الأنا‭ ‬والآخر‭ ‬وتفجر‭ ‬الهويات

ملاحظات‭ ‬حول‭ ‬التثاقف

الجديد  فتحي التريكي [نُشر في 01/08/2016، العدد: 19، ص(26)]

لوحة: عادل داؤود
لقد‭ ‬تعددت‭ ‬الدراسات‭ ‬والأبحاث‭ ‬حول‭ ‬تصورات‭ ‬الحوار‭ ‬الثقافي‭ ‬والحضاري‭ ‬وكانت‭ ‬كلها‭ ‬تصبو‭ ‬إلى‭ ‬محاولة‭ ‬تجاوز‭ ‬العلاقات‭ ‬العنيفة‭ ‬التي‭ ‬يتسم‭ ‬بها‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬حاليا‭. ‬وليس‭ ‬ثمة‭ ‬من‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أهمية‭ ‬تلك‭ ‬الأبحاث‭ ‬التي‭ ‬بالرغم‭ ‬عن‭ ‬طابعها‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬أحيانا‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬قد‭ ‬تقدم‭ ‬للإنسانية‭ ‬أوجها‭ ‬متعددة‭ ‬للتعايش‭ ‬ولتجاوز‭ ‬بعض‭ ‬أسباب‭ ‬العنف‭ ‬والتخاصم‭. ‬فليس‭ ‬همّنا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬أن‭ ‬نقدم‭ ‬وجهة‭ ‬نظرنا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬ننقد‭ ‬بعض‭ ‬الأطروحات‭ ‬السائدة‮ ‬‭ ‬ومستتبعاتها‭. ‬فهمّنا‭ ‬أن‭ ‬نلقي‭ ‬أضواء‭ ‬على‭ ‬نمط‭ ‬تعامل‭ ‬الثقافات‭ ‬مع‭ ‬بعضها‭ ‬تحاورا‭ ‬وتحالفا‭ ‬للتخفيف‭ ‬من‭ ‬وطأة‭ ‬العنف‭ ‬ومحاربة‭ ‬التطرف‭ ‬والقضاء‭ ‬على‭ ‬أسباب‭ ‬التقوقع‭ ‬والدغمائية‭.‬

سنحاول في‭ ‬هذا‭ ‬البحث‭ ‬إذن‭ ‬استدعاء‭ ‬مفهوم‭ ‬التثاقف‭ ‬وإخضاعه‭ ‬للتحليل‭ ‬والتنقيب‭. ‬ولكننا‭ ‬من‭ ‬الآن‭ ‬نستطيع‭ ‬ملاحظة‭ ‬صيغة‭ ‬اشتقاقه‭ ‬التي‭ ‬تفيد‭ ‬الاشتراك‭ ‬المتبادل‮ ‬‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الثقافة‭ ‬والتثقيف‭ ‬والذي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬قبول‭ ‬التنوع‭ ‬الثقافي‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬هو‭ ‬واقعة‭ ‬بديهية‭ ‬للحداثة‭ ‬عموما‭ ‬وللمعاصرة‭ ‬خصوصا‭. ‬كما‭ ‬يتم‭ ‬قبول‭ ‬التواصل‭ ‬بين‭ ‬الثقافات‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬هو‭ ‬غاية‭ ‬التعايش‭ ‬بطريقة‭ ‬متبادلة‭ ‬وبتأثير‭ ‬متبادل‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬هيمنة‭ ‬أحادية‭ ‬لطرف‭ ‬على‭ ‬طرف‭ ‬آخر‭. ‬هذه‭ ‬الصيغة‭ ‬المتبادلة‭ ‬والتي‭ ‬عبّرنا‭ ‬عنها‭ ‬بهذا‭ ‬الاشتقاق‭ ‬ذات‭ ‬دلالة‭ ‬تأسيسية‭ ‬لأنها‭ ‬ستعلو‭ ‬بالنقاش‭ ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية‭ ‬إلى‭ ‬المستوى‭ ‬التنظيري‭ ‬العام‭ ‬ولا‭ ‬تبق‭ ‬سجينة‭ ‬الفكر‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬والسياسي‭.‬

‮ ‬كيف‭ ‬يتمفصل‭ ‬هذا‭ ‬التواصل؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬قيمته‭ ‬الأنثروبولوجية،‭ ‬وهل‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬على‭ ‬الاجتماع‭ ‬البشري؟‭ ‬وهل‭ ‬هنالك‭ ‬أساس‭ ‬لهذا‭ ‬التصور؟‭ ‬وهل‭ ‬يشكل‭ ‬التنوع‭ ‬الثقافي‭ ‬تهديدا‭ ‬ثابتا‭ ‬للعيش‭ ‬معا؟

ولمحاولة‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة،‭ ‬سوف‭ ‬نعمد‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬إلى‭ ‬شرح‭ ‬الظاهرة‭ ‬ذاتها،‭ ‬وذلك‭ ‬بتحديد‭ ‬مكوناتها،‭ ‬وبتحليل‭ ‬اشتغالها‭ ‬ضمن‭ ‬الواقع‭ ‬المعيش،‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬سوف‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬إضفاء‭ ‬رؤية‭ ‬أخلاقية‭ ‬والتزاما‭ ‬سياسيا‭ ‬عليها،‭ ‬وذلك‭ ‬حتى‭ ‬نثبّتها‭ ‬على‭ ‬قواعد‭ ‬معيارية‭ ‬محاولين‭ ‬قدر‭ ‬الإمكان‭ ‬إخضاع‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬للنقد‭ ‬حتى‭ ‬نعرف‭ ‬فيما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬التنوع‭ ‬الثقافي‭ ‬يتوافق‭ ‬أم‭ ‬لا‭ ‬مع‭ ‬الكونية‭ ‬المؤسسة‭ ‬لتواصلية‭ ‬الإنسان‭.‬

التنوع‭ ‬الثقافي

يرتبط‭ ‬المنظور‭ ‬العام‭ ‬للتنوع‭ ‬الثقافي‭ ‬العالمي،‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬بتصارع‭ ‬العلاقات‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬القومي‭ ‬والعالمي‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬هو‭ ‬القرن‭ ‬الأشدّ‭ ‬دموية‭ ‬الذي‭ ‬عاشته‭ ‬البشرية‭. ‬فغالبا‭ ‬ما‭ ‬لحقت‭ ‬الحروب‭ ‬التي‭ ‬صارت‭ ‬كليّة‭ ‬وعالمية،‭ ‬مجازر‭ ‬جماعية‭ ‬ومعسكرات‭ ‬اعتقال‭ ‬وحشد‭ ‬وإبادة‭ ‬عرقية‭ ‬وعنصرية‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬نوع،‭ ‬وحظر‭ ‬وانسداد‭ ‬للأفق‭ ‬واستعمار‭ ‬جديد‭ ‬وغزو‭ ‬وبربرية‭. ‬وبداية‭ ‬هذا‭ ‬القرن‭ ‬ليست‭ ‬أفضل،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬عدد‭ ‬الضحايا‭ ‬والدمار‭ ‬يفوقان‭ ‬الخيال‭. ‬تعيش‭ ‬الإنسانية‭ ‬الآن،‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت،‭ ‬حياة‭ ‬قصوى‭ ‬من‭ ‬الضغط‭ ‬تخيّم‭ ‬عليها‭ ‬الحروب،‭ ‬والصراعات‭ ‬العرقية،‭ ‬والإرهاب،‭ ‬وعدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬والعنف‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تثبيت‭ ‬نظام‭ ‬اقتصادي‭ ‬وسياسي‭ ‬جديد،‭ ‬ودبلوماسية‭ ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬استبدل‭ ‬فيها‭ ‬التهديد‭ ‬بالقوة‭ ‬بالاستخدام‭ ‬اليومي‭ ‬لها‭ ‬والهيمنة‭ ‬أحادية‭ ‬الجانب‭ ‬لقوة‭ ‬وحيدة‭ ‬تريد‭ ‬القبول‭ ‬بها‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬من‭ ‬العالم‭.‬

ليس‭ ‬غريبا‭ ‬إذن،‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬بروز‭ ‬‮«‬تواصلية‭ ‬جديدة”‭ ‬مؤسسة‭ ‬على‭ ‬مصطلحات‭ ‬حربية‭ ‬مثل‭ ‬الإرهاب،‭ ‬و”محور‭ ‬الشر”،‭ ‬والتهديد‭ ‬النووي‭ ‬وغيرها‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الحرب‭ ‬ذاتها‭ ‬قد‭ ‬أصبحت‭ ‬تواصلا‭ ‬مثل‭ ‬ما‭ ‬أكده‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الألماني‭ ‬هيغل‭ ‬‭[‬1‭]‬‮ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التشديد‭ ‬على‭ ‬ضرورتها‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬إكساب‭ ‬الشعب‭ ‬معناه‭.‬

تبلورت‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬الكارثية‭ ‬للعالم،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬صارت‭ ‬فيه‭ ‬سهولة‭ ‬تنقل‭ ‬البشر‭ ‬والأشياء‭ ‬والأفكار‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر‭ ‬تناميا‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬كثرت‭ ‬فيه‭ ‬الاعتقادات‭ ‬المتنوعة‭ ‬والمذاهب‭ ‬المتناقضة‭ ‬وذلك‭ ‬حتى‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬عالمنا‭ ‬مجالا‭ ‬للتنوع‭ ‬الثقافي‭. ‬فهذه‭ ‬التعددية‭ ‬هي‭ ‬نتيجة‭ ‬لإعادة‭ ‬إقرار‭ ‬التنوع‭ ‬الثقافي‭ ‬وإبراز‭ ‬الهويات‭ ‬المكبوتة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬ينكشف‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر‭ ‬ليبين‭ ‬تعدديته‭ ‬البناءة‭. ‬فالمجتمع‭ ‬ذو‭ ‬الثقافة‭ ‬الواحدة،‭ ‬أي‭ ‬الموسوم‭ ‬بتمثل‭ ‬قويّ‭ ‬للوحدة‭ ‬‭(‬وحدة‭ ‬قومية،‭ ‬وحدة‭ ‬لغوية،‭ ‬وحدة‭ ‬عرقية،‭ ‬وحدة‭ ‬دينية‭ ‬إلخ‭)‬‭ ‬قد‭ ‬يحل‭ ‬محله‭ ‬شيئا‭ ‬فشيئا‭ ‬مجتمع‭ ‬متعدد‭ ‬الثقافة‭ ‬ينفجر‭ ‬فيه‭ ‬نموذج‭ ‬الدولة‭-‬القومية‭ ‬ليضفي‭ ‬معاني‭ ‬متعددة‭ ‬الاتجاهات‭ ‬للهوية‭.‬

على‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬نلاحظ‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬تفجّر‭ ‬الهويات‭ ‬الثقافية،‭ ‬وبروز‭ ‬القوميات‭ ‬ذات‭ ‬العرق‭ ‬الواحد‭ ‬قد‭ ‬نتج‭ ‬عنهما،‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬شاسع،‭ ‬عدم‭ ‬استقرار‭ ‬التوازن‭ ‬المؤقت‭ ‬لعالم‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭. ‬ولأجل‭ ‬ذلك‭ ‬حاول‭ ‬المفكرون‭ ‬والأيديولوجيون‭ ‬أن‭ ‬يعزّزوا‭ ‬حلاّ‭ ‬قد‭ ‬ترعرع‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬كندا‭ ‬المعروفة،‭ ‬وهو‭ ‬الحل‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬الاندماجية‭[‬2‭]‬‮ ‬والاختلافية‭ ‬‭[‬3‭]‬‭. ‬وقد‭ ‬أخذ‭ ‬النقاش‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬بعدا‭ ‬سياسيا‭ ‬قامعا‭ ‬لتعبير‭ ‬الاختلاف‭ ‬ضمن‭ ‬دائرة‭ ‬الحياة‭ ‬الخاصة‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬شاسع،‭ ‬داخل‭ ‬البلدان‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬بحيث‭ ‬قد‭ ‬يجبر‭ ‬أصحاب‭ ‬القرار‭ ‬الناس‭ ‬بواسطة‭ ‬كل‭ ‬الوسائل‭ ‬التكنولوجية‭ ‬المتاحة‭ ‬على‭ ‬الانضواء‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬أيديولوجي‭ ‬معيّن‭ ‬وعلى‭ ‬الموافقة‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬ضعيفة‭ ‬أو‭ ‬ذات‭ ‬شأن‭ ‬على‭ ‬مشروع‭ ‬وحيد‭ ‬وشكل‭ ‬من‭ ‬الوحدة‭ ‬الثقافية‭ ‬والأيديولوجية‭: ‬وحدة‭ ‬تشتمل‭ ‬بالتأكيد‭ ‬على‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الوجوه‭ ‬الضامنة‭ ‬للخيار‭ ‬الديمقراطي،‭ ‬ولكنّها‭ ‬تحاول‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬التماسك‭ ‬الاجتماعي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬الاختزال‭ ‬للاختلافات‭.‬

إن‭ ‬التنوع‭ ‬الثقافي‭ ‬لا‭ ‬يشمل‭ ‬المجتمعات‭ ‬المتعددة‭ ‬والتحولات‭ ‬الأنثروبولوجية‭ ‬للمجتمعات‭ ‬المعاصرة‭ ‬للدول‭ ‬الغنية‭ ‬فقط،‭ ‬تلك‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬صبغها‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر‭ ‬حضور‭ ‬ثقافات‭ ‬متعددة‭ ‬وتجمعات‭ ‬كثيرة‭ ‬وبالتالي‭ ‬تنوع‭ ‬كبير‭ ‬لأنماط‭ ‬الحياة‭. ‬فهو‭ ‬يشمل‭ ‬الآن‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر‭ ‬مجتمعات‭ ‬موسومة بالواحدية‭ ‬الثقافية‭ ‬‭[‬4‭]‬‭ ‬نظرا‭ ‬لسرعة‭ ‬تنقل‭ ‬البشر‭ ‬والسلع‭ ‬والمعلومات‭ ‬والأفكار‭ ‬والمذاهب‭ ‬والأيديولوجيات‭. ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬المكونات‭ ‬الفكرية‭ ‬الشمولية‭ ‬قد‭ ‬تصبح‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬محلها،‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المجتمعات،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬عندما‭ ‬تحاول‭ ‬هذه‭ ‬المكونات‭ ‬إنشاء‭ ‬تماسك‭ ‬متين‭ ‬للعلاقات‭ ‬البشرية‭ ‬‭[‬5‭]‬‭.‬

يتأتّى‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬التنوع‭ ‬الثقافي‭ ‬إذن،‭ ‬عن‭ ‬عولمة‭ ‬الأفكار‭ ‬ومستتبعاتها‭ ‬مثل‭ ‬عودة‭ ‬الهويات،‭ ‬وعودة‭ ‬الدولة‭ ‬الوطن‭ ‬بصيغ‭ ‬أخرى‭ ‬كانسحاب‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬مؤخرا‭ ‬من‭ ‬الوحدة‭ ‬الأوروبية‭ ‬وتأكيد‭ ‬المرجع‭ ‬الذاتي‭ ‬للتجمعات‭ ‬العرقية‭ ‬الدينية‭. ‬لكننا،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المستوى‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نستشف‭ ‬تناقضا‭ ‬في‭ ‬منطق‭ ‬العولمة‭: ‬ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تفتح‭ ‬فيه‭ ‬الحدود‭ ‬داخل‭ ‬أوروبا‭ ‬للأوروبيين،‭ ‬فإن‭ ‬معاهدات‭ ‬شنغان‭ ‬‭(‬Schengen‭)‬‭ ‬تغلقها‭ ‬حول‭ ‬أوروبا‭. ‬فنحن‭ ‬نسير‭ ‬باتجاه‭ ‬هوة‭ ‬أو‭ ‬شرخ‭ ‬في‭ ‬الإنسانية‭ ‬ذاتها،‭ ‬أي‭ ‬باتجاه‭ ‬إنسانية‭ ‬أولى‭ ‬متحررة‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬ومن‭ ‬الحدود‭ ‬تتنقل‭ ‬بحرية‭ ‬وتبني‭ ‬عالمها‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬هو‭ ‬العالم‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬ثانية‭ ‬إنسانية‭ ‬أخرى‭ ‬تتقبل‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الضغوط‭ ‬وتصبح‭ ‬غريبة‭ ‬عن‭ ‬العالم‭ ‬تتنقل‭ ‬بتأشيرة‭ ‬وتفكر‭ ‬برُخص‭ ‬وتعبر‭ ‬برقابة‭ ‬وتعيش‭ ‬بانتماء‭ ‬وعبودية‭. ‬نحن‭ ‬إزاء‭ ‬بروز‭ ‬شكل‭ ‬جديد‭ ‬للإنسان‭ ‬نطلق‭ ‬عليه‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬الغريب‭ ‬الأجنبي”‭ ‬‭[‬6‭]‬،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عولمة‭ ‬تنقل‭ ‬السكان،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬أخذت‭ ‬اتساعا‭ ‬شديدا‭ ‬‭[‬7‭]‬‮ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭. ‬ففي‭ ‬هذه‭ ‬العولمة‭ ‬يحاولون‭ ‬التحكم‭ ‬قانونيا‭ ‬في‭ ‬الغريب‭ ‬الأجنبي‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬الغرب‭. ‬إذ‭ ‬تفرض‭ ‬عليه‭ ‬تأشيرة‭ ‬تنقل‭ ‬حتى‭ ‬يمكن‭ ‬فرزه‭ ‬وتمييز‭ ‬الغريب‭ ‬‮«‬الصالح”‭ ‬عن‭ ‬‮«‬المتخفي”‭ ‬و”المتحيّل”،‭ ‬و”الإرهابي”،‭ ‬و”الملوّث”،‭ ‬و”اللاجئ”‭[‬8‭]‬،‭ ‬و”طالب‭ ‬اللجوء‭ ‬السياسي”‭ ‬ولكن‭ ‬موجات‭ ‬الهجرة‭ ‬السرية‭ ‬والعلنية‭ ‬قد‭ ‬زادت‭ ‬في‭ ‬تأزم‭ ‬المظهر‭ ‬العام‭ ‬للإنسانية‭.‬

‭ ‬لفظ‭ ‬كولونيالية،‭ ‬‬بربري‭ ‬نوعا‭ ‬ما،‭ ‬لكن‭ ‬يجب‭ ‬تناوله‭ ‬بصرامة‭ ‬أكبر‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬باعتباره‭ ‬موضوع‭ ‬دراسات‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬الأميركية،‭ ‬بل‭ ‬باعتبار‭ ‬أنه‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يفسّر‭ ‬خصوصا‭ ‬علاقة أفق‭ ‬جديدة‭ ‬للإمبريالية‭ ‬بالبلدان‭ ‬المضطهدة

وإذا‭ ‬ما‭ ‬أردنا‭ ‬التعمق‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬معنى‭ ‬التنوع‭ ‬لاحظنا‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬استعماله‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬التنوع‭ ‬المادي‭ ‬الملحوظ‭ ‬داخل‭ ‬المجتمعات‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬يفيد‭ ‬أيضا،‭ ‬مذهبا‭ ‬فكريا‭ ‬هو‭ ‬الآن‭ ‬بصدد‭ ‬التوسع‭ ‬أكثر‭. ‬وكنا‭ ‬منذ‭ ‬أواخر‭ ‬السبعينات‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬قد‭ ‬حاولنا‭ ‬في‭ ‬كتابنا‭ ‬åقراءات‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬التنوعò‭ ‬توضيح‭ ‬منطلقاته‭ ‬وأبعاده‭ ‬العلمية‭ ‬والفلسفية‭ ‬والأيديولوجية‭ ‬وتطبيقاته‭ ‬المختلفة‭ ‬واخترنا‭ ‬نماذج‭ ‬لذلك‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬ابن‭ ‬خلدون‭ ‬وبعض‭ ‬الأفكار‭ ‬الفلسفية‭ ‬المتواجدة‭ ‬آنذاك‭. ‬ومهما‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬أمر‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬الفكري‭ ‬للتنوع‭ ‬جدير‭ ‬بأن‭ ‬يكون‭ ‬موضوع‭ ‬نقاش‭ ‬وتنظير‭ ‬حتى‭ ‬نتمكن‭ ‬من‭ ‬تحديد‭ ‬أرضيته‭ ‬وأبعاده‭ ‬المختلفة‭.‬

فالرهان‭ ‬هو‭ ‬معرفة‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الإنسانية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬عاداتها‭ ‬المختلفة‭ ‬وثقافاتها‭ ‬المتعددة‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تتطلع‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬العيش‭ ‬معا”‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬الكرامة؟

‮ ‬في‭ ‬حقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬هنالك‭ ‬خطر‭ ‬يتهدد‭ ‬مصطلح‭ ‬التنوع‭ ‬الثقافي‭ ‬الذي‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تاق‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مفهوما‭ ‬مجردا‭ ‬وشاملا،‭ ‬سوف‭ ‬يتحوّل‭ ‬حتما‭ ‬إلى‭ ‬موقفا‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬سالبا‭ ‬وخطيرا‭: ‬مثل‭ ‬التبرير‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الاختلافيين‭ ‬‭[‬9‭]‬‮ ‬‭ ‬للأفعال‭ ‬اللاإنسانية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحدث‭ ‬هنا‭ ‬أو‭ ‬هناك‭ ‬تحت‭ ‬تعلة‭ ‬الاختلافات‭ ‬الدينية‭ ‬أو‭ ‬الثقافية‭ ‬وتنوعها‭.‬

من‭ ‬أجل‭ ‬ذلك،‭ ‬أؤكد‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬التنوع‭ ‬الثقافي‭ ‬هو‭ ‬ظاهرة‭ ‬اجتماعية‭ ‬وحضارية تصف‭ ‬لنا‭ ‬بوضوح‭ ‬تحوّلات‭ ‬مجتمع‭ ‬العولمة،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬تصوّرا‭ ‬فكريا‭ ‬منسجما،‭ ‬لأنّه‭ ‬يقصي‭ ‬كل‭ ‬ضرب‭ ‬من‭ ‬ضروب‭ ‬الوحدة،‭ ‬وكل‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬التجريد‭ ‬وبالتالي‭ ‬يقصي‭ ‬التصوّر‭ ‬في‭ ‬ذاته‭. ‬فهو‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عياني‭ ‬‮ ‬وصفي‭ ‬‭(‬constat‭)‬‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬المفهوم‭.‬

يمكن‭ ‬للفظ‭ ‬التثاقف‭ ‬أن‭ ‬يعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬لفعل‭ ‬التفكير‭ ‬والتعقل،‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬العالم‭ ‬ممكنا‭ ‬وقابلا‭ ‬للتساكن‭. ‬يكون‭ ‬التثاقف‭ ‬ممكنا،‭ ‬عندما‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬رابطة‭ ‬فهم‭ ‬وتواصل‭ ‬بين‭ ‬الهويات‭ ‬المختلفة،‭ ‬و”العوالم‭ ‬الممكنة‭ ‬والواقعية”‭ ‬حتى‭ ‬يضع‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬المناسب‭ ‬شيئا‭ ‬ما‭ ‬مشتركا‭ ‬بين‭ ‬الناس‭.‬

التثاقف

فمنذ‭ ‬الوهلة‭ ‬الأولى،‭ ‬نفهم‭ ‬إلى‭ ‬أيّ‭ ‬حدّ،‭ ‬يجب‭ ‬على‭ ‬التثاقف‭ ‬المؤسس‭ ‬على‭ ‬قيم‭ ‬الانفتاح‭ ‬والخلق‭ ‬واستشراف‭ ‬المستقبل‭ ‬والاختلاف‭ ‬أن‭ ‬يتجذّر‭ ‬ضمن‭ ‬طريقتنا‭ ‬في‭ ‬مقاربة‭ ‬الحداثة‭. ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬علاقة‭ ‬الذات‭ ‬بالآخر‭ ‬غير‭ ‬منفصلة‭ ‬وتشير‭ ‬إلى‭ ‬تنظيم‭ ‬واقعي‭ ‬مؤسس‭ ‬‮ ‬لسيرورات‭ ‬التماهي‭ ‬التي‭ ‬تخصّص‭ ‬لمفهومي‭ ‬الهوية‭ ‬والاختلاف،‭ ‬ولوظيفتهما‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭.‬

فالتثاقف‭ ‬هو‭ ‬الفلسفة‭ ‬التي‭ ‬تمكّن،‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت،‭ ‬من‭ ‬احترام‭ ‬الاختلافات‭ ‬البنيوية‭ ‬للثقافات،‭ ‬ومن‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬الصبغة‭ ‬الكونية‭ ‬لكل‭ ‬ثقافة‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬حجمها‭ ‬لتصبح‭ ‬خيرا‭ ‬من‭ ‬الخيرات‭ ‬المشتركة‭ ‬للإنسانية‭ ‬برمتها‭.‬

يضع‭ ‬هذا‭ ‬التعريف‭ ‬للتثاقف،‭ ‬نهاية‭ ‬لطموح‭ ‬العقلانية‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تمتلك‭ ‬وحدها‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭ ‬الإنسانوي‭ ‬في‭ ‬ثقافتها‭ ‬وهو‭ ‬يقدّم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬للكونية‭ ‬طابعا‭ ‬جدليا‭ ‬للتفاهم‭ ‬المشترك‭.‬

إن‭ ‬إرادة‭ ‬فرض‭ ‬رؤية‭ ‬واحدة‭ ‬ونهائية‭ ‬لحقوق‭ ‬ونمط‭ ‬الحياة‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬الثقافات،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يفضي‭ ‬إلاّ‭ ‬إلى‭ ‬العنف‭ ‬الدائم‭. ‬وبالفعل،‭ ‬فإنه‭ ‬يهيمن‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحاضر‭ ‬ضربان‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬بالآخر‭ ‬داخل‭ ‬المجتمعات‭ ‬الغربية‭ ‬هما‭ ‬العنصرية‭ ‬والكولونيالية،‭ ‬اللذان‭ ‬هما‭ ‬الآن‭ ‬أفقا‭ ‬الرأسمالية‭ ‬الرئيسيان‭:‬

•‭ ‬‭ ‬العنصرية‭:‬

الواقع‭ ‬أن‭ ‬الانتهاكات‭ ‬الواسعة‭ ‬ضدّ‭ ‬الأجانب‭ ‬وضد‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬عديدة‭ ‬من‭ ‬أوروبا‭ ‬ومن‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬بكل‭ ‬أشكاله‭ ‬يشهد‭ ‬على‭ ‬خطورة‭ ‬هذا‭ ‬الإقصاء‭. ‬إذ‭ ‬ليس‭ ‬هنالك‭ ‬فقط‭ ‬تعزيز‭ ‬‮«‬للتظاهرات‭ ‬العنيفة‭ ‬والجماعية‭ ‬للعنصرية”‭ ‬‭[‬10‭]‬،‭ ‬بل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬هنالك‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬القبول‭ ‬العام‭ ‬لهذه‭ ‬الأفعال‭ ‬تترجم‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحاضر‭ ‬بأخذ‭ ‬مواقف‭ ‬علنية‭ ‬تنشر‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬لكثير‭ ‬من‭ ‬المفكرين‭ ‬والكتّاب‭ ‬الذين‭ ‬يتهمون‭ ‬الأجانب‭ ‬وثقافتهم‭ ‬وأنماط‭ ‬حياتهم‭ ‬ودياناتهم‭ ‬‭[‬11‭]‬‭.‬

•‭ ‬الكولونيالية‭:‬

إن‭ ‬لفظ‭ ‬كولونيالية،‭ ‬هو‭ ‬لفظ‭ ‬بربري‭ ‬نوعا‭ ‬ما،‭ ‬لكن‭ ‬يجب‭ ‬تناوله‭ ‬بصرامة‭ ‬أكبر‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬باعتباره‭ ‬موضوع‭ ‬دراسات‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬الأميركية،‭ ‬بل‭ ‬باعتبار‭ ‬أنه‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يفسّر‭ ‬خصوصا‭ ‬علاقة‭ ‬‭(‬أفق‭)‬‭ ‬جديدة‭ ‬للإمبريالية‭ ‬بالبلدان‭ ‬المضطهدة‭. ‬إذ‭ ‬ليس‭ ‬هنالك‭ ‬مجال‭ ‬للشك‭ ‬في‭ ‬أنّ‭ ‬الاستعمار‭ ‬هو‭ ‬اللفظ‭-‬المفتاح‭ ‬الذي‭ ‬يمكّن‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الفهم‭ ‬لتواصل‭ ‬الناس‭ ‬فيما‭ ‬بينهم‭. ‬فقد‭ ‬تم‭ ‬تدشين‭ ‬الحداثة‭ ‬بشكل‭ ‬واسع‭ ‬منذ‭ ‬استعمار‭ ‬أميركا‭. ‬وهنالك‭ ‬بعض‭ ‬الأطروحات‭ ‬تمضي‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬تأكيد‭ ‬أن‭ ‬الحداثة‭ ‬والكولونيالية‭ ‬تشيران‭ ‬إلى‭ ‬نفس‭ ‬الشيء‭ ‬‭[‬12‭]‬‭.‬

في‭ ‬الواقع،‭ ‬إن‭ ‬بينة‭ ‬العقلانية‭ ‬الغربية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬أدمجت‭ ‬الكولونيالية‭ ‬كعلاقة‭ ‬ممكنة‭ ‬بالآخر‭. ‬وقد‭ ‬تمت‭ ‬الممارسة‭ ‬الحية‭ ‬لهاته‭ ‬العلاقة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬إثر‭ ‬احتلاله‭ ‬أخيرا‭. ‬وهنالك‭ ‬صورة‭ ‬أخرى‭ ‬للكولونيالية‭ ‬تتم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بناء‭ ‬المستوطنات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬المحتلة‭. ‬والنتائج‭ ‬الأولية،‭ ‬كانت‭ ‬المجازر‭ ‬المستمرة‭ ‬والتأسيس‭ ‬لبنى‭ ‬عنصرية،‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬للسلطة‭ ‬الغربية‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬غير‭ ‬الغربي‭.‬

‮ ‬‭ ‬تختزل‭ ‬العولمة‭ ‬الرأسمالية‭ ‬المتعددة‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬حدّ‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الثقافة‭ ‬ضمن‭ ‬هيمنة‭ ‬دامية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هاتين‭ ‬الحركتين،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬إقصاء‭ ‬الآخر‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬داخل‭ ‬العالم‭ ‬الغربي‭ ‬‭(‬العنصرية‭)‬‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬وجوده‭ ‬وفي‭ ‬مصيره‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬وطنه‭ ‬‭(‬الكولونيالية‭)‬‭.‬

ولسنا‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬أفضل‭ ‬فيما‭ ‬يخصّ‭ ‬استبعاد‭ ‬الآخر‭. ‬فقد‭ ‬أفرزت‭ ‬العلاقات‭ ‬الدامية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذين‭ ‬الشكلين‭ ‬للاستبعاد‭ ‬ردّة‭ ‬فعل‭ ‬قوية‭ ‬عندنا‭ ‬اتخذت‭ ‬هي‭ ‬بدورها‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الثقافي‭ ‬العام‭ ‬حركتين‭ ‬اقصائيتين‭: ‬التقوقع‭ ‬والتطرف‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬والإرهاب‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭.‬

التقوقع‭ ‬والتطرف

‮ ‬في‭ ‬كتابنا‭ ‬حول‭ ‬‮«‬استراتيجية‭ ‬الهوية”‭ ‬بينت‭ ‬لماذا‭ ‬هنالك‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحاضر‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬مكان،‭ ‬مطالبة‭ ‬بالهوية‭ ‬الخاصة‭ ‬على‭ ‬الصعيدين‭ ‬الشخصي‭ ‬والثقافي‭ ‬وذلك‭ ‬بالتأكيد‭ ‬على‭ ‬الذات‭ ‬للشخص‭ ‬أو‭ ‬للثقافة‭ ‬وعلى‭ ‬إحساساتها‭ ‬وأنماط‭ ‬حياتها‭ ‬ومعتقداتها‭. ‬فإن‭ ‬إحدى‭ ‬وظائف‭ ‬التثاقف‭ ‬يكمن‭ ‬تحديدا‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬ضد‭ ‬التماهي‭ ‬السياسي‭ ‬وضد‭ ‬تنميط‭ ‬أنماط‭ ‬الحياة،‭ ‬والتقوقع‭ ‬هو‭ ‬الهروب‭ ‬من‭ ‬معطيات‭ ‬الواقع‭ ‬والتمترس‭ ‬بآليات‭ ‬الماضي‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬التصلب‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬والتطرف‭ ‬في‭ ‬المواقف‭. ‬وما‭ ‬التطرف‭ ‬الديني‭ ‬إلا‭ ‬مظهر‭ ‬من‭ ‬مظاهر‭ ‬التقوقع‭ ‬للهوية‭ ‬ومن‭ ‬غلوّ‭ ‬في‭ ‬النرجسية‭ ‬الثقافية‭. ‬ونتيجته‭ ‬المباشرة‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬إلا‭ ‬إقصائية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بناء‭ ‬معقولية‭ ‬استبعادية‭ ‬للآخر‭ ‬تعتمد‭ ‬الشبهة‭ ‬والتهمة‭ ‬والتحريم‭ ‬وقد‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الإرهاب‭.‬

الإرهاب

لا‭ ‬يخفى‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬أن‮ ‬‭ ‬كلمة‭ ‬إرهاب‭ ‬غامضة‭ ‬المقاصد‭ ‬غير‭ ‬دقيقة‭ ‬المعنى‭. ‬فقد‭ ‬استعملت‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬منذ‭ ‬قرنين‭ ‬تقريبا‭ ‬وتفيد‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين‭ ‬كل‭ ‬استعمال‭ ‬للعنف‭ ‬لتغيير‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬معين‭. ‬والإرهاب‭ ‬في‭ ‬كنهه‭ ‬هو‭ ‬أٌقصى‭ ‬تمظهرات‭ ‬العنف‭ ‬وأشده‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يعترف‭ ‬للحياة‭ ‬حقا‭ ‬عند‭ ‬الآخر،‭ ‬فاستهدف‭ ‬بذلك‭ ‬الناس‭ ‬جميعا السياسي‭ ‬والعسكري‭ ‬والمدني‭ ‬والنساء‭ ‬والأطفال‭ ‬وغيرهم‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭ ‬دون‭ ‬تروّ‭ ‬أو‭ ‬إعمال‭ ‬للعقل‭. ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬نلاحظ‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬الحملة‭ ‬التي‭ ‬تقوى‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬ضد‭ ‬الإسلام‭ ‬وتعتبر‭ ‬أن‭ ‬الإرهاب‭ ‬أصبح‭ ‬وكأنه‭ ‬الميزة‭ ‬الخاصة‭ ‬بالمسلمين‭ ‬هي‭ ‬حملة‭ ‬تدخل‭ ‬ضمن‭ ‬ثقافة‭ ‬الإقصاء‭ ‬التي‭ ‬نجدها‭ ‬في‭ ‬المعقولية‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬نسيت‭ ‬أن‭ ‬الإرهاب‭ ‬في‭ ‬الفهم‭ ‬الخاص‭ ‬بها‭ ‬قد‭ ‬نشأ‭ ‬وترعرع‭ ‬في‭ ‬أحضانها‭.‬

فلنتمعن‭ ‬قليلا‭ ‬هذه‭ ‬القولة‭ ‬لمفكر‭ ‬ألماني‭ ‬‮ ‬هو‭ ‬كال‭ ‬هاينز‭ ‬‭(‬1848‭)‬‭ ‬والذي‭ ‬ألّف‭ ‬كتابا‭ ‬عن‭ ‬‮«‬القتل”‭ ‬هو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬نصائح‭ ‬متعددة‭ ‬في‭ ‬استعمال‭ ‬تقنيات‭ ‬التقتيل‭ ‬والمذابح‭ ‬والإبادة‭ ‬ضد‭ ‬من‭ ‬يسميهم‭ ‬بالبرابرة‭ ‬أي‭ ‬ضد‭ ‬الشعوب‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تدخل‭ ‬الحضارة‭ ‬الغربية‭ ‬فنجده‭ ‬يقول‭ ‬‮«‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أجبرت‮ ‬‭ ‬على‭ ‬تدمير‭ ‬نصف‭ ‬قارة‭ ‬وعلى‭ ‬نشر‭ ‬حمّام‭ ‬دماء‭ ‬لضرب‭ ‬البرابرة،‭ ‬فلا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يوبخك‭ ‬ضميرك‭. ‬إن‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يضحي‭ ‬بحياته‭ ‬فرحا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إبادة‭ ‬مليون‭ ‬من‭ ‬المتوحشين‭ ‬لا‭ ‬يعتبر‭ ‬مواطنا‭ ‬جمهوريا”‭ ‬‭(‬نجد‭ ‬هذه‭ ‬القولة‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬‭(‬Jean‭ ‬Claude‭ ‬Brusson‭, ‬le‭ ‬siècle‭ ‬rebelle‭, ‬Dictionnaire‭ ‬de‭ ‬la‭ ‬contestation‭ ‬au‭ ‬Xxe‭ ‬siècle‭, ‬Larousse‭, ‬Pris‭ ‬1999‭.‬‭)‬‭.‬

ومهما‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬قول‭ ‬فإن‭ ‬الإرهاب‭ ‬هو‭ ‬العدوّ‭ ‬الأول‭ ‬للإنسانية‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬مأتاه‭ ‬ومهما‭ ‬كانت‭ ‬أهدافه‭. ‬والتثاقف‭ ‬وحده‭ ‬يستطيع‭ ‬تجاوز‭ ‬معطيات‭ ‬العنف‭ ‬وأسبابه‭ ‬لأنه‭ ‬يعتمد‭ ‬الحوار‭ ‬ضد‭ ‬الصدام‭.‬

لا‭ ‬يخفى‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬أن‮ ‬‭ ‬كلمة‭ ‬إرهاب‭ ‬غامضة‭ ‬المقاصد‭ ‬غير‭ ‬دقيقة‭ ‬المعنى‭. ‬فقد‭ ‬استعملت‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬منذ‭ ‬قرنين‭ ‬تقريبا‭ ‬وتفيد‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين‭ ‬كل‭ ‬استعمال‭ ‬للعنف‭ ‬لتغيير‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬معين

على‭ ‬أننا‭ ‬لو‭ ‬تعمقنا‭ ‬نظريا‭ ‬في‭ ‬أطروحة‭ ‬صدام‭ ‬الحضارات،‭ ‬لوجدنا‭ ‬أنها‭ ‬قد‭ ‬أخطأت‭ ‬في‭ ‬تناول‭ ‬ظاهرة‭ ‬التثاقف‭. ‬فخطأها‭ ‬الأساسي‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬كونها‭ ‬لم‭ ‬تنتبه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الحضارات‭ ‬تتكون‭ ‬وتتغير‭ ‬وتتبدل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬جدلية‭ ‬الأخذ‭ ‬والعطاء‭ ‬وجدلية‭ ‬التداخل‭ ‬والتصارع،‭ ‬فمن‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يسمّى‭ ‬اليوم‭ ‬بالحضارة‭ ‬الغربية‭ ‬هو‭ ‬نتيجة‭ ‬مباشرة‭ ‬لتطور‭ ‬العلوم‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬وأن‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬جاء‭ ‬بالاعتماد‭ ‬على‭ ‬إنجازات‭ ‬الإغريق‭ ‬والعرب‭ ‬والمسلمين‭ ‬أحيانا‭ ‬وبالاصطدام‭ ‬مع‭ ‬نظرياتهم‭ ‬أحيانا‭ ‬أخرى‭ ‬بحيث‭ ‬أن‭ ‬محوريتهم‭ ‬تكوينية‮ ‬‭ ‬للحداثة‭. ‬فهي‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬حال‭ ‬متشابكة‭ ‬ومعقدة‭ ‬وتنتج‭ ‬حتما‭ ‬تثاقفا‭ ‬في‭ ‬المجتمعات،‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬التثاقف‭ ‬بواسطة‭ ‬العنف‭ ‬‭(‬كالحرب‭ ‬الاستعمارية‭ ‬مثلا‭ ‬أو‭ ‬كاحتلال‭ ‬نابليون‭ ‬لمصر‭)‬‭ ‬أحيانا‭ ‬وبواسطة‭ ‬انتقال‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والعلوم‭ ‬أحيانا‭ ‬أخرى‭.‬

هنالك‭ ‬إذن‭ ‬‮«‬التقاء”‭ ‬‭[‬13‭]‬‮ ‬للثقافات،‭ ‬لقاء‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحدد‭ ‬ضمن‭ ‬نظام‭ ‬الضيافة‭ ‬والانفتاح ولكن‭ ‬أيضا،‭ ‬ضمن‭ ‬نظام‭ ‬العداوة‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬‮«‬الاستهلاك”‭ ‬وفي‭ ‬التدمير‭. ‬فمن‭ ‬البديهي‭ ‬أن‭ ‬عدم‭ ‬المعرفة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬سببا‭ ‬في‭ ‬الشرّ‭ ‬وفي‭ ‬الصراعات‭. ‬إن‭ ‬معرفة‭ ‬الثقافات‭ ‬الأخرى‭ ‬يمكن‭ ‬أن‮ ‬يحوّل‭ ‬ضمن‭ ‬مجال‭ ‬واسع،‭ ‬كل‭ ‬لقاء‭ ‬عنيف‭ ‬أصليا‭ ‬إلى‭ ‬ضيافة‭ ‬مفكّر‭ ‬فيها‭ ‬‭(‬refléchie‭)‬‭. ‬إن‭ ‬التفاهم‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعبّر‭ ‬عنه‭ ‬بأنماط‭ ‬مفهومية‭ ‬متعددة،‭ ‬مثل‭ ‬الفعل‭ ‬التواصلي،‭ ‬والتعقلية‭ ‬أو‭ ‬التآزر‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬الحدّ‭ ‬من‮ ‬‭ ‬أسباب‭ ‬العنف‭ ‬ضمن‭ ‬روابط‭ ‬إنسانية‭ ‬وتثاقفية‭.‬

فالتقاء‭ ‬الثقافات‭ ‬ضمن‭ ‬نظام‭ ‬المعقولية‭ ‬‭[‬14‭]‬،‭ ‬يتمّ‭ ‬بفعل‭ ‬الأنس‭ ‬والمحبّة‭ ‬‭[‬15‭]‬‭. ‬لذلك‭ ‬يأخذ‭ ‬التحالف‭ ‬الثقافي‭ ‬شكل‭ ‬التآنس‭ ‬الذي‭ ‬يضيف‭ ‬للاجتماع‭ ‬العقلي‭ ‬والتعقلي‭ ‬للإنسان،‭ ‬لذة‭ ‬الالتقاء،‭ ‬والقسمة‭ ‬السخية‭ ‬للخيرات‭ ‬وللأفكار،‭ ‬والصداقة‭ ‬والمحبة،‭ ‬والضيافة‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬الآخر‭.‬‮ ‬هذا‭ ‬الطابع‭ ‬المستساغ‭ ‬للعيش‭-‬سويا‭ ‬وهذه‭ ‬المحبة‭ ‬يجدان‭ ‬ترجمتهما‭ ‬الصحيحة‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬التوحيدي‭[‬16‭]‬‮ ‬مثلا‭ ‬عندما‭ ‬يسميهما‭ ‬مؤانسة‭.‬

‮ ‬تطرح‭ ‬الرؤية‭ ‬الجديدة‭ ‬للتحالف‭ ‬الثقافي‭ ‬التآنس‭ ‬قاعدة‭ ‬لكل‭ ‬فعل‭ ‬إنساني،‭ ‬إنه‭ ‬فضاء‭ ‬جديد‭ ‬يفتحه‭ ‬التفكير‭ ‬الأكثر‭ ‬معاصرة‭ ‬حتى‭ ‬يعيد‭ ‬للكونية‭ ‬طابعها‭ ‬الإنساني‭ ‬ويتخلص‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬من‭ ‬الممارسة‭ ‬المغرضة‭ ‬والعنيفة‭.‬

إشارات‭:‬

‭[‬1‭]‬‮ ‬إذ‭ ‬يعتبر‭ ‬هيغل‭ ‬أن‭ ‬أيّ‭ ‬شعب‭ ‬يملك‭ ‬خصوصية،‭ ‬تنظيما‭ ‬خاصا،‭ ‬طريقة‭ ‬في‭ ‬الوجود‭ ‬وفردانية‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تعارضه‭ ‬مع‭ ‬شعوب‭ ‬أخرى‭ ‬حتى‭ ‬يؤكد‭ ‬ذاته‭ ‬ويتمّ‭ ‬الاعتراف‭ ‬به،‭ ‬وحتى‭ ‬يتعرّف‭ ‬عليه‭ ‬الآخرون‭. ‬ولكي‭ ‬يثبت‭ ‬خصوصيته،‭ ‬يتحتم‭ ‬على‭ ‬الشعب‭ ‬أن‭ ‬يخوض‭ ‬صراعا‭ ‬حتى‭ ‬الموت‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭. ‬تتأكد‭ ‬الحرب‭ ‬إذن‭ ‬كإمكانية‭ ‬للتواصل‭ ‬بين‭ ‬الشعوب‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬أيّ‭ ‬شعب‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬حريته‭ ‬هي‭ ‬حرية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الموت،‭ ‬وأنه‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬عليه‭ ‬التفريط‭ ‬فيها‭ ‬إلا‭ ‬داخل‭ ‬الحرب‭. ‬فهو‭ ‬يكتب‭ ‬مثلا‭ ‬‮«‬لكي‭ ‬لا‭ ‬يظل‭ ‬الناس‭ ‬حبيسي‭ ‬هذه‭ ‬العزلة،‭ ‬وحتى‭ ‬لا‭ ‬تدعهم‭ ‬يستخلصون‭ ‬الكلّ‭ ‬ويتلاشى‭ ‬الفكر‭ ‬بينهم،‭ ‬تعمد‭ ‬الحكومة‭ ‬من‭ ‬حين‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬إلى‭ ‬زعزعة‭ ‬حميميّتهم‭ ‬بواسطة‭ ‬الحرب‭ ‬إذ‭ ‬يجب‭ ‬على‭ ‬الحكومة‭ ‬إفساد‭ ‬نظامهم‭ ‬الذي‭ ‬صار‭ ‬اعتياديا،‭ ‬وأن‭ ‬تنتهك‭ ‬حقهم‭ ‬في‭ ‬الاستقلال،‭ ‬نفس‭ ‬الأمر‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الأفراد‭ ‬الذين‭ ‬باستغراقهم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النظام،‭ ‬ينفكّون‭ ‬في‭ ‬الكل،‭ ‬ويتطلعون‭ ‬إلى‭ ‬الكائن‭ ‬لأجل‭ ‬ذاته‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬انتهاكه،‭ ‬وإلى‭ ‬أمن‭ ‬الشخص،‭ ‬تسعى‭ ‬الحكومة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬المفروض،‭ ‬إلى‭ ‬زرع‭ ‬الإحساس‭ ‬بالموت‭ ‬في‭ ‬الأسياد‭ ‬فبفضل‭ ‬هذا‭ ‬التلاشي‭ ‬للشكل،‭ ‬للجوهر‭ ‬يمنع‭ ‬الفكر‭ ‬الانتهاء‭ ‬إلى‭ ‬الكائن‭ ‬هنا‭ ‬الطبيعي‭ ‬في‭ ‬منأى‭ ‬عن‭ ‬الكائن‭ ‬الأخلاقي،‭ ‬إذ‭ ‬هو‭ ‬يحفظ‭ ‬ذات‭ ‬الوعي‭ ‬ويرتقي‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬الحرية‭ ‬وإلى‭ ‬القوة”‭ ‬‭(‬Hegel‭, ‬Phénoménologie‭, ‬Trad‭. ‬D’Hyppolite‭, ‬Tome‭ ‬II‭, ‬P‭. ‬23‭)‬

‏‭[‬2‭]‬‮ ‬assimilationnisme

‏‭[‬3‭]‬‮ ‬différentialisme

‏‭[‬4‭]‬‮ ‬monoculturelles

‏‭[‬5‭]‬‮ ‬Fred‭ ‬Constant‭,‬‮ ‬Le‭ ‬multucuturalisme‭, ‬Flammarion‭, ‬Paris‭ ‬2000‭.‬

‏‭[‬6‭]‬‮ ‬l’étranger

‭[‬7‭]‬‮ ‬يقدر‭ ‬اليوم‭ ‬عدد‭ ‬السكان‭ ‬المهاجرين‭ ‬بـ130‭ ‬مليونا‭ ‬أنظر‭:‬Samir‭ ‬Naïr‭ ‬et‭ ‬Javier‭ ‬de‭ ‬Lucas‭, ‬Le‭ ‬Déplacement‭ ‬du‭ ‬monde‭, ‬Paris‭ ‬1996‭.‬

‭[‬8‭]‬‮ ‬تعدّ‭ ‬تحليلات‭ ‬حنّا‭ ‬أردنت‭ ‬حول‭ ‬ظاهرة‭ ‬اللاجئين‭ ‬هامة‭ ‬لأنها‭ ‬تبين‭ ‬الجانب‭ ‬الإيجابي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬‮«‬إذ‭ ‬أن‭ ‬اللاجئين‭ ‬المطاردين‭ ‬من‭ ‬شعب‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬يمثلون‭ ‬صمّام‭ ‬الأمان‭ ‬لشعوبهم”‭ ‬أنظر‭ ‬مقال‭: ‬Giorgio‭ ‬Agamben‭, ‬‮« ‬Au-delà‭ ‬des‭ ‬droits‭ ‬de‭ ‬l’homme‮ »‬‭ ‬in‭ ‬sujet‭ ‬et‭ ‬citoyenneté‭, ‬Intersignes‭, ‬N°9‭/‬9‭, ‬Paris‭ ‬1994‭, ‬P‭. ‬127‭.‬

‏‭[‬9‭]‬‮ ‬Les‭ ‬différentialistes

‏‭[‬10‭]‬‮ ‬Etienne‭ ‬Balibar‭,‬‮ ‬La‭ ‬crainte‭ ‬des‭ ‬masses‭, ‬Galilée‭, ‬Paris‭ ‬1997‭, ‬P‭. ‬325‭.‬

‭[‬11‭]‬‮ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬كتبه‭ ‬إتيان‭ ‬باليبار‭ ‬في‮ ‬Les‭ ‬craintes‭ ‬des‭ ‬masses‮ ‬‮«‬إن‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬جديد‭ ‬حقا،‭ ‬هو‭ ‬تكثيف‭ ‬التظاهرات‭ ‬العنيفة‭ ‬والجماعية‭ ‬للعنصرية،‭ ‬إنه‭ ‬المرور‭ ‬إلى‭ ‬الفعل‭ ‬المصرّح‭ ‬به‭ ‬جماعيا‭ ‬وجماهيريا‭ ‬بمنع‭ ‬الاغتيال،‭ ‬وتقدّم‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو،‭ ‬حتى‭ ‬ضمن‭ ‬أشكال‭ ‬تبدو‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليكم‭ ‬فجة‭ ‬وبدائية،‭ ‬الوعي‭ ‬الصارخ‭ ‬بحق‭ ‬تاريخي‭. ‬إن‭ ‬التصريح‭ ‬بهذه‭ ‬العتبة‭ ‬أو‭ ‬بسلسلة‭ ‬من‭ ‬العتبات‭ ‬المتعاقبة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه،‭ ‬قد‭ ‬حصلت‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬أوروبي‭ ‬تلو‭ ‬الآخر،‭ ‬حيث‭ ‬تتم‭ ‬الإشارة‭ ‬دائما‭ ‬إلى‭ ‬نوع‭ ‬السكان‭ ‬الأجانب‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬وحتى‭ ‬السكان‭ ‬الأصليين‭ ‬الذين‭ ‬يتقاسمون‭ ‬معهم‭ ‬نفس‭ ‬الخصائص‭ ‬الاجتماعية‭ ‬خاصة‭ ‬منزلة‭ ‬الأشخاص‭ ‬المتنقلين‭ ‬والدين‭ ‬لا‭ ‬وطن‭ ‬لهم‭ ‬‭(‬كل‭ ‬شيء‭ ‬يحدث‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬المناوبة‭ ‬‭(‬Le‭ ‬relais‭)‬‭ ‬قد‭ ‬تحولت‭ ‬من‭ ‬بلد‭ ‬أوروبي‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬منذ‭ ‬عشرات‭ ‬السنين‭. ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬لأيّ‭ ‬بلد‭ ‬أوروبي‭ ‬أن‭ ‬يطمح‭ ‬إلى‭ ‬التعافي‭: ‬من‭ ‬الغرب‭ ‬إلى‭ ‬الشرق،‭ ‬من‭ ‬إنكلترا‭ ‬وفرنسا‭ ‬إلى‭ ‬إيطاليا،‭ ‬ومن‭ ‬ألمانيا‭ ‬إلى‭ ‬المجر‭ ‬وإلى‭ ‬بولونيا‭ ‬‭(‬ولن‭ ‬أتجاسر‭ ‬للحديث‭ ‬هنا‭ ‬عن‭ ‬حالة‭ ‬يوغسلافيا‭)‬‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬يصاحب‭ ‬هذا‭ ‬التكثيف‭ ‬روابط‭ ‬تتفاوت‭ ‬ضيقا‭ ‬وتأكيدا،‭ ‬من‭ ‬تقدم‭ ‬مجموعات‭ ‬قومية‭ ‬متطرفة‭ ‬منظمة‭ ‬ومن‭ ‬نشوء‭ ‬معاداة‭ ‬للسامية‭-‬معاداة‭ ‬رمزية‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭: ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬ينقص‭ ‬من‭ ‬خطورتها،‭ ‬بما‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬يبرهن‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬تحديدا‭ ‬هو‭ ‬النموذج‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تعتمد‭ ‬عليه‭ ‬التصورات‭ ‬التي‭ ‬تبرّر‭ ‬معاداة‭ ‬الأجانب،‭ ‬والتي‭ ‬يلاحقها‭ ‬حلم‭ ‬‮«‬حل‭ ‬نهائي‭ ‬لمسألة‭ ‬الهجرة”‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬يكشف‭ ‬سبر‭ ‬الآراء‭ ‬لكل‭ ‬الذين‭ ‬يحركهم‭ ‬الوهم‭ ‬المعكوس‭ ‬‭(‬المقلوب‭)‬،‭ ‬أن‭ ‬المحاور‭ ‬التي‭ ‬تشرّع‭ ‬للعنصرية‭ ‬كضرب‭ ‬من‭ ‬ردّ‭ ‬الفعل‭ ‬الدفاعي‭ ‬عن‭ ‬الهوية‭ ‬القومية‭ ‬وعن‭ ‬الأمن‭ ‬الاجتماعي‭ ‬‮«‬مهدّدان”،‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬فئات‭ ‬عديدة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬طبقات‭ ‬المجتمع،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الأشكال‭ ‬القصوى‭ ‬ليست‭ ‬‭(‬أوهي‭ ‬لازالت‭ ‬بعد‭)‬‭ ‬مقبولة‭ ‬عموما،‭ ‬وبالخصوص‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬عددا‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬المهاجرين‭ ‬والأجانب‭ ‬سوف‭ ‬يهدد‭ ‬مستوى‭ ‬العيش،‭ ‬الشغل،‭ ‬السلم‭ ‬العام‭ ‬وفكرة‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الاختلافات‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬هشة‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬تشكل‭ ‬عوائق‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬تجاوزها‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالساكن‭ ‬‭(‬cohabitation‭)‬،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬تهدد‭ ‬‮«‬بمحو‭ ‬طبيعة‭ ‬هوياتنا‭ ‬التقليدية”‭.‬

‭[‬12‭]‬‮ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬كتبه،‭ ‬مثلا،‭ ‬والتر‭ ‬د‭. ‬مينولو‭ ‬‭(‬Walter‭ ‬D‭. ‬Mignolo‭)‬‮ ‬‭ ‬في‭ ‬كتابه‮ ‬Local‭ ‬Hisories/Global‭ ‬Designs‭, ‬Colorniality‭,‬subiltern‭ ‬knowledges‭, ‬and‭ ‬border‭ ‬thinking‭, ‬princeton‭ ‬University‭ ‬Press‭, ‬Princeton‭ ‬New‭ ‬Jersy‭ ‬‮«‬هذا‭ ‬المنطق‭ ‬التاريخي‭ ‬كان‭ ‬واضحا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليّ‭ ‬‭(‬كما‭ ‬يدّعي‭ ‬كذلك‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬أولئك‭ ‬المشتغلين‭ ‬ضمن‭ ‬نظرية‭ ‬نظام‭ ‬العالم‭ ‬أو‭ ‬ضمن‭ ‬تاريخ‭ ‬أسبانيا‭ ‬وأميركا‭ ‬اللاتينية‭)‬‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‮ ‬‭ ‬أنني‭ ‬لم‭ ‬أعرف‭ ‬اهتماما‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أغلب‭ ‬الحضور‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬شمال‭ ‬أفريقيا‭ ‬وأن‭ ‬تاريخ‭ ‬المغرب‭ ‬العربي‭ ‬له‭ ‬دلالته‭ ‬وهو‭ ‬على‭ ‬درجة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الاختلاف‭ ‬مع‭ ‬تاريخ‭ ‬أسبانيا‭ ‬وأميركيا‭ ‬‭(‬اللاتينية‭)‬‭. ‬وعندما‭ ‬انتهيت‭ ‬من‭ ‬الكلام‭ ‬سألتني‭ ‬رشيدة‭ ‬التريكي،‭ ‬أستاذة‭ ‬تاريخ‭ ‬الفن‭ ‬بجامعة‭ ‬تونس،‭ ‬تحديدا‭ ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬المزاوجة‭ ‬بين‭ ‬الحداثة‭ ‬والكولونيالية،‭ ‬لم‭ ‬أفهم‭ ‬السؤال‭ ‬جيدا‭ ‬–وبأكثر‭ ‬وضوح‭-‬‭ ‬لم‭ ‬أجب‭ ‬عليه‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنني‭ ‬قضيت‭ ‬عدة‭ ‬دقائق‭ ‬أحوم‭ ‬حوله،‭ ‬فإنني‭ ‬لم‭ ‬أفهمه‭ ‬تماما‭ ‬وعندما‭ ‬انتهى‭ ‬الاجتماع،‭ ‬اقتربت‭ ‬من‭ ‬رشيدة‭ ‬وطلبت‭ ‬منها‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬صياغة‭ ‬السؤال‭ ‬وفي‭ ‬الأخير‭ ‬فهمت‭: ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬سوء‭ ‬الفهم‭ ‬كامنا‭ ‬في‭ ‬الافتراضات‭ ‬المسبقة‭ ‬الخاصة‭ ‬بكل‭ ‬منا‭. ‬كانت‭ ‬رشيدة‭ ‬تفكر‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الكولونيالية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬فريسية‭ ‬‭(‬وما‭ ‬بعد‭ ‬التنوير‭ ‬الأوروبي‭ ‬الحديث‭)‬‭ ‬بينما‭ ‬كنت‭ ‬أرى‭ ‬åنفسò‭ ‬السيناريو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬أسبانيا‭ ‬وأميركيا‭ ‬‭(‬اللاتينية‭)‬‭ ‬بعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬‮ ‬التاريخ‭ ‬الوطني‭ ‬المهمّش‭ ‬منذ‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬التنوير‭ ‬الأوروبي‭ ‬‭(‬أسبانيا‭)‬‭ ‬والفترة‭ ‬الكولونيالية‭ ‬‭(‬الهنود‭ ‬الغربيين،‭ ‬المتأخرين‭ ‬في‭ ‬أميركا‭ ‬‭(‬اللاتينية‭)‬‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬حذفها‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬بنية‭ ‬تفكير‭ ‬الكولونيالية‭ ‬والعالم‭ ‬الحديث‭ ‬‭(‬ما‭ ‬بعد‭ ‬التنوير‭)‬‭ ‬وحسب‭ ‬وجهة‭ ‬نظري،‭ ‬فأنه‭ ‬من‮ ‬‭ ‬‮«‬الطبيعي”‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الحداثة‭ ‬والكولونيالية‭ ‬وجهان‭ ‬لعملة‭ ‬واحدة‭. ‬أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬رشيدة،‭ ‬فإن‭ ‬الكولونيالية‭ ‬لا‭ ‬تأتي‭ ‬فقط‭ ‬‮«‬بعد”‭ ‬الحداثة،‭ ‬وأنه‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬الهيّن‭ ‬فهم‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬الأميركيتان،‭ ‬أن‭ ‬الكولونيالية‭ ‬هي‭ ‬مكوّن‭ ‬للحداثة‭. ‬إن‭ ‬الاختلافات‭ ‬الكولونيالية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تفعل‭ ‬هنا،‭ ‬كاشفة‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬الكولونيالية‭ ‬الفرنسية‭ ‬في‭ ‬كندا‭ ‬وكاريبي‭ ‬قبل‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية‭ ‬وفترة‭ ‬نابليون،‭ ‬ومنذ‭ ‬الكولونيالية‭ ‬الفريسية‭ ‬لاحقا،‭ ‬وبعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬فإن‭ ‬الفرق‭ ‬الكولونيالي‭ ‬يشتغل‭ ‬ضمن‭ ‬اتجاهين‭: ‬إعادة‭ ‬تنسيق‭ ‬الحدود‭ ‬الداخلية‭ ‬الرابطة‭ ‬بين‭ ‬الصراعات‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬وإعادة‭ ‬تنسيق‭ ‬الحدود‭ ‬الخارجية‭ ‬بإضفاء‭ ‬معاني‭ ‬جديدة‭ ‬عن‭ ‬الاختلاف‭ ‬الكولونيالي”‭.‬

‭[‬13‭]‬‮ ‬يلاحظ‭ ‬دريدا‭ ‬فيViolence‭ ‬et‭ ‬métaphysique‭ ,‬‮ ‬in‭ ‬l’écriture‭ ‬et‭ ‬la‭ ‬différence‭, ‬Seuil‭ ‬1967‭, ‬P‭.‬‮ ‬أنه‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلـ‭(‬Levinas‭)‬‭ ‬تحتمل‭ ‬العلاقة‭ ‬الأصلية‭ ‬مع‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬‮«‬الالتقاء”‭: ‬‮«‬يشير‭ ‬لوفياناس‭ ‬حينئذ‭ ‬للمجابهة‭ ‬وللقاء‭ ‬الوجه”‭.‬

‭[‬14‭]‬‮ ‬يستدعي‭ ‬التثاقف‭ ‬العقل‭ ‬كانفتاح‭ ‬والسياسة‭ ‬كممر‭ ‬مباشرة‭ ‬وغير‭ ‬متوسط‭ ‬للإنساني‭ ‬وذي‭ ‬الوصل‭ ‬للعقل‭ ‬وللإحساس،‭ ‬سمّيته‭ ‬في‭ ‬أعمالي‭ ‬على‭ ‬إثر‭ ‬الفارابي‭ ‬‮«‬معقولية”‭.‬

‭[‬15‭]‬‮ ‬لقد‭ ‬بيّنا‭ ‬في‭ ‬كتابنا‮ ‬Philosopher‭ ‬le‭ ‬vivre‭ ‬ensemble‮ ‬أن‭ ‬المحبّة‭ ‬تعني،اشتقاقا‭ ‬الاستعداد‭ ‬للمحبة،‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحدد‭ ‬وفق‭ ‬الفيلسوف‭ ‬العربي‭ ‬مسكويه‭ ‬في‭ ‬‮«‬حب‭-‬انفعال‭ ‬‭(‬عشق‭)‬،‭ ‬حب‭-‬صداقة،‭ ‬حب‭ ‬جنوني‭ ‬‭(‬وله‭)‬،‭ ‬وفي‭ ‬محبة‭ ‬تدريجية‭ ‬‭(‬مودّة‭)‬”‭. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬المحبة‭ ‬تتم‭ ‬ضرورة‭ ‬عبر‭ ‬الأنس،‭ ‬لأن‭ ‬هنالك‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬مسكويه‭ ‬‭(‬فيلسوف‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الرابع‭ ‬للهجرة‭)‬،‭ ‬ضرورة‭ ‬ملحة‭ ‬لتحقيق‭ ‬وضع‭.‬

‭[‬16‭]‬‮ ‬فيلسوف‭ ‬وأديب‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الرابع‭ ‬للهجرة‭ ‬‭(‬القرن‭ ‬11‭ ‬للميلاد‭)‬‭.‬


كاتب‭ ‬من‭ ‬تونس‭ - ‬صاحب‭ ‬كرسي‭ ‬اليونسكو‭ ‬للفلسفة‭ ‬بالعالم‭ ‬العربي