الديمقراطية‭ ‬المكارثية

تأملات‭ ‬في‭ ‬نص‭ ‬العالم‭ ‬الراهن

الجديد  عبد الرحمن بسيسو [نُشر في 01/08/2016، العدد: 19، ص(22)]

لوحة: وليد نظامي
سيحتمُّ‭ ‬توالي‭ ‬وقائع‭ ‬‮«‬انفجار‭ ‬الهُوِيَّات”‭ ‬وتطوراته‭ ‬المُتَسَارعة‭ ‬في‭ ‬مجتمعات‭ ‬أَطْلَقَ‭ ‬عليها‭ ‬التَّاريخُ‭ ‬الحَقُّ،‭ ‬باسم‭ ‬الحضارة‭ ‬الإنسانيَّة‭ ‬الزَّاهرة،‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬العالم‭ ‬العربي”،‭ ‬على‭ ‬الباحثينَ‭ ‬وعلى‭ ‬الرَّاغبين‭ ‬من‭ ‬النَّاس‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬حقيقة‭ ‬ما‭ ‬يجري،‭ ‬الآن،‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬أَلَّا‭ ‬يُغْفِلُوا،‭ ‬أبداً،‭ ‬تلك‭ ‬الواقعة‭ ‬التَّأسيسيَّة،‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬تفجير‭ ‬برجي‭ ‬التجارة‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬2001،‭ ‬وأنْ‭ ‬يتطرَّقوا‭ ‬بتركيزٍ‭ ‬وإمعانٍ،‭ ‬وفي‭ ‬سياقات‭ ‬قرائيَّة‭ ‬تحليلية،‭ ‬استقرائيَّة‭ ‬واستنباطيَّة،‭ ‬مُتَغَايرة،‭ ‬إلى‭ ‬جذورها‭ ‬العميقة،‭ ‬وتأثيراتها‭ ‬المتشعِّبة،‭ ‬وعواقبها‭ ‬متعدِّدة‭ ‬الاتجاهات،‭ ‬وعقابيلها‭ ‬الفادحة‭ ‬التي‭ ‬تأخذُ‭ ‬الإنسانَ‭ ‬إلى‭ ‬نقيضه‭ ‬فيما‭ ‬هي‭ ‬تؤسِّسُ،‭ ‬في‭ ‬الوقتِ‭ ‬نفسه،‭ ‬الدَّوافعَ‭ ‬والمُحفِّزات‭ ‬الضروريَّة‭ ‬لشروع‭ ‬الإنسانيين‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬حراكٍ‭ ‬حيويٍّ‭ ‬يُفضي‭ ‬إلى‭ ‬إحداث‭ ‬التغيير‭ ‬اللازم‭ ‬في‭ ‬مجرى‭ ‬تاريخهم‭ ‬الإنسانيِّ‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يؤولُ‭ ‬إلى‭ ‬نهايةٍ‭ ‬أبداً‭.‬

نص‭ ‬العالم‭ ‬الراهن‭ ‬وثنائية‭ ‬الخير‭ ‬والشر

كانت‭ ‬القوى‭ ‬والكيانات‭ ‬الكونيَّة‭ ‬المُهيمنة‭ ‬قد‭ ‬شرعت‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬‮«‬نص‭ ‬العالم‭ ‬الرَّاهن”‭ ‬منذُ‭ ‬زمن‭ ‬يسبق‭ ‬بعقود‭ ‬لحظة‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬المقترنة،‭ ‬تلازماً،‭ ‬بانهيار‭ ‬النِّظام‭ ‬العالمي‭ ‬المؤسِّس‭ ‬على‭ ‬قوتينِ‭ ‬عُظْمَيَينِ‭ ‬تقودُ‭ ‬كُلَّاً‭ ‬منهما‭ ‬المصالحُ‭ ‬الإمبراطوريةُ‭ ‬الكونيَّةُ‭ ‬الخاصَّةُ‭ ‬بها،‭ ‬وتُمْلِي‭ ‬عليها‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬والسياسات‭ ‬والأولويات‭ ‬وآليات‭ ‬إنجازها‭ ‬وإنفاذها‭ ‬وفرضها‭ ‬على‭ ‬أمم‭ ‬العالم‭ ‬وشعوبه‭ ‬ودوله‭.‬

ومن‭ ‬المنطقي‭ ‬أنْ‭ ‬تكونَ‭ ‬كتابة‭ ‬هذا‭ ‬النَّص،‭ ‬أي‭ ‬‮«‬نص‭ ‬العالم‭ ‬الرَّاهن”،‭ ‬قد‭ ‬تلازمت‭ ‬مع‭ ‬تطوُّر‭ ‬مجريات‭ ‬الصِّراع،‭ ‬بَارِدَاً‭ ‬أو‭ ‬مُتَحَفِّزاً‭ ‬أو‭ ‬مُلْتَهِبَاً،‭ ‬بين‭ ‬تلكما‭ ‬القوَّتين‭ ‬العظميين‭ ‬اللَّتين‭ ‬احتفظتا‭ ‬بعظمتهما‭ ‬وسيادتهما‭ ‬وسلطة‭ ‬سلاحهما‭ ‬الفاتك،‭ ‬وظلَّتا‭ ‬تشكلان‭ ‬قطبين‭ ‬متعادلين‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬القوَّة‭ ‬العسكرية‭ ‬والجيوسياسية،‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬بحيثُ‭ ‬انحكمت‭ ‬علاقاتهما،‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬ما‭ ‬يربو‭ ‬على‭ ‬سبعة‭ ‬عقود،‭ ‬بمخاوفَ‭ ‬مُتَبَادَلةٍ‭ ‬يحكمها‭ ‬منطق‭ ‬الرَّدع‭ ‬التَّوازني‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬توفُّر‭ ‬إمكانية‭ ‬إيقاع‭ ‬‮«‬التَّدمير‭ ‬المُتبادل‭ ‬المُؤكَّد”،‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬تعدُّد‭ ‬آليات‭ ‬إعمال‭ ‬هذا‭ ‬المنطق،‭ ‬وتنوُّع‭ ‬تمظهراته‭ ‬وتجلياته‭ ‬وإملاءاته‭ ‬التي‭ ‬فُرِضَتْ‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬هاتين‭ ‬القوَّتين‭ ‬العظميين‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬بأسره‭ ‬مُنذُ‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثَّانية‭ ‬مباشرةً‭ ‬وحتَّى‭ ‬انهيار‭ ‬إحدى‭ ‬هاتين‭ ‬القوَّتين،‭ ‬أي‭ ‬‮«‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬ومنظومته”،‭ ‬وانفراد‭ ‬القوَّة‭ ‬الثَّانية،‭ ‬أي‭ ‬‮«‬الولايات‭ ‬المتّحدة‭ ‬الأميركيَّة‭ ‬ومنظومتها”،‭ ‬بالتَّحَكُم،‭ ‬شبه‭ ‬المُطلق‭ ‬في‭ ‬ثروات‭ ‬العالم‭ ‬ومُقدَّراته‭ ‬ومصائر‭ ‬شعوبه‭!‬

مع‭ ‬انهيار‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي،‭ ‬أحكمت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأميركيَّة‭ ‬قبضة‭ ‬هيمنتها‭ ‬الطَّاغية‭ ‬على‭ ‬العالم،‭ ‬شعوباً‭ ‬وبلداناً‭ ‬وثرواتٍ‭ ‬ومُقدَّراتٍ‭ ‬وكياناتٍ‭ ‬سياسيَّةً‭ ‬ودولاً،‭ ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬أشكال‭ ‬متنوِّعة‭ ‬من‭ ‬السيطرة‭ ‬شبه‭ ‬المُطلقة‭ ‬التي‭ ‬يُجسِّدها‭ ‬إمعانٌ‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬فرض‭ ‬أولوياتٍ‭ ‬واستراتيجياتٍ‭ ‬وتنفيذِ‭ ‬خططٍ‭ ‬عمليَّة‭ ‬وبرامج‭ ‬عمل‭ ‬ظلَّت‭ ‬محكومةً‭ ‬بمنطق‭ ‬المصلحة‭ ‬الذَّاتيَّة‭ ‬المكارثيِّ؛‭ ‬أي‭ ‬منطق‭ ‬‮«‬من‭ ‬ليس‭ ‬معي‭ ‬فهو‭ ‬ضِدِّي”‭ ‬الذي‭ ‬تَغَطَّى،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الزَّمن،‭ ‬بقناع‭ ‬الديمقراطيةِ‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬وارتدى‭ ‬زيَّ‭ ‬الدِّفاع‭ ‬عن‭ ‬المبادئ‭ ‬والقيم‭ ‬الإنسانيّة؛‭ ‬كالعدالة‭ ‬والحرِّية‭ ‬والإخاء‭ ‬والمساواة‭ ‬والحرِّيات‭ ‬والحقوق‭ ‬الإنسانيَّة‭ ‬الأساسيّة،‭ ‬وفي‭ ‬مقدِّمتها‭ ‬حقُّ‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬والعيش‭ ‬الكريم،‭ ‬وحقُّ‭ ‬الشُّعوب‭ ‬في‭ ‬الحريَّة‭ ‬والاستقلال‭ ‬والسِّيادة‭ ‬وتقرير‭ ‬المصير‭!‬

ويُمْكِنُنَا،‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬ماثلة‭ ‬للعيان،‭ ‬أنْ‭ ‬ننضمَّ‭ ‬إلى‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ ‬جاك‭ ‬دريدا‭ ‬في‭ ‬إشاراته‭ ‬الكاشفة‭ ‬عن‭ ‬الأوهام‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬للتَّفجير‭ ‬المزدوج،‭ ‬أو‭ ‬التَّفجير‭ ‬الثلاثيِّ‭ ‬المتزامن،‭ ‬الذي‭ ‬وَقَعَ‭ ‬في‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬2001‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأميركيَّة،‭ ‬أنْ‭ ‬يُفْصِحَ‭ ‬عن‭ ‬رسوخها‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الاستبدادي‭ ‬المتعالي‭ ‬الذي‭ ‬يحكمُ‭ ‬تصرفات‭ ‬القوَّة‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬الأعظم،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬منها‭ ‬وَهْمُ‭ ‬التصنيف‭ ‬السَّطحي‭ ‬والتَّعسُّفي،‭ ‬المستند‭ ‬إلى‭ ‬سلطة‭ ‬القوَّة‭ ‬المطلقة‭ ‬والسيادة‭ ‬الكُلِّية‭ ‬والاستبداد‭ ‬والجشع‭ ‬والمصالح‭ ‬الأنانيَّة‭ ‬والهوى،‭ ‬لدول‭ ‬العالم‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬‮«‬دول‭ ‬مارقة”،‭ ‬و”محور‭ ‬شَرّ”‭ ‬و”دول‭ ‬ملتزمة”‭ ‬و”محور‭ ‬خير”،‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬جعلت‭ ‬فيه‭ ‬‮«‬أميركا”‭ ‬من‭ ‬نفسها‭ ‬‮«‬رأس‭ ‬محور‭ ‬الخير”،‭ ‬وذروة‭ ‬تجلِّيه‭ ‬الوجودي‭ ‬المُنير،‭ ‬ومن‭ ‬العدو‭ ‬الذي‭ ‬توَّجَ‭ ‬‮«‬التَّفجيرُ‭ ‬الثلاثيُّ‭ ‬المتزامنُ”‭ ‬اكتمالَ‭ ‬صُنْعِهِ،‭ ‬وحدَّد‭ ‬‮«‬لحظة‭ ‬الصِّفر”‭ ‬للشُّروع‭ ‬في‭ ‬إطلاق‭ ‬النَّار‭ ‬عليه،‭ ‬‮«‬رأسَ‭ ‬محور‭ ‬الشَّر”‭ ‬وقعر‭ ‬تجسُّداته‭ ‬الإرهابيَّة‭ ‬التَّوحُّشيَّة‭ ‬كالحة‭ ‬السَّواد‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬العدو‭ ‬إلا‭ ‬‮«‬الإسلام”،‭ ‬وإلا‭ ‬‮«‬العروبة”‭ ‬المقرونة،‭ ‬لزوماً،‭ ‬بالإسلام‭ ‬القَاعِديِّ‭ ‬الدَّاعِشيِّ‭ ‬الذي‭ ‬تمَّ‭ ‬تصنيعهُ‭ ‬وإكسابه‭ ‬صورةً‭ ‬ماهويَّةً،‭ ‬وهُويَّة‭ ‬دعائيَّة‭ ‬تجعلان‭ ‬الانتصار‭ ‬عليه‭ ‬ممكناً،‭ ‬فيما‭ ‬هُما‭ ‬تُسَوِّغان‭ ‬محاربته،‭ ‬واستئصال‭ ‬جذوره‭ ‬العميقة‭ ‬إنقاذاً‭ ‬للإنسانيَّة‭ ‬من‭ ‬نقيضها‭ ‬الإرهابيِّ‭ ‬الفادح‭!‬

تأكَّد‭ ‬تماماً‭ ‬أنَّ‭ ‬ذلك‭ ‬المبدأ‭ ‬المكارثي‭ ‬الْمُشْبَعِ‭ ‬بـ”الديمقراطية‭ ‬الأميركيَّة”،‮ ‬والمُركَّز‭ ‬في‭ ‬مقولة‭ ‬‮«‬من‭ ‬ليس‭ ‬معي‭ ‬فهو‭ ‬ضِدِّي‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬مقولة‭ ‬‮«‬من‭ ‬لا‭ ‬يُشبهني‭ ‬فهو‭ ‬نقيضي‮»‬،‭ ‬هو‭ ‬وحده‭ ‬الذي‭ ‬يحكمُ‭ ‬استراتيجيات‭ ‬تلك‭ ‬القُوَّة‭ ‬الأعظم

غير‭ ‬أنَّ‭ ‬واقع‭ ‬الحال‭ ‬لا‭ ‬يُشيرُ‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬الذي‭ ‬تجري‭ ‬مُحاربته‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أميركا‭ ‬وحلفائها‭ ‬هو‭ ‬‮«‬الإسلام‭ ‬القاعدي‭ ‬الدَّاعشي‭ ‬المتطرِّف”،‭ ‬وامتداداته‭ ‬وانشطاراته‭ ‬المتوالية‭ ‬حسب‭ ‬المُقتضى،‭ ‬وإنِّما‭ ‬تتخذُ‭ ‬الحرب‭ ‬المُعلنة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الإسلام‭ ‬الإرهابيِّ”،‭ ‬دريئةً‭ ‬زائفةً‭ ‬لترسيخ‭ ‬حضور‭ ‬نوعٍ‭ ‬آخر،‭ ‬أو‭ ‬أنواع‭ ‬أخرى،‭ ‬من‭ ‬الإرهاب‭ ‬الشَّرس‭ ‬المُقنَّع‭ ‬بأيديولوجيات‭ ‬دينيِّة‭ ‬وعنصرية‭ ‬مصطنعة‭ ‬وسرديات‭ ‬إثنيَّة‭ ‬وقوميَّة‭ ‬وطائفيَّة‭ ‬ومذهبيَّة‭ ‬مُلَفَّقة‭ ‬لا‭ ‬يسُهم‭ ‬تفجير‭ ‬صواعق‭ ‬انفجاراتها‭ ‬المتوالية‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬العرب،‭ ‬وفي‭ ‬الشَّرق‭ ‬الأوسط‭ ‬ومحيطه‭ ‬الواسع‭ ‬بأسره،‭ ‬في‭ ‬الانتصار‭ ‬لشيء،‭ ‬أو‭ ‬تحقيق‭ ‬أمرٍ،‭ ‬سوى‭ ‬استراتيجيَّة‭ ‬الرَّأسماليَّة‭ ‬الاستعماريَّة‭ ‬المتوحَّشة،‭ ‬تلك‭ ‬المتساوقة،‭ ‬في‭ ‬تواشج‭ ‬وثيق‭ ‬العُرى،‭ ‬وفي‭ ‬تطابقٍ‭ ‬منقطع‭ ‬النَّظير،‭ ‬مع‭ ‬‮«‬الخطَّة‭ ‬الصُّهيونيَّة‭ ‬للشَّرق‭ ‬الأوسط”‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬البروفيسور‭ ‬إسرائيل‭ ‬شاحاك،‭ ‬في‭ ‬حوالي‭ ‬العام‭ ‬1982‭ ‬الذي‭ ‬نُشِرت‭ ‬في‭ ‬غضونه،‭ ‬قد‭ ‬ترجمها‭ ‬تحت‭ ‬هذا‭ ‬العنوان‭ ‬إلى‭ ‬الإنكليزيَّة،‭ ‬وذلك‭ ‬عن‭ ‬الوثيقة‭ ‬التي‭ ‬أعدَّها‭ ‬‮«‬عوديد‭ ‬ينون”‭ ‬في‭ ‬ثمانينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬استراتيجيَّة‭ ‬لإسرائيل‭ ‬في‭ ‬ثمانينات‭ ‬التِّسعمائة‭ ‬وألف”‭.‬

‬ميلادي‭ ‬غريغوري‭ ‬وأيلولي‭ ‬أَميركي

اقترنت،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬أو‭ ‬آخر‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬أدنى‭ ‬ريب‭ ‬أو‭ ‬ظل‭ ‬شك،‭ ‬ساعةُ‭ ‬صِفر‭ ‬إطلاق‭ ‬جحيم‭ ‬الفوضى‭ ‬التي‭ ‬قيل‭ ‬إنها‭ ‬ستكون‭ ‬‮«‬خلَّاقَةً”‭ ‬تُعِيدُ‭ ‬تشكيلَ‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬المُتَهَتِّك‭ ‬في‭ ‬مجرى‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الشَّرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يَعُدْ‭ ‬شرقاً‭ ‬مُنِيراً‭ ‬يتباهى،‭ ‬أو‭ ‬يُمْكِنُ‭ ‬لهُ‭ ‬أنْ‭ ‬يُفَكِّرَ،‭ ‬للحظةٍ،‭ ‬في‭ ‬أنْ‭ ‬يتباهى،‭ ‬بأنوار‭ ‬شموسه‭ ‬القديمة؛‭ ‬اقترنت‭ ‬ساعةُ‭ ‬الصِّفر‭ ‬هَذِهِ‭ ‬بتفجير‭ ‬مبنىً‭ ‬في‭ ‬مقر‭ ‬وزارة‭ ‬الدِّفاع‭ ‬الأميركية‭ ‬الـ”بنتاغون”،‭ ‬الكائن‭ ‬في‭ ‬مدينة أرلينغتون في‭ ‬ولاية فيرجينيا،‭ ‬وذلك‭ ‬عقب‭ ‬وقتٍ‭ ‬قصيرٍ‭ ‬من‭ ‬تفحير‭ ‬‮«‬بُرْجَي‭ ‬مركز‭ ‬التِّجارة‭ ‬العالميَّة‭ ‬التَّوأمين”‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬نيويورك‭ ‬الأميركية‭ ‬التي‭ ‬فيها‭ ‬تتخذُ‭ ‬‮«‬هَيْئَةُ‭ ‬الأُمم‭ ‬المُتَّحَدَة”‭ ‬مُسْتَقْرَّاً‭ ‬لِمَقَّرَها‭ ‬الدَّائم‭ ‬الرَّئيس،‭ ‬وهو‭ ‬التَّفجيرُ‭ ‬المزدوج‭ ‬المتزامنُ‭ ‬مع‭ ‬تفجير‭ ‬مبنى‭ ‬مكتب‭ ‬تنفيذي‭ ‬قديم‭ ‬ملحق‭ ‬بالبيت‭ ‬الأبيض‭ ‬الأميركي‭ ‬يُعْرَفُ‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬مَقَرِّ‭ ‬آيزنهاور”‭!‬

ويبدو‭ ‬جَلِيَّاً،‭ ‬أنَّ‭ ‬العالمَ،‭ ‬مع‭ ‬وقوع‭ ‬هذا‭ ‬التَّفجير‭ ‬المزدوج‭ ‬المتزامن،‭ ‬أو‭ ‬الثلاثي‭ ‬المتزامن،‭ ‬ومع‭ ‬توالي‭ ‬تداول‭ ‬عبارة‭ ‬‮«‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬2001‭ ‬وما‭ ‬بعده”،‭ ‬ومع‭ ‬رسوخ‭ ‬حضور‭ ‬هذه‭ ‬العبارة‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬اللُّغات‭ ‬والكتابات،‭ ‬وفي‭ ‬أدق‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬لشعوب‭ ‬العالم‭ ‬وبلدانه‭ ‬ومؤسساته،‭ ‬قد‭ ‬وجدَ‭ ‬نفسه‭ ‬إزاء‭ ‬مقترحٍ‭ ‬قد‭ ‬يبدو،‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى،‭ ‬غامضاً‭ ‬بعض‭ ‬الشَّيءِ‭ ‬أو‭ ‬مجازيَّاً‭ ‬إلى‭ ‬حدٍّ‭ ‬بعيد،‭ ‬إذْ‭ ‬لم‭ ‬يُصرَّح‭ ‬به‭ ‬بجلاءٍ‭ ‬ساطع‭ ‬حتَّى‭ ‬اللحظة،‭ ‬وهو‭ ‬مُقترحٌ‭ ‬يتعلَّقُ‭ ‬بإحلال‭ ‬تقويم‭ ‬زمنيٍّ‭ ‬‮«‬أيلوليّ‭ ‬أميركيّ”‭ ‬جديد‭ ‬محلَّ‭ ‬التَّقويم‭ ‬الزَّمنيِّ‭ ‬‮«‬الميلادي‭ ‬الغريغوري”‭ ‬الذي‭ ‬شرعت‭ ‬الإنسانيَّة‭ ‬في‭ ‬استخدامه‭ ‬مقروناً‭ ‬بتاريخ‭ ‬ميلاد‭ ‬السَّيد‭ ‬المسيح؛‭ ‬رسول‭ ‬المحبَّة‭ ‬والسَّلام‭!‬

وفي‭ ‬واقع‭ ‬الحال،‭ ‬فإنَّ‭ ‬العَالمَ‭ ‬لا‭ ‬يَخْلُوَ‭ ‬من‭ ‬مُؤَشِّراتٍ‭ ‬واقعيَّةٍ‭ ‬وملموسةٍ‭ ‬تدلُّ،‭ ‬ضمن‭ ‬أمور‭ ‬أخرى‭ ‬ذات‭ ‬صِلةٍ‭ ‬وثيقة،‭ ‬على‭ ‬تسارع‭ ‬عمليات‭ ‬التَّحضير‭ ‬لاعتماد‭ ‬هذا‭ ‬التَّقويم‭ ‬الأيلوليِّ‭ ‬الأميركيِّ‭ ‬الجديد،‭ ‬وذلك‭ ‬بَعْدَ‭ ‬أنْ‭ ‬تمَّ‭ ‬إطْلَاقَهُ،‭ ‬على‭ ‬نحوٍ‭ ‬أو‭ ‬آخَر،‭ ‬وبعدَ‭ ‬أنْ‭ ‬توالت‭ ‬عملياتُ‭ ‬تكريس‭ ‬مُعطياتٍ‭ ‬وممارساتٍ‭ ‬تُسَوِّغُ‭ ‬الشروعَ‭ ‬في‭ ‬إنفاذه،‭ ‬وفرضه‭ ‬على‭ ‬العَالم‭ ‬بأسره،‭ ‬بوصفه‭ ‬تقويماً‭ ‬لعدِّ‭ ‬سنيِّ‭ ‬أزمنة‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬المُعَولَمْ،‭ ‬تلكَ‭ ‬التي‭ ‬دشَّنَتْ‭ ‬الشُّروعَ‭ ‬في‭ ‬عَدِّهَا‭ ‬أسطورةٌ‭ ‬مُتراكبةٌ‭ ‬تَصُوغُ‭ ‬سَرْدِيَّةً‭ ‬رأسماليَّةً‭ ‬منزوعةَ‭ ‬الإنسانيَّة،‭ ‬تبدأُ‭ ‬من‭ ‬‮«‬نهاية‭ ‬التاريخ”‭ ‬الذي‭ ‬زعمت‭ ‬هذه‭ ‬الرَّأَسِمَاليَّة‭ ‬الشَّرسةُ‭ ‬أنْ‭ ‬عُلوَّهَا‭ ‬الشَّاهقَ‭ ‬قَدْ‭ ‬أَنْهَاهُ،‭ ‬لتزعمَ‭ ‬لنفسها‭ ‬قدرةً‭ ‬على‭ ‬فتح‭ ‬نافدةٍ،‭ ‬أو‭ ‬كُوَّة‭ ‬في‭ ‬بابٍ،‭ ‬قَدْ‭ ‬يُطلُّ‭ ‬البشرُ‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬منهما‭ ‬على‭ ‬‮«‬ما‭ ‬بعد‭ ‬التَّاريخ”،‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬يبدو‭ ‬أنَّه‭ ‬رديفٌ‭ ‬مُلازمٌ‭ ‬لـ”ما‭ ‬بعدَ‭ ‬الإنسانيَّة”،؛‭ ‬أي‭ ‬هذا‭ ‬الـ”ما‭ ‬بعد”‭ ‬الذي‭ ‬لن‭ ‬يكونَ،‭ ‬وفقَ‭ ‬ما‭ ‬تَقُوُلُهُ‭ ‬وقَائِعُهُ‭ ‬التي‭ ‬تُلْغِي‭ ‬الإنسانيَّةَ‭ ‬وتُعَتِّمُ‭ ‬وجهَ‭ ‬الحياة،‭ ‬إلا‭ ‬قرينَ‭ ‬التَّوحُّش‭ ‬المُنْفَلِت‭ ‬من‭ ‬كُلِّ‭ ‬عقالٍ‭ ‬إنسانيٍّ‭ ‬حصيف؛‭ ‬أي‭ ‬قرينَ‭ ‬ما‭ ‬قبلَ‭ ‬الزَّمنِ‭ ‬الإنسانيِّ؛‭ ‬أي‭ ‬قرينَ‭ ‬زمن‭ ‬الكائن‭ ‬البشريِّ‭ ‬الوحش‭ ‬الذي‭ ‬لمَّا‭ ‬يكنْ‭ ‬قد‭ ‬تَأَنْسَنَ‭ ‬بَعْدُ‭ ‬ليبتكرَ‭ ‬الحضارةَ،‭ ‬ويفتحَ‭ ‬أبوابَ‭ ‬الحياة‭ ‬الإنسانيَّة‭ ‬على‭ ‬الحياة‭!‬

وما‭ ‬هذا‭ ‬المقترحُ،‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬الملموسة‭ ‬بتواتر‭ ‬باهظٍ‭ ‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬حيِّز‭ ‬حياتيٍّ‭ ‬ونِطَاقٍ‭ ‬كَونيٍّ‭ ‬ومجال،‭ ‬إلا‭ ‬جعل‭ ‬الحَادي‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬2001‭ ‬مبتدءاً‭ ‬لتقويم‭ ‬أيلوليّ‭ ‬أمريكيّ‭ ‬جديدٍ‭ ‬يحلُّ‭ ‬محلَّ‭ ‬التقويمِ‭ ‬الميلاديِّ‭ ‬الغريغوريِّ‭ ‬القديم،‭ ‬أو‭ ‬أيِّ‭ ‬تقويم‭ ‬آخر‭ ‬عرفته‭ ‬الحضارة‭ ‬الإنسانية‭ ‬منذُ‭ ‬بدئها،‭ ‬وعلى‭ ‬امتداد‭ ‬توالي‭ ‬أزمنتها‭ ‬التاريخيّة،‭ ‬وعبر‭ ‬تعدُّد‭ ‬منابعها،‭ ‬ومصادر‭ ‬تكوينها،‭ ‬وأماكن‭ ‬انبثاقاتها،‭ ‬ومساحات‭ ‬حضورها،‭ ‬وعلاقاتها‭ ‬التَّفاعليَّة‭ ‬الرَّحبة،‭ ‬المتحقِّقة،‭ ‬في‭ ‬تناوبٍ‭ ‬تفاعليٍّ‭ ‬وتراكميٍّ‭ ‬منفتحٍ‭ ‬وخلَّاق،‭ ‬بين‭ ‬أمم‭ ‬العالم‭ ‬وشعوبه‭ ‬جميعاً،‭ ‬عبر‭ ‬ثقافاتهم‭ ‬الإنسانيَّة‭ ‬مُتنوِّعة‭ ‬المساحات‭ ‬والمدارات،‭ ‬ومتعدِّدة‭ ‬الآفاق‭ ‬الإبداعية‭ ‬والتَّمثُّلات‭ ‬الرَّمزية،‭ ‬ومُتَغَايرةِ‭ ‬التَّصوُّرات‭ ‬التَّأمُّليَّة‭ ‬والأفكار‭ ‬التَّأسيسيَّة،‭ ‬ومتباينة‭ ‬الرُّؤى‭ ‬فيما‭ ‬يتَّصلُ‭ ‬بآفاق‭ ‬الحياة،‭ ‬ومستقبل‭ ‬الكون،‭ ‬وإنسانيَّة‭ ‬العالم‭!‬

سيحتمُّ‭ ‬توالي‭ ‬وقائع‭ ‬‮«‬انفجار‭ ‬الهُوِيَّات”‭ ‬وتطوراته‭ ‬المُتَسَارعة‭ ‬في‭ ‬مجتمعات‭ ‬أَطْلَقَ‭ ‬عليها‭ ‬التَّاريخُ‭ ‬الحَقُّ،‭ ‬باسم‭ ‬الحضارة‭ ‬الإنسانيَّة‭ ‬الزَّاهرة،‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬العالم‭ ‬العربي”،‭ ‬على‭ ‬الباحثينَ‭ ‬وعلى‭ ‬الرَّاغبين‭ ‬من‭ ‬النَّاس‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬حقيقة‭ ‬ما‭ ‬يجري،‭ ‬الآن،‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬أَلَّا‭ ‬يُغْفِلُوا،‭ ‬أبداً،‭ ‬تلك‭ ‬الواقعة‭ ‬التَّأسيسيَّة،‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬تفجير‭ ‬برجي‭ ‬التجارة‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬2001،‭ ‬وأنْ‭ ‬يتطرَّقوا‭ ‬بتركيزٍ‭ ‬وإمعانٍ،‭ ‬وفي‭ ‬سياقات‭ ‬قرائيَّة‭ ‬تحليلية،‭ ‬استقرائيَّة‭ ‬واستنباطيَّة،‭ ‬مُتَغَايرة،‭ ‬إلى‭ ‬جذورها‭ ‬العميقة،‭ ‬وتأثيراتها‭ ‬المتشعِّبة،‭ ‬وعواقبها‭ ‬متعدِّدة‭ ‬الاتجاهات،‭ ‬وعقابيلها‭ ‬الفادحة‭ ‬التي‭ ‬تأخذُ‭ ‬الإنسانَ‭ ‬إلى‭ ‬نقيضه‭ ‬فيما‭ ‬هي‭ ‬تؤسِّسُ،‭ ‬في‭ ‬الوقتِ‭ ‬نفسه،‭ ‬الدَّوافعَ‭ ‬والمُحفِّزات‭ ‬الضروريَّة‭ ‬لشروع‭ ‬الإنسانيين‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬حراكٍ‭ ‬حيويٍّ‭ ‬يُفضي‭ ‬إلى‭ ‬إحداث‭ ‬التغيير‭ ‬اللازم‭ ‬في‭ ‬مجرى‭ ‬تاريخهم‭ ‬الإنسانيِّ‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يؤولُ‭ ‬إلى‭ ‬نهايةٍ‭ ‬أبداً‭.‬‮ ‬

لوحة: وليد نظامي

الديمقراطيَّة‭ ‬المكارثيَّة‭ ‬وتصنيف‭ ‬العالم

مع‭ ‬انكشاف‭ ‬الوجه‭ ‬المكارثي‭ ‬المُطلق‭ ‬لمسألة‭ ‬تصنيف‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬‮«‬دول‭ ‬مارقة”،‭ ‬و”محور‭ ‬شرِّ”‭ ‬و”دول‭ ‬ملتزمة”‭ ‬و”محور‭ ‬خير”،‭ ‬وهو‭ ‬التَّصنيف‭ ‬الذي‭ ‬انفردت‭ ‬القوَّة‭ ‬الأعظم‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬إدراج‭ ‬أيٍّ‭ ‬من‭ ‬الدِّول،‭ ‬أو‭ ‬الكيانات‭ ‬السياسيَّة،‭ ‬أو‭ ‬المجموعات‭ ‬البشريَّة،‭ ‬أو‭ ‬أتباع‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬ومعتنقي‭ ‬الأديان،‭ ‬تحت‭ ‬أيٍّ‭ ‬من‭ ‬محوريه،‭ ‬وذلك‭ ‬بموجب‭ ‬‮«‬حِكْمَة‭ ‬قوَّتها”،‭ ‬و”كُلِّية‭ ‬سيادتها”،‭ ‬وتعالي‭ ‬منطقها‭ ‬المُتعالي‭ ‬على‭ ‬كُلِّ‭ ‬منطق،‭ ‬وسموِّ‭ ‬قانونها‭ ‬الخاص‭ ‬على‭ ‬كُلِّ‭ ‬قانون‭ ‬دوليٍّ‭ ‬أو‭ ‬إنسانيٍّ‭ ‬أو‭ ‬أمميٍّ،‭ ‬تأكَّد‭ ‬تماماً‭ ‬أنَّ‭ ‬ذلك‭ ‬المبدأ‭ ‬المكارثي‭ ‬الْمُشْبَعِ‭ ‬بـ”الديمقراطية‭ ‬الأميركيَّة”،‮ ‬والمُركَّز‭ ‬في‭ ‬مقولة‭ ‬‮«‬من‭ ‬ليس‭ ‬معي‭ ‬فهو‭ ‬ضِدِّي‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬مقولة‭ ‬‮«‬من‭ ‬لا‭ ‬يُشبهني‭ ‬فهو‭ ‬نقيضي‮»‬،‭ ‬هو‭ ‬وحده‭ ‬الذي‭ ‬يحكمُ‭ ‬استراتيجيات‭ ‬تلك‭ ‬القُوَّة‭ ‬الأعظم،‭ ‬ويُحدِّد‭ ‬مواقفها‭ ‬وممارساتها‭ ‬وتصرفاتها‭ ‬وتصوراتها،‭ ‬وطرائق‭ ‬تحكُّمها‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وأساليب‭ ‬وآلياتِ‭ ‬قَبْضِهَا‭ ‬شِبْهِ‭ ‬المُطْلق‭ ‬على‭ ‬ثرواته‭ ‬وموارده‭ ‬ومُقدراتِه‭ ‬ومصائر‭ ‬قاطنيه‭ ‬من‭ ‬النَّاس‭!‬

‮ ‬وإزاء‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬السَّاطعة،‭ ‬فإننا‭ ‬لا‭ ‬نملكُ،‭ ‬ضمن‭ ‬استنباطات‭ ‬وخلاصات‭ ‬أُخرى‭ ‬ذات‭ ‬صِلة‭ ‬بما‭ ‬يجري‭ ‬أو‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬العرب‭ ‬والشَّرق‭ ‬الأوسط‭ ‬عموماً،‭ ‬ترفَ‭ ‬إنكار‭ ‬أو‭ ‬تجاهل‭ ‬الصِّلة‭ ‬التشابكية‭ ‬الوثيقة‭ ‬التي‭ ‬تربطُ‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬‮«‬التَّفجير‭ ‬الثلاثي‭ ‬المتزامن”‭ ‬الذي‭ ‬أُوْقِعَ‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتَّحدة‭ ‬الأمريكيَّة‭ ‬في‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬2001،‭ ‬و”الانفجارات‭ ‬المتوالية”‭ ‬التي‭ ‬يتصاعدُ‭ ‬إشعالُ‭ ‬صواعقها‭ ‬في‭ ‬‮«‬بلاد‭ ‬العرب”‭ ‬مقرونةً‭ ‬بـ”بلاد‭ ‬الإسلام”‭ ‬التي‭ ‬حُمِّلت‭ ‬وحْدَهَا،‭ ‬زوراً‭ ‬وتلفيقاً‭ ‬واصطناعاً‭ ‬لعدوٍّ‭ ‬تُمْكِنُ‭ ‬هزيمته،‭ ‬المسؤوليةً‭ ‬الكاملة‭ ‬عن‭ ‬ذاك‭ ‬‮«‬التَّفجير‭ ‬الثُّلاثي‭ ‬المُتزامن”‭ ‬الذي‭ ‬قيلَ‭ ‬إنَّهُ‭ ‬قد‭ ‬خَدَشَ‭ ‬كرامةَ،‭ ‬أو‭ ‬صَعَقَ‭ ‬جبروتَ،‭ ‬القوَّة‭ ‬الأعلى‭ ‬والأعظم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكون‭.‬

ولقد‭ ‬تبيَّنَ،‭ ‬مع‭ ‬توالي‭ ‬ظهور‭ ‬الأدلة‭ ‬والبراهين‭ ‬والمعطيات‭ ‬المُوَثَّقة،‭ ‬والمؤصَّلة‭ ‬فكرياً‭ ‬ومنطقياً‭ ‬عبر‭ ‬تحليلات‭ ‬موضوعية‭ ‬شاملة‭ ‬وعميقة‭ ‬لصيرورة‭ ‬الوقائع‭ ‬والأحداث‭ ‬وتعاقب‭ ‬العلل‭ ‬والمعلولات،‭ ‬التي‭ ‬تُؤكِّد‭ ‬عمق‭ ‬الصِّلات‭ ‬ذات‭ ‬الامتداد‭ ‬الزَّمني‭ ‬والرُّسوخ‭ ‬الوظيفيِّ،‭ ‬المُحفَّز‭ ‬بأيديولوجيات‭ ‬مُصطنعة،‭ ‬أو‭ ‬بوعودٍ‭ ‬سياسيَّة‭ ‬زائفة،‭ ‬أو‭ ‬بتشابك‭ ‬مصالح،‭ ‬أو‭ ‬بتجنيدٍ‭ ‬استئجاريٍّ‭ ‬ارتزاقي،‭ ‬تبيَّنَ‭ ‬لكلِّ‭ ‬من‭ ‬يُعْمِلُ‭ ‬عَقْلَهُ‭ ‬من‭ ‬النَّاس‭ ‬أنَّ‭ ‬الترابط‭ ‬الوظائفيّ‭ ‬الأداتيّ‭ ‬الوثيق‭ ‬بين‭ ‬صُنَّاع‭ ‬‮«‬التَّفجير‭ ‬الثلاثي‭ ‬المُتزامن”‭ ‬الحقيقيينَ،‭ ‬أولئك‭ ‬المُتَسَبَّبِينَ‭ ‬في‭ ‬وقوعه،‭ ‬والمُخططين‭ ‬له،‭ ‬ومُستدرجي‭ ‬إحداثة،‭ ‬والمُستفيدين‭ ‬منه،‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وصُنَّاع‭ ‬‮«‬انفجار‭ ‬الشَّرق”‭ ‬ومُحفِّزي‭ ‬تواليه‭ ‬وتعمُّقه‭ ‬وتوسُّعه‭ ‬وتمديد‭ ‬مساحاته‭ ‬وآماده‭ ‬عبر‭ ‬‮«‬تفجير‭ ‬الهُويَّات”‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬التَّفجيرات،‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬إنَّما‭ ‬هو‭ ‬ترابطٌ‭ ‬ثابتٌ‭ ‬وراسخٌ‭ ‬طالما‭ ‬أرادَ‭ ‬لهُ‭ ‬صُنَّاعهُ‭ ‬وموظِّفوهُ‭ ‬والمستثمرون‭ ‬فيه‭ ‬أنْ‭ ‬يبقى‭ ‬كذلك‭!‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬التَّرابطُ،‭ ‬ولا‭ ‬يُمكنُ‭ ‬لعاقل‭ ‬أنْ‭ ‬يتصوَّرَ‭ ‬أنْ‭ ‬يكونَ،‭ ‬مُجَرَّدَ‭ ‬نتيجةٍ‭ ‬أعقبت‭ ‬التَّفجيرَ‭ ‬الثلاثيَّ‭ ‬الذي‭ ‬أدَّى‭ ‬إلى‭ ‬انهيار‭ ‬بُرْجَي‭ ‬التِّجارة‭ ‬العالميَّة‭ ‬التَّوأمين‭ ‬وتصديع‭ ‬مبنيين‭ ‬في‭ ‬مقرَّي‭ ‬البنتاغون‭ ‬والبيت‭ ‬الأبيض،‭ ‬أو‭ ‬مجرَّدَ‭ ‬ردَّة‭ ‬فعلٍ‭ ‬تأسَّست‭ ‬على‭ ‬الحاجة‭ ‬الماسَّة‭ ‬إلى‭ ‬الرَّد‭ ‬عليه‭ ‬لاستعادة‭ ‬ماء‭ ‬الوجه،‭ ‬وإنَّما‭ ‬هو‭ ‬ترابطٌ‭ ‬قائمٌ‭ ‬منذ‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬2001‭ ‬وما‭ ‬بعده،‭ ‬وعلى‭ ‬امتداد‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الما‭ ‬قبل‭ ‬والما‭ ‬بعد‭ ‬من‭ ‬أزمنة‭ ‬ترجع‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يربو‭ ‬على‭ ‬نصف‭ ‬قرنٍ‭ ‬من‭ ‬الزَّمن‭ ‬أو‭ ‬يزيد‭.‬

ومن‭ ‬المنطقي‭ ‬ألا‭ ‬نتوقَّع‭ ‬لهذه‭ ‬العلاقة‭ ‬الوظيفيَّة‭ ‬الأداتية‭ ‬التَّرابطية‭ ‬الوثيقة،‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬كتابة‭ ‬المصالح‭ ‬المُشتركة‭ ‬بين‭ ‬أطرافها‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬حقوق‭ ‬آخريهم‭ ‬من‭ ‬الأمم‭ ‬والشُّعوب،‭ ‬والرَّاسخة‭ ‬في‭ ‬توالي‭ ‬عقود‭ ‬الأزمنة‭ ‬الاستعماريَّة‭ ‬والاستبداديَّة،‭ ‬وفي‭ ‬تعدُّد‭ ‬مواقع‭ ‬الأمكنة‭ ‬على‭ ‬خارطة‭ ‬الشَّرق،‭ ‬أنْ‭ ‬تنقطعَ‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القريب،‭ ‬أو‭ ‬أنْ‭ ‬تخضعَ‭ ‬لأيّ‭ ‬نوعٍ‭ ‬من‭ ‬التَّعديل‭ ‬أو‭ ‬التَّخلِّي‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أيٍّ‭ ‬من‭ ‬أطرافها،‭ ‬قبل‭ ‬أنْ‭ ‬تُنجزَ‭ ‬غاياتها‭ ‬المرجوَّة،‭ ‬وتحقِّق‭ ‬الأهداف‭ ‬القصوى‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬أجلها‭ ‬أوجِدتْ‭ ‬وتُوبعت‭ ‬ورُسِّخت‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أزمنة‭ ‬وعقود‭.‬

وإنَّ‭ ‬كانَ‭ ‬لما‭ ‬أبصرتهُ‭ ‬وما‭ ‬لا‭ ‬تزالُ‭ ‬تبصرهُ‭ ‬عيوننا،‭ ‬ولما‭ ‬قرأته‭ ‬وما‭ ‬لا‭ ‬تزالُ‭ ‬تقرأهُ‭ ‬بصائرُنا،‭ ‬في‭ ‬مرايا‭ ‬الجحيم‭ ‬الأرضي‭ ‬المُشتعل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشرق‭ ‬الدَّامي،‭ ‬وفي‭ ‬محيطه‭ ‬العريض،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬ولبنان‭ ‬وفلسطين‭ ‬والعراق‭ ‬واليمن‭ ‬وليبيا،‭ ‬أن‭ ‬يُؤكِّد‭ ‬شيئاً،‭ ‬فإنَّه‭ ‬يُؤكِّد‭ ‬أنَّ‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬الوظيفيَّة‭ ‬الأداتية‭ ‬الترابطية‭ ‬الوثيقة‭ ‬بين‭ ‬صُنَّاع‭ ‬التَّفجير،‭ ‬ومُشعلي‭ ‬صواعق‭ ‬الانفجارات،‭ ‬ستظلُّ‭ ‬علاقةً‭ ‬مفتوحةً‭ ‬على‭ ‬التمدَّد‭ ‬في‭ ‬الزَّمان‭ ‬وعلى‭ ‬الرُّسُوخ‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬طالما‭ ‬ظلَّت‭ ‬مصلحةُ‭ ‬القوَّة‭ ‬الأعظم‭ ‬وقواها‭ ‬الظَّاهرة‭ ‬والخفيَّة،‭ ‬و”حكمتها”‭ ‬الثَّابتة‭ ‬والمُتحوِّلة،‭ ‬و”قُوَّتها‭ ‬المُستبدَّة”‭ ‬و”سيادتها‭ ‬الكُلِّية”‭ ‬منقطعة‭ ‬النَّظير‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬وضعٍ‭ ‬وحال،‭ ‬تستوجبُ‭ ‬استمرارها‭ ‬وتوسيع‭ ‬دورها‭ ‬التَّفجيري‭ ‬في‭ ‬الزَّمان‭ ‬والمكان‭.‬


ناقد‭ ‬من‭ ‬فلسطين‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬سلوفاكيا