الرواية‭ ‬ذات‭ ‬البعد‭ ‬المعرفي

يظل‭ ‬الإنسان،‭ ‬وهو‭ ‬الحيوان‭ ‬الناطق‭/‬المفكر،‭ ‬مولعا،‭ ‬بنتائج‭ ‬الفكر،‭ ‬وبالتفكير‭ ‬نفسه،‭ ‬حتى‭ ‬وهو‭ ‬يجنح‭ ‬نحو‭ ‬آفاق‭ ‬الخيال،‭ ‬أو‭ ‬يمنّي‭ ‬النفس‭ ‬بالتسلية‭ ‬والإمتاع،‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬التي‭ ‬نودّ‭ ‬مناقشتها‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المقالة،‭ ‬وتعْيِينًا،‭ ‬محاولة‭ ‬تبيُّن‭ ‬البعد‭ ‬المعرفي،‭ ‬في‭ ‬جنس‭ ‬الرواية‭ ‬الأدبي‭.‬ فما‭ ‬الرواية‭ ‬المعرفية؟‭ ‬وما‭ ‬أضدادها،‭ ‬أو‭ ‬مغايراتها؟‭ ‬وما‭ ‬نوعية‭ ‬المعرفة‭ ‬فيها؟‭ ‬وكيف‭ ‬تندمج‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬الروائي؟‭ ‬وما‭ ‬مزيَّة‭ ‬المعرفة‭ ‬الروائية؟‭ ‬وما‭ ‬إمكانيّاتها؟

الجديد  أسامة عثمان [نُشر في 01/07/2016، العدد: 18، ص(66)]

لوحة: سمان خوام
يأتي ‭ ‬العنصر‭ ‬المعرفي‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬تاريخ‭ ‬نشوء‭ ‬الرواية‭ ‬‭-‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يُفهَم‭ ‬من‭ ‬باختين‭-‬‭ ‬الذي‭ ‬يتأمل‭ ‬تاريخ‭ ‬الرواية‭ ‬في‭ ‬مقولات‭ ‬متعددة،‭ ‬تختصر،‭ ‬برغم‭ ‬عدم‭ ‬قابليتها‭ ‬للاختصار،‭ ‬إلى‭ ‬نقاط‭ ‬ثلاث‭ ‬هي‭ ‬‮«‬تفاعل‭ ‬اللغات،‭ ‬وانفتاح‭ ‬الثقافات‭ ‬على‭ ‬بعضها،‭ ‬الضحك‭ ‬الشعبي،‭ ‬تعدد‭ ‬المعارف‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬تاريخي‭ ‬لا‭ ‬مراتب‭ ‬فيه‮»‬‭ ‬‭"‬ميخائيل‭ ‬باختين‭ :‬الكلمة،‭ ‬اللغة،‭ ‬الراوية،‭ ‬د‭. ‬فيصل‭ ‬دراج‭. ‬مجلة‭ ‬الآداب‭ ‬الأجنبية‭-‬‭ ‬دمشق"‬‭.‬

وقبل‭ ‬الشروع‭ ‬في‭ ‬بيان‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭ ‬المعرفي‭ ‬في‭ ‬الرواية،‭ ‬يعنينا‭ ‬أن‭ ‬نحيّد‭ ‬المكتسبات‭ ‬الجمالية‭ ‬والفنية‭ ‬أو‭ ‬الأسلوبية‭ ‬من‭ ‬نطاق‭ ‬المعرفة‭ ‬المقصودة‭ ‬هنا،‭ ‬مع‭ ‬أنها‭ ‬قد‭ ‬تُراكِم‭ ‬معرفةً‭ ‬من‭ ‬نوعها،‭ ‬لكننا‭ ‬نقصد‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬المعرفة‭ ‬المُضمَّنة‭ ‬في‭ ‬الرواية،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬السرد‭ ‬والحوار‭ ‬الروائيين‭.‬

يتدرَّج‭ ‬البعد‭ ‬الروائي‭ ‬من‭ ‬الأعلى،‭ ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬الروايات‭ ‬التأريخية‭ ‬‭(‬التوثيقية‭)‬‭ ‬والاجتماعية‭ ‬‭(‬على‭ ‬اتساع‭ ‬مفهوم‭ ‬الاجتماع‭ ‬الإنساني‭)‬‭ ‬إلى‭ ‬روايات‭ ‬الخيال‭ ‬العلمي،‭ ‬هبوطا‭ ‬إلى‭ ‬روايات‭ ‬خيالية،‭ ‬أو‭ ‬خرافية‭ ‬بما‭ ‬يعني‭ ‬انحصارها‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬مغلقة‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬ومعطياته،‭ ‬لكنها‭ ‬تتماسّ‭ ‬أكثر‭ ‬مع‭ ‬الرواية‭ ‬بوصفها‭ ‬كائنات‭ ‬ورَقية،‭ ‬أو‭ ‬لعب‭ ‬باللغة،‭ ‬وإمتاع،‭ ‬أو‭ ‬تسلية،‭ ‬أو‭ ‬محقِّقة‭ ‬للقيمة‭ ‬الخيالية‭ ‬فقط،‭ ‬وهي‭ ‬قيمة‭ ‬بحدّ‭ ‬ذاتها‭.‬

فمجرَّد‭ ‬البدء‭ ‬في‭ ‬السرد‭ ‬إبحار‭ ‬مفتوح‭ ‬نحو‭ ‬الاكتشاف‭ ‬والكشف،‭ ‬هكذا‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬نفترض‭ ‬في‭ ‬الرواية،‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬وجهتها،‭ ‬أو‭ ‬إطارها،‭ ‬فنتازية،‭ ‬أم‭ ‬واقعية،‭ ‬أم‭ ‬تسلوية؟

وهنا‭ ‬اختلاف‭ ‬مفصلي‭ ‬حول‭ ‬الأولوية‭ ‬في‭ ‬الرواية،‭ ‬أهي‭ ‬للبعد‭ ‬المعرفي‭ ‬أم‭ ‬للتسلوي‭ ‬الإمتاعي؟

مع‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬تعارض‭ ‬بالضرورة‭ ‬بينهما،‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬منهما‭. ‬فقد‭ ‬رأى‭ ‬كونديرا،‭ ‬مثلا،‭ ‬أن‭ ‬التسلية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬هدفا‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الروايات،‭ ‬ويحنُّ‭ ‬لها‭ ‬كلُّ‭ ‬الروائيين‭ ‬الحقيقيين،‭ ‬وأن‭ ‬التسلية‭ ‬لا‭ ‬تستبعد‭ ‬الخطورة،‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬تأكيده‭ ‬أهمية‭ ‬احتوائها‭ ‬على‭ ‬ثيمة،‭ ‬حيث‭ ‬الثيمة‭ ‬تساؤل‭ ‬وجودي‭.‬

وثمة‭ ‬من‭ ‬غلّب‭ ‬الإمتاع‭ ‬على‭ ‬المعرفة،‭ ‬على‭ ‬أنَّ‭ ‬المعرفة‭ ‬التي‭ ‬يحملها‭ ‬العمل‭ ‬الروائي‭ ‬هي‭ ‬المحمول‭ ‬الخفيّ،‭ ‬فيما‭ ‬خاصية‭ ‬الإمتاع‭ ‬هي‭ ‬الصفة‭ ‬الأبرز‭. ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬يلزمنا‭ ‬هنا‭ ‬التوسُّع‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المسألة،‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬أن‭ ‬المعيارين‭ ‬يجتمعان،‭ ‬وتقتضيهما‭ ‬الرواية،‭ ‬بصفة‭ ‬عامة‭.‬

وأيًّا‭ ‬كان‭ ‬نطاق‭ ‬المعرفة،‭ ‬أو‭ ‬محلُّها‭ ‬وموضوعها،‭ ‬الطبيعة‭ ‬أم‭ ‬الوجود،‭ ‬أم‭ ‬المجتمع،‭ ‬أم‭ ‬الفرد،‭ ‬فإنها‭ ‬كلها‭ ‬معرفة‭. ‬وحتى‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يشترطوا‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬أن‭ ‬تعكس،‭ ‬أو‭ ‬تعبِّر‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬ومشكلاته،‭ ‬وتصوِّر‭ ‬الطبيعة،‭ ‬وتفسح‭ ‬عن‭ ‬أبعادها،‭ ‬ممّن‭ ‬رأى‭ ‬فيها‭ ‬مرآة‭ ‬فردية‭ ‬يرى‭ ‬فيها‭ ‬المرء‭ ‬وجهه،‭ ‬بالذات،‭ ‬كما‭ ‬ذهب‭ ‬كولن‭ ‬ولسون،‭ ‬فحتى‭ ‬هذا‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬الذات‭ ‬ووجهها‭ ‬هو‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬المعرفة‭.‬

وحتى‭ ‬الرواية‭ ‬الخيالية،‭ ‬أو‭ ‬التاريخية‭ ‬الخيالية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬يُظن‭ ‬أنها‭ ‬ماضويَّة‭ ‬المعرفة؛‭ ‬إنما‭ ‬تكتب‭ ‬بروح‭ ‬عصر‭ ‬كاتبها‭ ‬ذلك،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬‮«‬التقنية‭ ‬الروائية‭ ‬في‭ ‬حدِّ‭ ‬ذاتها‭ ‬لا‭ ‬تنفصل‭ ‬‭-‬كما‭ ‬يقول‭ ‬مرتاض‭-‬‭ ‬عن‭ ‬لحظة‭ ‬الكتابة؛‭ ‬إذ‭ ‬الكاتب،‭ ‬في‭ ‬حالَيْ‭ ‬القبول‭ ‬والرفض‭ ‬لها،‭ ‬يظل‭ ‬خاضعا‭ ‬لأساليب‭ ‬العيش‭ ‬لعهده‮»‬‭ ‬‭(‬ص‭ ‬184‭ ‬‮«‬في‭ ‬نظرية‭ ‬الرواية‮»‬‭ ‬عبدالملك‭ ‬مرتاض‭)‬‭.‬

تتأثر‭ ‬الرواية‭ ‬إذن،‭ ‬بروح‭ ‬كاتبها‭ ‬المتأثر‭ ‬بروح‭ ‬عصره،‭ ‬فالإنسان‭ ‬والعالم‭ ‬مترابطان‭ ‬‭-‬كما‭ ‬يقول‭ ‬هيدجر‭-‬‭ ‬ارتباط‭ ‬الحلزون‭ ‬بصدفته،‭ ‬فالعالم‭ ‬يؤلف‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭ ‬إنه‭ ‬بعده‭. ‬وبقدر‭ ‬ما‭ ‬يتغير‭ ‬العالم‭ ‬يتغير‭ ‬الوجود،‭ ‬ولو‭ ‬على‭ ‬تفاوتٍ‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التأثر،‭ ‬بين‭ ‬رواية‭ ‬تمتح‭ ‬من‭ ‬التاريخ،‭ ‬وأخرى‭ ‬خيالية‭ ‬فنتازية،‭ ‬بدرجات‭ ‬تقلّ‭ ‬أو‭ ‬تكثر‭. ‬ولذلك‭ ‬تتأثر‭ ‬معرفيَّتُها‭ ‬بمدى‭ ‬ما‭ ‬تضيفه‭ ‬من‭ ‬معارف‭ ‬معاصرة‭ ‬لقرُّائها‭.‬

نوعية‭ ‬المعرفة‭ ‬الروائية

ولا‭ ‬يخفى‭ ‬أن‭ ‬نوعية‭ ‬المعرفة‭ ‬الروائية‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬المعرفة‭ ‬التي‭ ‬تتوصل‭ ‬إليها،‭ ‬أو‭ ‬توصلها‭ ‬العلوم‭ ‬والمعارف‭ ‬الأخرى،‭ ‬فالمعرفة‭ ‬الروائية‭ ‬محمولة‭ ‬بالخيال،‭ ‬أو‭ ‬ممزوجة‭ ‬به،‭ ‬ومصنوعة‭ ‬به،‭ ‬تعتمد‭ ‬لغة‭ ‬رحبة‭ ‬سحرية‭ ‬متجاوِزة؛‭ ‬ذلك‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬محصورة‭ ‬بقوانين‭ ‬الطبيعة،‭ ‬ولا‭ ‬بالحواس،‭ ‬أو‭ ‬بالطريقة‭ ‬التجريبية‭ ‬الاختبارية،‭ ‬مستذكرين‭ ‬هنا‭ ‬شكوى‭ ‬فاوست،‭ ‬في‭ ‬قطعة‭ ‬شعرية‭ ‬كتبها‭ ‬شامسو‭ ‬‭(‬1781‭-‬1838‭)‬‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬يحول‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬المعرفة‭ ‬الحقيقية‭ ‬قوانينُ‭ ‬العقل،‭ ‬وإطارات‭ ‬الحساسية،‭ ‬وأشكال‭ ‬اللغة‮»‬‭. ‬مع‭ ‬أن‭ ‬الرواية‭ ‬توضع‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬مُوهِم‭ ‬بالواقعية،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬كونها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬المزج‭ ‬والمراوحة‭ ‬بين‭ ‬الواقعية‭ ‬والمعرفة،‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والسحرية‭ ‬والخيال،‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

هنا‭ ‬يتأكد‭ ‬قول‭ ‬كونديرا‭ ‬الذي‭ ‬يشترط‭ ‬كشْفَ‭ ‬الرواية‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬الوجود‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬مجهولا؛‭ ‬حتى‭ ‬تكون‭ ‬أخلاقية،‭ ‬حين‭ ‬ردَّد‭ ‬مع‭ ‬هيرمان‭ ‬بروخ‭ ‬أنَّ‭ ‬ميزة‭ ‬الرواية،‭ ‬ومبرِّر‭ ‬وجودِها،‭ ‬هو‭ ‬‮«‬اكتشاف‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬للرواية‭ ‬وحدَها‭ ‬دون‭ ‬سواها‭ ‬أنْ‭ ‬تكتشفه‮»‬‭. ‬ويقول‭ ‬كونديرا‭ ‬‮«‬ففي‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬الشعر‭ ‬والفلسفة‭ ‬لا‭ ‬يقدران‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬الرواية،‭ ‬تقدر‭ ‬الرواية‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬الشعر‭ ‬والفلسفة،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تفقد‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬هويتها‭ ‬التي‭ ‬تتميز‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الدقة‮»‬‭. ‬‭(‬‮«‬فن‭ ‬الرواية‮»‬‭ ‬كونديرا‭)‬‭.‬

ويمكن‭ ‬أن‭ ‬نستحضر‭ ‬‭-‬كما‭ ‬قال‭ ‬برادة‭-‬‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬سيغموند‭ ‬فرويد‭ ‬بخصوص‭ ‬اشتمال‭ ‬أعمال‭ ‬سوفوكل‭ ‬وشكسبير‭ ‬ودوستويفسكي‭ ‬وآخرين‭ ‬على‭ ‬‮«‬معرفة‭ ‬تلتقي‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬وصل‭ ‬إليه‭ ‬هو‭ ‬عبر‭ ‬التجارب‭ ‬المختبرية‭ ‬والتنظيرات‭ ‬السيكولوجية‮»‬‭ ‬‭(‬‮«‬الرواية‭ ‬العربية‭ ‬ورهان‭ ‬التجديد‮»‬‭ ‬محمد‭ ‬برادة‭)‬‭.‬

فالمعرفة‭ ‬الروائية‭ ‬‭-‬بالطبع‭-‬‭ ‬تُغايِر‭ ‬المعرفة‭ ‬العلمية‭ ‬المعتمدة‭ ‬على‭ ‬التوثيق‭ ‬الدقيق،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الإجراءات‭ ‬الاختبارية،‭ ‬فأهمُّ‭ ‬ما‭ ‬جاءت‭ ‬الرواية‭ ‬من‭ ‬أجله،‭ ‬بحسب‭ ‬كونديرا‭ ‬هو‭ ‬حمايته‭ ‬من‭ ‬‮«‬نسيان‭ ‬الكائن‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬العالم‭ ‬العياني‭ ‬للحياة،‭ ‬بعد‭ ‬الأزمنة‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬انهمكت‭ ‬في‭ ‬الاستكشاف‭ ‬التقني‭ ‬والرياضي‭. ‬فرواية‭ ‬‮«‬صيف‭ ‬سان‭ ‬مارتان‮»‬‭ ‬التي‭ ‬أبدعها‭ ‬الروائي‭ ‬أدالبيرستيفر،‭ ‬مؤسس‭ ‬النثر‭ ‬النمساوي،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬أبدع‭ ‬‮«‬الرواية‭ ‬التاريخية‭ ‬التعددية‮»‬‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬تصنيف‭ ‬نيتشه‭ ‬للرواية‭ ‬آنفة‭ ‬الذكر‭ ‬ضمن‭ ‬الكتب‭ ‬الأربعة‭ ‬في‭ ‬النثر‭ ‬الألماني،‭ ‬قال‭ ‬عنها‭ ‬كونديرا‭ ‬‮«‬إنها‭ ‬بالكاد‭ ‬تكاد‭ ‬تُقرأ‭ ‬في‭ ‬نظري،‭ ‬فنحن‭ ‬نتعلم‭ ‬منها‭ ‬الكثير‭ ‬عن‭ ‬الجيولوجيا‭ ‬والنبات‭ ‬والحيوان‭ ‬وجميع‭ ‬الحِرف‭ ‬والرسم‭ ‬والعمارة،‭ ‬لكن‭ ‬الإنسان‭ ‬والأوضاع‭ ‬الإنسانية‭ ‬تتواجد‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬هذه‭ ‬الموسوعة‭ ‬التربوية‭ ‬الهائلة‮»‬‭. ‬فثمة‭ ‬جرعة‭ ‬معرفية،‭ ‬إذا‭ ‬زادت،‭ ‬أو‭ ‬طغت،‭ ‬فإنها‭ ‬تشوِّه‭ ‬الرواية،‭ ‬أو‭ ‬تذهب‭ ‬بها‭.‬

ويتفرع‭ ‬من‭ ‬المعرفة‭ ‬الروائية‭ ‬سؤال‭ ‬عن‭ ‬مصدر‭ ‬تلك‭ ‬المعرفة،‭ ‬أو‭ ‬منابعها،‭ ‬فهي‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بالمنابع‭ ‬القرائية،‭ ‬أو‭ ‬الوثائقية،‭ ‬أو‭ ‬التأملية‭ ‬التجريدية،‭ ‬إذ‭ ‬يلزمها‭ ‬حين‭ ‬تكون‭ ‬واقعية،‭ ‬أو‭ ‬تروي‭ ‬وقائع‭ ‬معاصرة‭ ‬للكاتب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬ناتجة‭ ‬عن‭ ‬المعاينة‭ ‬لواقعها،‭ ‬أو‭ ‬موضوعها،‭ ‬أو‭ ‬معايشته‭.‬

وقد‭ ‬تتطرف‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬منابع‭ ‬الرواية‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬أكثر‭ ‬احتفاء‭ ‬بالخيال‭ ‬إلى‭ ‬الاستقاء‭ ‬من‭ ‬العلم‭ ‬الطبيعي‭ ‬وخير‭ ‬من‭ ‬يمثل‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬إميل‭ ‬زولا‭ ‬الذي‭ ‬‮«‬أقام‭ ‬الرواية‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬علمي،‭ ‬وأحلَّ‭ ‬التجربة‭ ‬الواقعية‭ ‬محل‭ ‬الخيال‭ ‬والإبداع‭ ‬العبثي‮»‬‭ ‬‭(‬جورج‭ ‬لوكاتش‭ ‬‮«‬نظرية‭ ‬الرواية‭ ‬وتطورها‮»‬‭)‬‭.‬

وقد‭ ‬تنجح‭ ‬الرواية‭ ‬المعرفية‭ ‬في‭ ‬تبوُّؤ‭ ‬مكانة‭ ‬ثقافية‭ ‬اجتماعية‭ ‬تفوق‭ ‬كتبا‭ ‬خُصِّصت‭ ‬للشأن‭ ‬الثقافي،‭ ‬وتهيئ‭ ‬لكاتبها‭ ‬دورا‭ ‬إيجابيا،‭ ‬كما‭ ‬يوضح‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬حديثه‭ ‬عن‭ ‬المثقف‭ ‬الذي‭ ‬‮«‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬فقط‭ ‬حركة‭ ‬اجتماعية‭ ‬باطنة،‭ ‬أو‭ ‬هائلة،‭ ‬بل‭ ‬يمثل‭ ‬أيضا‭ ‬أسلوب‭ ‬حياة‭ ‬خاص‮»‬،‭ ‬ثم‭ ‬يردف‭ ‬قائلا‭ ‬‮«‬ولن‭ ‬نجد‭ ‬ما‭ ‬يحدِّد‭ ‬ملامح‭ ‬ذلك‭ ‬الدور‭ ‬خيرا‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الروايات‭ ‬الفذَّة‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬أو‭ ‬أوائل‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬مثل‭ ‬رواية‭ ‬الروائي‭ ‬الروسي‭ ‬تورجنييف‭ ‬‘آباء‭ ‬وأبناء’‭ ‬أو‭ ‬الكاتب‭ ‬الفرنسي‭ ‬فلوبير‭ ‬‘التربية‭ ‬العاطفية’،‭ ‬أو‭ ‬الكاتب‭ ‬الأيرلندي‭ ‬جويس‭ ‬‘‭ ‬صورة‭ ‬الفنان‭ ‬في‭ ‬شبابه’‭. ‬وهي‭ ‬الروايات‭ ‬التي‭ ‬يتأثر‭ ‬فيها‭ ‬تمثيل‭ ‬الواقع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬تأثيرا‭ ‬عميقا،‭ ‬بل‭ ‬وتتغير‭ ‬صورته‭ ‬تغيُّرا‭ ‬حاسما؛‭ ‬بسبب‭ ‬الظهور‭ ‬المفاجئ‭ ‬للمثقف‭ ‬الشاب‭ ‬الحديث‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬قوة‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬مسرح‭ ‬الحياة‮»‬‭ ‬‭(‬‮«‬المثقف‭ ‬والسلطة‮»‬‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭)‬‭.‬

إذن‭ ‬بعض‭ ‬الروايات‭ ‬ذات‭ ‬البعد‭ ‬المعرفي‭ ‬تلعب‭ ‬دورا‭ ‬مؤثرا‭ ‬تغييريا‭ ‬ارتقائيا‭ ‬اجتماعيا‭.. ‬ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الأثر‭ ‬المعرفي‭ ‬التوعوي‭.‬

وعربيا‭ ‬يتناول‭ ‬برادة،‭ ‬مثلا،‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬الروايات‭ ‬العربية‭ ‬‮«‬الجديدة‮»‬‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬بعدها‭ ‬المعرفي‭ ‬بالتحليل‭ ‬‮«‬محللا‭ ‬إسهاماتها‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬المتخيَّل‭ ‬الوطني‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والنفسي،‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬ومنعطفات‭ ‬برزت‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية،‭ ‬موردا‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬الروايات‭ ‬التي‭ ‬صبَّت‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬منها‭ ‬‘تغريد‭ ‬البجعة’‭ ‬لمكاوي‭ ‬سعيد،‭ ‬‘دع‭ ‬لومي’‭ ‬لخليل‭ ‬صويلح،‭ ‬‘فيلسوف‭ ‬الكرنتينة’‭ ‬لوجدي‭ ‬الأهدل‮…‬‭ ‬وغيرها‮»‬‭ ‬‭(‬‮«‬الرواية‭ ‬العربية‭ ‬ورهان‭ ‬التجديد‮»‬‭ ‬محمد‭ ‬برادة‭)‬‭.‬

ولا‭ ‬يخفى‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬المكوِّنات‭ ‬المعرفية‭ ‬لا‭ ‬تصلح‭ ‬للراوية،‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تأتلف،‭ ‬وتندمج‭ ‬مع‭ ‬سائر‭ ‬العناصر،‭ ‬فيما‭ ‬يقترب‭ ‬مما‭ ‬عبَّر‭ ‬عنه‭ ‬كونديرا‭ ‬بمصطلح‭ ‬‮«‬الوحدة‭ ‬البوليفونية‮»‬‭ ‬المستمد‭ ‬من‭ ‬الموسيقا،‭ ‬وهي‭ ‬تطوير‭ ‬متزامن‭ ‬لصوتين،‭ ‬أو‭ ‬لعدَّة‭ ‬أصوات‭ ‬‭(‬خطوط‭ ‬لحنية‭)‬‭ ‬تحتفظ‭ ‬رغم‭ ‬ارتباطها‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬كامل‭ ‬باستقلال‭ ‬نسبي‭ ‬في‭ ‬‮«‬فن‭ ‬الرواية‮»‬،‭ ‬ففي‭ ‬الرواية‭ ‬يجري‭ ‬دمج‭ ‬أو‭ ‬إدخال‭ ‬العناصر‭ ‬المتعددة‭ ‬كالأشعار‭ ‬والحكايات‭ ‬والحكم‭ ‬والتحقيقات‭ ‬والمقالات‭ ‬بما‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬شكل‭ ‬الرواية‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬النسبية‭.‬

وكما‭ ‬يقول‭ ‬جورج‭ ‬لوكاتش‭ ‬في‭ ‬‮«‬نظرية‭ ‬الرواية‭ ‬وتطورها‮»‬،‭ ‬‮«‬وكل‭ ‬معرفة‭ ‬بظروف‭ ‬المجتمع‭ ‬تظل‭ ‬مجردة،‭ ‬وليست‭ ‬ذات‭ ‬فائدة‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬السرد‭ ‬القصصي،‭ ‬إذا‭ ‬هي‭ ‬لم‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬عنصر‭ ‬فاعل‭ ‬في‭ ‬تكامل‭ ‬العمل،‭ ‬وكل‭ ‬وصف‭ ‬للأشياء‭ ‬والأوضاع‭ ‬يظل‭ ‬بدون‭ ‬محتوى‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬وصفا‭ ‬بسيطا‭ ‬سلبيا‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬عنصرا‭ ‬إيجابيا‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬معطلا‭ ‬له‮»‬،‭ ‬وحتى‭ ‬الكلمة‭ ‬الروائية‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬حية،‭ ‬كما‭ ‬أكد‭ ‬باختين،‭ ‬مُفرّقا‭ ‬بين‭ ‬الكلمة‭ ‬القاموسيَّة،‭ ‬والكلمة‭ ‬الحيَّة‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬موضوع‭ ‬الرواية‭.‬

ولو‭ ‬كانت‭ ‬المعرفة‭ ‬الروائية‭ ‬لا‭ ‬تتعدى‭ ‬مجرد‭ ‬تبصير‭ ‬المتلقي،‭ ‬أو‭ ‬تعديل‭ ‬وعيه،‭ ‬باستمرار،‭ ‬بالوجود‭ ‬والحياة‭ ‬والإنسان‭ ‬لكانت‭ ‬قيمة‭ ‬كبرى،‭ ‬وهي‭ ‬فوق‭ ‬ذلك‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحدث‭ ‬آثارا‭ ‬سيكولوجية،‭ ‬وأحيانا‭ ‬عملية‭. ‬يقول‭ ‬وولتر‭ ‬سكوت‭ ‬عن‭ ‬رواية‭ ‬åجيل‭ ‬بلاسò،‭ ‬‮«‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬يترك‭ ‬القارئ‭ ‬راضيا‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬وعن‭ ‬العالم‮»‬‭. ‬فيما‭ ‬كانت‭ ‬رواية‭ ‬åمول‭ ‬فلاندرزò‭ ‬لرابسيكريفو‭ ‬ومعظم‭ ‬الروايات‭ ‬الشهيرة‭ ‬الأخرى‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬كانت‭ ‬تنتهي‭ ‬بنهايات‭ ‬سعيدة‮»‬‭. ‬‭(‬‮«‬نظرية‭ ‬الرواية‭ ‬وتطورها‮»‬‭ ‬لوكاتش‭)‬‭.‬

هذا‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تنزلق‭ ‬الرواية‭ ‬إلى‭ ‬الوعظية،‭ ‬أو‭ ‬المباشرة،‭ ‬أو‭ ‬الالتزام‭ ‬بالمعنى‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬المجحف‭ ‬بالرواية،‭ ‬بوصفها‭ ‬فنًّا‭ ‬خياليا‭ ‬له‭ ‬تقنياته‭. ‬يقول‭ ‬ماركيز‭ ‬‮«‬أرغب‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬العالم‭ ‬اشتراكيا،‭ ‬وأعتقد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬سيحدث،‭ ‬إن‭ ‬عاجلا‭ ‬أم‭ ‬آجلا‭. ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬فإنني‭ ‬أبدي‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬التحفُّظات‭ ‬إزاء‭ ‬ما‭ ‬أصبح‭ ‬يسمى‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬اللاتينية‭ ‬بـ’أدب‭ ‬الالتزام’،‭ ‬أو‭ ‬بتعبير‭ ‬أكثر‭ ‬تحديدا‭ ‬رواية‭ ‬الاحتجاج‭ ‬الاجتماعي‮»‬‭ ‬‭(‬‮«‬رائحة‭ ‬الجوافة‮»‬‭ ‬غابرييل‭ ‬غارسيا‭ ‬ماركيز‭)‬‭.‬

ولا‭ ‬يزال‭ ‬الواقع‭ ‬العربي‭ ‬محرّضا‭ ‬على‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الروايات‭ ‬المعرفية‭ ‬البعد،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬احتياجات‭ ‬القارئ،‭ ‬أو‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي‭ ‬غير‭ ‬الشغوف‭ ‬بالقراءات‭ ‬الثقافية‭ ‬غير‭ ‬السردية،‭ ‬أو‭ ‬الفكرية‭ ‬المائلة‭ ‬إلى‭ ‬التجريد،‭ ‬أو‭ ‬التخصص،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬انطواء‭ ‬واقعنا‭ ‬العربي‭ ‬المعيش،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬وهو‭ ‬يمرُّ‭ ‬بهذه‭ ‬التحولات‭ ‬العميقة‭ ‬والخطيرة‭. ‬انطواؤه‭ ‬على‭ ‬أبعاد‭ ‬وخفايا‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكشفها‭ ‬فعلا،‭ ‬أو‭ ‬تسائلها،‭ ‬مثلُ‭ ‬الرواية،‭ ‬بما‭ ‬تختص‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬نسبية‭ ‬ومرونة‭ ‬وخيال،‭ ‬ربما‭ ‬تشتد‭ ‬الحاجة‭ ‬إليه؛‭ ‬لمغادرة‭ ‬أنماط‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬قاصرة،‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مدهشة،‭ ‬ولا‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬صدمة،‭ ‬أو‭ ‬اهتزاز‭ ‬ضروري‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬قرّ‭ ‬في‭ ‬قاع‭ ‬العقليات‭ ‬الجمعية‭ ‬العربية‭ ‬المأزومة‭.‬


كاتب من فلسطين