خطاب‭ ‬شيطنة‭ ‬الآخر

برنارد‭ ‬لويس‭ ‬واكتشاف‭ ‬الإسلام‭ ‬لأوروبا

الجديد  خلدون الشمعة [نُشر في 01/08/2016، العدد: 19، ص(16)]

لوحة: وليد نظامي
مع‭ ‬ظهور‭ ‬نظرية‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭ ‬أولى‭ ‬نقاد‭ ‬الأدب‭ ‬وعلماء‭ ‬الاجتماع‭ ‬قدراً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬الاهتمام‭ ‬لمفهوم‭ ‬‮«‬الآخر”،‭ ‬فصار‭ ‬مفهوما‭ ‬تأسيسيا‭ ‬في‭ ‬دراساتهم‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬صدور‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬الاستشراق”‭ ‬لإدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬في‭ ‬سبعينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬فإنه‭ ‬مازال‭ ‬يؤكد‭ ‬موقعه‭ ‬المركزي‭ ‬المميز‭ ‬كنص‭ ‬تفجيري‭ ‬كاشف‭ ‬لتنميطات‭ ‬الاستشراق‭ ‬السلبية‭ ‬وما‭ ‬أسفرت‭ ‬عنه‭ ‬من‭ ‬تعزيز‭ ‬لمفهومي‭ ‬الاختلاف‭ ‬وشيطنة‭ ‬الآخر‭.‬

وفي ‭ ‬الكلام‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬مؤشرات‭ ‬خطاب‭ ‬شيطنة‭ ‬الآخر‭ ‬‭(‬Demonization‭)‬‭ ‬الآخر‭ ‬كما‭ ‬تتجلى‭ ‬في‭ ‬الصيغة‭ ‬المعرفية‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬المؤسسة‭ ‬الأكاديمية‭ ‬الغربية،‭ ‬أجد‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬نوعين‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭: ‬المثقف‭ ‬العضوي‭ ‬بالمعنى‭ ‬التداولي‭ ‬المستمد‭ ‬من‭ ‬غرامشي،‭ ‬والمثقف‭ ‬الأكاديمي‭ ‬الممأسس،‭ ‬أي‭ ‬المرتبط‭ ‬بمؤسسة‭ ‬الاستشراق‭ ‬بنموذجها‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬حده‭ ‬الأقصى‭ ‬كما‭ ‬يعرضه‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭.‬

والهدف‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التمييز‭ ‬هو‭ ‬استكناه‭ ‬بعض‭ ‬مؤشرات‭ ‬خطاب‭ ‬الصيغة‭ ‬المعرفية‭ ‬المعتمدة‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬الغربي‭ ‬السائد،‭ ‬أي‭ ‬ضمن‭ ‬الباراديم‭ ‬‭(‬Paradigm‭)‬‭ ‬المهيمن‭ ‬وفق‭ ‬توصيف‭ ‬توماس‭ ‬كون‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬بنية‭ ‬الثورات‭ ‬العلمية”‭ ‬T‭.‬S‭.‬Kuhn‭, ‬The‭)‬

‏Structure‭ ‬of‭ ‬Scientific‭ ‬Revolutions‭, ‬Chicago‭ ‬University‭ ‬of‭ ‬Chicago‭ ‬Press‭, ‬3rd‭ ‬ed‭., ‬1996

والمقصود‭ ‬بخطاب‭ ‬‮«‬الشيطنة”‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬التذكير‭ ‬بعلاقة‭ ‬الاقتران‭ ‬بين‭ ‬السلطة‭ ‬والمعرفة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مُقْترب‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬المستمد‭ ‬من‭ ‬فوكو،‭ ‬وهي‭ ‬علاقة‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬شيطنة‭ ‬الآخر‭ ‬أمرا‭ ‬ممكنا‭.‬

فالذين‭ ‬يملكون‭ ‬السلطة‭ ‬المهيمنة‭ ‬على‭ ‬الخطاب‭ ‬الأكاديمي‭ ‬الغربي‭ ‬أو‭ ‬فلنقل‭ ‬جلّه‭ ‬يسيطرون‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬ولماذا‭ ‬يُعرف‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭. ‬وصانعو‭ ‬خطاب‭ ‬المعرفة‭ ‬السائد‭ ‬هم‭ ‬المهيمنون‭ ‬على‭ ‬مستقبلي‭ ‬خطاب‭ ‬النزعة‭ ‬المركزية‭ ‬الأوروبية،‭ ‬استقبال‭ ‬العاجز‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان،‭ ‬عن‭ ‬نقضه‭ ‬أو‭ ‬نقده‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬روزه‭.‬

والحال‭ ‬أن‭ ‬علاقة‭ ‬الاقتران‭ ‬بين‭ ‬المعرفة‭ ‬والسلطة‭ ‬هامة‭ ‬جدا‭ ‬في‭ ‬سيرورة‭ ‬فحص‭ ‬برنارد‭ ‬لويس‭ ‬وكيفية‭ ‬اشتغاله‭ ‬على‭ ‬خطاب‭ ‬شيطنة‭ ‬الآخر‭. ‬فالطريقة‭ ‬التي‭ ‬يقدم‭ ‬بها‭ ‬خطابه‭ ‬المعرفي‭ ‬الاستشراقي‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬باكتشاف‭ ‬الإسلام‭ ‬لأوروبا‭ ‬لا‭ ‬تتيح‭ ‬له‭ ‬فرصة‭ ‬تعزيز‭ ‬هيمنة‭ ‬المركز‭ ‬على‭ ‬الهامش‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تمكنه‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬ذلك،‭ ‬من‭ ‬تعميق‭ ‬الصور‭ ‬النمطية‭ ‬السلبية‭ ‬المكونة‭ ‬لخطاب‭ ‬شيطنة‭ ‬الآخر،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإنها‭ ‬تسبغ‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الصور‭ ‬هالة‭ ‬الموضوعية‭ ‬الأكاديمية‭ ‬الناجزة‭.‬

ولعل‭ ‬المدائح‭ ‬التي‭ ‬أغدقها‭ ‬ويغدقها‭ ‬عليه‭ ‬المؤرخون‭ ‬وصانعو‭ ‬القرار،‭ ‬تؤكد‭ ‬مكانته‭ ‬كصانع‭ ‬صور‭ ‬نمطية‭ ‬متمرس‭. ‬فالمؤرخ‭ ‬مارتن‭ ‬كرامر‭ ‬مثلا،‭ ‬وهو‭ ‬أحد‭ ‬تلامذته‭ ‬السابقين‭ ‬يكتب‭ ‬في‭ ‬‮«‬موسوعة‭ ‬المؤرخين‭ ‬والكتابات‭ ‬التاريخية”‭ ‬الأميركية‭ ‬أنه‭ ‬خلال‭ ‬عمل‭ ‬لويس‭ ‬الممتد‭ ‬لستة‭ ‬عقود‭ ‬‮«‬برز‭ ‬كأحد‭ ‬ألمع‭ ‬مؤرخي‭ ‬الإسلام‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط”‭.‬

ويكتب‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬بالمقابل‭ ‬‮«‬لم‭ ‬يضع‭ ‬برنارد‭ ‬لويس‭ ‬قدما‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬خلال‭ ‬أربعين‭ ‬عاما‭ ‬على‭ ‬الأقل‭. ‬إنه‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬شيئا‭ ‬عن‭ ‬تركيا‭ ‬كما‭ ‬قيل‭ ‬لي‭ ‬ولكنه‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬شيئا‭ ‬عن‭ ‬العالم‭ ‬العربي”‭.‬

بديهي‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الحكم‭ ‬أو‭ ‬ذاك،‭ ‬ومثله‭ ‬أحكام‭ ‬مشابهة‭ ‬لمريدين‭ ‬وحواريين‭ ‬وخصوم‭ ‬متمرسين،‭ ‬تطرح‭ ‬قيد‭ ‬التداول‭ ‬باستمرار،‭ ‬مشفوعة‭ ‬بمؤلفات‭ ‬لويس‭ ‬العديدة‭. ‬ولهذا‭ ‬فإنه‭ ‬بالهالة‭ ‬المسبغة‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬والإعلام،‭ ‬مؤهل‭ ‬للإسهام‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬خطاب‭ ‬الشيطنة‭ ‬بامتياز‭. ‬ولكن‭ ‬الهالة‭ ‬شيء،‭ ‬والحقيقة‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭. ‬وأسوأ‭ ‬أنواع‭ ‬الهالات‭ ‬هو‭ ‬ذاك‭ ‬الذي‭ ‬يعمي‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة‭. ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬اكتشاف‭ ‬الإسلام‭ ‬لأوروبا”‭ ‬يصلح‭ ‬لأن‭ ‬يكون‭ ‬نموذجا‭ ‬ونعني‭ ‬به‭ ‬تحديدا‭ ‬النموذج‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يعنى‭ ‬بالنيل‭ ‬من‭ ‬الإسلام‭ ‬كدين‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يحاول‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬الحط‭ ‬من‭ ‬الحضارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬ونواتها‭ ‬العربية‭.‬

وأزعم‭ ‬أن‭ ‬المظهر‭ ‬الأكاديمي‭ ‬الصادم‭ ‬الذي‭ ‬يتخفى‭ ‬وراء‭ ‬خطاب‭ ‬شيطنة‭ ‬الآخر‭ ‬لدى‭ ‬لويس،‭ ‬هو‭ ‬نتاج‭ ‬وجود‭ ‬صور‭ ‬لديه‭ ‬للحقيقة،‭ ‬متشكلة‭ ‬قبل‭ ‬الرؤية‭ ‬‭(‬Pree-seen‭)‬‭ ‬أي‭ ‬قبل‭ ‬البحث‭ ‬والفحص‭ ‬والروز‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬هي‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬المدفوعة‭ ‬بنزعة‭ ‬إرادوية‭ ‬مسبقة‭ ‬الصنع‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬يصل‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬إليها‭ ‬نتيجة‭ ‬للبحث‭ ‬الأكاديمي‭.‬

في‭ ‬ضوء‭ ‬ما‭ ‬تقدم‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نطرح‭ ‬السؤال‭ ‬التالي‭: ‬ما‭ ‬هي‭ ‬مؤشرات‭ ‬هذا‭ ‬الضرب‭ ‬من‭ ‬الشيطنة‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬اكتشاف‭ ‬الإسلام‭ ‬لأوروبا؟

ثمة‭ ‬مؤشرات‭ ‬أود‭ ‬بادئ‭ ‬ذي‭ ‬بدء‭ ‬أن‭ ‬أوجزها‭ ‬في‭ ‬ثلاثة‭:‬

أولا‭: ‬مؤشر‭ ‬اللغة‭ ‬التي‭ ‬صاغ‭ ‬العرب‭ ‬المسلمون‭ ‬بها‭ ‬خطاب‭ ‬اكتشافهم‭ ‬لأوروبا‭ ‬والعالم،‭ ‬وهذه‭ ‬اللغة‭ ‬هي‭ ‬العربية‭ ‬طبعا‭. ‬لكنها‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬زعمه‭ ‬لغة‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬الحقائق‭ ‬التاريخية‭. ‬فهو‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬‮«‬كتّاب‭ ‬النصوص‭ ‬الجغرافية‭ ‬المسلمين‭ ‬قسموا‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬أقاليم،‭ ‬وأن‭ ‬كلمة‭ ‬إقليم‭ ‬تعني‭ ‬الإقليم‭ ‬الجغرافي‭ ‬أصلا،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬أنها‭ ‬مستعارة‭ ‬من‭ ‬كلمة‭ ‬‭(‬Clima‭)‬‭ ‬اليونانية‭. ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬نتاج‭ ‬تصنيف‭ ‬جغرافي‭ ‬محض‭ ‬ولا‭ ‬تنطوي‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬معنى‭ ‬سياسي‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬ثقافي‭..‬”‭.‬

ويضيف‭ ‬‮«‬ولكن‭ ‬كتابات‭ ‬المؤرخين‭ ‬المسلمين‭ ‬لا‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الأقاليم،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬‭-‬على‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭-‬‭ ‬لا‭ ‬تحتل‭ ‬مكانا‭ ‬بارزا‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬الوعي‭ ‬بالذات‭ ‬لدى‭ ‬الشعوب‭ ‬الإسلامية”‭ ‬‭(‬‭ ‬Bernard‭ ‬Lewis‭, ‬The‭ ‬Muslim‭ ‬Discovery‭ ‬of‭ ‬Europe‭, ‬London‭ : ‬Weidenfeld‭ ‬and‭ ‬Nicolson‭, ‬1982‭, ‬PP‭. ‬11‭, ‬12

هذه‭ ‬الأحكام‭ ‬الجزافية‭ ‬التي‭ ‬تتكهن‭ ‬فتمارس‭ ‬بذلك‭ ‬فعل‭ ‬الكهانة‭ ‬والتخمين،‭ ‬أحكام‭ ‬تنحو‭ ‬نحوا‭ ‬خطيا‭ ‬لا‭ ‬يأبه‭ ‬بالانقطاعات‭ ‬والفجوات‭ ‬التاريخية‭ ‬مهملا‭ ‬نقاط‭ ‬التقدم‭ ‬والارتداد‭ ‬والنكوص‭. ‬وهي‭ ‬تطرح‭ ‬بهذه‭ ‬الخَطيَّة‭ ‬التاريخية‭ ‬مشكلة‭ ‬المنهج‭ ‬اللاتاريخي‭ ‬لدى‭ ‬مستشرق‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬مراحل‭ ‬التاريخ‭ ‬الإسلامي‭ ‬وكأنها‭ ‬قابلة‭ ‬للاختزال‭ ‬في‭ ‬كتلة‭ ‬صماء‭ ‬ثابتة‭ ‬القوام،‭ ‬لا‭ ‬تتغير‭ ‬إطلاقا‭. ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬تحيلنا‭ ‬بداهة‭ ‬إلى‭ ‬جوهر‭ ‬واحد‭ ‬عصي‭ ‬على‭ ‬التغيير‭. ‬وبعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬فإن‭ ‬الإسلام،‭ ‬مشفوعا‭ ‬بمحموله‭ ‬المعرفي‭ ‬الحضاري،‭ ‬أي‭ ‬موضوع‭ ‬النص‭ ‬المدروس،‭ ‬يصبح‭ ‬بلا‭ ‬صيرورة‭. ‬فهو‭ ‬كامن‭ ‬في‭ ‬سمات‭ ‬جوهرانية‭ ‬تراوح‭ ‬في‭ ‬نقاط‭ ‬ثبات‭ ‬ولا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بسياق‭ ‬تاريخي‭ ‬تتغير‭ ‬وتائره‭ ‬سلبا‭ ‬وإيجابا،‭ ‬باستمرار‭.‬

هدف‭ ‬لويس‭ ‬المعلن‭ ‬هو‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬صنّاع‭ ‬الحضارة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية،‭ ‬غير‭ ‬قابلين‭ ‬للتطور‭ ‬أو‭ ‬التغيير‭. ‬وكذلك‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بلغة‭ ‬الخطاب‭ ‬لديهم‭. ‬فهي‭ ‬حضارة‭ ‬بدو‭ ‬أجلاف

وهذا‭ ‬يستدعي‭ ‬إلى‭ ‬الأذهان‭ ‬تعليق‭ ‬المفكر‭ ‬المغربي‭ ‬عبدالله‭ ‬العروي‭ ‬على‭ ‬لاتاريخية‭ ‬المستشرق‭ ‬غرينباوم،‭ ‬زميل‭ ‬لويس‭ ‬الذي‭ ‬ينطلق‭ ‬بدوره‭ ‬من‭ ‬أصولية‭ ‬جوهرانية‭ ‬يسبغها‭ ‬على‭ ‬الحضارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬بنواتها‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬فترات‭ ‬تاريخية‭ ‬متباينة‭. ‬يقول‭ ‬العروي‭ ‬‮«‬إن‭ ‬الصفات‭ ‬التي‭ ‬يقرنها‭ ‬غرينباوم‭ ‬بكلمة‭ ‬قروسطي‭ ‬وكلاسيكي‭ ‬وحديث‭ ‬صفات‭ ‬محايدة‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬فائضة‭ ‬عن‭ ‬الحاجة‭. ‬فليس‭ ‬عنده‭ ‬فرق‭ ‬بين‭ ‬إسلام‭ ‬كلاسيكي‭ ‬أو‭ ‬قروسطي‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬إسلام‭ ‬بلا‭ ‬صفات”

وإذا‭ ‬عدنا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬برنارد‭ ‬لويس‭ ‬حول‭ ‬كلمة‭ ‬إقليم‭ ‬فسنكتشف‭ ‬أنه‭ ‬يعزل‭ ‬هذا‭ ‬المصطلح‭ ‬عن‭ ‬حقيقته‭ ‬التاريخية‭.‬

ففي‭ ‬استخدام‭ ‬كتّاب‭ ‬النصوص‭ ‬الجغرافية‭ ‬المسلمين‭ ‬لمصطلح‭ ‬‮«‬إقليم”‭ ‬تأكيد‭ ‬على‭ ‬وحدة‭ ‬ديار‭ ‬الإسلام‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬بلاد‭ ‬الشام‭ ‬والمغرب‭ ‬الكبير‭ ‬مثلا،‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬في‭ ‬استعمالاتها‭ ‬‭-‬كما‭ ‬هو‭ ‬معروف‭-‬‭ ‬من‭ ‬محمول‭ ‬تاريخي‭ ‬كامن‭ ‬تتفاوت‭ ‬حصيلة‭ ‬روزه‭ ‬وتقييمه‭ ‬ووضع‭ ‬حدوده‭ ‬بين‭ ‬فترة‭ ‬تاريخية‭ ‬وفترة‭ ‬أخرى‭.‬

والحال‭ ‬أن‭ ‬مؤشر‭ ‬لغة‭ ‬خطاب‭ ‬الشيطنة‭ ‬لدى‭ ‬لويس،‭ ‬وهو‭ ‬خطاب‭ ‬ملفّع،‭ ‬بهالة‭ ‬أكاديمية‭ ‬تستبطن‭ ‬محمولا‭ ‬معرفيا‭ ‬أيديولوجي‭ ‬المنزع،‭ ‬ليس‭ ‬جديدا‭. ‬ففي‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬العرب‭ ‬في‭ ‬التاريخ”‭ ‬المترجم‭ ‬إلى‭ ‬العربية‭ ‬والصادر‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1950‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬عشر‭ ‬طبعات،‭ ‬نقرأ‭ ‬في‭ ‬فصل‭ ‬عنوانه‭ ‬‮«‬الحضارة‭ ‬الإسلامية”‭ ‬المقطع‭ ‬التالي‭ ‬‮«‬لقد‭ ‬جعلت‭ ‬الفتوحات‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬لغة‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬‭(‬Imperial‭ ‬Language‭)‬‭ ‬ولم‭ ‬تلبث‭ ‬أن‭ ‬صارت‭ ‬لغة‭ ‬عظيمة‭ ‬ومتشعبعة”‭. ‬وهكذا‭ ‬تطورت‭ ‬العربية‭ ‬للاستجابة‭ ‬لهاتين‭ ‬الحاجتين،‭ ‬وذلك‭ ‬باقتراض‭ ‬كلمات‭ ‬وتعابير‭ ‬جديدة،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬تطورها‭ ‬تطورا‭ ‬داخليا‭ ‬جعلها‭ ‬تستحدث‭ ‬كلمات‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬جذور‭ ‬قديمة،‭ ‬وتمنح‭ ‬معاني‭ ‬جديدة‭ ‬لكلمات‭ ‬قديمة‭. ‬وكمثال‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬السيرورة‭ ‬يمكننا‭ ‬اختيار‭ ‬كلمة‭ ‬عربية‭ ‬لمعنى‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬المطلق”‭ ‬‭(‬absolute‭)‬‭ ‬وهو‭ ‬معنى‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬غير‭ ‬ضروري‭ ‬للعرب‭ ‬قبل‭ ‬الإسلام”‭ ‬‭(‬Bernard‭ ‬Lewis‭, ‬The‭ ‬Arabs‭ ‬In‭ ‬History‭, ‬Oxford‭ : ‬University‭ ‬Press‭, ‬1993‭, ‬p‭.‬143‭)‬‭.‬

ما‭ ‬هي‭ ‬جذور‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬مطلق”‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬يشير‭ ‬إليها‭ ‬لويس؟‭ ‬الحال‭ ‬أنه‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬ذكر‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬مطلق”‭ ‬يذكر‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬مجرد”‭ ‬وهي‭ ‬الصفة‭ ‬من‭ ‬فعل‭ ‬‮«‬جَرَدَ”‭. ‬وهذا‭ ‬يثير‭ ‬الاستغراب‭. ‬فترجمة‭ ‬كلمة‭ ‬‭(‬absolute‭)‬‭ ‬بـ”مجرد”‭ ‬غير‭ ‬صحيحة‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭. ‬وكان‭ ‬بإمكانه‭ ‬أن‭ ‬يصححها‭ ‬في‭ ‬الطبعة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭. ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يفعل‭. ‬وأنا‭ ‬أشير‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬الطبعة‭ ‬السادسة‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬الصادرة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1992‭. ‬فلماذا‭ ‬لم‭ ‬يفعل،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬كثرة‭ ‬تلامذته‭ ‬ومريديه‭ ‬من‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬قد‭ ‬نبهوه‭ ‬إلى‭ ‬الخطأ‭..‬؟

في‭ ‬تقديري‭ ‬أن‭ ‬عزوف‭ ‬لويس‭ ‬عن‭ ‬تصحيح‭ ‬الخطأ‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬يقرن‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬مجرد”‭ ‬بكلمة‭ ‬‮«‬جرادة”‭. ‬وهذا‭ ‬الاقتران‭ ‬يتيح‭ ‬له‭ ‬فرصة‭ ‬القهقهة‭ ‬الصامتة‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬السطور،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تغيير‭ ‬الانطباع‭ ‬الإيجابي‭ ‬الذي‭ ‬كوّنه‭ ‬لدى‭ ‬القارئ‭ ‬بخفة‭ ‬تشي‭ ‬بقدر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الدربة‭ ‬والمران‭ ‬‭(‬درس‭ ‬برنارد‭ ‬لويس‭ ‬ودرّس،‭ ‬قبل‭ ‬انتقاله‭ ‬إلى‭ ‬جامعة‭ ‬برنستون‭ ‬بالولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬الدراسات‭ ‬الشرقية‭ ‬والأفريقية‭ ‬بجامعة‭ ‬لندن،‭ ‬وهي‭ ‬مشهورة‭ ‬بتميزها‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬الدراسات‭ ‬الشرقية‭)‬‭.‬

وفي‭ ‬كتاب‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬‮«‬الاستشراق”‭ ‬إشارة‭ ‬شبيهة‭ ‬توضح‭ ‬كيف‭ ‬حلل‭ ‬لويس‭ ‬جذور‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬ثورة”‭ ‬فوجدها‭ ‬مرتبطة‭ ‬بنهوض‭ ‬الجمل‭ ‬وفقا‭ ‬للاستعمال‭ ‬المغربي‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬تعبيره‭. ‬لا‭ ‬ندري‭ ‬المقصود‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الرابط‭ ‬بين‭ ‬نهوض‭ ‬الجمل‭ ‬وبين‭ ‬اعتبار‭ ‬هذا‭ ‬النهوض‭ ‬على‭ ‬الطريقة‭ ‬المغربية‭. ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬عندي‭ ‬أن‭ ‬المقصود‭ ‬بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬فقه‭ ‬اللغة‭ ‬التماسا‭ ‬لأصل‭ ‬الكلمة‭ ‬المزعوم،‭ ‬هو‭ ‬استدراج‭ ‬سمج‭ ‬لقهقهة‭ ‬القارئ‭ ‬الصامتة‭ ‬نفسها‭. ‬فهو‭ ‬يقول‭ ‬‮«‬إن‭ ‬الثورة‭ ‬مصطلح‭ ‬استخدمه‭ ‬الكتاب‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬للإشارة‭ ‬إلى‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية،‭ ‬ويستخدمه‭ ‬الذين‭ ‬جاؤوا‭ ‬في‭ ‬أعقابهم‭ ‬للثورات‭ ‬المَرْضيّ‭ ‬عنها،‭ ‬محلية‭ ‬كانت‭ ‬أم‭ ‬خارجية”‮ ‬‭ ‬‭(‬Edward‭ ‬Said‭, ‬Orientalism‭, ‬New‭ ‬York‭ : ‬Pantheon‭ ‬Books‭, ‬1978‭, ‬P‭. ‬315‭)‬‭.‬

هدف‭ ‬لويس‭ ‬المعلن‭ ‬هو‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬صنّاع‭ ‬الحضارة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية،‭ ‬غير‭ ‬قابلين‭ ‬للتطور‭ ‬أو‭ ‬التغيير‭. ‬وكذلك‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بلغة‭ ‬الخطاب‭ ‬لديهم‭. ‬فهي‭ ‬حضارة‭ ‬بدو‭ ‬أجلاف،‭ ‬المفاهيم‭ ‬التي‭ ‬صنعتهم‭ ‬ذات‭ ‬صلة‭ ‬تكوينية‭ ‬بأصول‭ ‬بدائية،‭ ‬فهي‭ ‬خلافا‭ ‬للحضارة‭ ‬الغربية،‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬جوهراني‭ ‬لا‭ ‬يتغير‭ ‬بل‭ ‬يصرّ‭ ‬على‭ ‬النكوص‭ ‬والارتداد‭ ‬إلى‭ ‬الأصل‭ ‬أو‭ ‬قل‭ ‬إلى‭ ‬جوهر‭ ‬سكوني‭ ‬ثابت‭.‬

ثانيا‭: ‬مؤشر‭ ‬الاختزال،‭ ‬والمقصود‭ ‬بالاختزال‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬معروف‭ ‬الحذف‭ ‬المخل‭ ‬الذي‭ ‬يوحي‭ ‬بأن‭ ‬العناصر‭ ‬المحذوفة‭ ‬من‭ ‬النص‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لها‭ ‬أصلا،‭ ‬وفي‭ ‬دراسة‭ ‬لويس‭ ‬لاكتشاف‭ ‬المسلمين‭ ‬لأوروبا‭ ‬اختزال‭ ‬خطير‭. ‬فهو‭ ‬يستهل‭ ‬هذا‭ ‬البحث‭ ‬الأكاديمي‭ ‬الموثق‭ ‬بالقرن‭ ‬السابع‭ ‬الميلادي‭ ‬ويمضي‭ ‬به‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن‭. ‬وخلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬موضوعها‭ ‬كما‭ ‬أشرنا،‭ ‬وكأنه‭ ‬يمتلك‭ ‬سيرورة‭ ‬خطيّة‭ ‬ثابتة،‭ ‬تجاهل‭ ‬غير‭ ‬معلل‭ ‬لرحلات‭ ‬التجارة‭ ‬العربية‭ ‬البحرية‭ ‬والبرية‭. ‬فمع‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬الميلادي‭ ‬طور‭ ‬التجار‭ ‬العرب‭ ‬خطوطا‭ ‬تجارية‭ ‬بحرية‭ ‬بدءا‭ ‬من‭ ‬الشرق‭ ‬الأدنى،‭ ‬والعاصمة‭ ‬الجديدة‭ ‬بغداد،‭ ‬وميناء‭ ‬البصرة‭ ‬ودجلة‭ ‬والفرات‭ ‬إلى‭ ‬الهند‭ ‬ومدغشقر‭ ‬وسيلان‭ ‬وإندونيسيا‭ ‬والصين‭. ‬وأما‭ ‬الطرق‭ ‬والمعابر‭ ‬البرية‭ ‬فكانت‭ ‬تمر‭ ‬عبر‭ ‬بلاد‭ ‬بلخ‭ ‬وخوارزم‭ ‬وبخارى‭ ‬وسمرقند‭. ‬وقد‭ ‬ازدهرت‭ ‬المنطقة‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬إلى‭ ‬الجنوب‭ ‬من‭ ‬بحر‭ ‬الأورال‭ ‬والواقعة‭ ‬تحت‭ ‬السيطرة‭ ‬العربية‭.‬

لوحة: وليد نظامي

ومن‭ ‬هناك‭ ‬كانت‭ ‬تنطلق‭ ‬قوافل‭ ‬التجار‭ ‬العرب‭ ‬عبر‭ ‬طريق‭ ‬الحرير‭ ‬لتبلغ‭ ‬الصين‭. ‬وخلال‭ ‬خمسة‭ ‬قرون‭ ‬احتكر‭ ‬التجار‭ ‬العرب‭ ‬المسالك‭ ‬التي‭ ‬تصل‭ ‬بين‭ ‬الصين‭ ‬وأوروبا‭. ‬ولم‭ ‬يتمكن‭ ‬الإخوة‭ ‬بولو‭ ‬من‭ ‬الانطلاق‭ ‬في‭ ‬رحلتهم‭ ‬الشهيرة‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬الثالث‭ ‬عشر‭.‬

ويشهد‭ ‬نشاط‭ ‬خطوط‭ ‬التجارة‭ ‬العربية‭ ‬هذه،‭ ‬العثور‭ ‬باستمرار‭ ‬على‭ ‬نقود‭ ‬ومسكوكات‭ ‬فضية‭ ‬وذهبية‭ ‬إسلامية‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬أوروبا‭ ‬وعلى‭ ‬امتداد‭ ‬نهر‭ ‬الفولغا‭ ‬وعبر‭ ‬المنطقة‭ ‬الشرقية‭ ‬من‭ ‬بحر‭ ‬البلطيق‭ ‬ووصولا‭ ‬إلى‭ ‬فنلندا‭ ‬والنرويج‭ ‬والسويد‭. ‬‭(‬The‭ ‬Genius‭ ‬of‭ ‬Arab‭ ‬Civilization‭ ‬‭(‬Sources‭ ‬of‭ ‬Renaissance‭)‬‭, ‬London‭ : ‬Eurabia‭ ‬Publising‭ ‬Ltd‭., ‬1983‭, ‬PP‭. ‬224‭-‬225‭)‬‭.‬

ذلكم‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬جوانب‭ ‬الصورة‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬لاستكماله‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يضاف‭ ‬إليه‭ ‬نشاط‭ ‬الرحالة‭ ‬المغاربة‭ ‬وخطوط‭ ‬التجارة‭ ‬البحرية‭ ‬والبرية‭ ‬المغربية‭ ‬والأندلسية‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬تاريخية‭ ‬محددة‭.‬

ولكن‭ ‬اللافت‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬لويس‭ ‬أنه‭ ‬يستبعد‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬مثير‭ ‬للريبة،‭ ‬نشاط‭ ‬أشهر‭ ‬رحالة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الأدب‭ ‬الجغرافي‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي،‭ ‬ونعني‭ ‬به‭ ‬المغربي‭ ‬ابن‭ ‬بطوطة‭.‬

كما‭ ‬يهمل‭ ‬الكتاب‭ ‬التطرق‭ ‬إلى‭ ‬رحلة‭ ‬ابن‭ ‬فضلان‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العاشر،‭ ‬وهي‭ ‬الرحلة‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬أعمال‭ ‬الأنثروبولوجيا‭ ‬الثقافية‭ ‬المبكرة‭ ‬والتي‭ ‬تؤرخ‭ ‬لتاريخ‭ ‬شعوب‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية‭.‬

وعندما‭ ‬يتعرض‭ ‬لويس‭ ‬لكتاب‭ ‬‮«‬الاعتبار”‭ ‬للأمير‭ ‬السوري‭ ‬أسامة‭ ‬بن‭ ‬منقذ‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يعطيه‭ ‬حقه‭ ‬من‭ ‬التقييم‭ ‬بل‭ ‬يلتقط‭ ‬منه‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يلتقطه،‭ ‬موضوع‭ ‬الغيرة‭ ‬الشرقية‭ ‬على‭ ‬النساء‭ ‬فيقرع‭ ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬الخصيصة‭ ‬طبولا،‭ ‬ويُسَمِّرها‭ ‬طرفا‭ ‬من‭ ‬طرفي‭ ‬مفاضلة‭ ‬مجحفة‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬طريقة‭ ‬تعامل‭ ‬الغربيين‭ ‬ممثلين‭ ‬بالصليبيين‭ ‬مع‭ ‬المرأة‭.‬

وهناك‭ ‬أمثلة‭ ‬عديدة‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬القراءة‭ ‬المتعسفة‭ ‬لكتاب‭ ‬‮«‬الاعتبار”،‭ ‬وهي‭ ‬قراءة‭ ‬تسلب‭ ‬مؤلفه‭ ‬بغير‭ ‬حق،‭ ‬قيمته‭ ‬الاستثنائية‭ ‬المتميزة‭.‬

ثالثا‭: ‬مؤشر‭ ‬اكتشاف‭ ‬الآخر‭. ‬يحدد‭ ‬برنارد‭ ‬لويس‭ ‬مفهوم‭ ‬اكتشاف‭ ‬الآخر‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬التقليد‭ ‬السائد‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬التاريخ‭ ‬الغربي‭ ‬باعتباره‭ ‬مفهوما‭ ‬يصف‭ ‬سيرورة‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬الخامس‭ ‬عشر‭.‬

وهذه‭ ‬السيرورة‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬تعبيره‭ ‬‮«‬آلت‭ ‬على‭ ‬نفسها‭ ‬اكتشاف‭ ‬بقية‭ ‬العالم”‭.. ‬أي‭ ‬الأجزاء‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكتشف‭ ‬منه‭ ‬بعد‭. ‬وهو‭ ‬يسوّق‭ ‬هذا‭ ‬الاستهلال‭ ‬ليتحدث‭ ‬عن‭ ‬اكتشاف‭ ‬معاكس‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬قوله‭. ‬فكتابه‭ ‬عن‭ ‬اكتشاف‭ ‬المسلمين‭ ‬لأوروبا‭ ‬هو‭ ‬اكتشاف‭ ‬مواز‭ ‬لاكتشاف‭ ‬أوروبا‭ ‬للعالم‭ ‬من‭ ‬وجه،‭ ‬ولكنه‭ ‬مختلف‭ ‬من‭ ‬وجه‭ ‬آخر‭.‬

وهذا‭ ‬يطرح‭ ‬مفهوم‭ ‬الاكتشاف‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬تنفخ‭ ‬في‭ ‬بوق‭ ‬‮«‬الاختلاف”‭ ‬باعتباره‭ ‬خصيصة‭ ‬تراتبية‭ ‬سلبية،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬لا‭ ‬تاريخي‭ ‬يتمحور‭ ‬حول‭ ‬جوهرانية‭ ‬مطلقة‭ ‬تروز‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الأنطولوجي،‭ ‬فتقرر‭ ‬أنه‭ ‬فارق‭ ‬كينونة‭ ‬مسبق‭ ‬الصنع‭. ‬ولا‭ ‬ندري‭ ‬كيف‭ ‬تستقيم‭ ‬المفاضلة‭ ‬بين‭ ‬ثقافتين‭ ‬أو‭ ‬حضارتين‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬الذي‭ ‬يهمل‭ ‬الملابسات‭ ‬المحيطة‭ ‬بكل‭ ‬منهما‭.‬

والأغرب‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬المفاضلة‭ ‬تسفر‭ ‬في‭ ‬ختام‭ ‬الكتاب‭ ‬عن‭ ‬إطلاق‭ ‬أحكام‭ ‬قيمة‭ ‬جامعة‭ ‬مانعة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬الأوروبي‭ ‬يملك‭ ‬حس‭ ‬الفضول‭ ‬المعرفي‭ ‬بينما‭ ‬يفتقر‭ ‬المسلم‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحس‭. ‬‭(‬عبارة‭ ‬‮«‬صدام‭ ‬الحضارات”‭ ‬‭(‬Clash‭ ‬of‭ ‬Civiliations‭)‬‭ ‬من‭ ‬وضع‭ ‬برنارد‭ ‬لويس‭ ‬وقد‭ ‬نقلها‭ ‬عنه‭ ‬صاموئيل‭ ‬هنتنغتون‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لاحق‭ ‬دون‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬المصدر‭)‬‭.‬

والسؤال‭ ‬هنا‭: ‬ما‭ ‬هو‭ ‬هذا‭ ‬الفضول‭ ‬المعرفي‭ ‬الغربي؟‭ ‬ما‭ ‬خصائصه،‭ ‬وما‭ ‬علاقته‭ ‬بالاستعمار؟‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬معنى‭ ‬اكتشاف‭ ‬الآخر‭ ‬وشيطنته‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬غربي؟

الاكتشاف‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬التوسع‭ ‬الاستعماري‭ ‬وما‭ ‬أعقبها‭ ‬كما‭ ‬يطرحه‭ ‬لويس‭ ‬ليس‭ ‬بريئا‭. ‬فهو‭ ‬يصر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬يكتشفها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مكتشفة‭ ‬من‭ ‬قبل‭.‬‭ ‬هذا‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الخرائط‭ ‬التي‭ ‬يرسمها‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬وراءها‭ ‬فضول‭ ‬معرفي‭ ‬شبيه‭ ‬‭-‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لا‭ ‬التعيين‭-‬‭ ‬بفضول‭ ‬الشريف‭ ‬الإدريسي‭.‬

والحال‭ ‬أن‭ ‬رسم‭ ‬الخرائط‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الاستعمار‭ ‬الأوروبي‭ ‬كان‭ ‬طريقة‭ ‬من‭ ‬طرق‭ ‬تحويل‭ ‬الحيّز‭ ‬الذي‭ ‬يشغله‭ ‬الآخر‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬حقيقة”‭ ‬غير‭ ‬حقيقية،‭ ‬تعكس‭ ‬العلاقة‭ ‬المجحفة‭ ‬بين‭ ‬المركزو‭ ‬الهامش‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬منح‭ ‬المكان‭ ‬المكتشف‭ ‬اسما‭ ‬غير‭ ‬اسمه‭ ‬الأصلي،‭ ‬كما‭ ‬يفعل‭ ‬الإسرائيليون،‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬وسيلة‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬تعزيز‭ ‬التحكم‭ ‬به‭ ‬والسيطرة‭ ‬عليه‭. ‬وأحد‭ ‬الأمثلة‭ ‬المستلة‭ ‬من‭ ‬الأدب‭ ‬المعاصر،‭ ‬مسرحية‭ ‬‭(‬Translations‭ ‬ترجمات‭)‬‭ ‬للكاتب‭ ‬الأيرلندي‭ ‬‮ ‬برايان‭ ‬فريل‭ ‬‭(‬Brian‭ ‬Friel‭)‬‭ ‬التي‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬عملية‭ ‬إطلاق‭ ‬أسماء‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬القرى‭ ‬والبلدات‭ ‬الأيرلندية‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الجيش‭ ‬الإنكليزي‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬المكان‭ ‬موضوعا‭ ‬مكرسا‭ ‬للطمس‭ ‬والاكتشاف‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬مكتشف‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭.‬

وهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الاكتشاف‭ ‬يختلف‭ ‬قليلا‭ ‬عن‭ ‬الاكتشاف‭ ‬الصهيوني‭ ‬لفلسطين‭. ‬فالمكتشف‭ ‬هنا‭ ‬يخترع‭ ‬أسماء‭ ‬جديدة‭ ‬يطلقها‭ ‬على‭ ‬المكان،‭ ‬بينما‭ ‬تستخدم‭ ‬الصهيونية‭ ‬أسماء‭ ‬لاهوتية‭ ‬مستلّة‭ ‬من‭ ‬التوراة،‭ ‬وتستنكف‭ ‬عن‭ ‬المضي‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الأصول‭ ‬التي‭ ‬سبقتها‭ ‬في‭ ‬ماض‭ ‬أبعد‭.‬

آية‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الخريطة‭ ‬لعبت‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الاستعمار‭ ‬دور‭ ‬الأداة‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تأكيد‭ ‬الاستحواذ‭ ‬على‭ ‬المكان‭. ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬تلجأ‭ ‬إلى‭ ‬استثمار‭ ‬علامة‭ ‬فارقة‭ ‬من‭ ‬علامات‭ ‬النزعة‭ ‬المركزية‭ ‬الأوروبية‭. ‬فهي‭ ‬تقدم‭ ‬‮«‬الحقائق”‭ ‬منسوبة‭ ‬للمركز‭ ‬الأوروبي‭ ‬الذي‭ ‬يحدد‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬حقيقي‭ ‬باستمرار‭.‬

وبذلك‭ ‬تصير‭ ‬أوروبا‭ ‬الرابط‭ ‬المعتمد‭ ‬الذي‭ ‬يصل‭ ‬الهوامش‭ ‬بالمركز‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الخريطة‭ ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬خوسيه‭ ‬راباسا‭ ‬‭(‬Rabasa‭)‬‭ ‬هي‭ ‬أشبه‭ ‬بدراسة‭ ‬تتخفى‭ ‬وراء‭ ‬مفاهيم‭ ‬التأويل‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬سلطة‭ ‬ذات‭ ‬قوة‭ ‬ونفوذ‭.. ‬سلطة‭ ‬تحمل‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬طرف‭ ‬منتصر‭ ‬على‭ ‬طرف‭ ‬مهزوم”‭ ‬‭(‬Ashcroft‭, ‬Griffith‭ ‬And‭ ‬Tiffin‭, ‬Key‭ ‬Concepts‭ ‬in‭ ‬Post‭-‬‭ ‬Colonial‭ ‬Studies‭, ‬London‭ ‬‮ ‬New‭ ‬York‭ : ‬Routledge‭, ‬1998‭, ‬P‭. ‬32‭)‬‭..‬

وفي‭ ‬تقديري‭ ‬أن‭ ‬صرخة‭ ‬الطفل‭ ‬في‭ ‬حكاية‭ ‬الدانماركي‭ ‬هانس‭ ‬أندرسن‭ ‬‮«‬ثياب‭ ‬الإمبراطور‭ ‬الجديدة”‭ ‬‭(‬في‭ ‬عام‭ ‬1979‭ ‬أصدر‭ ‬الباحث‭ ‬البريطاني‭ ‬E‭. ‬L‭. ‬Ranelagh‭ ‬كتابا‭ ‬عن‭ ‬أبوة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬لأدب‭ ‬الفولكلور‭ ‬الغربي،‭ ‬برهن‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬لا‭ ‬لبس‭ ‬فيه،‭ ‬أن‭ ‬حكاية‭ ‬‮«‬ثياب‭ ‬الإمبراطور‭ ‬الجديدة”‭ ‬لهانس‭ ‬أندرسن‭ ‬منقولة‭ ‬عن‭ ‬قصة‭ ‬مغربية‭. ‬ولكنّ‭ ‬الصيغة‭ ‬المعرفية‭ ‬السائدة‭ ‬ظلت‭ ‬تنسب‭ ‬القصة‭ ‬له‭ ‬زورا‭)‬‭ ‬والمنقولة‭ ‬عن‭ ‬سرديّة‭ ‬مغربية‭ ‬ترجمت‭ ‬قبل‭ ‬عقود،‭ ‬تصلح‭ ‬للتذكير‭ ‬بضرورة‭ ‬مساءلة‭ ‬‮«‬الباراديم”‭ ‬السائد‭ ‬بل‭ ‬تفنيده‭ ‬بلا‭ ‬مواربة‭. ‬الإمبراطور‭ ‬العاري‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬رؤيته‭ ‬على‭ ‬حقيقته‭.‬


ناقد من سوريا مقيم في لندن