬الى‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التشفير‭ ‬بالمقدس،‭ ‬وأن‭ ‬حضور‭ ‬الشخصية‭ ‬واختفاءها‭ ‬سيكون‭ ‬هو‭ ‬المقابل‭ ‬السيميائي‭ ‬لسقوطها‭ ‬وحضورها‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬الاستلابي‭ ‬‭-‬زمن‭ ‬الخطاب‭-‬‭ ‬فعبْرَ‭ ‬ثنائيتي‭ ‬الحضور‭ ‬والاختفاء‭ ‬تفقد‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية‭ ‬تمركزها‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬لكنها‭ ‬تنغمر‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬سردية‭ ‬المفارقة،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬يتشوّه‭ ‬فيها‭ ‬الاسم،‭ ‬والأنثروبولوجيا‭ ‬الدينية‭ ‬والهوية،‭ ‬وبما‭ ‬يجعلها‭ ‬أكثر‭ ‬استعدادا‭ ‬لتوليد‮ ‬‭ ‬دلالات‭ ‬جديدة،‭ ‬نافرة،‭ ‬بأسطرتها،‭ ‬وسحريتها،‭ ‬تعيش‭ ‬هاجس‭ ‬استعادتها‭ ‬للمقدس‭ ‬الغائب،‭ ‬ورعبها‭ ‬بقهرية‭ ‬الفقد‭ ‬والتحوّل،‭ ‬مثل‭ ‬شخصيات‭ ‬‮«‬سربست،‭ ‬دلشاد،‭ ‬سالار‮»‬‭.‬

هذا‭ ‬الزمن‭ ‬يسبغ‭ ‬وجوده‭ ‬القهري‭ ‬على‭ ‬تمثلات‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية‭ ‬المتحولة،‭ ‬فهو‭ ‬يُحدث‭ ‬تغييرا‭ ‬جوهريا‭ ‬في‭ ‬كينونتها،‭ ‬وهويتها،‭ ‬ويجرّها‭ ‬إلى محنة‭ ‬التحول‭ ‬السلبي،‭ ‬مثلما‭ ‬جعلها‭ ‬تعيش‭ ‬عبره‭ ‬عُصاب‭ ‬الانهيار‭ ‬والفقد،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أكسب‭ ‬‮«‬مسرودها‭ ‬الذاتي‮»‬‭ ‬بُعدا‭ ‬يشتبك‭ ‬فيه‭ ‬المونولوج‭/‬‮ ‬الاعتراف‭ ‬الداخلي‭ ‬مع‭ ‬قصدية‭ ‬الإيهام،‭ ‬إذ‭ ‬تنكسر‭ ‬عندها‭ ‬فكرة‭ ‬تداول‭ ‬الزمن‭ ‬العمومي،‭ ‬الزمن‭ ‬الظاهر،‭ ‬ليكون‭ ‬هناك‭ ‬زمن‭ ‬آخر‭ ‬هو‭ ‬الزمن‭ ‬الذي‭ ‬يعيشه‭ ‬أولا‭ ‬سالار‭ ‬في‭ ‬البئر،‭ ‬والزمن‭ ‬الذي‭ ‬تعيشه‭ ‬المرأة‭ ‬الحامل‭ ‬الرافضة‭ ‬لولادة‭ ‬طفلها،‭ ‬وبالطريقة‭ ‬التي‭ ‬تُعطي‭ ‬لـ‮»‬الصوت‭ ‬السردي‮»‬‭ ‬تعاليه لأن‭ ‬يكون‭ ‬هو‭ ‬الصوت‭ ‬الأكثر‭ ‬تحفّزا‭ ‬وتعويضا‭ ‬عن‭ ‬فكرة‭ ‬استعادة‭ ‬الغائب‭ ‬والهوية‭ ‬المفقودة‭ ‬والملتاثة‭ ‬برهاب‭ ‬المحو‭.‬

الشخصية‭ ‬ورهاب‭ ‬الوقائع

الشخصية‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬تُحقق‭ ‬بعدا‭ ‬سيميائيا‭ ‬للحدث،‭ ‬لأنها‭ ‬تضع‭ ‬وجودها‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬من‭ ‬الانشطار‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬الفاجع،‭ ‬وإعادة‭ ‬تمثّله‭ ‬عبر‭ ‬أسطرته،‭ ‬أي‭ ‬‮«‬الارتفاع‭ ‬بفعاليات‭ ‬الشخصيات‭ ‬المركزية‭ ‬وأنشطتها‭ ‬من‭ ‬أرضيتها‭ ‬الواقعية‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬فضائي‭ ‬يقارب‭ ‬الأسطورة‮»‬‮ ‬‭(‬محمد‭ ‬صابر‭ ‬عبيد‭/‬المغامرة‭ ‬الجمالية‭ ‬للنص‭ ‬الأدبي‭.. ‬دراسة‭ ‬موسوعية‭/‬‭ ‬مكتبة‭ ‬لبنان‭. ‬ناشرون‭/‬‭ ‬بيروت‭ ‬2012‭ ‬ط1‭ ‬ص‭ ‬502‭)‬‭. ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬توسيع‭ ‬مساحة‭ ‬إشغالها‭ ‬السردية،‭ ‬فالروائي‭ ‬يرسم‭ ‬لنا‭ ‬مشهدا‭ ‬تتشكل‭ ‬فيها‭ ‬شخصيات‭ ‬مضطربة،‭ ‬تعيش‭ ‬محنتها،‭ ‬واستلاب‭ ‬وجودها،‭ ‬لكنها‭ ‬بالمقابل‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬دوال‭ ‬بطاقة‭ ‬شحن‭ ‬سرديات‭ ‬الرواية،‭ ‬وترسيم‭ ‬وقائعها،‭ ‬وتعرية‭ ‬ما‭ ‬يحوطها‭ ‬من‭ ‬مظاهر‭ ‬للعنف‭ ‬والكراهية‭ ‬والقهر‭.‬

فالشخصيات‭ ‬الرئيسة‭ ‬يتمثلها‭ ‬أنموذج‭ ‬الأضحية،‭ ‬والشخصيات‭ ‬الساندة‭ ‬تتمثلها‭ ‬الشخصيات‭ ‬الإخبارية‭ ‬والتمثيلية،‭ ‬والشخصيات‭ ‬العدّوة‭ ‬يضعها‭ ‬الروائي‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬واحد،‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬التوصيفي‭ ‬‮«‬سفاح،‭ ‬قاتل،‭ ‬لايرف‭ ‬له‭ ‬جفن‮»‬‭ ‬‭(‬ص35‭)‬‭ ‬و‮»‬لحمية‭ ‬حمراء‭ ‬ووجه‭ ‬أسود‭ ‬مجدور‮»‬‭ ‬‭(‬ص40‭)‬‭.‬

يستثمر‭ ‬الروائي‭ ‬مهارته‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬الريبورتاج‭ ‬ليقترح‭ ‬لنا‭ ‬فضاء‭ ‬سرديا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬دراما‭ ‬الشخصيات،‭ ‬أي‭ ‬مسرحتها‭ ‬بطريقة‭ ‬تعبيرية،‭ ‬وإيحائية،‭ ‬إذ‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬الشخصيات‭ ‬لتصبح‭ ‬هي‭ ‬الوحدات‭ ‬الرئيسية‭ ‬للرواية،‭ ‬ومن‭ ‬خلالها‭ ‬يمكن‭ ‬معاينة‭ ‬الأحداث،‭ ‬فهي‭ ‬تضعنا‭ ‬منذ‭ ‬البدء‭ ‬في‭ ‬حوار‭ ‬سحري‭ ‬وإيهامي‭ ‬بين‭ ‬شخصيات‭ ‬واقعية‭ ‬وغير‭ ‬واقعية،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يجمعها‭ ‬هو‭ ‬الفقد،‭ ‬وهذا‭ ‬الإطار‭ ‬الجامع‭ ‬هو‭ ‬العنصر‭ ‬الرئيس‭ ‬لتصعيد‭ ‬الحدث،‭ ‬فعبر‭ ‬شفرة‭ ‬الفقد‭ ‬والترمل‭ ‬تتبدى‭ ‬الأحداث،‭ ‬وعبر‭ ‬شفرة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الغائب‭ ‬تتكشف‭ ‬المقاصد،‭ ‬وحتى‭ ‬الحركة‭ ‬التي‭ ‬تشدّ‭ ‬الشخصيات‭ ‬إلى‭ ‬واقعها،‭ ‬وإلى‭ ‬حلمها‭ ‬وحريتها‭.. ‬شخصية‭ ‬المكان‭ ‬هي‭ ‬الأكثر‭ ‬تشوها‭ ‬وغيابا‭ ‬وتعرضا‭ ‬للمحو،‭ ‬فسنجار‭ ‬في‭ ‬الجغرافيا‭ ‬وفي‭ ‬قاموس‭ ‬الغزاة‭ ‬هي‭ ‬غيرها‭ ‬‮«‬شنكال‮»‬‭ ‬في‭ ‬الوجدان‭ ‬الأيزيدي،‭ ‬وما‭ ‬بين‭ ‬هذين‭ ‬الاسمين‭ ‬تتداعى‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأحداث،‭ ‬وتتشظى‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأرواح‭ ‬المستلبة‭ ‬والشائهة‭ ‬بين‭ ‬مكانين‭ ‬وهويتين‭ ‬وديانتين‭.‬

شخصية‭ ‬عيدو‭ ‬المجنون‭ ‬أكثر‭ ‬شخصيات‭ ‬الرواية‭ ‬تمثلا‭ ‬للتوصيف‭ ‬السردي،‭ ‬فهو‭ ‬يختزن‭ ‬تاريخا‭ ‬طويلا‭ ‬من‭ ‬الأضحيات‭ ‬‮«‬ضحية‭ ‬عسكري‭ ‬في‭ ‬معارك‭ ‬نهر‭ ‬جاسم‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العراقية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬وضحية‭ ‬للأجهزة‭ ‬الأمنية‭ ‬السابقة،‭ ‬وضحية‭ ‬لفقدان‭ ‬العقل،‭ ‬وضحية‭ ‬لداعش‮»‬،‭ ‬تملك‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية‭ ‬المركبة‭ ‬أبعادا‭ ‬تخص‭ ‬وظيفتها‭ ‬السردية،‭ ‬وتخص‭ ‬شهادتها‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬الروائي‭ ‬وفي‭ ‬الأحداث،‭ ‬فهو‭ ‬يشبه‭ ‬شخصية‭ ‬البهلول‭ ‬في‭ ‬المثيولوجيا‭ ‬العربية،‭ ‬يمارس‭ ‬وظيفته‭ ‬في‭ ‬الاحتجاج‭ ‬عبر‭ ‬الشتم‭ ‬والقذف،‭ ‬وعبر‭ ‬الفضح،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬استخدام‭ ‬ثلاث‭ ‬لغات‭ ‬‭(‬العربية‭ ‬والكوردية‭ ‬والتركمانية‭)‬‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬سيمتثل‭ ‬لوظيفة‭ ‬الأضحية‭ ‬الطهرية‭ ‬بعد‭ ‬أدائه‭ ‬لوظيفة‭ ‬قتل‭ ‬‭(‬الحجي‭ ‬الافغاني‭)‬‭ ‬والحكم‭ ‬عليه‭ ‬بالإعدام‭ ‬حرقا‭.

لوحة: عثمان شبر

شخصية‭ ‬المرأة‭ ‬الحامل‭ ‬هي‭ ‬خليط‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الواقعي‭ ‬والسحري،‭ ‬فبيتها‭ ‬هو‭ ‬المكان‭ ‬الأليف‭ ‬للأيزيديين،‭ ‬مقابل‭ ‬الأمكنة‭ ‬العدوة‭ ‬المشحونة‭ ‬بالتوتر‭ ‬والكراهية‭ ‬في‭ ‬سنجار‭ ‬والموصل،‭ ‬وحضورها‭ ‬يُعطي‭ ‬للشخصيات‭ ‬العابرة‭ ‬شحنات‭ ‬من‭ ‬الأمل‭ ‬والبقاء،‭ ‬فهي‭ ‬فقدت‭ ‬زوجها‭ ‬الذي‭ ‬قتل‭ ‬أمامها،‭ ‬وتعيش‭ ‬سرائر‭ ‬علاقتها‭ ‬الملتبسة‭ ‬والتعويضية‭ ‬مع‭ ‬الصقر‭ ‬في‭ ‬إيحاء‭ ‬لإيروسية‭ ‬غائبة،‭ ‬ولوجود‭ ‬قوة‭ ‬روحية‭ ‬تدافع‭ ‬عن‭ ‬المكان،‭ ‬وامتناعها‭ ‬عن‭ ‬إنجاب‭ ‬طفلها‭ ‬الحامل‭ ‬به‭ ‬منذ‭ ‬12‭ ‬شهرا‭ ‬هو‮ ‬‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬سحرية‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بالحياة‭ ‬بمواجهة‭ ‬فرضية‭ ‬الموت‭ ‬في‭ ‬الواقع‭.‬

شخصية‭ ‬سالار‭ ‬غريبة‭ ‬في‭ ‬خياراتها،‭ ‬فهو‭ ‬يرفض‭ ‬إخراج‭ ‬أولاده‭ ‬خارج‭ ‬البئر،‭ ‬برمزية‭ ‬حضور‭ ‬البئر‭ ‬في‭ ‬المقدس،‭ ‬وبأنه‭ ‬الوجه‭ ‬الآخر‭ ‬لحياة‭ ‬يرفضها،‭ ‬ويكره‭ ‬الاندماج‭ ‬فيها،‭ ‬وأن‭ ‬يجد‭ ‬في‭ ‬الغناء‭ ‬وسيلة‭ ‬صوتية‭ ‬تعويضية‭ ‬إشباعية‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬وجودهم‭ ‬الإنساني‭ ‬واللساني‭.‬

شخصية‭ ‬الشاب‭ ‬المسلم‭ ‬الذي‭ ‬قتل‭ ‬الدواعش‭ ‬كل‭ ‬عائلته‭ ‬يعيش‭ ‬أوهامه‭ ‬في‭ ‬المكان،‭ ‬واغترابه‭ ‬خارج‭ ‬مرجعياته‭ ‬الدينية،‭ ‬فهو‭ ‬يعشق‭ ‬نشتمان‭ ‬الأيزيدية‭ ‬الغائبة،‭ ‬وابنة‭ ‬العم‭ ‬سربست،‭ ‬ويعمل‭ ‬مع‭ ‬الجماعات‭ ‬الإرهابية‭ ‬ليكون‭ ‬عينا‭ ‬باحثة‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬بيوتات‭ ‬أمراء‭ ‬داعش،‭ ‬لكن‭ ‬وظيفته‭ ‬تظل‭ ‬ساندة،‭ ‬وأن‭ ‬قيمتها‭ ‬الدرامية‭ ‬تحدد‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬ترميز‭ ‬المشهد،‭ ‬وفي‭ ‬توسيع‭ ‬سيمياء‭ ‬الحدث‭ ‬في‭ ‬سنجار،‭ ‬وفي‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬زيف‭ ‬عوالمه‭ ‬وخطاباته‭ ‬التي‭ ‬حاولت‭ ‬الجماعات‭ ‬الإرهابية‭ ‬تسويقها‭ ‬وفرضها‭ ‬على‭ ‬الناس‭.‬

الرواية‭ ‬والبناء‭ ‬الملحمي

إذا‭ ‬كانت‭ ‬الملحمة‭ ‬تحتاج‭ ‬أحيانا‭ ‬الى‭ ‬التمثيل‭ ‬لتجسيد‭ ‬وظيفتها‭ ‬في‭ ‬المحاكاة‭ ‬كما‭ ‬يريد‭ ‬أرسطو،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬التمثيل‭ ‬يتبدّى‭ ‬عبر‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬العالم‭ ‬الخارجي‭ ‬وليس‭ ‬مع‭ ‬التاريخ‭ ‬وحكاياته‭ ‬وحسب،‭ ‬وبما‭ ‬يجعل‭ ‬البطل‭ ‬الملحمي‭ ‬هو‭ ‬الوجه‭ ‬الآخر‭ ‬للبطل‭ ‬الروائي‭ ‬الذي‭ ‬يجد‭ ‬في‭ ‬قواه‭ ‬العميقة‭ ‬مجالا‭ ‬تعبيريا‭ ‬عن‭ ‬تمثلات‭ ‬الصراع،‭ ‬وعن‭ ‬وظيفته‭ ‬فيه،‭ ‬بوصفه‭ ‬منقذا‭ ‬أو‭ ‬أضحية‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬عنه‭ ‬لوكاش‭ ‬بـ‮»‬أنه‭ ‬البطل‭ ‬الإشكالي‭ ‬المريب‭ ‬الذي‭ ‬يزج‭ ‬بنفسه‭ ‬في‭ ‬الصراعات‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬القيم‭ ‬المطلقة‮»‬‭.‬

في‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬عذراء‭ ‬سنجار‮»‬‭ ‬نجد‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التمثلات‭ ‬للبنية‭ ‬الملحمية‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬عبر‭ ‬الأحداث‭ ‬والصراعات‭ ‬والغزو،‭ ‬وعبر‭ ‬ترسيم‭ ‬‮«‬مظاهر‭ ‬الموت‭ ‬الجماعي‭ ‬والتعذيب‭ ‬الجماعي‮»‬‭ ‬كما‭ ‬قرأناه‭ ‬في‭ ‬الملاحم،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬ترسيم‭ ‬صور‭ ‬للبطل‭ ‬الملحمي،‭ ‬البطل‭ ‬الذي‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬غائبه‭ ‬في‭ ‬شخصية‭ ‬العم‭ ‬سربست،‭ ‬وعبر‭ ‬أسفاره‭ ‬المتعددة‭ ‬في‭ ‬الأمكنة،‭ ‬وعبر‭ ‬أقنعته،‭ ‬وعذاباته،‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬تمثله‭ ‬وظيفة‭ ‬الأضحية‭ ‬ومسلوب‭ ‬الاسم‭ ‬والهوية‭ ‬والدين‭ ‬والمكان‭ ‬والعائلة‭.‬

كما‭ ‬نجده‭ ‬في‭ ‬شخصية‭ ‬البطل‭ ‬عيدو‭/‬البطل‭ ‬الإشكالي‭ ‬الملتبس‭ ‬والمريب،‭ ‬والحامل‭ ‬على‭ ‬كتفه‭ ‬تاريخا‭ ‬طويلا‭ ‬من‭ ‬العذابات،‭ ‬بدءا‭ ‬من‭ ‬عذابات‭ ‬الحرب‭ ‬والسجن‭ ‬والجنون،‭ ‬وانتهاء‭ ‬بعذاب‭ ‬المواجهة‭ ‬القدرية‭ ‬مع‭ ‬داعش،‭ ‬إذ‭ ‬يقدّم‭ ‬نفسه‭ ‬أضحية‭ ‬وقربانا‭ ‬بعد‭ ‬قتله‭ ‬البطل‭ ‬السلبي‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬الملاحم‭ ‬ليكون‭ ‬منتجا‭ ‬للمعاني‭ ‬السامية‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬شخصية‭ ‬نشتمان‭ ‬المخطوفة‭ ‬هي‭ ‬ذاتها‭ ‬شخصية‭ ‬‮«‬هيلين‮»‬‭ ‬اليونانية‭ ‬في‭ ‬‮«‬حصان‭ ‬طروادة‮»‬‭ ‬حيث‭ ‬يشعل‭ ‬هروبها‭ ‬مع‭ ‬باريس‭ ‬الحرب‭ ‬الكبرى‭ ‬بين‭ ‬الأثينيين‭ ‬والطرواديين،‭ ‬واختطاف‭ ‬نشتمان‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الدواعش‭ ‬يمثل‭ ‬للروائي‭ ‬بداية‭ ‬الحدث‭ ‬انطلاقا‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬الروح‭ ‬والوجود‭ ‬والطهر في‭ ‬المكان‭ ‬المستلب‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬حصن‭ ‬الحرب‭ ‬الملحمي‭.‬

والطقوس‭ ‬الدينية‭ ‬الأيزيدية‭ ‬والتعاويذ‭ ‬والمقامات‭ ‬تشكل‭ ‬في‭ ‬المبنى‭ ‬الروائي‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬‮«‬السينوغرافيا‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تعزز‭ ‬المسار‭ ‬الملحمي‭ ‬للرواية‭ ‬ولمظاهر‭ ‬الصراع‭ ‬والتحول‭ ‬في‭ ‬عوالمها‭.‬

رواية‭ ‬عذراء‭ ‬سنجار‭ ‬‮«‬ملحمة‭ ‬أيزيدية‮»‬‭ ‬تلامس‭ ‬عالما‭ ‬مجهولا‭ ‬للقارئ‭ ‬العربي،‭ ‬عالما‭ ‬غارقا‭ ‬بالأسرار‭ ‬والمسكوتات‭ ‬والسحر،‭ ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬دينية‮»‬‭ ‬بقدر‭ ‬ماهي‭ ‬كشوفات‭ ‬ساحرة‭ ‬لجماعات‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬شرقنا،‭ ‬لكنها‭ ‬مستلبة‭ ‬أنثربولوجيا،‭ ‬لها‭ ‬طقوسها‭ ‬وعلاماتها‭ ‬ومقاماتها‭ ‬وأنماط‭ ‬عباداتها،‭ ‬ولعل‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬وضعنا‭ ‬فيه‭ ‬الروائي‭ ‬وارد‭ ‬بدر‭ ‬السالم‭ ‬هو‭ ‬مواجهة‭ ‬هذه‭ ‬الكشوفات،‭ ‬والتعرّف‭ ‬على‭ ‬سرائرها،‭ ‬وعلى‭ ‬معاناتها‭ ‬بعد‭ ‬الحروب‭ ‬الدامية،‭ ‬حروب‭ ‬المحو‭ ‬التي‭ ‬فرضتها‭ ‬الجماعات‭ ‬الأصولية‭ ‬الخارجة‭ ‬من‭ ‬أوهام‭ ‬التاريخ‭ ‬وسردياتها‭ ‬الظلامية‭.‬


كاتب من العراق