ما‭ ‬بعد‭ ‬المابعد

الممارسة الدينية‭ ‬بين‭ ‬منشود‭ ‬القيم‭ ‬وإكراه‭ ‬المكبوت

الجديد  البشير ربوح [نُشر في 01/08/2016، العدد: 19، ص(38)]

لوحة: سارة شمة
نقف‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الزمن‭ ‬الخطير‭ ‬في‭ ‬ملمحه‭ ‬العام‭ ‬على‭ ‬عتبة‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬مجتمعات‭ ‬المابعد،‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة،‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الدين،‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلمانية،‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الفلسفة،‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الإنسان‭.. ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المفردات‭ ‬الاصطلاحات‭ ‬التي‭ ‬انخرطت‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬يلوك‭ ‬لفظة‭ ‬‮«‬ما‭ ‬بعد”‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يمتلك‭ ‬الجرأة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يسميها‭ ‬باسم‭ ‬واضح‭ ‬ودال،‭ ‬فبقيت‭ ‬اللفظة‭ ‬غائمة‭ ‬ومبهمة،‭ ‬ونسمه‭ ‬بأنّه‭ ‬خطير‭ ‬لكونه‭ ‬يرمي‭ ‬بنا‭ ‬جهة‭ ‬المجهول‭ ‬الذي‭ ‬يتجلى‭ ‬في‭ ‬عجز‭ ‬التفكر‭ ‬الفلسفي‭ ‬المعاصر‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬وصف‭ ‬دقيق‭ ‬أو‭ ‬مقاربة‭ ‬وصفية‭ ‬للأشياء‭ ‬في‭ ‬ذاتها‭ ‬وفق‭ ‬الرؤية‭ ‬الظاهراتية‭.‬

من ‭ ‬صلب‭ ‬هذا‭ ‬الزمن‭ ‬المتأرجح‭ ‬بين‭ ‬حقبة‭ ‬الحداثة‭ ‬بحسبانها‭ ‬مرحلة‭ ‬راهنة‭ ‬تحوز‭ ‬على‭ ‬مرجعياتها‭ ‬المعرفية‭ ‬الكبرى‭ ‬وتحمل‭ ‬هموما‭ ‬أنطولوجية‭ ‬بنكهة‭ ‬ميتافيزيقية‭ ‬شائكة‭ ‬ومرحلة‭ ‬منتظرة‭ ‬في‭ ‬أفق‭ ‬التاريخ‭ ‬البشري‭ ‬القادم،‭ ‬يتنزّل‭ ‬الحديث‭ ‬والجدل‭ ‬والسجال‭ ‬حول‭ ‬ظاهرة‭ ‬الدين‭ ‬أو‭ ‬بتعبير‭ ‬حصري‭ ‬التدين؛‭ ‬أي‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬الممارسة‭ ‬الدينية‭ ‬التي‭ ‬تتمظهر‭ ‬في‭ ‬أشكال‭ ‬متعددة‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬ديني‭ ‬أولا‭ ‬كالطقوس‭ ‬مثلا،‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬اجتماعي‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬سياسي‭ ‬كالانتماء‭ ‬إلى‭ ‬أحزاب‭ ‬سياسية‭ ‬بعينها‭ ‬بغية‭ ‬الانشغال‭ ‬بالسلطة‭ ‬كمصدر‭ ‬ملهم‭ ‬لكلّ‭ ‬الفضاء‭ ‬السياسي‭.‬

إنّ‭ ‬الحديث‭ ‬هنا‭ ‬متعلق‭ ‬رأسا‭ ‬بالممارسة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬تمتح‭ ‬مرجعيتها‭ ‬من‭ ‬النص‭ ‬الديني،‭ ‬ومن‭ ‬الثابت‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬النزعة‭ ‬النصية‭ ‬أن‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬أفق‭ ‬المعنى‭ ‬مثل‭: ‬الحرية،‭ ‬الكرامة،‭ ‬الفعل،‭ ‬التاريخ،‭ ‬العدالة‭.. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الممارسة‭ ‬بعد‭ ‬طول‭ ‬زمن،‭ ‬سقطت‭ ‬في‭ ‬حمأة‭ ‬الانحدار‭ ‬جهة‭ ‬اللامعنى‭ ‬مثل‭: ‬العنف،‭ ‬الإكراه،‭ ‬الضيق‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬الاختلاف،‭ ‬التعالي‭ ‬المرضي‭ ‬والأجوف،‭ ‬التوجس‭ ‬من‭ ‬الآخر،‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬مجملها‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نجمع‭ ‬شتاتها‭ ‬في‭ ‬لفظ‭ ‬واحد‭ ‬هو‭ ‬‮«‬المكبوت”،‭ ‬ونعني‭ ‬بذلك‭ ‬أن‭ ‬المكبوت‭ ‬يكون‭ ‬قد‭ ‬عاد‭ ‬من‭ ‬النافذة،‭ ‬نافذة‭ ‬اللامعنى،‭ ‬بعدما‭ ‬طرد‭ ‬من‭ ‬الباب‭ ‬الكبير‭ ‬للحرية،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬عصور‭ ‬من‭ ‬الثورات‭ ‬والمنعطفات‭ ‬والأحداث‭ ‬التي‭ ‬رحبت‭ ‬بهذا‭ ‬المفهوم‭ ‬‮«‬الحرية”‭.‬

وعلى‭ ‬أساس‭ ‬ذلك،‭ ‬وانطلاقا‭ ‬من‭ ‬فرضية‭ ‬ذاتية‭ ‬نابعة‭ ‬من‭ ‬انشغال‭ ‬بهذه‭ ‬المسألة،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬التدين‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬للساحة‭ ‬السياسية‭ ‬خاصة،‭ ‬بحسبانه‭ ‬منقذا‭ ‬للإنسان‭ ‬من‭ ‬أزمته‭ ‬المركبة،‭ ‬وإنّما‭ ‬عاد‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬صور‭ ‬عديدة‭ ‬أغلبها‭ ‬منفرة‭ ‬سياسيا‭ ‬واجتماعياً،‭ ‬لأن‭ ‬الدّين‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬‮«‬الاعتقاد‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬الله”،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬فتنغشتاين،‭ ‬وهو‭ ‬اعتقاد‭ ‬بأنّ‭ ‬‮«‬الحياة‭ ‬لها‭ ‬معنى”،‭ ‬وأنّ‭ ‬‮«‬الإنسان‭ ‬قد‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬متقدما‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬بالشرف”‭ ‬حسب‭ ‬المفكر‭ ‬التونسي‭ ‬أبو‭ ‬يعرب‭ ‬المرزوقي،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬القفزة‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬وبصورة‭ ‬غير‭ ‬متوقعة‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬والأفكار‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تخطر‭ ‬عل‭ ‬ذهن‭ ‬أي‭ ‬مثقف‭ ‬أو‭ ‬متابع‭ ‬للشأن‭ ‬التديني،‭ ‬حيث‭ ‬يقول‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬‮«‬إنّ‭ ‬الدين‭ ‬يعود‭ ‬أحياناً‭ ‬ومن‭ ‬الأماكن‭ ‬غير‭ ‬المتوقعة‭ ‬بتاتا”،‭ ‬وما‭ ‬يدلّ‭ ‬على‭ ‬أنّ‭ ‬التدين‭ ‬يصير‭ ‬مكبوتا‭ ‬بفعل‭ ‬عوامل‭ ‬متقاطعة‭ ‬هو‭ ‬انتشار‭ ‬الهمجيات‭ ‬في‭ ‬مفاصل‭ ‬المجتمع‭ ‬فكرا‭ ‬وسلوكا‭ ‬ورؤية،‭ ‬وغلبة‭ ‬المنظور‭ ‬الخلاصي‭ ‬الديني‭ ‬على‭ ‬الطروحات‭ ‬السياسية،‭ ‬وانحدار‭ ‬التفكير‭ ‬العقلاني‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬دنيا‭ ‬ومخيفة‭ ‬تشي‭ ‬ببروز‭ ‬منطق‭ ‬عنفي‭ ‬في‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬الأشياء‭ ‬والإنسان،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬وصفها‭ ‬جورج‭ ‬لوكاتش‭ ‬‮«‬انحدار‭ ‬العقل‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬السطحية”‭.‬

رأس‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬شبكة‭ ‬المفاهيم‭ ‬التي‭ ‬نوظّفها‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬هو‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬المكبوت”،‭ ‬ونحن‭ ‬نعلم‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬تشكّل‭ ‬في‭ ‬محصن‭ ‬سيكولوجي‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬مدرسة‭ ‬التحليل‭ ‬النفسي،‭ ‬بحيث‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬جملة‭ ‬المنبوذات‭ ‬التي‭ ‬طردت‭ ‬من‭ ‬ساحة‭ ‬الوعي‭ ‬وعادت‭ ‬القهقرى‭ ‬مكسورة‭ ‬الخاطر‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬اللاشعور،‭ ‬معتبرة‭ ‬أنّ‭ ‬الأنا‭ ‬الذي‭ ‬استسلم‭ ‬إلى‭ ‬أوامر‭ ‬الأنا‭ ‬الأعلى‭ ‬ونواهيه‭ ‬هو‭ ‬أنا‭ ‬تابع‭ ‬ليس‭ ‬بالمعنى‭ ‬السيكولوجي‭ ‬فقط‭ ‬وإنّما‭ ‬بالمعاني‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬وفيما‭ ‬بعد‭ ‬السياسية‭. ‬وبهذه‭ ‬الصورة‭ ‬يصبح‭ ‬الأنا‭ ‬هشاً‭ ‬أمام‭ ‬الاهتزازات‭ ‬التي‭ ‬تأتيه‭ ‬من‭ ‬أسفل‭ ‬والضربات‭ ‬المطرقية‭ ‬التي‭ ‬تنزل‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬علٍ،‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬العودة‭ ‬دوما‭ ‬إلى‭ ‬المتن‭ ‬الفرويدي،‭ ‬يقول‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬منبهاً‭ ‬‮«‬إن‭ ‬عودة‭ ‬التدين‭ ‬المكبوت‭ ‬هو‭ ‬إشارة‭ ‬فضفاضة‭ ‬إلى‭ ‬نظرية‭ ‬التحليل‭ ‬النفسي”،‭ ‬وهي‭ ‬كذلك‭ ‬لأن‭ ‬مفهوم‭ ‬المكبوت‭ ‬هاجر‭ ‬إلى‭ ‬ربوع‭ ‬معرفية‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬اللاشعور‭ ‬المعرفي‭ ‬عند‭ ‬ميشال‭ ‬فوكو‭ ‬واللاشعور‭ ‬السياسي‭ ‬عند‭ ‬روجيس‭ ‬دوبريه،‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬لاشعور‭ ‬طبقي‭ ‬عند‭ ‬كارل‭ ‬ماركس‭ ‬أو‭ ‬لاشعور‭ ‬مشبع‭ ‬بالحقد‭ ‬عند‭ ‬نيتشه‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الأفق‭ ‬التأسيسي‭ ‬تتقدم‭ ‬أطروحة‭ ‬المفكر‭ ‬العربي‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬كمنطلق‭ ‬معرفي‭ ‬لتمديد‭ ‬الرؤية‭ ‬النقدية‭ ‬لكل‭ ‬المساعي‭ ‬التدينية‭ ‬المغموسة‭ ‬في‭ ‬وعاء‭ ‬المكبوت‭ ‬متعدد‭ ‬الأوجه‭ ‬والمتلون‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الضروب،‭ ‬وليس‭ ‬بالأمر‭ ‬الخفيّ‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬وخاصة‭ ‬المتخصصون‭ ‬في‭ ‬فكر‭ ‬الرجل،‭ ‬أنه‭ ‬منخرط‭ ‬في‭ ‬المسعى‭ ‬الأنسني‭ ‬الذي‭ ‬يوجه‭ ‬الرؤية‭ ‬النقدية‭ ‬لكل‭ ‬الأوضاع‭ ‬والأفكار‭ ‬غير‭ ‬الفاكرة،‭ ‬بلغة‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد،‭ ‬وهو‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬حد‭ ‬بعيد‭ ‬حركة‭ ‬مقاومة‭ ‬للأفكار‭ ‬المسبقة”،‭ ‬ويقصد‭ ‬به‭ ‬التعاطي‭ ‬مباشرة‭ ‬مع‭ ‬النصوص‭ ‬الفكرية‭ ‬بحسبانها‭ ‬نتاجاً‭ ‬تاريخيا‭ ‬يخضع‭ ‬لمنطق‭ ‬الظروف‭ ‬والشروط‭ ‬والملابسات،‭ ‬ولا‭ ‬يعترف‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬بأيّ‭ ‬نص‭ ‬يضع‭ ‬نفسه‭ ‬خارج‭ ‬التاريخ،‭ ‬فهذه‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬نزعة‭ ‬نصية‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬مرجعيتها‭ ‬نظرة‭ ‬تقديسية‭ ‬متعالية‭.‬

لوحة: وليد نظامي

إن‭ ‬ما‭ ‬صدق‭ ‬فيه‭ ‬هذا‭ ‬الحكم‭ ‬ينسحب‭ ‬على‭ ‬أغلب‭ ‬الرؤى‭ ‬التي‭ ‬تمجّد‭ ‬نصوصها‭ ‬التأسيسية‭ ‬مثل‭ ‬الماركسية،‭ ‬والبنيوية،‭ ‬أي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تحولت‭ ‬بتعبير‭ ‬دقيق‭ ‬إلى‭ ‬أيديولوجيا،‭ ‬وتفجير‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬يستلزم‭ ‬منا‭ ‬الرجوع‭ ‬إلى‭ ‬فكرة‭ ‬العالم،‭ ‬الذي‭ ‬تبلورت‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬فلسفي‭ ‬خالص‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬فلهلم‭ ‬دلتاي‭ ‬وتيودور‭ ‬أدورنو‭ ‬وإريش‭ ‬أورباخ،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬النص‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬نصا‭ ‬متينا‭ ‬وغليظا‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬التحليل‭ ‬ابن‭ ‬عصره‭ ‬بأفقه‭ ‬الفكري‭ ‬الذي‭ ‬يحتكم‭ ‬إلى‭ ‬براديغم‭ ‬معين،‭ ‬ومنه‭ ‬تكون‭ ‬النزعة‭ ‬النصية‭ ‬مرتعا‭ ‬خصباً‭ ‬لكل‭ ‬التصورات‭ ‬المخيفة‭ ‬التي‭ ‬تنزل‭ ‬علينا‭ ‬وتكرهنا‭ ‬على‭ ‬اتّباعها،‭ ‬فتبدأ‭ ‬في‭ ‬استعمال‭ ‬معجمية‭ ‬التخوين‭ ‬أو‭ ‬التكفير‭ ‬أو‭ ‬الخروج‭ ‬عن‭ ‬الجماعة،‭ ‬أو‭ ‬المروق‭ ‬عن‭ ‬الأسس‭ ‬وخيانتها،‭ ‬لأنها‭ ‬نسيت‭ ‬ناموسا‭ ‬مهما‭ ‬وخطيرا‭ ‬من‭ ‬نواميس‭ ‬الطبيعة‭ ‬وهو‭ ‬ناموس‭ ‬الزمن،‭ ‬فالزمن‭ ‬كفيل‭ ‬بتحريك‭ ‬التاريخ‭ ‬وإثبات‭ ‬أنّ‭ ‬الفكرة‭ ‬متورطة‭ ‬مع‭ ‬المتغير‭ ‬ومقطوعة‭ ‬الصلة‭ ‬يما‭ ‬يسمّى‭ ‬خطاً‭ ‬الثبات‭ ‬السّرمدي،‭ ‬لكن‭ ‬الخطر‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬أنّ‭ ‬العنف‭ ‬يعشش‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬النزعات‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬واقعاً،‭ ‬ويعود‭ ‬أولا‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬نزعة‭ ‬تسوّغ‭ ‬العنف‭ ‬نصيا‭ ‬ثم‭ ‬تسوّغه‭ ‬عملياً‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬المتأزم‭ ‬تظهر‭ ‬ضرورة‭ ‬بروز‭ ‬المثقف‭ ‬النقدي‭ ‬الذي‭ ‬حرص‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬على‭ ‬إحيائه‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬مثقف‭ ‬يعكّر‭ ‬صفو‭ ‬السلطة‭ ‬ويزعج‭ ‬كل‭ ‬القوى‭ ‬الفكرية‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الإنسان‭ ‬والتاريخ،‭ ‬ويوجّه‭ ‬سهام‭ ‬نقده‭ ‬ضد‭ ‬أيّ‭ ‬مسعى‭ ‬تقديسي‭ ‬يمهد‭ ‬لممارسة‭ ‬عُنفية‭ ‬فيما‭ ‬بعد،‭ ‬ومن‭ ‬ساير‭ ‬نهجهم‭ ‬في‭ ‬تقزيم‭ ‬الآخر‭ ‬المختلف‭ ‬وتتفيهه،‭ ‬لكي‭ ‬يغدو‭ ‬كائنا‭ ‬دونياً‭ ‬تمهيدا‭ ‬للاستعلاء‭ ‬عليه‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬حياته،‭ ‬لأنها‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المنطلق‭ ‬تعتقد‭ ‬في‭ ‬ذاتها‭ ‬أنّها‭ ‬تحوز‭ ‬على‭ ‬الحقيقة‭ ‬المطلقة‭.‬

وعلى‭ ‬ذات‭ ‬التوجه‭ ‬التحليلي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نستدعي‭ ‬أطروحة‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬الألماني‭ ‬ماكس‭ ‬فيبر‭ ‬الذي‭ ‬تحدث‭ ‬عن‭ ‬الحداثة‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬ثلاثي‭ ‬الأبعاد‭ ‬أو‭ ‬بتعبيره‭ ‬المخصوص‭ ‬‮«‬الأنماط‭ ‬المثالية”،‭ ‬وانسجاما‭ ‬مع‭ ‬رؤيته‭ ‬إلى‭ ‬متلازمة‭ ‬التأويل‭ ‬والفهم‭ ‬التي‭ ‬تقر‭ ‬بأن‭ ‬‮«‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬هو‭ ‬العلم‭ ‬الذي‭ ‬يأخذ‭ ‬على‭ ‬عاتقه‭ ‬فهم‭ ‬النشاط‭ ‬الاجتماعي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التأويل”،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬التأويل‭ ‬الفيبربي،‭ ‬الذي‭ ‬سعى‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬عقلنة‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية”،‭ ‬يكون‭ ‬قد‭ ‬حقّب‭ ‬المجتمع‭ ‬إلى‭ ‬ثلاث‭ ‬حقب‭ ‬اجتماعية،‭ ‬الحقبة‭ ‬التقليدية،‭ ‬ثم‭ ‬الكاريزماتية،‭ ‬وأخيرا‭ ‬الحقبة‭ ‬العقلانية،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬السمة‭ ‬الملازمة‭ ‬لكل‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬هي‭ ‬سمة‭ ‬العلمنة،‭ ‬أو‭ ‬بتعبير‭ ‬دقيق‭ ‬نزع‭ ‬السحر‭ ‬عن‭ ‬العالم،‭ ‬فكل‭ ‬تمشّ‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬العلمنة‭ ‬هو‭ ‬تمش‭ ‬عكسي‭ ‬لمسار‭ ‬التدين،‭ ‬فالحداثة‭ ‬عنده‭ ‬تقاس‭ ‬بمدى‭ ‬انخراط‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬التوجه‭ ‬العلماني‭ ‬بطابع‭ ‬البيروقراطي‭ ‬اللاشخصي،‭ ‬وعليه‭ ‬تصنف‭ ‬أيّ‭ ‬عودة‭ ‬إلى‭ ‬التدين‭ ‬بأنها‭ ‬رجوع‭ ‬إلى‭ ‬المراحل‭ ‬التي‭ ‬تجاوزها‭ ‬التاريخ‭ ‬وتخطاها‭ ‬منطق‭ ‬الزمن‭ ‬المتقدم‭ ‬نحو‭ ‬الأمام،‭ ‬وأنها‭ ‬من‭ ‬مخلفات‭ ‬مجتمعات‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الحداثة،‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتشبع‭ ‬بالخطاب‭ ‬المعاصر‭.‬

بالرغم‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬التدين‭ ‬بحسبانه‭ ‬حصورا‭ ‬ملغّماً‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية،‭ ‬يعترف‭ ‬مفكرنا‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬الممكن‭ ‬إبادة‭ ‬الشعور‭ ‬الديني‭ ‬لأنه‭ ‬يبقى‭ ‬على‭ ‬مرّ‭ ‬العصور‭ ‬حاملاً‭ ‬للمعنى‭ ‬الإنساني،‭ ‬مبشراً‭ ‬بالخلاص‭ ‬الإلهي،‭ ‬وفق‭ ‬التصور‭ ‬الإسكاتولوجي‭ ‬العام،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬المستطاع‭ ‬كبته‭ ‬في‭ ‬حجب‭ ‬التاريخ،‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬كانت‭ ‬العودة‭ ‬المرضية‭ ‬هي‭ ‬قدره‭ ‬الحتمي،‭ ‬وكان‭ ‬لزاما‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نبدأ‭ ‬في‭ ‬مقاربة‭ ‬هذا‭ ‬الشكل‭ ‬من‭ ‬التدين‭ ‬الذي‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬صور‭ ‬العنف،‭ ‬الإكراه،‭ ‬التعالي‭ ‬المزعج‭ ‬والذي‭ ‬يعشق‭ ‬الطقوس‭ ‬فقط،‭ ‬ويعتبرها‭ ‬المعبّر‭ ‬الحقيقي‭ ‬عن‭ ‬الشخصية،‭ ‬مهملا‭ ‬بقصد‭ ‬جوّاني‭ ‬مضمر،‭ ‬الصور‭ ‬المشرقة‭ ‬للهوية‭ ‬مثل‭: ‬اللغة،‭ ‬التاريخ،‭ ‬التسامح،‭ ‬الحرية،‭ ‬المساواة،‭ ‬العلم،‭ ‬الفلسفة‭.. ‬والتي‭ ‬شكّلت‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬مصادر‭ ‬عظيمة‭ ‬وينابيع‭ ‬لا‭ ‬تنضب‭ ‬للحضارة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية،‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬النظر‭ ‬النقدي،‭ ‬حيث‭ ‬ننزل‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬الواقع‭ ‬العلمي‭ ‬بكلّ‭ ‬ما‭ ‬تعنيه‭ ‬الكلمة،‭ ‬ويدل‭ ‬كذلك‭ ‬هذا‭ ‬القرار،‭ ‬من‭ ‬خطورة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الفعل‭ ‬وعسر‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التحليل‭ ‬والتسويغ،‭ ‬فنبدأ‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬هذا‭ ‬المكبوت،‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬مطاردته،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تتحوّل‭ ‬العلمية‭ ‬برمتها‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬مقلوبة،‭ ‬نحارب‭ ‬فيها‭ ‬المكتوب‭ ‬بمكبوت‭ ‬آخر،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬مكبوتاً‭ ‬استبدادياً‭ ‬بنكهة‭ ‬علمانية‭ ‬يعقوبية‭ ‬خالصة‭.‬

إن‭ ‬المقاربة‭ ‬المعقلنة‭ ‬تعني‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬العقل‭ ‬وكأنه‭ ‬‮«‬النظام‭ ‬العام‭ ‬للفرملة‭ ‬الذي‭ ‬يكبح‭ ‬اللاعقلانية‭ ‬المتسارعة‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬في‭ ‬السلوك‭ ‬البشري”،‭ ‬وهي‭ ‬كذلك‭ ‬التوجه‭ ‬صوب‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬باعتباره‭ ‬ظاهرة‭ ‬مرضية‭ ‬بطابع‭ ‬مركب،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬المفاعيل‭ ‬المُكونة‭ ‬لها‭ ‬هي‭ ‬متعددة‭ ‬ومتقاطعة،‭ ‬وتحمل‭ ‬في‭ ‬جوفها‭ ‬نسغاً‭ ‬متلوناً‭ ‬بألوان‭ ‬المجتمع،‭ ‬فنحن‭ ‬مقبلون‭ ‬على‭ ‬إجراء‭ ‬شمولي‭ ‬يستمد‭ ‬من‭ ‬التحليل‭ ‬النفسي‭ ‬ومن‭ ‬مدارسه‭ ‬المختلفة‭ ‬أدوات‭ ‬تشريحية،‭ ‬ومن‭ ‬علوم‭ ‬الاجتماع‭ ‬كمدرسة‭ ‬فرانكفورت‭ ‬ومدرسة‭ ‬الأنماط‭ ‬لماكس‭ ‬فيبر،‭ ‬ومن‭ ‬مستلزمات‭ ‬ابن‭ ‬خلدون‭ ‬العمرانية،‭ ‬ومن‭ ‬حفريات‭ ‬فوكو‭ ‬المعرفية،‭ ‬ويبقى‭ ‬الاحتياج‭ ‬المعرفي‭ ‬مفتوحا،‭ ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬ألا‭ ‬يتحول‭ ‬الدين‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬استلاب‭ ‬مادي‭ ‬ومعنوي؛‭ ‬كما‭ ‬تحدّث‭ ‬كارل‭ ‬ماركس،‭ ‬يلزمنا‭ ‬هذا‭ ‬التحليل‭ ‬أن‭ ‬نتبيّن‭ ‬مدى‭ ‬أهمية‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬المكبوت‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬شكله‭ ‬ولونه‭ ‬السياسي،‭ ‬سواء‭ ‬أكان‭ ‬دينيا‭ ‬أو‭ ‬علمانيا،‭ ‬لأنه‭ ‬إرث‭ ‬يرتب‭ ‬في‭ ‬منزلة‭ ‬العائق‭ ‬المعرفي‭ ‬الكبير‭ ‬أمام‭ ‬حركية‭ ‬التاريخ‭ ‬الديمقراطي‭ ‬المأمول‭ ‬والمنتظر‭ ‬في‭ ‬أفق‭ ‬الزمن‭ ‬القادم،‭ ‬وذلك‭ ‬بالتطهر‭ ‬منها‭ ‬معرفيا‭ ‬بالكشف‭ ‬عن‭ ‬مضمراته‭ ‬الخفية‭ ‬وعن‭ ‬مآلاته‭ ‬الكارثية‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬الإنساني،‭ ‬وحثّ‭ ‬كل‭ ‬القوى‭ ‬على‭ ‬تكريس‭ ‬مبدأ‭ ‬المراجعة‭ ‬الدائمة‭ ‬والمستمرة،‭ ‬واتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬شجاع‭ ‬بالانفتاح‭ ‬على‭ ‬منجزات‭ ‬الحداثة‭ ‬الغربية،‭ ‬والاعتقاد‭ ‬في‭ ‬مسلك‭ ‬الاختلاف‭ ‬كأفق‭ ‬حقيقي‭ ‬وصادق‭ ‬للانتقال‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬الهش‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع‭ ‬الحيوي،‭ ‬والنظر‭ ‬بكل‭ ‬جدية‭ ‬جهة‭ ‬النقد‭ ‬فهو‭ ‬الدرب‭ ‬الآمن‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬المكاسب‭ ‬السابقة‭.‬

يقول‭ ‬بطل‭ ‬التنوير‭ ‬الأميركي‭ ‬توماس‭ ‬جيفرسون‭ ‬‮«‬لا‭ ‬يسبب‭ ‬لي‭ ‬أذى‭ ‬إذا‭ ‬قال‭ ‬جاري‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬عشرين‭ ‬إلها،‭ ‬أو‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬هنالك‭ ‬إله،‭ ‬فذلك‭ ‬لا‭ ‬يثقب‭ ‬جيبي‭ ‬ولا‭ ‬يكسر‭ ‬لي‭ ‬رجلا”،‭ ‬من‭ ‬الأفضل‭ ‬أن‭ ‬نحوّل‭ ‬هذا‭ ‬القول‭ ‬إلى‭ ‬سؤال‭ ‬كبير‭ ‬يخترق‭ ‬ثقافتنا‭ ‬العربية‭ ‬المهزوزة‭ ‬في‭ ‬عمقها‭.‬


كاتب وأكاديمي من الجزائر