صادق‭ ‬جلال‭ ‬العظم لعنة‭ ‬التحريم‬

أجريت‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬مع‭ ‬المفكر‭ ‬صادق‭ ‬جلال‭ ‬العظم‭ ‬بمدينة‭ ‬فايمر‭ ‬الألمانية‭ ‬وذلك‭ ‬بعد‭ ‬إلقائه‭ ‬لمحاضرة‭ ‬قيمة‭ ‬بعنوان‮»‬ليس‭ ‬للدولة‭ ‬دين،‭ ‬الدين‭ ‬للناس‮» ‬بمناسبة‭ ‬نيله‭ ‬لميدالية‭ ‬معهد‭ ‬غوته‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المحاضرة أكد‭ ‬العظم‭ ‬أن‭ ‬الدين‭ ‬يسكن‭ ‬الكائن‭ ‬الذي‭ ‬يشعر‭ ‬ويحس‭ ‬وله‭ ‬عواطف‭ ‬وقلب‭ ‬وهو‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬الإنسان‭. ‬أما‭ ‬الدولة،‭ ‬فهي‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬الخالية‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الإحساسات‭ ‬الأساسية‭ ‬والضرورية‭ ‬للوازع‭ ‬للديني‭. ‬ويعني‭ ‬الدكتور‭ ‬العظم‭ ‬أن‭ ‬الدين‭ ‬مسألة‭ ‬متعلقة‭ ‬بالأشخاص‭ ‬والأفراد‭ ‬وعلينا‭ ‬أن‭ ‬نعمل‭ ‬لتبقى‭ ‬كذلك‭.‬ ووفقا‭ ‬له‭ ‬فإنه‭ ‬من‭ ‬مصلحة‭ ‬الدين‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬أمرا‭ ‬شخصيا‭ ‬وفرديا‭ ‬وأن‭ ‬يظل‭ ‬خارج‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬فضاء‭ ‬لكل‭ ‬شخص‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬الدولة‭ ‬وليس‭ ‬إلى‭ ‬ديانة‭. ‬وفي‭ ‬تقديره‭ ‬فإن‭ ‬الخلط‭ ‬بينهما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬مثلا‭ ‬وذلك‭ ‬عند‭ ‬سقوط‭ ‬واضمحلال‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬تسيّر‭ ‬بمشاعر‭ ‬أشخاص‭ ‬من‭ ‬السنة‭ ‬أو‭ ‬الشيعة‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬قال‭ ‬العظم‭ ‬إنه‭ ‬إذا‭ ‬أراد‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬أن‭ ‬يتخلّص‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬والخراب‭ ‬الذي‭ ‬حصل‭ ‬فعلى‭ ‬الناس‭ ‬أن‭ ‬يتركوا‭ ‬المعاطف‭ ‬الدينية‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬الخاص‭ ‬بهم،‭ ‬فالدولة‭ ‬ومؤسساتها‭ ‬لا‭ ‬تسيّر‭ ‬بمشاعر‭ ‬دينية‭ ‬أو‭ ‬طائفية‭ ‬وإنما‭ ‬بمشاعر‭ ‬وطنية‭ ‬مدنية‭.‬

الجديد  مولود‭ ‬علاك [نُشر في 01/08/2016، العدد: 19، ص(53)]

‭‬الأستاذ‭ ‬صادق‭ ‬جلال‭ ‬العظم،‭ ‬كرّمت‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬معهد‭ ‬غوته‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭. ‬كيف‭ ‬كان‭ ‬إحساسك‭ ‬وشعورك‭ ‬عندما‭ ‬وصلك‭ ‬خبر‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬ميدالية‭ ‬‮«‬غوته”؟

العظم‭:‬‮ ‬طبعا‭ ‬شعرت‭ ‬بالفخر‭ ‬الكبير‭ ‬وشرف‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أحصل‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الوسام‭ ‬وعلى‭ ‬هذه‭ ‬الجائزة‭ ‬من‭ ‬معهد‭ ‬غوته،‭ ‬وفي‭ ‬مدينته‭ ‬فايمر‭ ‬علما‭ ‬أنني‭ ‬قضيت‭ ‬كل‭ ‬حياتي‭ ‬في‭ ‬التدريس‭ ‬والعلم‭ ‬والبحث‭ ‬الجامعي،‭ ‬وأن‭ ‬أختتم‭ ‬حياتي‭ ‬المهنية‭ ‬بصلة‭ ‬مع‭ ‬اسم‭ ‬كبير‭ ‬جدا‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬العالمي‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬الأوروبي‭ ‬فقط‭ ‬وهو‭ ‬اسم‭ ‬غوته‭. ‬طبعا‭ ‬أنا‭ ‬جد‭ ‬شكور‭ ‬للمبادرة‭ ‬من‭ ‬الحكومة‭ ‬الألمانية‭ ‬بمنحي‭ ‬هذه‭ ‬الجائزة‭.‬

تكريم غربي

‭ ‬بمناسبة‭ ‬حصولك‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬غوته‭ ‬هذه‭ ‬وجائزة‭ ‬إراسموس‭ ‬الدولية وحصول‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬والمبدعين‭ ‬العرب‭ ‬سابقا‭ ‬على‭ ‬جوائز‭ ‬غربية‭ ‬معتبرة‭ ‬وبهذه‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أطرح‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭: ‬هل‭ ‬يعني‭ ‬حصول‭ ‬قليل‭ ‬من‭ ‬المفكرين‭ ‬والأدباء‭ ‬العرب‭ ‬على‭ ‬جوائز‭ ‬غربية‭ ‬ذات‭ ‬الصيت‭ ‬العالمي‭ ‬أن‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬المعاصر‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬له‭ ‬خصائص‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬عالمي،‭ ‬ولماذا‭ ‬لا‭ ‬نجد‭ ‬للفكر‭ ‬العربي‭ ‬الفلسفي‭ ‬حضورا‭ ‬ملموسا‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الفكرية‭ ‬الغربية‭ ‬وعلى‭ ‬وجه‭ ‬خاص‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الغربية؟‭ ‬وماذا‭ ‬ينبغي‭ ‬عمله‭ ‬لنشر‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬وجعلها‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬الناس‭ ‬خارج‭ ‬أسوار‭ ‬العالم‭ ‬العربي؟

العظم‭:‬‮ ‬أولا،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نفرّق‭ ‬بين‭ ‬تكريم‭ ‬الشخص‭ ‬وتكريم‭ ‬الإطار‭ ‬الفكري‭ ‬الذي‭ ‬تنتمي‭ ‬إليه‭ ‬الشخصية‭ ‬المكرّمة‭. ‬هذا‭ ‬يعني‭ ‬مثلا‭ ‬أنه‭ ‬عندما‭ ‬قدمت‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للآداب‭ ‬لنجيب‭ ‬محفوظ‭ ‬فهذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬الأدب‭ ‬العالمي‭ ‬أو‭ ‬الأميركي‭ ‬اللاتيني‭ ‬مثلا‭ ‬في‭ ‬تأثيره‭ ‬ودوره‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬العالمي‭. ‬التكريم‭ ‬هو‭ ‬أكثر‭ ‬لشخصية‭ ‬وعبقرية‭ ‬الأديب‭ ‬والروائي‭ ‬نجيب‭ ‬محفوظ‭ ‬كعقل‭ ‬وروائي‭ ‬تجاوز‭ ‬الحدود‭ ‬المحلية‭ ‬والبيئة‭ ‬الصغيرة‭ ‬وانفتح‭ ‬على‭ ‬عالم‭ ‬أوسع‭ ‬وطرح‭ ‬في‭ ‬أدبه‭ ‬مسائل‭ ‬تهم‭ ‬كل‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭. ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الرواية‭ ‬العربية‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬الرواية‭ ‬المكتوبة‭ ‬باللغة‭ ‬الأسبانية‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭. ‬وهذا‭ ‬المثال‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬المفكرين‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬كرّموا‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬بما‭ ‬فيهم‭ ‬أنا‭. ‬لقد‭ ‬كرّمت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬بجوائز‭ ‬ثقافية‭ ‬وفكرية‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬أعطيها‭ ‬بعدا‭ ‬يعكس‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬وحضوره‭ ‬في‭ ‬المسائل‭ ‬الفكرية‭ ‬والفلسفية‭ ‬العالمية‭ ‬وهذا‭ ‬مدعاة‭ ‬للأسف‭. ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أرجع‭ ‬إلى‭ ‬مسالة‭ ‬التكريم‭ ‬والجوائز‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬العربية،‭ ‬فإلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬أن‭ ‬ينجز‭ ‬جائزة‭ ‬أدبية‭ ‬أو‭ ‬فكرية‭ ‬محترمة‭ ‬لا‭ ‬تثور‭ ‬حولها‭ ‬الشكوك‭ ‬والتساؤلات‭ ‬والاتهامات،‭ ‬ولذلك‭ ‬تجدهم‭ ‬يختبئون‭ ‬وراء‭ ‬التكريمات‭ ‬والجوائز‭ ‬الغربية‭ ‬المحترمة‭ ‬ذات‭ ‬الهيبة‭ ‬والمصداقية‭.‬

المفكر النقدي

‭ ‬اسمك‭ ‬مرتبط‭ ‬بكتاب‭ ‬نقدي‭ ‬راديكالي‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬نقد‭ ‬الفكر‭ ‬الديني”‭ ‬صدر‭ ‬عام‭ ‬1969‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬وأحدث‭ ‬ضجة‭ ‬إعلامية‭ ‬وسياسية‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬وبقيت‭ ‬الأفكار‭ ‬المطروحة‭ ‬فيه‭ ‬مرجعية‭ ‬مهمة‭ ‬لجيل‭ ‬من‭ ‬المفكرين‭ ‬النقديين‭ ‬الذين‭ ‬لحقوا‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭. ‬فلماذا‭ ‬أحدث‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬تلك‭ ‬الضجة؟‭ ‬وماذا‭ ‬كان‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬المؤسسة‭ ‬الدينية‭ ‬والسياسية‭ ‬على‭ ‬السواء؟

العظم‭:‬‮ ‬هذا الكتاب‭ ‬صدر‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬والجدال‭ ‬حوله‭ ‬حصل‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬أيضا،‭ ‬ولكن‭ ‬صداه‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي،‭ ‬وسريعا‭ ‬ما‭ ‬تحوّل‭ ‬الكتاب‭ ‬إلى‭ ‬فضيحة‭ ‬أدبية‭ ‬وفكرية‭ ‬كبيرة‭ ‬لأنه‭ ‬تناول‭ ‬المقدس‭ ‬والطابو‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬محرم‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬وصريح‭ ‬بدون‭ ‬تورية‭ ‬وبدون‭ ‬الاختباء‭ ‬وراء‭ ‬التعبيرات‭ ‬المطاطة‭ ‬التي‭ ‬اشتهرت‭ ‬بها‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭. ‬حاولت‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬تسمية‭ ‬الأمور‭ ‬بأسمائها‭ ‬وتسمية‭ ‬الخصوم‭ ‬الفكريين‭ ‬وانتقادهم‭ ‬والاستشهاد‭ ‬بأقوالهم‭ ‬والردّ‭ ‬عليها‭. ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬جديدا‭ ‬وغير‭ ‬مألوف‭ ‬لدى‭ ‬القارئ‭ ‬والمتلقي‭. ‬ما‭ ‬كان‭ ‬مألوفا‭ ‬وسائدا‭ ‬هو‭ ‬الكتابة‭ ‬بصيغة‭ ‬المبنيّ‭ ‬للمجهول‭ ‬حيث‭ ‬يستعملون‭ ‬عبارة‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬يقال”‭ ‬أو‭ ‬åنسمعò،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬ونرد‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يقال‭ ‬أو‭ ‬يسمعò‭ ‬بدون‭ ‬ذكر‭ ‬الشخص‭ ‬القائل‭ ‬أو‭ ‬الكاتب‭. ‬فمن‭ ‬ناحية‭ ‬الأسلوب‭ ‬كان‭ ‬الكتاب‭ ‬مختلفا‭. ‬حاولت‭ ‬كسر‭ ‬الأعراف‭ ‬وتقاليد‭ ‬الكتابة‭ ‬المعروفة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭. ‬لقد‭ ‬تلقّى‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬اهتماما‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬المستشرقين‭ ‬الألمان‭ ‬وأخص‭ ‬بالذكر‭ ‬البروفيسور‭ ‬‮«‬شتفان‭ ‬فيلد”‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬بون‭ ‬الألمانية‭ ‬وهو‭ ‬أحد‭ ‬كبار‭ ‬المختصين‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي‭. ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬البروفيسور‭ ‬يشغل‭ ‬مسؤول‭ ‬مؤسسة‭ ‬الاستشراق‭ ‬الألماني‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬حين‭ ‬صدور‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب،‭ ‬فتابع‭ ‬موضوع‭ ‬نقد‭ ‬الفكر‭ ‬الديني‭ ‬والقضية‭ ‬التي‭ ‬أثيرت‭ ‬وكتب‭ ‬يومها‭ ‬دراسة‭ ‬مطولة‭ ‬في‭ ‬حوالي‭ ‬خمسين‭ ‬صفحة‭ ‬راجع‭ ‬فيها‭ ‬وقدم‭ ‬فيها‭ ‬للقارئ‭ ‬الألماني‭ ‬المختص‭ ‬بالتدقيق‭ ‬ومن‭ ‬الألف‭ ‬إلى‭ ‬الياء‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬منذ‭ ‬نشر‭ ‬الكتاب‭ ‬وما‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬المفتي‭ ‬العام‭ ‬للجمهورية‭ ‬اللبنانية‭ ‬الذي‭ ‬أثار‭ ‬مشكلة‭ ‬ضد‭ ‬الكتاب‭ ‬وطلب‭ ‬بإحالة‭ ‬المؤلف‭ ‬والناشر‭ ‬والكتاب‭ ‬إلى‭ ‬المحاكم،‭ ‬وطلب‭ ‬بتوقيفي‭ ‬ودخلت‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة‭ ‬إلى‭ ‬السجن‭ ‬وكانت‭ ‬محاكمة‭ ‬سياسية‭ ‬كبيرة‭ ‬للكتاب‭ ‬والمؤلف‭ ‬والناشر‭. ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬تغطية‭ ‬واسعة‭ ‬لسلسلة‭ ‬الأحداث‭ ‬التي‭ ‬رافقت‭ ‬صدور‭ ‬الكتاب‭.‬

صدمة الهزيمة

‭ ‬ما‭ ‬علاقة‭ ‬صدور‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬بالوضع‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة؟

العظم‭:‬‮ ‬هذا الكتاب‭ ‬صدر‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬عام‭ ‬1969‭ ‬وكان‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬مازال‭ ‬يعيش‭ ‬تحت‭ ‬صدمة‭ ‬هزيمة‭ ‬الجيوش‭ ‬العربية‭ ‬وبالخصوص‭ ‬الجيش‭ ‬المصري‭ ‬والسوري‭ ‬والأردني‭ ‬أمام‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬1967‭. ‬دخلت‭ ‬الأنظمة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬أزمة‭ ‬مسّت‭ ‬بشرعيتها‭ ‬وكما‭ ‬فقدت‭ ‬كل‭ ‬السلطات‭ ‬رمزيتها‭ ‬وهيبتها‭ ‬لدى‭ ‬المواطن‭ ‬العربي‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬السلطة‭ ‬الدينية،‭ ‬والسياسية،‭ ‬والمدنية،‭ ‬والشرعية‭ ‬أو‭ ‬القضائية‭. ‬هذه‭ ‬الصدمة‭ ‬التي‭ ‬امتدت‭ ‬لسنوات‭ ‬جعلت‭ ‬المجتمعات‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬مزاج‭ ‬عدمي‭ ‬فسح‭ ‬المجال‭ ‬لعهد‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬النقاش‭ ‬والنقد‭ ‬وتحليل‭ ‬ما‭ ‬حدث،‭ ‬فأصبح‭ ‬التصريح‭ ‬والقول‭ ‬مباحين‭ ‬خلافا‭ ‬لما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬محرّما‭ ‬وممنوعا،‭ ‬وأصبح‭ ‬المتلقي‭ ‬بعد‭ ‬هزيمة‭ ‬1967‭ ‬مقبلا‭ ‬ومنفتحا‭ ‬على‭ ‬التقبل‭ ‬والإصغاء‭ ‬لخطاب‭ ‬جديد‭ ‬يفسّر‭ ‬له‭ ‬ما‭ ‬آلت‭ ‬إليه‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬غير‭ ‬ممكن‭ ‬في‭ ‬السابق‭.‬

‬كرّمت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬بجوائز‭ ‬ثقافية‭ ‬وفكرية‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬أعطيها‭ ‬بعدا‭ ‬يعكس‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬وحضوره‭ ‬في‭ ‬المسائل‭ ‬الفكرية‭ ‬والفلسفية‭ ‬العالمية‭ ‬وهذا‭ ‬مدعاة‭ ‬للأسف

فالكتاب‭ ‬قد‭ ‬صدر‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬وتعرّض‭ ‬إلى‭ ‬نقد‭ ‬لاذع‭ ‬وتعرّضت‭ ‬أنا‭ ‬شخصيا‭ ‬إلى‭ ‬موجة‭ ‬من‭ ‬الشتم‭ ‬والتحريض‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الأئمة‭ ‬في‭ ‬خطب‭ ‬الجمعة،‭ ‬ولكن‭ ‬رغم‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬وأن‭ ‬خرج‭ ‬الناس‭ ‬إلى‭ ‬الشوارع‭ ‬للاحتجاج‭ ‬أو‭ ‬إثارة‭ ‬الشغب‭ ‬والتنديد‭. ‬حسب‭ ‬رأيي‭ ‬فإن‭ ‬المتلقي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يستجيب‭ ‬للخطابات‭ ‬التحريضية‭ ‬والدعائية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تفرض‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬وأقصد‭ ‬قبل‭ ‬الهزيمة،‭ ‬أو‭ ‬بشيء‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬القبيل‭ ‬وذلك‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬مصدرها‭. ‬حصل‭ ‬فقدان‭ ‬الثقة‭ ‬بالمؤسسات‭ ‬الدينية‭ ‬أو‭ ‬السياسية،‭ ‬وهذه‭ ‬مسألة‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭. ‬أما‭ ‬الرد‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬الكتاب،‭ ‬فغالبيته‭ ‬ظهر‭ ‬في‭ ‬الصحافة‭ ‬وبالخصوص‭ ‬المكتوبة‭ ‬منها‭. ‬فهذه‭ ‬العدمية‭ ‬التي‭ ‬أصابتنا‭ ‬بعد‭ ‬الهزيمة‭ ‬فتحت‭ ‬باب‭ ‬التساؤل‭ ‬والشك‭ ‬حول‭ ‬أمور‭ ‬كثيرة‭. ‬فقبل‭ ‬كتاب‮ ‬‮«‬نقد‭ ‬الفكر‭ ‬الديني‮ ‬‮«‬قد‭ ‬سبق‭ ‬وأن‭ ‬نشرت‭ ‬كتابا‭ ‬بعنوان”‮ ‬النقد‭ ‬الذاتي‭ ‬بعد‭ ‬الهزيمة”‭ ‬وهو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬رد‭ ‬ونقد‭ ‬للرأي‭ ‬القائل‭ ‬والسائد‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬والذي‭ ‬يرجع‭ ‬الهزيمة‭ ‬إلى‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬القدر‭ ‬المسلط‭ ‬علينا‭ ‬كعرب،‭ ‬ويفسر‭ ‬هذا‭ ‬القدر‭ ‬بقوى‭ ‬خارقة‭ ‬خارجة‭ ‬عن‭ ‬إرادتنا‭ ‬كبشر،‭ ‬وكما‭ ‬أقصيت‭ ‬التفسير‭ ‬الذي‭ ‬يحيل‭ ‬الهزيمة‭ ‬إلى‭ ‬مؤامرة‭ ‬خارجية‭ ‬صهيونية‭ ‬إمبريالية،‭ ‬وجهت‭ ‬نقدا‭ ‬شديدا‭ ‬لكل‭ ‬هذه‭ ‬الطرق‭ ‬المفسرة‭ ‬للهزيمة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو،‭ ‬وأكدت‭ ‬في‭ ‬تفسيري‭ ‬للهزيمة‭ ‬على‭ ‬التنظيمات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للبلدان‭ ‬العربية،‭ ‬والتقاليد‭ ‬العربية،‭ ‬ومدى‭ ‬انسجامها‭ ‬مع‭ ‬هدف‭ ‬وضع‭ ‬حد‭ ‬للتوسع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭. ‬فالكتاب‭ ‬جاء‭ ‬استمرارا‭ ‬لحركة‭ ‬النقد‭ ‬الذاتي‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬بعد‭ ‬هزيمة‭ ‬1967‭.‬

لا نكسة ولا نكبة

‭ ‬قمت‭ ‬بعمل‭ ‬إبستيمولوجي‭ ‬حول‭ ‬المصطلحات‭ ‬وتسمية‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬بمفاهيم‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬لغة‭ ‬الموضوعية‭ ‬والعلم‭ ‬والواقعية‭. ‬فهل‭ ‬هي‭ ‬هزيمة‭ ‬أم‭ ‬نكبة‭ ‬أم‭ ‬نكسة؟‭ ‬كيف‭ ‬تفسر‭ ‬ذلك؟

العظم‭:‬‮ ‬صحيح،‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬وأهم‭ ‬سبب‭ ‬دفعني‭ ‬لكتابة‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬النقد‭ ‬الذاتي‭ ‬للهزيمة”‭ ‬هو‭ ‬لأؤكد‭ ‬على‭ ‬مصطلح‭ ‬وفكرة‭ ‬الهزيمة‭ ‬وليس‭ ‬النكبة‭ ‬أو‭ ‬النكسة‭. ‬فقلت‭ ‬بأنه‭ ‬لا‭ ‬مجال‭ ‬للتلاعب‭ ‬بالمصطلحات‭ ‬والتهرّب‭ ‬من‭ ‬مسؤولية‭ ‬الهزيمة‭ ‬على‭ ‬مستوانا‭ ‬كبشر‭ ‬ولا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نسمّي‭ ‬الهزيمة‭ ‬نكبة‭ ‬أو‭ ‬نكسة،‭ ‬لأن‭ ‬تسمية‭ ‬هزيمة‭ ‬1948‭ ‬بالنكبة‭ ‬هو‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬الإنسان‭ ‬ليس‭ ‬مسؤولا‭ ‬عنها‭. ‬فالمسؤول‭ ‬عنها‭ ‬الطبيعة‭ ‬مثلا‭. ‬إن‭ ‬النقاشات‭ ‬التي‭ ‬صارت‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬الهزيمة‭ ‬اعتبرتها‭ ‬زلزالا‭. ‬يعني‭ ‬حدث‭ ‬كبير‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬يشبه‭ ‬بالطبيعة‭ ‬العمياء‭. ‬فأنا‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الآراء‭ ‬والتأويلات‭ ‬هاجمتها‭ ‬وانتقدتها‭ ‬واعتبرته‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬استمرار‭ ‬عقلية‭ ‬ساذجة‭ ‬ومتخلفة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الوضع‭ ‬السياسي‭ ‬والدولي‭ ‬والإقليمي‭ ‬سيؤدي‭ ‬حتما‭ ‬إلى‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الهزائم‭. ‬عندما‭ ‬كتبت‭ ‬‮«‬النقد‭ ‬الذاتي‭ ‬بعد‭ ‬الهزيمة”‭ ‬كان‭ ‬فيه‭ ‬انهيار‭ ‬كامل‭ ‬لما‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬بالشعبوية‭ ‬العربية”‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬ولما‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬الاشتراكية‭ ‬العربية”‭ ‬و”القومية‭ ‬العربية”‭ ‬و”الوحدة‭ ‬العربية”‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭. ‬هذا‭ ‬الانهيار‭ ‬كان‭ ‬عسكريا،‭ ‬سياسيا،‭ ‬أيديولوجيا‭. ‬فدخلنا‭ ‬في‭ ‬فراغ‭ ‬كبير‭. ‬فتوقعت‭ ‬في‭ ‬ذاك‭ ‬الوقت‭ ‬أن‭ ‬الهروب‭ ‬الديني‭ ‬يأتي‭ ‬لملء‭ ‬هذا‭ ‬الفراغ‭. ‬يعنى‭ ‬الأشياء‭ ‬التاريخية‭ ‬والدينية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬ستملأ‭ ‬هذا‭ ‬الفراغ‭. ‬وتوقعت‭ ‬ملء‭ ‬الفراغ‭ ‬هذا‭ ‬بتوجه‭ ‬تبريري‭ ‬ودفاعي‭ ‬ولم‭ ‬أتوقع‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ملء‭ ‬الفراغ‭ ‬هذا‭ ‬بتوجه‭ ‬ديني‭ ‬عنيف‭ ‬وأصولي‭ ‬ويتحول‭ ‬إلى‭ ‬جهادية‭ ‬إرهابية‭. ‬هذا‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أتوقعه‭ ‬يوما‭. ‬وهذا‭ ‬الإدراك‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬دفعني‭ ‬إلى‭ ‬إصدار‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬نقد‭ ‬الفكر‭ ‬الديني”‭. ‬كنت‭ ‬واعيا‭ ‬بمدى‭ ‬حضور‭ ‬وأهمية‭ ‬العامل‭ ‬الديني‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬وإمكانية‭ ‬تحوله‭ ‬إلى‭ ‬ملجأ‭ ‬ومنقذ‭ ‬ولكن‭ ‬لم‭ ‬أتوقع‭ ‬يوما‭ ‬أنه‭ ‬سيصل‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬المستوى‭ ‬من‭ ‬الراديكالية‭ ‬الجهادية‭. ‬لكن‭ ‬الآن‭ ‬بعدما‭ ‬حصل‭ ‬هذا،‭ ‬أحاول‭ ‬أن‭ ‬أفسر‭ ‬وأفهم‭ ‬لماذا‭ ‬اتجهت‭ ‬الحركات‭ ‬الدينية‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه؟‭ ‬طبعا‭ ‬العامل‭ ‬الأكبر‭ ‬حسب‭ ‬رأيي‭ ‬هو‭ ‬فشل‭ ‬العسكري‭ ‬والدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬التربية‭ ‬وغياب‭ ‬المعرفة‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬وغياب‭ ‬المؤسسات‭ ‬المواكبة‭ ‬للعالم‭ ‬الحديث‭ ‬وأسسها‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والحريات،‭ ‬وكل‭ ‬هذه‭ ‬الأمور‭ ‬مؤسسة‭ ‬لدولة‭ ‬القانون،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬كانت‭ ‬غائبة‭ ‬ومنعدمة،‭ ‬وهذا‭ ‬فتح‭ ‬لنا‭ ‬المجال‭ ‬لقول‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقال‭ ‬عادة‭.‬

الممنوع والمحرم

‭ ‬بعد‭ ‬الهزيمة‭ ‬ظهرت‭ ‬اتجاهات‭ ‬فكرية‭ ‬متعددة‭ ‬المشارب‭ ‬والتوجهات‭ ‬وحاولت‭ ‬كلها‭ ‬على‭ ‬حدة‭ ‬إيجاد‭ ‬مخرج‭ ‬وطرح‭ ‬بديل‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬الوضع‭. ‬ما‭ ‬هي‭ ‬صورة‭ ‬المشهد‭ ‬الفكري‭ ‬بعد‭ ‬الهزيمة؟

العظم‭:‬‮ ‬بعد‭ ‬الهزيمة‭ ‬كل‭ ‬التوجه‭ ‬كان‭ ‬موجها‭ ‬نحو‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وحصل‭ ‬التفاف‭ ‬شعبي‭ ‬ونخبوي‭ ‬حول‭ ‬بداية‭ ‬المقاومة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بعد‭ ‬احتلال‭ ‬أراضي‭ ‬فلسطين‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬نتيجة‭ ‬للهزيمة‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬مركز‭ ‬المقاومة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬بعمان‭ ‬عاصمة‭ ‬الأردن‭. ‬فالحركة‭ ‬التي‭ ‬تبنت‭ ‬المقاومة‭ ‬كمنهج‭ ‬لتحرير‭ ‬الأراضي‭ ‬المحتلة‭ ‬ولّدت‭ ‬لدى‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي‭ ‬أملا‭ ‬جديدا‭ ‬يستجيب‭ ‬لحاجة‭ ‬المرحلة،‭ ‬وصار‭ ‬التفاف‭ ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬المقاومة‭ ‬وأنا‭ ‬شخصيا‭ ‬شاركت‭ ‬بالعمل‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬وعملت‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬الأبحاث‭ ‬التابع‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬وعملنا‭ ‬مع‭ ‬مجموعة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬على‭ ‬إدخال‭ ‬جهد‭ ‬عربي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬فهم‭ ‬أفضل‭ ‬وصحيح‭ ‬لوضع‭ ‬إسرائيل‭ ‬لأن‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬سائدا‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬هو‭ ‬القطيعة‭ ‬الكلية‭ ‬مع‭ ‬أيّ‭ ‬محاولة‭ ‬لفهم‭ ‬ما‭ ‬تمثّله‭ ‬إسرائيل‭. ‬كانت‭ ‬مقاطعة‭ ‬كلية‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬والحركة‭ ‬الصهيونية‭. ‬حاولنا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬كسر‭ ‬هذا‭ ‬الطابو‭ ‬والقيام‭ ‬بحركة‭ ‬تنويرية‭ ‬للنخبة‭ ‬المتعلّمة‭ ‬والسياسية‭ ‬من‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭. ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬للإجابة‭ ‬بصورة‭ ‬واقعية‭ ‬علمية‭ ‬على‭ ‬الأسباب‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬هزيمة‭ ‬الجيوش‭ ‬العربية‭ ‬أمام‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭. ‬كانت‭ ‬بدايتنا‭ ‬من‭ ‬الصفر،‭ ‬وكنّا‭ ‬نسمع‭ ‬مصطلحات‭ ‬ولا‭ ‬ندري‭ ‬معناها‭. ‬فمثلا‭ ‬كنا‭ ‬نسمع‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬الكابوت”‭ ‬ولم‭ ‬نكن‭ ‬نعرف‭ ‬مدلولها‭ ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬كان‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬وتوضيح‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة‭. ‬كنا‭ ‬نسمع‭ ‬مثلا‭ ‬‮«‬المبام”‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الليكود”‭ ‬ولم‭ ‬نعرف‭ ‬ماذا‭ ‬تعني‭.‬

أهم‭ ‬سبب‭ ‬دفعني‭ ‬لكتابة‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬النقد‭ ‬الذاتي‭ ‬للهزيمة”‭ ‬هو‭ ‬لأؤكد‭ ‬على‭ ‬مصطلح‭ ‬وفكرة‭ ‬الهزيمة‭ ‬وليس‭ ‬النكبة‭ ‬أو‭ ‬النكسة‭. ‬فقلت‭ ‬بأنه‭ ‬لا‭ ‬مجال‭ ‬للتلاعب‭ ‬بالمصطلحات‭

فالسياسات‭ ‬العربية‭ ‬الرسمية‭ ‬انتهجت‭ ‬فكر‭ ‬الممنوع‭ ‬والمحرم‭ ‬تجاه‭ ‬أيّ‭ ‬محاولة‭ ‬للتقرب‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬أو‭ ‬ينتج‭ ‬هذا‭ ‬الكيان‭. ‬فأيّ‭ ‬كتاب‭ ‬يمسّ‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬ممنوع،‭ ‬واسم‭ ‬إسرائيل‭ ‬يحذف‭ ‬أو‭ ‬يمحى‭ ‬من‭ ‬القواميس‭ ‬والمعاجم‭ ‬باللغات‭ ‬الأجنبية‭. ‬فكيف‭ ‬لدول‭ ‬الجوار‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬عداوة‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الكيان‭ ‬أن‭ ‬تقاومه‭ ‬وهي‭ ‬تجهل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬عنه؟‭ ‬لقد‭ ‬حاولنا‭ ‬كسر‭ ‬وتجاوز‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬السخيفة،‭ ‬والتعمية‭ ‬الممنهجة‭ ‬على‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية،‭ ‬والتي‭ ‬هي‭ ‬عقلية‭ ‬سحرية‭ ‬يراد‭ ‬بها‭ ‬تنحية‭ ‬ومسح‭ ‬هذا‭ ‬العدو‭ ‬وهذا‭ ‬الكيان‭ ‬بعدم‭ ‬تسميته‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬إشارة‭ ‬إليه‭ ‬أو‭ ‬ذكره‭ ‬لغويا‭ ‬هو‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الاعتراف‭ ‬بوجوده‭ ‬وتقبله‭. ‬فمحو‭ ‬الاسم‭ ‬هو‭ ‬محاولة‭ ‬لتعمية‭ ‬الواقع‭.‬

حالة انكار

‭ ‬كيف‭ ‬تفسر‭ ‬لنا‭ ‬هذه‭ ‬الهستيريا‭ ‬وهذا‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬ذكر‭ ‬إسرائيل‭ ‬أو‭ ‬التلفظ‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬يمسّها‭ ‬وكيانها؟

العظم‭:‬‮ ‬بعد‭ ‬نكبة‭ ‬فلسطين‭ ‬1948‭ ‬دخل‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬إنكار‭ ‬كامل‭ ‬للكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬لأن‭ ‬الاعتراف‭ ‬جرح‭ ‬كبير‭ ‬ومؤلم‭ ‬في‭ ‬الذات‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية،‭ ‬ولذلك‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬أفضل‭ ‬أسلوب‭ ‬هو‭ ‬الإنكار‭ ‬ومن‭ ‬وراء‭ ‬هذا‭ ‬الإنكار‭ ‬تتبنى‭ ‬موقفا‭ ‬وتعد‭ ‬نفسك‭ ‬لجولة‭ ‬أخرى‭ ‬للانتقام،‭ ‬ولكن‭ ‬الجولة‭ ‬الأخرى‭ ‬كانت‭ ‬أكثر‭ ‬كارثية‭ ‬من‭ ‬الأولى‭. ‬إن‭ ‬السبب‭ ‬الرئيسي‭ ‬للهزائم‭ ‬المتتالية‭ ‬هو‭ ‬حالة‭ ‬الإنكار‭ ‬المكرسة‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الذات‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬نفسها،‭ ‬وهي‭ ‬حالة‭ ‬طبيعية‭ ‬عندما‭ ‬تدخل‭ ‬الجماعات‭ ‬البشرية‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الصدمات‭ ‬القوية‭ ‬أو‭ ‬غيرها،‭ ‬وهي‭ ‬محاولة‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التوازن‭ ‬بعد‭ ‬الصدمة‭. ‬فالرفض‭ ‬أسهل‭ ‬من‭ ‬الاعتراف‭ ‬وهذا‭ ‬يحدث‭ ‬كثيرا‭ ‬مع‭ ‬المرضى‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الأشخاص‭.‬

الاستشراق معكوساً

‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬مسألة‭ ‬الاستشراق‭. ‬كما‭ ‬تعرف‭ ‬فهذا‭ ‬الموضوع‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬الكتاب‭ ‬النقدي‭ ‬السجالي‭ ‬الهام‭ ‬الذي‭ ‬صدر‭ ‬لإدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬عام‭ ‬1978‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأميركية‭. ‬في‭ ‬كتابك‭ ‬‮«‬ذهنية‭ ‬التحريم”خصصت‭ ‬فصلا‭ ‬يحمل‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬الاستشراق‭ ‬معكوسا”‭ ‬لمناقشة‭ ‬طروحات‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد،‮ ‬فما‭ ‬هو‭ ‬وجه‭ ‬الاختلاف بينك‭ ‬وبين‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد؟

العظم‭:‬‮ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الفصل‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬الاستشراق‭ ‬معكوسا”‭ ‬هو‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التحذير‭ ‬والتنبيه‭ ‬للشرق‭ ‬عندما‭ ‬يحاول‭ ‬صنع‭ ‬صورة‭ ‬حول‭ ‬الغرب‭ ‬ويشوّهها‭. ‬وتحذيري‭ ‬هذا‭ ‬جاء‭ ‬بعد‭ ‬الغلط‭ ‬الذي‭ ‬وقع‭ ‬فيه‭ ‬المستشرقون‭ ‬في‭ ‬تصورهم‭ ‬للشرق‭ ‬وهذه‭ ‬الصورة‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬رغبة‭ ‬وميول‭ ‬عاطفية‭ ‬يحاول‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬الشرقي‭ ‬إرضاء‭ ‬رغباته‭ ‬كما‭ ‬يتمناها‭ ‬ويحلم‭ ‬بها،‭ ‬وهكذا‭ ‬يبتعد‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة‭ ‬والموضوعية‭ ‬في‭ ‬تصوره‭ ‬للغرب‭. ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬ناتج‭ ‬عن‭ ‬مركب‭ ‬النقص‭ ‬الذي‭ ‬يسكن‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي‭ ‬خاصة‭. ‬لقد‭ ‬بدأت‭ ‬عملية‭ ‬بناء‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬ترضينا‭ ‬حول‭ ‬الغرب‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية‭ ‬وظهور‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬على‭ ‬أنقاض‭ ‬الخلافة‭ ‬العثمانية‭ ‬بقيادة‭ ‬أتاتورك‭. ‬فهذا‭ ‬الأخير‭ ‬حاول‭ ‬بدافع‭ ‬مركّب‭ ‬نقص‭ ‬محاكاة‭ ‬النمط‭ ‬الغربي‭ ‬بكل‭ ‬مواصفاته‭. ‬لاحظت‭ ‬أن‭ ‬الشرق‭ ‬بدوره‭ ‬سينتج‭ ‬نفس‭ ‬الصورة‭ ‬الخاطئة‭ ‬والمشوهة‭ ‬للغرب‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬سنقع‭ ‬في‭ ‬أزمات‭ ‬وصراعات‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬التقارب‭ ‬والتحاور‭. ‬أما‭ ‬النقطة‭ ‬المتعلقة‭ ‬بما‭ ‬كتبه‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬حول‭ ‬الاستشراق‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬رأيه‭ ‬فيه‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الغرب‭ ‬لم‭ ‬يخترع‭ ‬فقط‭ ‬الشرق‭ ‬ولكن‭ ‬شوّهه‭ ‬أيضا‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬كذلك‭ ‬فهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الشرق‭ ‬ليس‭ ‬له‭ ‬وجود‭ ‬حقيقي‭ ‬فهو‭ ‬موجود‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬مخيلة‭ ‬الذي‭ ‬أبدعه‭. ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬لم‭ ‬يعطنا‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬تعريفا‭ ‬للشرق‭ ‬نفسه‭ ‬فما‭ ‬هي‭ ‬حقيقته؟‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬فيه‭ ‬تشويه‭ ‬وتزييف‭ ‬لصورة‭ ‬الشرق‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الغرب،‭ ‬حسب‭ ‬سعيد،‭ ‬فهو‭ ‬بدوره‭ ‬لم‭ ‬يقدم‭ ‬لنا‭ ‬الصورة‭ ‬الصحيحة‭ ‬وغير‭ ‬المزيفة‭ ‬لهذا‭ ‬الشرق‭. ‬ويبقى‭ ‬السؤال‭ ‬المعلق‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬الصورة‭ ‬الأصلية‭ ‬غير‭ ‬المشوهة‭ ‬لهذا‭ ‬الشرق؟

لوحة: وليد نظامي

وهذا‭ ‬ما‭ ‬يعاب‭ ‬على‭ ‬فكر‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬وهنا‭ ‬حسب‭ ‬رأيي‭ ‬يجدر‭ ‬بنا‭ ‬أن‭ ‬نرجع‭ ‬إلى‭ ‬أنفسنا‭ ‬لنرى‭ ‬ما‭ ‬حقيقة‭ ‬هذا‭ ‬الشرق‭ ‬كما‭ ‬نعيشه‭ ‬ونلمسه‭ ‬ونحياه‭ ‬نحن‭ ‬أولا‭ ‬كشرق‭ ‬وبمعزل‭ ‬عن‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬يقدمها‭ ‬الغرب‭ ‬لنا‭. ‬ومعرفتنا‭ ‬هذه‭ ‬بالنفس‭ ‬تساعدك‭ ‬في‭ ‬فهمك‭ ‬للكيفية‭ ‬التي‭ ‬يعرفك‭ ‬بها‭ ‬الآخر‭. ‬وفي‭ ‬قراءتي‭ ‬لما‭ ‬كتبه‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬حول‭ ‬الغرب‭ ‬لم‭ ‬أجد‭ ‬شيئا‭ ‬جديدا‭ ‬عنده‭ ‬لم‭ ‬يقله‭ ‬الغرب‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭. ‬فالكتاب‭ ‬مليء‭ ‬بأقوال‭ ‬الغرب‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭. ‬لنأخذ‭ ‬تاريخ‭ ‬الفلسفة‭ ‬الحديثة،‭ ‬فهو‭ ‬يحكي‭ ‬عن‭ ‬ديكارت‭ ‬وسبينوزا‭ ‬وجون‭ ‬لوك‭ ‬وغيرهم‭ ‬ولم‭ ‬أشعر‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬معرفة‭ ‬بالغرب‭ ‬إضافة‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬غير‭ ‬غربي‭. ‬فالكثير‭ ‬مما‭ ‬يقال‭ ‬حول‭ ‬الغرب‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬هو‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬القدح‭ ‬والتهجم‭ ‬والذم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬المعرفة‭ ‬الجدية‭ ‬الموضوعية‭.‬

نقد العقل

‭ ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬تواصل‭ ‬رحلتك‭ ‬الفكرية‭ ‬والفلسفية‭ ‬مع‭ ‬هنري‭ ‬برغسون‭ ‬ومع‭ ‬كانط‭ ‬لاحقا‭ ‬وهي‭ ‬الرحلة‭ ‬المهمة‭ ‬التي‭ ‬بدأتها‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬طويل‭ ‬بأطروحتك‭ ‬التي‭ ‬أنجزتها‭ ‬باللغة‭ ‬الإنكليزية‭ ‬والتي‭ ‬صدرت‭ ‬لك‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1972‭ ‬عن‭ ‬منشورات‭ ‬جامعة‭ ‬أكسفورد‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬جذور‭ ‬مجادلات‭ ‬كانط‭ ‬في‭ ‬النقائض”؟‮ ‬

العظم‭:‬‮ ‬أريد‭ ‬أولا‭ ‬أن‭ ‬أبدأ‭ ‬بالموضوع‭ ‬المتعلق‭ ‬بمعالجتي‭ ‬لفكر‭ ‬وفلسفة‭ ‬إمانويل‭ ‬كانط‭ ‬وتصحيح‭ ‬الالتباس‭ ‬الشائع‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬مساري‭ ‬الفكري‭ ‬وفلسفة‭ ‬كانط‭. ‬كان‭ ‬اهتمامي‭ ‬الجدي‭ ‬بهذا‭ ‬الفيلسوف‭ ‬في‭ ‬بدايات‭ ‬الستينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬وأصدرت‭ ‬الكتاب‭ ‬الأول‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬نظريات‭ ‬الزمان‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬كانط‭ ‬”‭ ‬باللغة‭ ‬الإنكليزية،‭ ‬ونشرته‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬في‭ ‬نيويورك‭ ‬ثم‭ ‬نشرت‭ ‬الكتاب‭ ‬الثاني‭ ‬دائما‭ ‬حول‭ ‬كانط‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬نقد‭ ‬العقل‭ ‬المحض”‭. ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أعمالي‭ ‬الأولية‭ ‬هذه‭ ‬حول‭ ‬كانط،‭ ‬انتشر‭ ‬التباس‭ ‬مفاده‭ ‬أني‭ ‬في‭ ‬دراساتي‭ ‬الجامعية‭ ‬كتبت‭ ‬أطروحة‭ ‬الدكتوراه‭ ‬حول‭ ‬كانط‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬خطأ،‭ ‬فأطروحة‭ ‬الدكتوراه‭ ‬كانت‭ ‬حول‭ ‬الفلسفة‭ ‬الفرنسية‭ ‬المعاصرة‭ ‬وتحديدا‭ ‬حول‭ ‬الفيلسوف‭ ‬هنري‭ ‬برغسون‭ ‬وكان‭ ‬موضوعها‭ ‬هو‭ ‬‮«‬فلسفة‭ ‬الأخلاق‭ ‬عند‭ ‬برغسون”‭. ‬ومضمون‭ ‬الأطروحة‭ ‬قد‭ ‬نشرته‭ ‬في‭ ‬كتابي‭ ‬‮«‬الفلسفة‭ ‬الغربية‭ ‬المعاصرة”‭. ‬وأريد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬أن‭ ‬أصحح‭ ‬هذا‭ ‬الالتباس‭ ‬الذي‭ ‬وقع‭. ‬فالعمل‭ ‬الذي‭ ‬أنجزته‭ ‬حول‭ ‬كانط‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬جذور‭ ‬مجادلات‭ ‬كانط‭ ‬في‭ ‬النقائض”‭ ‬هو‭ ‬ليس‭ ‬موضوع‭ ‬الدكتوراه‭ ‬وإنما‭ ‬أتى‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭. ‬واصلت‭ ‬دراساتي‭ ‬الكانطية‭ ‬بصفة‭ ‬مستقلة‭ ‬ونشرت‭ ‬أيضا‭ ‬‮«‬دراسات‭ ‬عن‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان‭ ‬عند‭ ‬كانط”‭ ‬باللغة‭ ‬العربية‭. ‬أما‭ ‬اهتمامي‭ ‬بكانط‭ ‬وفلسفته‭ ‬فقد‭ ‬استثمرته‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬اللاحقة‭ ‬وأعني‭ ‬بالخصوص‭ ‬الكتابين‭ ‬‮«‬النقد‭ ‬الذاتي‭ ‬بعد‭ ‬الهزيمة”‭ ‬وكتاب‭ ‬‮«‬نقد‭ ‬الفكر‭ ‬الديني”‭. ‬فتوجهت‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬الستينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬مرحلة‭ ‬استثنائية‭ ‬نظرا‭ ‬لتميزها‭ ‬بفكر‭ ‬ينادي‭ ‬إلى‭ ‬نزع‭ ‬الاستعمار‭ ‬وإلى‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬القضايا‭ ‬العادلة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬والعالم‭ ‬الثالث‭ ‬عموما‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومسايرة‭ ‬ومساندة‭ ‬الدول‭ ‬المتخلفة‭ ‬والتي‭ ‬ستسمّى‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬بالدول‭ ‬النامية‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬النمو‭ ‬لتلتحق‭ ‬بركب‭ ‬التقدم‭ ‬والتطور‭ ‬العلمي‭ ‬الحاصل‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬المتقدمة‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الأهداف‭ ‬المسطرة‭ ‬والمنشودة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭. ‬فالظرف‭ ‬السياسي‭ ‬والحضاري‭ ‬لتلك‭ ‬الفترة‭ ‬جرّني‭ ‬لأركز‭ ‬اهتمامي‭ ‬حول‭ ‬الفكر‭ ‬السياسي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬العربي‭ ‬وابتعدت‭ ‬عن‭ ‬الفكر‭ ‬الغربي‭ ‬المحض‭ ‬الذي‭ ‬بدأته‭ ‬بالفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ ‬هنري‭ ‬برغسون‭ ‬بتقديم‭ ‬رسالة‭ ‬دكتوراه‭ ‬حوله‭ ‬وبفلسفة‭ ‬إمانويل‭ ‬كانط‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭.‬

لقد‭ ‬توجه‭ ‬اهتمامي‭ ‬إلى‭ ‬المشكلات‭ ‬الثقافية‭ ‬والسياسية‭ ‬المطروحة‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دراسات‭ ‬ومحاضرات‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬بيروت‭ ‬ودمشق‭ ‬خاصة‭ ‬ونشرت‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬دراسات‭ ‬وبحوث‭ ‬حول‭ ‬المسائل‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالقضايا‭ ‬العربية‭ ‬وفي‭ ‬صلبها‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭.‬

كان‭ ‬المنعرج‭ ‬المهم‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬كنخبة‭ ‬ومفكرين‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ستينات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬هو‭ ‬هزيمة‭ ‬العرب‭ ‬أمام‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬1967‭ ‬وهذه‭ ‬الهزيمة‭ ‬جعلتنا‭ ‬نرى‭ ‬بشكل‭ ‬آخر‭ ‬ما‭ ‬كنّا‭ ‬نراه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬مرحلة‭ ‬واعدة‭ ‬ومتفردة‭ ‬لما‭ ‬يسمّى‭ ‬بالدول‭ ‬النامية‭ ‬والدول‭ ‬العربية‭ ‬والثقافة‭ ‬العربية‭. ‬إن‭ ‬الهزيمة‭ ‬صححت‭ ‬الوهم‭ ‬والتصورات‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬حول‭ ‬البطولات‭ ‬والشعارات‭ ‬المملوءة‭ ‬بالحماس‭ ‬والفارغة‭ ‬من‭ ‬الواقعية‭ ‬والعقلانية‭.‬

كتابي "نقد الفكر الديني" تحوّل‭ ‬‬إلى‭ ‬فضيحة‭ ‬أدبية‭ ‬وفكرية‭ ‬كبيرة‭ ‬لأنه‭ ‬تناول‭ ‬المقدس‭ ‬والطابو‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬محرم‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬وصريح‭ ‬بدون‭ ‬تورية‭ ‬وبدون‭ ‬الاختباء‭ ‬وراء‭ ‬التعبيرات‭ ‬المطاطة‭ ‬التي‭ ‬اشتهرت‭ ‬بها‭ ‬اللغة‭ ‬العربية

من‭ ‬هنا‭ ‬انحرف‭ ‬اهتمامي‭ ‬من‭ ‬المسائل‭ ‬الفكرية‭ ‬المجردة،‭ ‬ومن‭ ‬المسائل‭ ‬الثقافية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬أعلى‭ ‬إلى‭ ‬أمور‭ ‬كانت‭ ‬تمثل‭ ‬أولويات‭ ‬التفكير‭ ‬حولها‭ ‬والرد‭ ‬على‭ ‬الإبهام‭ ‬والإشكاليات‭ ‬الآنية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬مطروحة‭. ‬كما‭ ‬تبين‭ ‬لنا‭ ‬بعد‭ ‬الهزيمة‭ ‬أن‭ ‬التكفل‭ ‬بهذه‭ ‬المسائل‭ ‬كان‭ ‬مفقودا‭ ‬وناقصا‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭. ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لو‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬أحد‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬1956‭ ‬أنني‭ ‬سأكتب‭ ‬يوما‭ ‬كتابا‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬النقد‭ ‬الذاتي‭ ‬بعد‭ ‬الهزيمة”‭ ‬وأتكلم‭ ‬فيه‭ ‬عن‭ ‬الحرب‭ ‬والمعارك‭ ‬والدبابات‭ ‬وعن‭ ‬التكتيك‭ ‬الحربي‭ ‬والاستراتيجية‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬سأتهمه‭ ‬بالوهم‭ ‬والجنون‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬حصل‭. ‬فبعد‭ ‬الهزيمة‭ ‬حصل‭ ‬لي‭ ‬تحوّل‭ ‬فكري‭ ‬جذري‭ ‬وحاولت‭ ‬أن‭ ‬أفهم‭ ‬الواقع‭ ‬أكثر‭ ‬وأفهم‭ ‬عن‭ ‬قرب‭ ‬وبموضوعية‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬ولماذا‭ ‬حصل،‭ ‬طبعا‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬نقدي‭ ‬وتقدمي‭.‬

الفلسفة الممنوعة

‭ ‬كيف‭ ‬تصف‭ ‬وتقيّم‭ ‬واقع‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬العربية،‭ ‬وهل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬فلسفة‭ ‬عربية‭ ‬معاصرة‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬هويّتها‭ ‬وفرادتها‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬المشكلات‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬تشتغل‭ ‬عليها؟

العظم‭:‬‮ ‬منذ‭ ‬محنة‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬والفلسفة‭ ‬العربية‭ ‬مُحاربة‭ ‬ومُقصية‭ ‬من‭ ‬التداول‭ ‬والممارسة‭. ‬الغزالي‭ ‬مثلا‭ ‬لعب‭ ‬دورا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬وترويج‭ ‬الفكر‭ ‬الفقهي‭ ‬الديني‭ ‬لدرجة‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬في‭ ‬العصور‭ ‬الحديثة‭ ‬بإعادة‭ ‬اكتشاف‭ ‬فكر‭ ‬ابن‭ ‬خلدون‭ ‬في‭ ‬علوم‭ ‬الاجتماع‭ ‬والتاريخ‭ ‬وإعادة‭ ‬ظهور‭ ‬الفكر‭ ‬الرشدي‭ ‬نسبة‭ ‬إلى‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬هو‭ ‬عمل‭ ‬غربي‭. ‬وظهور‭ ‬فكر‭ ‬ومفكرين‭ ‬عرب‭ ‬حاولوا‭ ‬رد‭ ‬الاعتبار‭ ‬لهؤلاء‭ ‬جاء‭ ‬نتيجة‭ ‬الاهتمام‭ ‬الغربي‭ ‬أولا‭. ‬فالإحياء‭ ‬الغربي‭ ‬لهاتين‭ ‬الشخصيتين‭ ‬مثلا‭ ‬وهنا‭ ‬أقصد،‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬وابن‭ ‬خلدون،‭ ‬وهو‭ ‬طبعا‭ ‬شيء‭ ‬معلوم‭ ‬ومعروف،‭ ‬وحتى‭ ‬الاهتمام‭ ‬بهذه‭ ‬الشخصيات‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الفلك‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬هو‭ ‬مستمد‭ ‬من‭ ‬الغرب‭ ‬ومرتبط‭ ‬بالدراسات‭ ‬التي‭ ‬تقام‭ ‬حاليا‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭: ‬في‭ ‬فرنسا،‭ ‬ألمانيا‭ ‬وإنكلترا‭. ‬زد‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬ففي‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬فإن‭ ‬الفلسفة‭ ‬عموما‭ ‬هي‭ ‬إما‭ ‬محرمة‭ ‬أو‭ ‬شبه‭ ‬محرمة‭. ‬فنحن‭ ‬نعرف‭ ‬أن‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬السعودية‭ ‬ممنوعة‭. ‬هناك‭ ‬بعض‭ ‬الجامعات‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬تدرّس‭ ‬فيها‭ ‬الفلسفة‭ ‬ولكن‭ ‬طابعها‭ ‬وتوجهها‭ ‬يميل‭ ‬أكثر‭ ‬إلى‭ ‬الطابع‭ ‬المدرسي‭ ‬التلقيني‭ ‬التقليدي‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬تفكيرا‭ ‬فلسفيا‭ ‬منفتحا‭ ‬وحرّا‭. ‬فجوابي‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬إنتاج‭ ‬فلسفي‭ ‬عربي‭ ‬معاصر‭ ‬وراهن‭ ‬أعتقد‭ ‬أنه‭ ‬مبالغ‭ ‬فيه‭ ‬كثيرا‭. ‬فلا‭ ‬أعتقد‭ ‬بوجود‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬القبيل‭. ‬فما‭ ‬هو‭ ‬موجود‭ ‬طبعا‭ ‬هم‭ ‬المهتمون‭ ‬بالفلسفة‭ ‬والمحبون‭ ‬لها‭ ‬ويوجد‭ ‬أيضا‭ ‬أساتذة‭ ‬للفلسفة‭ ‬ودارسون‭ ‬ومتتبعون‭ ‬للفلسفة‭ ‬ولكن‭ ‬الإنتاج‭ ‬الفلسفي‭ ‬بمعنى‭ ‬الجديّ‭ ‬والمنتظم،‭ ‬والمتراكم‭ ‬والمستمر‭ ‬فهو‭ ‬غير‭ ‬موجود‭. ‬أظن‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬الأسباب‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬العالمين‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي‭ ‬لم‭ ‬يجر‭ ‬إنتاج‭ ‬معرفي‭ ‬بالطبيعة،‭ ‬وبالإنسان‭ ‬وبالمجتمع‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬500‭ ‬سنة‭ ‬على‭ ‬الأقل‭. ‬والفلسفة‭ ‬بدون‭ ‬قاعدة‭ ‬معرفية‭ ‬متراكمة‭ ‬تنهل‭ ‬منها،‭ ‬وتناقشها،‭ ‬وتنظَّر‭ ‬لها‭ ‬يصعب‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تنشأ‭ ‬وتزدهر‭.‬

من‭ ‬دون‭ ‬هذه‭ ‬القاعدة‭ ‬المعرفية‭ ‬وهذا‭ ‬التراكم‭ ‬المعرفي‭ ‬فإنه‭ ‬يصعب‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الفكر‭ ‬الفلسفي،‭ ‬وللأسف‭ ‬فإن‭ ‬الإنتاج‭ ‬العلمي‭ ‬والمعرفي‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي‭ ‬قد‭ ‬انقطع‭ ‬منذ‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭ ‬جدا‭ ‬وحلّ‭ ‬محله‭ ‬استهلاك‭ ‬للمعارف‭ ‬التي‭ ‬تنتجها‭ ‬المجتمعات‭ ‬الأخرى‭ ‬المتقدمة‭ ‬علميا‭ ‬ومعرفيا‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬ازدهار‭ ‬الإنتاج‭ ‬الفلسفي‭ ‬دائما‭ ‬ومنذ‭ ‬العصور‭ ‬البعيدة‭ ‬مرتبطا‭ ‬بالإنتاج‭ ‬العلمي‭ ‬بميادينه‭ ‬المختلفة،‭ ‬من‭ ‬علم‭ ‬الفلك‭ ‬إلى‭ ‬علوم‭ ‬الحساب‭ ‬والطبيعة‭. ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬العصور‭ ‬الوسطى‭ ‬كان‭ ‬الإنتاج‭ ‬الفلسفي‭ ‬مرتبطا‭ ‬بالعلوم‭ ‬الدينية‭ ‬السائدة‭ ‬وهذا‭ ‬رغم‭ ‬طابعها‭ ‬الديني‭ ‬اللاهوتي‭. ‬فالفلسفة‭ ‬ارتكزت‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬الدينية‭ ‬في‭ ‬نقاشاتها‭ ‬وازدهرت،‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬حاصل‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحالي‭ ‬هو‭ ‬غياب‭ ‬الإنتاج‭ ‬المعرفي‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬نوعه‭ ‬الضروري‭ ‬للإنتاج‭ ‬الفلسفي‭. ‬فلا‭ ‬وجود‭ ‬لتراكم‭ ‬معرفي‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نتفلسف‭ ‬حوله‭ ‬ونبني‭ ‬صورة‭ ‬كونية‭ ‬لوجودنا‭ ‬تكون‭ ‬مستمدة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المعارف‭.‬

لوحة: سعدون خوام

قضية الفلسفة

‭ ‬لنعد‭ ‬إلى‭ ‬الرأي‭ ‬القائل‭ ‬إن‭ ‬السبب‭ ‬الإبستيمولوجي‭ ‬المركزي‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬التفكير‭ ‬الفلسفي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المجتمعات‭ ‬هو‭ ‬العائق‭ ‬الديني‭. ‬فحسب‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الألماني‭ ‬هيغل‭ ‬عند‭ ‬حديثه‭ ‬عن‭ ‬الفلسفة‭ ‬الإسلامية‭ ‬‮«‬الجديد‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الفلسفة‭ ‬هو‭ ‬الإسلام‭ ‬وليس‭ ‬الفلسفة”‭. ‬فما‭ ‬هو‭ ‬تعليقكم؟

العظم‭:‬‮ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬هيغل‭ ‬ينطبق‭ ‬أيضا‭ ‬حسب‭ ‬رأيي‭ ‬على‭ ‬الفلسفة‭ ‬الوسطية‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬فالجديد‭ ‬فيها‭ ‬هو‭ ‬المسيحية‭ ‬وليس‭ ‬الفلسفة‭. ‬أصبحت‭ ‬الفلسفة‭ ‬خادمة‭ ‬العقائد‭ ‬الدينية‭ ‬السائدة‭ ‬سواء‭ ‬عند‭ ‬المسلمين‭ ‬أو‭ ‬المسيحيين‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬تخرج‭ ‬الفلسفة‭ ‬عن‭ ‬مهمتها‭ ‬الأولى‭ ‬وتصبح‭ ‬خادمة‭ ‬للأيديولوجيا‭ ‬الدينية‭ ‬القائمة،‭ ‬تُنظّر‭ ‬لها،‭ ‬و‭ ‬تُدافع‭ ‬عنها،‭ ‬وتنظّمها‭ ‬وتُعطيها‭ ‬التماسك‭ ‬المنطقي‭ ‬والبعد‭ ‬الشمولي‭. ‬فهكذا‭ ‬تخدم‭ ‬الفلسفة‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬الدينية‭ ‬القائمة‭. ‬فتحرر‭ ‬الفلسفة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الوظيفة‭ ‬كان‭ ‬بفضل‭ ‬الثورة‭ ‬العلمية‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬عشر‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭. ‬الفلسفة‭ ‬الحديثة‭ ‬تربط‭ ‬سندا‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الثورة‭ ‬العلمية‭ ‬واستمدت‭ ‬منها‭ ‬تساؤلاتها،‭ ‬ومناهجها‭ ‬وأنساقها‭. ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الفلسفة‭ ‬الحديثة‭ ‬هي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬عملية‭ ‬تعديل‭ ‬نفسها‭ ‬واستيعاب‭ ‬وامتصاص‭ ‬النتائج‭ ‬البعيدة‭ ‬والقريبة‭ ‬المترتّبة‭ ‬عن‭ ‬التطور‭ ‬العلمي‭ ‬الحاصل‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬والتي‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬أوج‭ ‬ذروتها‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬التنوير‭. ‬وكان‭ ‬للفلسفة‭ ‬دور،‭ ‬ومشاركة‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬نقل‭ ‬نتائج‭ ‬الثورة‭ ‬العلمية‭ ‬هذه‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬شؤون‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬شؤون‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وشؤون‭ ‬الدولة‭ ‬ومختلف‭ ‬ميادين‭ ‬الحياة‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬العادات‭ ‬والأعراف‭ ‬والانتماء‭ ‬القبلي‭ ‬في‭ ‬تسيير‭ ‬شؤون‭ ‬المواطنين‭ ‬والمدن‭. ‬لقد‭ ‬دخلت‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬نقاش‭ ‬كبير‭ ‬وفي‭ ‬نقد‭ ‬ودفع‭ ‬نتائج‭ ‬هذه‭ ‬العلوم‭ ‬من‭ ‬المجال‭ ‬العلمي‭ ‬إلى‭ ‬المجال‭ ‬التطبيقي‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬والاقتصادية‭. ‬إن‭ ‬التراكم‭ ‬العلمي‭ ‬الحاصل‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬دفع‭ ‬بالتساؤل‭ ‬الفلسفي‭ ‬إلى‭ ‬تجاوز‭ ‬القضايا‭ ‬التقليدية‭ ‬المرتبطة‭ ‬عموما‭ ‬باللاهوت‭ ‬والشؤون‭ ‬الدينية‭ ‬إلى‭ ‬التساؤل‭ ‬حول‭ ‬النتائج‭ ‬العلمية‭ ‬التي‭ ‬تتكرس‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬أنماط‭ ‬حياة‭ ‬جديدة،‭ ‬في‭ ‬الحين‭ ‬بقيت‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬عجز‭ ‬أمام‭ ‬هذا‭ ‬الكمّ‭ ‬الهائل‭ ‬من‭ ‬التراكم‭ ‬العلمي‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬واستيعاب‭ ‬ولو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التراكم‭ ‬العلمي‭ ‬الحادث‭.‬

الخوف من الفلسفة

‭ ‬ما‭ ‬رأيك‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬تدريس‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬التعليمية‭ ‬العربية‭ ‬راهنا‭ ‬ولماذا‭ ‬لم‭ ‬تنتج‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬وعيا‭ ‬فلسفيا‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتنا وفلاسفة‭ ‬لهم‭ ‬تأثير‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الفلسفية‭ ‬العالمية؟

العظم‭:‬‮ ‬وضع‭ ‬تدريس‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬جدّ‭ ‬متدنّ‭ ‬ويكاد‭ ‬ينعدم‭ ‬تماما‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬الأخرى‭. ‬وهذه‭ ‬الحالة‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬تدريس‭ ‬المواد‭ ‬الأخرى‭ ‬أيضا‭. ‬السبب‭ ‬الرئيسي‭ ‬حسب‭ ‬رأيي‭ ‬يعود‭ ‬أولا‭ ‬إلى‭ ‬غياب‭ ‬الحرية‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬والتعبير‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭. ‬فالفلسفة‭ ‬مادة‭ ‬سجالية‭ ‬ونقدية‭ ‬تصطدم‭ ‬دائما‭ ‬بمعتقدات‭ ‬أخرى‭ ‬وموروثات‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المحرّمات،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬سياسية‭ ‬أم‭ ‬دينية‭ ‬عقائدية‭. ‬فحالة‭ ‬من‭ ‬الخوف‭ ‬والحذر‭ ‬تسكن‭ ‬ممارسي‭ ‬الفعل‭ ‬الفلسفي‭ ‬من‭ ‬أساتذة‭ ‬وطلاب‭ ‬ومحبي‭ ‬هذه‭ ‬المادة،‭ ‬وهذا‭ ‬يدفع‭ ‬بهم‭ ‬إلى‭ ‬الابتعاد‭ ‬عن‭ ‬طرح‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يطرح‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البلدان‭ ‬وهذا‭ ‬يفقر‭ ‬الفلسفة‭ ‬ويعدم‭ ‬وجودها‭.‬

مثلا‭ ‬ففي‭ ‬مراكز‭ ‬الفقه‭ ‬الديني‭ ‬والعلمي‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الزيتونة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الأزهر‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬كليات‭ ‬الشريعة‭ ‬الملحقة‭ ‬بمعظم‭ ‬الجامعات‭ ‬العربية‭ ‬منذ‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭ ‬جدا‭ ‬لم‭ ‬يظهر‭ ‬هناك‭ ‬اجتهاد‭ ‬لافت‭ ‬حقيقة‭ ‬أو‭ ‬اختراق‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬قائم‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬التكرار‭ ‬والترتيل‭ ‬والحفظ‭ ‬على‭ ‬الظهر‭. ‬فلا‭ ‬توجد‭ ‬مبادرات‭ ‬إعادة‭ ‬القراءة‭ ‬والتأويل‭ ‬للتخلص‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭. ‬طبعا‭ ‬فإن‭ ‬الفلسفة‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬فقد‭ ‬صدر‭ ‬للمفتي‭ ‬والعالم‭ ‬الديني‭ ‬السعودي‭ ‬ابن‭ ‬الباز‭ ‬كتاب‭ ‬في‭ ‬أواسط‭ ‬ثمانينات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬كفّر‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬يقول‭ ‬بكرويّة‭ ‬الأرض‭ ‬ومن‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬الأرض‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬الشمس‭. ‬فكتب‭ ‬أنه‭ ‬سيحلل‭ ‬القضايا‭ ‬الفلكية‭ ‬مستندا‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬النص‭ ‬القرآني‭ ‬والسّنة‭ ‬والسلف‭ ‬الصالح،‭ ‬فبقي‭ ‬في‭ ‬معطيات‭ ‬الفلك‭ ‬القديم‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬مستنداته‭ ‬ومرجعياته‭. ‬ولكن‭ ‬الفضيحة‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬هو‭ ‬غياب‭ ‬من‭ ‬يتجرّأ‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬أو‭ ‬الإسلامي‭ ‬لمجابهته‭ ‬والردّ‭ ‬عليه‭. ‬وهذا‭ ‬سببه‭ ‬الجبن‭ ‬وعدم‭ ‬وجود‭ ‬الشجاعة‭ ‬الأدبية‭ ‬والفكرية‭ ‬لدى‭ ‬المفكر‭ ‬العربي‭. ‬فهو‭ ‬حر‭ ‬في‭ ‬آرائه‭ ‬ولكن‭ ‬الفضيحة‭ ‬الكبرى‭ ‬هي‭ ‬صمت‭ ‬وتخاذل‭ ‬العلماء‭ ‬والمفكرين‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬هذا‭ ‬الهراء‭ ‬والردّ‭ ‬على‭ ‬الذي‭ ‬تبناه‭. ‬نفس‭ ‬الجدال‭ ‬كان‭ ‬قائما‭ ‬في‭ ‬أواسط‭ ‬الستينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الموضوع،‭ ‬فانقسم‭ ‬يومها‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬إلى‭ ‬معسكرين‭: ‬الأر‭ ‬ض‭ ‬ليست‭ ‬كروية‭ ‬بقيادة‭ ‬مصر‭ ‬وجمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يدافع‭ ‬عن‭ ‬فكرة‭ ‬كروية‭ ‬الأرض‭ ‬وأن‭ ‬الأرض‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬الشمس،‭ ‬وما‭ ‬سمي‭ ‬بـ‭: ‬‮«‬المعسكر‭ ‬الرجعي‮»‬‭ ‬بقيادة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية،‭ ‬يدافع‭ ‬عن‭ ‬الرأي‭ ‬القائل‭ ‬بسطحية‭ ‬الأرض‭. ‬فانقسم‭ ‬الإعلام‭ ‬إلى‭ ‬فلكين‭ ‬والرأي‭ ‬العام‭ ‬وحتى‭ ‬الأكاديمي‭ ‬انقسم‭ ‬في‭ ‬موقفه‭ ‬حول‭ ‬المسألة‭ ‬ليس‭ ‬حسب‭ ‬معطيات‭ ‬علمية‭ ‬موضوعية‭ ‬ولكن‭ ‬حسب‭ ‬الانقسام‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬لكلّ‭ ‬طرف‭. ‬وحدث‭ ‬صراع‭ ‬كبير‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬الشتم‭ ‬والسب‭ ‬والاتهامات‭ ‬فتدخل‭ ‬عبدالناصر‭ ‬واتصل‭ ‬بالسعوديين‭ ‬لوقف‭ ‬هذه‭ ‬الفضيحة‭.‬

ما‭ ‬كتبه‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬حول‭ ‬الاستشراق‭ ‬‬كان‭ ‬رأيه‭ ‬فيه‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الغرب‭ ‬لم‭ ‬يخترع‭ ‬فقط‭ ‬الشرق‭ ‬ولكن‭ ‬شوّهه‭ ‬أيضا‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬كذلك‭ ‬فهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الشرق‭ ‬ليس‭ ‬له‭ ‬وجود‭ ‬حقيقي‭ ‬فهو‭ ‬موجود‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬مخيلة‭ ‬الذي‭ ‬أبدعه

الأر ض ليست كروية

‭ ‬في‭ ‬حديثكم‭ ‬هذا‭ ‬حول‭ ‬مشكلة‭ ‬كروية‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬مسطحة‭ ‬وما‭ ‬انجرّ‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬صراعات‭ ‬ما‭ ‬يذكرنا‭ ‬بالقرون‭ ‬الوسطى‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭. ‬ويبدو‭ ‬وكأننا‭ ‬نعيش‭ ‬نسخة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الزمن‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي‭ ‬اليوم‭. ‬فكيف‭ ‬تحللون‭ ‬هذا؟

العظم‭:‬‮ ‬أوافق‭ ‬تماما‭ ‬على‭ ‬تعليقك‭ ‬هذا،‭ ‬نحن‭ ‬لم‭ ‬نخرج‭ ‬بعد‭ ‬من‭ ‬نقاشات‭ ‬القرون‭ ‬الوسطى‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬مواضيع‭. ‬أذكر‭ ‬أيضا‭ ‬حادثة‭ ‬شبيهة‭ ‬ففي‭ ‬منتصف‭ ‬الستينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬وبمناسبة‭ ‬حلول‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬وتجمع‭ ‬الأئمة‭ ‬والشيوخ‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬لثبوت‭ ‬رؤية‭ ‬الهلال‭ ‬من‭ ‬عدمه‭ ‬والإعلان‭ ‬عن‭ ‬يوم‭ ‬بداية‭ ‬الصوم‭ ‬أو‭ ‬الإفطار‭ ‬وإعلان‭ ‬يوم‭ ‬العيد،‭ ‬انقسم‭ ‬الفلكان‭ ‬أو‭ ‬الجناحان‭ ‬بلغة‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬إلى‭ ‬جناح‭ ‬تقدمي‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬وهو‭ ‬التابع‭ ‬لمصر‭ ‬وإلى‭ ‬جناح‭ ‬رجعي‭ ‬وهو‭ ‬التابع‭ ‬للسعودية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭. ‬بعض‭ ‬العلماء‭ ‬المصريين‭ ‬اقترحوا‭ ‬على‭ ‬عبدالناصر‭ ‬آنذاك‭ ‬حلا‭ ‬علميا‭ ‬للمشكلة‭ ‬حيث‭ ‬أن‭ ‬إمكانية‭ ‬التأكيد‭ ‬بالدقة‭ ‬من‭ ‬ظهور‭ ‬الهلال‭ ‬من‭ ‬عدمه‭ ‬ممكنة‭ ‬بفضل‭ ‬التطور‭ ‬العلمي‭ ‬الحاصل‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الفلك‭ ‬الحديث،‭ ‬فكان‭ ‬رد‭ ‬عبدالناصر‭ ‬كالأتي‭ ‬‮«‬لا‭ ‬أريد‭ ‬فتح‭ ‬جبهة‭ ‬أخرى‭ ‬للنزاع‭ ‬والقتال”‭. ‬فهذا‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬أسبقية‭ ‬الحسابات‭ ‬الظرفية،‭ ‬والسياسي‭ ‬على‭ ‬الخطاب‭ ‬العلمي‭ ‬لدى‭ ‬القادة‭ ‬أيضا‭.‬

صراع سياسي

‭ ‬لكن‭ ‬حسب‭ ‬رأيي،‭ ‬فإن‭ ‬وسم‭ ‬هذا‭ ‬الطرف‭ ‬بالتقدمي‭ ‬فيه‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الانسجام‭ ‬مع‭ ‬فكرة‭ ‬التقدم‭ ‬نفسها‭. ‬فكيف‭ ‬لجناح‭ ‬تقدمي‭ ‬يخوض‭ ‬في‭ ‬غمار‭ ‬مشكلات‭ ‬تجاوزها‭ ‬الزمن‭ ‬وفصلت‭ ‬فيها‭ ‬العلوم‭ ‬منذ‭ ‬مدة؟‭ ‬فكلا‭ ‬الطرفين‭ ‬يتجادلان‭ ‬حول‭ ‬فكرة‭ ‬علمية‭ ‬أصبحت‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬العلمي‭ ‬للبشرية‭.‬

العظم‭:‬‮ ‬صحيح،‭ ‬ولكن‭ ‬التباين‭ ‬بين‭ ‬الجناحين‭ ‬أو‭ ‬الفلكين‭ ‬كان‭ ‬سياسيا‭ ‬وليس‭ ‬شيئا‭ ‬أخر‭. ‬فــ»الفلك‭ ‬الرجعي‮»‬‭ ‬سياسيا‭ ‬واجتماعيا‭ ‬كانت‭ ‬تقوده‭ ‬السعودية‭ ‬مقابل‭ ‬‮«‬الجناح‭ ‬التقدمي‮»‬‭ ‬سياسيا‭ ‬واجتماعيا‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬تقوده‭ ‬مصر‭. ‬وهكذا‭ ‬أسقطت‭ ‬التوجهات‭ ‬السياسية‭ ‬للطرفين‭ ‬على‭ ‬القضايا‭ ‬العلمية‭ ‬وبالخصوص‭ ‬قضية‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الأرض‭ ‬كروية‭ ‬أم‭ ‬مسطّحة‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬قضايا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭. ‬كان‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬ذريعة‭ ‬لتبرير‭ ‬توجهاته‭ ‬السياسية‭ ‬والأيديولوجية‭.‬

‭ ‬يبدو‭ ‬واضحا‭ ‬أن‭ ‬الغالب‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬النشاط‭ ‬الفكر‭ ‬الفلسفي‭ ‬عندنا،‭ ‬رغم‭ ‬قلته‭ ‬ونخبويته،‭ ‬هو‭ ‬ترجمة‭ ‬وشرح‭ ‬لبعض‭ ‬أعمال‭ ‬الفلاسفة‭ ‬الغربيين‭ ‬القدامى‭ ‬والمحدثين‭ ‬والمعاصرين‭ ‬إلى‭ ‬العربية‭ ‬والتعليق‭ ‬عليها،‮ ‬ولكن‭ ‬يلاحظ‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الترجمة‭ ‬شبه‭ ‬السياحية‭ ‬لم‭ ‬تنتج‭ ‬عنها‭ ‬إضافات‭ ‬فلسفية‭ ‬عربية‭ ‬معاصرة‭ ‬لها‭ ‬خصوصيتها‭ ‬ومساهمتها‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬ابتكار‭ ‬المفاهيم‭ ‬وحل‭ ‬الإشكاليات‭ ‬الفكرية والسياسية‭ ‬الكبرى‭ ‬المطروحة‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬زماننا؟

العظم‭:‬‮ ‬أولا‭ ‬ما‭ ‬يعاب‭ ‬على‭ ‬المفكرين‭ ‬والفلاسفة‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬حاولوا‭ ‬ترجمة‭ ‬وتقديم‭ ‬هذا‭ ‬الفكر‭ ‬إلى‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬هو‭ ‬كونهم‭ ‬على‭ ‬العموم‭ ‬غير‭ ‬حاسمين‭ ‬في‭ ‬مواقفهم،‭ ‬فكانوا‭ ‬يميلون‭ ‬أكثر‭ ‬إلى‭ ‬أنصاف‭ ‬الحلول‭ ‬وإلى‭ ‬الفكر‭ ‬التوفيقي‭ ‬والتصالحي،‭ ‬وهذا‭ ‬استجابة‭ ‬بطريقة‭ ‬أو‭ ‬بأخرى‭ ‬إلى‭ ‬الضغوطات‭ ‬الثقافية‭ ‬والسياسية‭ ‬الممارسة‭ ‬عليهم‭ ‬وتعرضهم‭ ‬للاتهامات‭ ‬مثلا،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬غلوّهم‭ ‬في‭ ‬استيراد‭ ‬الأفكار‭ ‬الغربية‭ ‬وتبنيهم‭ ‬ثقافة‭ ‬تبتعد‭ ‬عن‭ ‬القيم‭ ‬الحضارية‭ ‬لمجتمعاتنا‭. ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬تجب‭ ‬الإشارة‭ ‬إليه‭ ‬هو‭ ‬كون‭ ‬هذه‭ ‬المجتمعات‭ ‬نفسها‭ ‬تعتمد‭ ‬في‭ ‬حياتها‭ ‬المادية‭ ‬والاستهلاكية‭ ‬اليومية‭ ‬تقريبا‭ ‬وكليّة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬ينتجه‭ ‬الآخر‭ ‬وهنا‭ ‬أقصد‭ ‬الغرب،‭ ‬وترفض‭ ‬الفكر‭ ‬الغربي‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬وراء‭ ‬هذا‭ ‬الإنتاج‭ ‬المادي‭. ‬فهذه‭ ‬المفارقة‭ ‬تجعلني‭ ‬أقول‭ ‬إن‭ ‬الحلول‭ ‬الوسطية‭ ‬والتريث‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬وترجمة‭ ‬الفكر‭ ‬الغربي‭ ‬واعتماده‭ ‬لبناء‭ ‬فكر‭ ‬عربي‭ ‬معاصر‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬المفكّرين‭ ‬العرب‭ ‬لم‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬الاستيراد‭ ‬والتبعية‭ ‬المادية‭ ‬والاستهلاكية‭ ‬لهذه‭ ‬المجتمعات‭ ‬نفسها‭. ‬فعلى‭ ‬المرء‭ ‬أن‭ ‬يتجرّأ‭ ‬أكثر‭ ‬لنقل‭ ‬وترجمة‭ ‬هذا‭ ‬الفكر‭ ‬دون‭ ‬تريث‭ ‬وتحفظ‭ ‬لأن‭ ‬الفكر‭ ‬هو‭ ‬الضامن‭ ‬الوحيد‭ ‬للاستقلالية‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬المادي‭ ‬لهذه‭ ‬المجتمعات‭.‬

الديني والدنيوي

‭ ‬ماذا‭ ‬بعد‭ ‬نقد‭ ‬الفكر‭ ‬الديني‭ ‬وذهنية‭ ‬التحريم‭ ‬اللذين‭ ‬شرعت‭ ‬فيهما‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬بناء‭ ‬الفكر‭ ‬العلماني‭ ‬الديمقراطي‮ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭.‬

العظم‭:‬‮ ‬خمسون‭ ‬عاما‭ ‬مرَت‭ ‬على‭ ‬نشر‭ ‬كتابي‭ ‬‮«‬نقد‭ ‬الفكر‭ ‬الديني”‭ ‬ورغم‭ ‬محاولة‭ ‬منعه‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية،‭ ‬ما‭ ‬عدا‭ ‬لبنان،‭ ‬فإن‭ ‬الكتاب‭ ‬بقي‭ ‬مطلوبا‭ ‬من‭ ‬القارئ‭ ‬ومتداولا‭ ‬بشكل‭ ‬واسع،‭ ‬ولم‭ ‬يتوقف‭ ‬عن‭ ‬الطبع‭ ‬لمدة‭ ‬50‭ ‬عاما،‭ ‬وكأن‭ ‬التطورات‭ ‬السياسية‭ ‬الحالية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالحركات‭ ‬الأصولية‭ ‬والجهادية‭ ‬وما‭ ‬شابه‭ ‬تساهم‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬الإقبال‭ ‬الكبير‭ ‬على‭ ‬الكتاب‭ ‬وقراءته‭ ‬وإحيائه‭ ‬محليا‭ ‬ودوليا،‭ ‬فالكتاب‭ ‬ترجم‭ ‬إلى‭ ‬لغات‭ ‬أجنبية‭ ‬مثل‭ ‬الإنكليزية‭ ‬والإيطالية‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الملخصات‭ ‬والمراجعات‭ ‬الكثيرة‭ ‬المنشورة‭ ‬حول‭ ‬الكتاب‭ ‬بعدة‭ ‬لغات‭.‬

لقد‭ ‬أثار‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬في‭ ‬زمانه‭ ‬ضجة‭ ‬إعلامية‭ ‬كبيرة‭ ‬كانت‭ ‬شبيهة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬بالضجة‭ ‬التي‭ ‬أثارتها‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬آيات‭ ‬شيطانية”‭ ‬لسلمان‭ ‬رشدي‭ ‬في‭ ‬التسعينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬والفرق‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الآيات‭ ‬الشيطانية‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬العولمة‭ ‬وهكذا‭ ‬أخذت‭ ‬الرواية‭ ‬صدى‭ ‬عالميا‭ ‬واسعا‭ ‬بينما‭ ‬كتابي‭ ‬الذي‭ ‬صدر‭ ‬قبل‭ ‬خمسين‭ ‬سنة‭ ‬بقي‭ ‬الفضيحة‭ ‬الأدبية‭ ‬المحصورة‭ ‬داخل‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭. ‬لقد‭ ‬أنجب‭ ‬الكتاب‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬ألف‭ ‬وخمسمئة‭ ‬صفحة‭ ‬من‭ ‬المناقشات‭ ‬والردود‭ ‬والدحض‭ ‬والتفنيد‭ ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬الدفاع‭. ‬إنه‭ ‬يمكن‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الكتاب‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬والمكتبات‭ ‬الجامعية‭ ‬العالمية‭ ‬وفي‭ ‬العالم‭ ‬الافتراضي‭. ‬في‭ ‬كتابي‮ ‬‮«‬ذهنية‭ ‬التحريم”‮ ‬وخاصة‭ ‬القسم‭ ‬المتعلق‭ ‬بسلمان‭ ‬رشدي‭ ‬وقصة‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬آيات‭ ‬شيطانية”‭ ‬دافعت‭ ‬عن‭ ‬حق‭ ‬الكاتب‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬والكتابة‭ ‬وحرية‭ ‬الرأي‭ ‬والتعبير‭ ‬وقد‭ ‬بقيت‭ ‬المقاربة‭ ‬الأدبية‭ ‬التي‭ ‬قدمتها‭ ‬حول‭ ‬آراء‭ ‬سلمان‭ ‬رشدي‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬النقد‭ ‬الأدبي‭ ‬طبعا،‭ ‬وصدرت‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬مجلد‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬ما‭ ‬بعد ذهنية‭ ‬التحريم”‭ ‬وأصبح‭ ‬هذا‭ ‬المجلد‭ ‬وثيقة‭ ‬ومرجعا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬سلمان‭ ‬رشدي‭ ‬وروايته‭ ‬وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬النقاد‭ ‬الذين‭ ‬ردوا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬كتبته‭. ‬أعتبر‭ ‬هذا‭ ‬الإنجاز‭ ‬مهما‭ ‬ليس‭ ‬بالمعنى‭ ‬الشخصي‭ ‬وإنما‭ ‬بمعنى‭ ‬إثراء‭ ‬سجالي‭ ‬ونقاشي‭ ‬داخل‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬في‭ ‬المسائل‭ ‬الحساسة‭ ‬والمهمة،‭ ‬وهي‭ ‬قضايا‭ ‬كان‭ ‬يتجنبها‭ ‬المفكرون‭ ‬العرب‭ ‬ولم‭ ‬يفتح‭ ‬النقاش‭ ‬حولها‭ ‬بشكل‭ ‬صريح‭ ‬ومباشر‭. ‬مثلما‭ ‬وجهت‭ ‬النقد‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬سلمان‭ ‬رشدي‭ ‬فقد‭ ‬وجهت‭ ‬نقدا‭ ‬للجنرال‭ ‬السوري‭ ‬السابق‭ ‬مصطفى‭ ‬طلاس‭. ‬وكما‭ ‬نعرف‭ ‬فإن‭ ‬الرد‭ ‬في‭ ‬بلداننا‭ ‬على‭ ‬وزير‭ ‬الدفاع‭ ‬هو‭ ‬تجاوز‭ ‬للخطوط‭ ‬الحمراء‭ ‬وعلى‭ ‬صاحبه‭ ‬أن‭ ‬يتلمّس‭ ‬رأسه‭ ‬وأن‭ ‬مصيره‭ ‬المقصلة‭ ‬أو‭ ‬النفي‭ ‬أو‭ ‬السجن‭. ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬قمت‭ ‬بذلك‭ ‬ومازلت‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭.‬

أما‭ ‬الشق‭ ‬المتعلق‭ ‬ببناء‭ ‬مجتمعات‭ ‬ديمقراطية‭ ‬بالمعنى‭ ‬المعاصر‭ ‬فنحن‭ ‬مطالبون‭ ‬بالعمل‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الممهدات‭ ‬الفكرية‭ ‬والنظرية‭ ‬المطلوبة‭ ‬فلسفيا‭ ‬لمجابهة‭ ‬المنظومات‭ ‬الفكرية‭ ‬المعادية‭ ‬لأيّ‭ ‬توجه‭ ‬علماني‭ ‬ومدني،‭ ‬كمنظومة‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه‭ ‬أو‭ ‬منظومة‭ ‬الحاكمية‭ ‬أو‭ ‬المنظومات‭ ‬السابقة‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬المنظومات‭ ‬المذكورة،‭ ‬حيث‭ ‬أن‭ ‬المنظومة‭ ‬الدينية‭ ‬كصرح‭ ‬الأزهر‭ ‬كان‭ ‬ألعوبة‭ ‬بيد‭ ‬الأنظمة‭ ‬العسكرية‭ ‬والاستبدادية‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬دائما‭ ‬تبرر‭ ‬لها‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬النظام‭ ‬يقول‭ ‬بالاشتراكية‭ ‬فإنها‭ ‬تجند‭ ‬منابر‭ ‬هذه‭ ‬الهيئات‭ ‬الدينية‭ ‬للاشتراكية‭ ‬ويصبح‭ ‬الإسلام‭ ‬ربا‭ ‬للاشتراكية،‭ ‬وإذا‭ ‬قالوا‭ ‬بالليبرالية‭ ‬فيسبح‭ ‬بالعكس،‭ ‬وإذا‭ ‬قالوا‭ ‬بالحرب‭ ‬على‭ ‬إسرائيل‭ ‬فإنها‭ ‬تقول‭ ‬بأن‭ ‬الجهاد‭ ‬هو‭ ‬المطلوب،‭ ‬وإذا‭ ‬قالت‭ ‬هذه‭ ‬الأنظمة‭ ‬بالصلح‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬فيصبح‭ ‬مشايخ‭ ‬الأزهر‭ ‬يوجهون‭ ‬ويفسرون‭ ‬النصوص‭ ‬الدينية‭ ‬لخدمة‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬ومع‭ ‬السلام‭. ‬إنه‭ ‬علينا‭ ‬مواجهة‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬لتمهيد‭ ‬الطريق‭ ‬لفكر‭ ‬علماني‭ ‬يفصل‭ ‬بين‭ ‬الديني‭ ‬والدنيوي‭ ‬ويحرر‭ ‬الدين‭ ‬من‭ ‬الأنظمة‭ ‬الدكتاتورية‭ ‬المستبدة‭.‬

تهافت الفكر الديني

‭ ‬يلاحظ‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬كتاباتك‭ ‬تنصبّ‭ ‬على‭ ‬نقد‭ ‬الجانب‭ ‬العقلاني‭ ‬من‭ ‬الفكر‭ ‬الديني‭ ‬الإسلامي‭ ‬ولكنك‭ ‬تتحاشى‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬تفكيك‭ ‬الأبنية‭ ‬اللاواعية‭ ‬واللاعقلانية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الفكر‭ ‬الذي‭ ‬يعاد‭ ‬إنتاجه‭ ‬في‭ ‬بلداننا‭ ‬بلاوعي‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬وفي‭ ‬الممارسات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والمنتجة‭ ‬للمعنى،‭ ‬علما‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬تغلب‭ ‬على‭ ‬معظم‭ ‬الدارسين والنقاد‭ ‬والمفكرين‭ ‬العرب‭ ‬المعاصرين‭ ‬كما‭ ‬عند‭ ‬زكي‭ ‬نجيب‭ ‬محمود،‭ ‬وأدونيس‭ ‬ومحمد‭ ‬أركون،‭ ‬ومحمد‭ ‬عابد‭ ‬الجابري،‭ ‬وحسن‭ ‬حنفي،‭ ‬وحسين‭ ‬مروة‭ ‬وغيرهم‭. ‬هناك‭ ‬طبعا‭ ‬بعض‭ ‬الاستثناءات‭ ‬القليلة‭ ‬جدا‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬فقط‭ ‬مساهمات‭ ‬تحليلية‭ ‬نفسية‭ ‬نقدية‭ ‬للاوعي‭ ‬الديني‭ ‬والثقافي‭ ‬عند‭ ‬على‭ ‬زيعور،‭ ‬وجورج‭ ‬طرابيشي،‭ ‬وفي‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬هناك‭ ‬مساهمات‭ ‬تحليلية‭ ‬نفسية‭ ‬نقدية‭ ‬للاوعي‭ ‬الثقافي‭ ‬الديني‭ ‬الإسلامي‭ ‬لمصطفى‭ ‬صفوان‭ ‬وعدنان‭ ‬حب‭ ‬الله‭ ‬وغيرهما‭ ‬قليل‭ ‬جدا‭ ‬ولكنها‭ ‬لا‭ ‬تشكل‭ ‬مجتمعة‭ ‬تيارا‭ ‬فاعلا‭ ‬ومؤثرا‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الشعبية‭ ‬داخل‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭.‬

العظم‭:‬‮ ‬أفعل‭ ‬هذا بشكل‭ ‬واع‭ ‬ومتعمد‭ ‬وهذا‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬المنهج‭ ‬الفلسفي‭ ‬الذي‭ ‬تبنيته‭ ‬في‭ ‬دراساتي‭ ‬وبحوثي‭ ‬التي‭ ‬تركزت‭ ‬على‭ ‬الفكر‭ ‬الذي‭ ‬يبنى‭ ‬حول‭ ‬العقيدة‭ ‬الدينية،‭ ‬هذا‭ ‬الفكر‭ ‬الذي‭ ‬يغلّفها،‭ ‬يدافع‭ ‬عنها‭ ‬وينافحها‭ ‬ويحوّلها‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬منطقي‭ ‬يدّعي‭ ‬التماسك‭ ‬والانسجام‭. ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬مجال‭ ‬اهتماماتي‭ ‬وعملت‭ ‬على‭ ‬نقد‭ ‬وتبيان‭ ‬تهافت‭ ‬وتناقض‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الفكر‭ ‬الذي‭ ‬ينشأ‭ ‬حول‭ ‬الظاهرة‭ ‬الدينية‭. ‬ربما‭ ‬يحتاج‭ ‬تحليل‭ ‬اللامعقول‭ ‬في‭ ‬الظاهرة‭ ‬الدينية‭ ‬إلى‭ ‬نقد‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬واختصاص‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬آخر‭ ‬أنا‭ ‬لم‭ ‬أدخل‭ ‬فيه‭ ‬بعمق‭ ‬كالتحليل‭ ‬النفسي‭ ‬مثلا‭. ‬ومسألة‭ ‬تبديل‭ ‬البنيات‭ ‬العميقة‭ ‬التي‭ ‬يتكلم‭ ‬عنها‭ ‬مفكرو‭ ‬التحليل‭ ‬النفسي‭ ‬هي‭ ‬سيرورة‭ ‬تاريخية‭ ‬طويلة‭ ‬وبعيدة‭ ‬المدى‭. ‬فلا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نتهرب‭ ‬من‭ ‬مواجهة‭ ‬الوضع‭ ‬السياسي‭ ‬القائم‭ ‬وتحميل‭ ‬كل‭ ‬المسؤولية‭ ‬للأفراد‭ ‬والشعوب‭ ‬المكونة‭ ‬لهذه‭ ‬المجتمعات‭. ‬فلا‭ ‬نتهرب‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬الحكم‭ ‬والسيطرة‭ ‬والاستبداد‭ ‬المفروض‭ ‬عليها،‭ ‬وكأننا‭ ‬نقول‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نؤجل‭ ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نتمكن‭ ‬من‭ ‬تغيير‭ ‬قاع‭ ‬المجتمع‭ ‬والثقافة‭ ‬السائدة‭. ‬فنحن‭ ‬أمام‭ ‬سيرورتين‭ ‬بإيقاعين‭ ‬مختلفين‭ ‬كليّة‭. ‬واحدة‭ ‬بطيئة‭ ‬جدا‭ ‬والأخرى‭ ‬سريعة‭ ‬وآنية‭. ‬فطرف‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬المقولة‭ ‬‮«‬كما‭ ‬تكونوا‭ ‬يولّى‭ ‬عليكم”‭ ‬والطرف‭ ‬الأخر‭ ‬على‭ ‬المقولة‭ ‬‮«‬الناس‭ ‬على‭ ‬دين‭ ‬ملوكها”‭.‬

للأسف‭ ‬فإن‭ ‬الإنتاج‭ ‬العلمي‭ ‬والمعرفي‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي‭ ‬قد‭ ‬انقطع‭ ‬منذ‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭ ‬جدا‭ ‬وحلّ‭ ‬محله‭ ‬استهلاك‭ ‬للمعارف‭ ‬التي‭ ‬تنتجها‭ ‬المجتمعات‭ ‬الأخرى

لنأخذ‭ ‬مصطفى‭ ‬كمال‭ ‬أتاتورك‭ ‬ودوره‭ ‬كبطل‭ ‬أنقذ‭ ‬تركيا‭ ‬من‭ ‬السيطرة‭ ‬الاستعمارية،‭ ‬فهو‭ ‬قد‭ ‬تمكن‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬ويفتح‭ ‬سيرورات‭ ‬مستمرة‭ ‬منذ‭ ‬ثمانين‭ ‬سنة‭ ‬إلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا،‭ ‬وعمله‭ ‬هذا‭ ‬حفر‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬الثقافة‭ ‬والمجتمع‭ ‬التركي‭ ‬الإسلامي‭ ‬المهيمن‭ ‬منذ‭ ‬قرون‭. ‬فقد‭ ‬استطاع‭ ‬هذا‭ ‬القائد‭ ‬أن‭ ‬يغير‭ ‬من‭ ‬مسار‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع‭ ‬بقوة‭ ‬الإرادة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬تبنّاها‭. ‬فلا‭ ‬نأخذ‭ ‬القاعدة‭ ‬القائلة‭ ‬‮«‬كما‭ ‬تكونوا‭ ‬يولّى‭ ‬علكم”‭ ‬بشكل‭ ‬ميكانيكي‭ ‬وهي‭ ‬تعني‭ ‬أنه‭ ‬إذا‭ ‬كنتم‭ ‬رجعيين‭ ‬فالحكام‭ ‬يكونون‭ ‬رجعيين،‭ ‬وإذا‭ ‬كنتم‭ ‬تقدميين‭ ‬فالحكام‭ ‬يكونون‭ ‬تقدميين،‭ ‬وإذا‭ ‬كنتم‭ ‬قبليين‭ ‬فالحكام‭ ‬يكونون‭ ‬قبليين،‭ ‬وإذا‭ ‬كنتم‭ ‬رعايا‭ ‬فالحكام‭ ‬يكونون‭ ‬رعاة‭ ‬وهكذا‭ ‬دواليك‭. ‬فهذا‭ ‬تفكير‭ ‬ميكانيكي‭ ‬يختزل‭ ‬ويبرر‭ ‬طرق‭ ‬وأنظمة‭ ‬الحكم‭ ‬وعلاقته‭ ‬بالمحكومين،‭ ‬ويعكس‭ ‬القيادة‭ ‬بشكل‭ ‬عبثي‭ ‬وأوتوماتيكي‭ ‬من‭ ‬القاعدة،‭ ‬علما‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬طريقا‭ ‬أخرى‭ ‬وهي‭ ‬أن‭ ‬قمة‭ ‬الهرم‭ ‬وسوء‭ ‬ممارستها‭ ‬السياسية‭ ‬أو‭ ‬الفكرية‭ ‬لها‭ ‬إمكانية‭ ‬تغيير‭ ‬هذا‭ ‬القدر‭ ‬وتغيير‭ ‬القاعدة‭ ‬بتغيير‭ ‬أنظمتها‭ ‬في‭ ‬التسيير‭ ‬والحكم‭. ‬فالعملية‭ ‬جدلية‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬وتحل‭ ‬بالنقاش‭ ‬والحوار‭ ‬والانفتاح‭ ‬أكثر‭.‬

شارع الجماهير

‭ ‬ماذا‭ ‬تقول‭ ‬بخصوص‭ ‬ما‭ ‬يسمّى‭ ‬بـ»الربيع‭ ‬العربي‮»‬؟

العظم‭:‬‮ ‬الجماهير‭ ‬التي‭ ‬خرجت‭ ‬إلى‭ ‬ميادين‭ ‬التحرير‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬تونس‭ ‬والقاهرة‭ ‬وصنعاء‭ ‬هي‭ ‬جماهير‭ ‬متدينة‭ ‬ولكنها‭ ‬رفعت‭ ‬شعارات‭ ‬تتعلق‭ ‬بالحرية‭ ‬والكرامة‭ ‬والديمقراطية‭ ‬والعدالة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وهي‭ ‬قيم‭ ‬تعود‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬إلى‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية‭. ‬فهذه‭ ‬الجماهير‭ ‬لم‭ ‬تقل‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬مثلا‭ ‬بأن‭ ‬الإسلام‭ ‬هو‭ ‬الحل‭. ‬حسب‭ ‬رأيي‭ ‬هناك‭ ‬نضج‭ ‬ووعي‭ ‬داخل‭ ‬الفرد‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬التدين‭ ‬والإيمان‭ ‬الفردي‭ ‬ليسا‭ ‬هما‭ ‬اللذان‭ ‬سيؤسسان‭ ‬لدولة‭ ‬حديثة‭ ‬بالمؤسسات‭ ‬الديمقراطية‭. ‬وهو‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الرفض،‭ ‬منذ‭ ‬البداية،‭ ‬لمشروع‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمين‭ ‬الذين‭ ‬طرحوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬كأوصياء‭ ‬على‭ ‬أسلمة‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭. ‬فالإطاحة‭ ‬بمحمد‭ ‬مرسي‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الجماهير‭ ‬التي‭ ‬خرجت‭ ‬إلى‭ ‬الشوارع‭ ‬وطالبت‭ ‬برحيله‭. ‬لم‭ ‬أر‭ ‬جماهير‭ ‬خرجت‭ ‬إلى‭ ‬الشوارع‭ ‬بهذا‭ ‬الكم‭ ‬الهائل‭ ‬إلا‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬حياتي‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬10‭ ‬حزيران‭ ‬1967‭ ‬وذلك‭ ‬عندما‭ ‬أقبل‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬على‭ ‬الاستقالة‭ ‬من‭ ‬منصبه‭ ‬بعد‭ ‬الهزيمة‭ ‬وخرجت‭ ‬جماهير‭ ‬بهذا‭ ‬العدد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شوارع‭ ‬مصر‭ ‬وطلبت‭ ‬منه‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬منصبة‭ ‬وأعلنت‭ ‬مساندتها‭ ‬له‭. ‬التدين‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬شهير‭ ‬ويؤخذ‭ ‬بشكل‭ ‬من‭ ‬اليسر‭ ‬والمرونة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المصريين،‭ ‬وهذه‭ ‬الجماهير‭ ‬المتدينة‭ ‬ترفض‭ ‬الحكم‭ ‬باسم‭ ‬الإسلام،‭ ‬وإقامة‭ ‬دولة‭ ‬إسلامية‭ ‬بمفهوم‭ ‬الإخوان‭ ‬أو‭ ‬غيرهم،‭ ‬وهي‭ ‬قناعة‭ ‬قديمة‭ ‬ومتجذّرة‭ ‬لدى‭ ‬الإنسان‭ ‬المصري‭ ‬منذ‭ ‬قرون،‭ ‬وهي‭ ‬نقطة‭ ‬حاسمة‭.‬

الحالة السورية

‭ ‬فلماذا‭ ‬لم‭ ‬يطبق‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬على‭ ‬سوريا؟‭ ‬لماذا‭ ‬تحولت‭ ‬المظاهرات‭ ‬والمطالبة‭ ‬بالتغيير‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬أهلية‭ ‬وأخذت‭ ‬مسار‭ ‬الجهادية؟‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬مصر‭ ‬وسوريا‭ ‬حسب‭ ‬رأيكم؟

العظم‭:‬‮ ‬أولا‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬بقي‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬الأقلية‭ ‬العلوية‭ ‬المسيطرة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬أجهزة‭ ‬الدولة‭ ‬والأمن‭ ‬والجيش‭ ‬والاقتصاد‭. ‬هذه‭ ‬الأقلية‭ ‬كانت‭ ‬لا‭ ‬تشكل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرة‭ ‬بالمئة‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬كله‭ ‬وتتصرف‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬كأنها‭ ‬مزرعة‭ ‬خاصة‭ ‬تابعة‭ ‬لها‭. ‬إن‭ ‬تاريخ‭ ‬حكمها‭ ‬ملطّخ‭ ‬بمجازر‭ ‬دموية‭ ‬كمجزرة‭ ‬تدمر‭ ‬ومجزرة‭ ‬1982‭. ‬فهذا‭ ‬التراكم‭ ‬الحقدي‭ ‬انفجر‭ ‬مع‭ ‬الثورة‭ ‬ليأخذ‭ ‬الأبعاد‭ ‬التي‭ ‬نشاهدها‭ ‬اليوم‭. ‬فالنظام‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬الأقلية‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬لم‭ ‬يستطيع‭ ‬احتواء‭ ‬ومواجهة‭ ‬الأغلبية‭ ‬الشعبية‭ ‬الناقمة‭ ‬والمعارضة‭ ‬له‭ ‬واضطر‭ ‬أن‭ ‬يستعين‭ ‬بحزب‭ ‬الله‭ ‬والميليشيات‭ ‬الشيعية‭ ‬بالعراق‭ ‬وإيران‭ ‬وبعد‭ ‬ذلك‭ ‬بروسيا‭. ‬ضباط‭ ‬الجيش‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬انشقوا،‭ ‬ومقارنة‭ ‬مع‭ ‬مصر‭ ‬فإن‭ ‬الجيش‭ ‬المصري‭ ‬بقي‭ ‬موحدا‭ ‬ومتماسكا‭. ‬ومهم‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬إن‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬أهلية،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الأهل‭ ‬لم‭ ‬يتقاتلوا‭ ‬كما‭ ‬حصل‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬لبنان‭ ‬أين‭ ‬كانت‭ ‬الطوائف‭ ‬معبأة‭ ‬ضد‭ ‬بعضها‭. ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬لم‭ ‬نشهد‭ ‬اقتتالا‭ ‬بين‭ ‬الدروز‭ ‬والسنة‭ ‬والأكراد‭. ‬فالحالة‭ ‬السورية‭ ‬شبيهة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬بالانتفاضة‭ ‬المسلحة‭ ‬التي‭ ‬حصلت‭ ‬في‭ ‬هنغاريا‭ ‬سنة‭ ‬1956‭. ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وبفعل‭ ‬الاحتلال‭ ‬الأميركي‭ ‬الذي‭ ‬حلّ‭ ‬الدولة‭ ‬دخل‭ ‬البلد‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬أهلية‭ ‬بين‭ ‬المكوَن‭ ‬الشيع‭ ‬والسني‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬السورية‭ ‬فإن‭ ‬المكوَنات‭ ‬الطائفية‭ ‬لم‭ ‬تتقاتل‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭. ‬المسيحيون‭ ‬يحمون‭ ‬أنفسهم‭ ‬والدروز‭ ‬أيضا‭ ‬يحمون‭ ‬أنفسهم‭ ‬والأكراد‭ ‬لهم‭ ‬أجندة‭ ‬خاصة‭. ‬عمليا‭ ‬فإن‭ ‬الفاعل‭ ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬السلطة‭ ‬وثانيا‭ ‬الانتفاضة‭ ‬المسلحة‭.‬

‭ ‬منذ‭ ‬مدة‭ ‬وأنت‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬برلين‭ ‬هاربا‭ ‬من‭ ‬بطش‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬وتشترك‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬القدر‭ ‬مع‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬السوريين‭ ‬الموجودين‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬وفي‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬فتحت‭ ‬الأبواب‭ ‬لهم‭. ‬الأفق‭ ‬يبدو‭ ‬مبهما‭ ‬وغامضا‭ ‬للجميع،‭ ‬فما‭ ‬هو‭ ‬الحل‭ ‬وكيف‭ ‬ترى‭ ‬المخرج‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬والأزمة؟

العظم‭:‬‮ ‬الحل‭ ‬السهل‭ ‬غير‭ ‬وارد‭ ‬وغير‭ ‬موجود‭. ‬إن‭ ‬السوريين‭ ‬الآن‭ ‬لهم‭ ‬أمل‭ ‬فيما‭ ‬ستسفر‭ ‬عنه‭ ‬الانتخابات‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأميركية‭. ‬بعد‭ ‬رحيل‭ ‬أوباما‭ ‬عن‭ ‬الحكم‭ ‬هناك‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬يغير‭ ‬الرئيس‭ ‬الجديد‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬سياسة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تجاه‭ ‬القضية‭ ‬السورية،‭ ‬وعادة‭ ‬ما‭ ‬يحصل‭ ‬هذا‭. ‬لما‭ ‬جاء‭ ‬أوباما‭ ‬إلى‭ ‬الحكم‭ ‬غيّر‭ ‬من‭ ‬المنهج‭ ‬الذي‭ ‬اتبعه‭ ‬الرئيس‭ ‬السابق‭ ‬بوش‭ ‬الابن‭ ‬وصحح‭ ‬الخراب‭ ‬الذي‭ ‬ارتكبه‭ ‬في‭ ‬العراق‭. ‬والرئيس‭ ‬الذي‭ ‬سيأتي‭ ‬سيحاول‭ ‬الحسم‭ ‬في‭ ‬القضية‭ ‬السورية‭ ‬وتصحيح‭ ‬الخراب‭ ‬الذي‭ ‬ستتركه‭ ‬سياسة‭ ‬أوباما‭. ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬تبنى‭ ‬سياسة‭ ‬‮«‬لنترك‭ ‬سوريا‭ ‬تنزف”،‭ ‬وهي‭ ‬تستنزف‭ ‬إيران‭ ‬وحزب‭ ‬الله‭ ‬وتستنزف‭ ‬نفسها‭ ‬أيضا‭ ‬وإلى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬روسيا‭. ‬ويعنى‭ ‬أنها‭ ‬تستنزف‭ ‬كل‭ ‬القوى‭ ‬المعادية‭ ‬لسياستها‭ ‬وسياسة‭ ‬الغرب‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬بإمكان‭ ‬أوباما‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬حلّ‭ ‬المسألة‭ ‬وذلك‭ ‬بالقيام‭ ‬بما‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬السابق‭ ‬بيل‭ ‬كلينتون‭ ‬في‭ ‬كوسوفو،‭ ‬والذي‭ ‬تدخل‭ ‬بواسطة‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬وقام‭ ‬باتفاقية‭ ‬‮«‬دايتن”‭ ‬وبالإعلان‭ ‬عن‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬وبالحكم‭ ‬على‭ ‬المسؤولين‭ ‬على‭ ‬المجازر‭ ‬أمثال‭ ‬ميلوسفيتش‭ ‬وكراديتش‭ ‬في‭ ‬المحكمة‭ ‬الدولية‭ ‬بلاهي‭ ‬في‭ ‬هولندا‭.‬