الفن‭ ‬وتجليات‭ ‬الهوية

الجديد  فاروق يوسف [نُشر في 01/08/2016، العدد: 19، ص(64)]

نساء الجزائر لديلاكروا
‮«‬يمشي‭ ‬بظله‭ ‬بين‭ ‬الحقول‭. ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬عدوه‭. ‬هل‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نصدق؟‮»‬‭ ‬ذلك‭ ‬مأثور‭ ‬فان‭ ‬كوخ‭.‬

ترسم‭ ‬قطة‭ ‬لتكون‭ ‬رساما‭ ‬واقعيا‭. ‬ترسم‭ ‬مواء‭ ‬القطة‭ ‬فتكون‭ ‬رساما‭ ‬تجريديا‭. ‬المواء‭ ‬لا‭ ‬يُرى‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬يُسمع‭. ‬الحواس‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬يمكن‭ ‬تزويرها‭. ‬هل‭ ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬الشيء‭ ‬بالشيء‭ ‬يُذكر؟‭ ‬لا‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نجرد‭ ‬الصمت‭ ‬من‭ ‬أصواته‭. ‬هناك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الصمت‭ ‬في‭ ‬الموسيقى‭. ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يمسك‭ ‬الرسام‭ ‬برأس‭ ‬الخيط‭ ‬الذي‭ ‬يصل‭ ‬الصمت‭ ‬بالصوت‭ ‬فإن‭ ‬غبطته‭ ‬بما‭ ‬يفعله‭ ‬لن‭ ‬تتحقق‭. ‬من‭ ‬غير‭ ‬تلك‭ ‬الغبطة‭ ‬يهبط‭ ‬فعل‭ ‬الرسم‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬الحرفة‭. ‬مَن‭ ‬يرسم‭ ‬يفكّر‭ ‬أولا‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭. ‬ضياع‭ ‬الرسام‭ ‬بين‭ ‬هوياته‭ ‬ضروري‭ ‬للعثور‭ ‬على‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬للمرء‭ ‬خطواته‭ ‬على‭ ‬عشب‭ ‬الايقاع‭. ‬لا‭ ‬معنى‭ ‬للهوية‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬إيقاع‭ ‬شخصي‭. ‬ما‭ ‬يكتسبه‭ ‬الرسام‭ ‬من‭ ‬الطبيعة‭ ‬تهدره‭ ‬يداه‭ ‬في‭ ‬الرسم‭. ‬أحيانا‭ ‬يحق‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يضعف‭ ‬أمام‭ ‬الطبيعة‭ ‬ليكون‭ ‬قويا‭ ‬أمام‭ ‬الرسم‭. ‬الرسام‭ ‬كائن‭ ‬هشّ‭ ‬يسبح‭ ‬في‭ ‬زئبق‭ ‬مرآة‭ ‬خيالية‭.‬

ارتجال‭ ‬الغناء

أعود‭ ‬إلى‭ ‬القطة‭ ‬وموائها‭. ‬هل‭ ‬القطة‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬جنسها‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬المواء؟‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مرئية‭ ‬فإن‭ ‬المواء‭ ‬هو‭ ‬وسيلتها‭ ‬للتعريف‭ ‬بنفسها‭. ‬حينها‭ ‬تكون‭ ‬القطة‭ ‬موجودة‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬موائها‭. ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يفعله‭ ‬الرسام‭ ‬التجريدي‭ ‬تماما‭. ‬الصيني‭ ‬زاووكي‭ ‬‭(‬1920ــ2013‭)‬‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬آخري‭ ‬الهولندي‭ ‬بيت‭ ‬موندريان‭ ‬‭(‬1872ــ‭ ‬1944‭)‬‭. ‬عاش‭ ‬الأول‭ ‬حياته‭ ‬كلها‭ ‬منعما‭ ‬بالتجريد‭ ‬الغنائي‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعله‭ ‬يهيم‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬مبهمة‭ ‬خارج‭ ‬كل‭ ‬شكل،‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬بقي‭ ‬مخلصا‭ ‬لتربيته‭ ‬الصينية‭ ‬في‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬مفردات‭ ‬الطبيعة‭. ‬أما‭ ‬الثاني‭ ‬فيعيد‭ ‬النقاد‭ ‬تركيب‭ ‬مساحاته‭ ‬الهندسية‭ ‬إلى‭ ‬طريقة‭ ‬المزارعين‭ ‬الهولنديين‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬حقولهم‭ ‬على‭ ‬الأرض‭.‬‭ ‬صورة‭ ‬لبلد‭ ‬القنوات‭ ‬المائية‭ ‬من‭ ‬السماء‭ ‬تعيدنا‭ ‬إلى‭ ‬لوحات‭ ‬موندريان‭ ‬الذي‭ ‬عاش‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬حياته‭ ‬في‭ ‬باريس‭.‬

هل‭ ‬كان‭ ‬موندريان‭ ‬وهو‭ ‬يفكك‭ ‬الشجرة‭ ‬ليعيد‭ ‬مفرداتها‭ ‬إلى‭ ‬عناصر‭ ‬تكوينها‭ ‬الشكلي‭ ‬هولنديا؟‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬أنه‭ ‬عرّى‭ ‬الأوراق‭ ‬فلم‭ ‬تبق‭ ‬إلا‭ ‬الخطوط،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ساعده‭ ‬على‭ ‬رسم‭ ‬لوحة‭ ‬بمواد‭ ‬بصرية‭ ‬ليست‭ ‬مستعارة‭ ‬من‭ ‬الطبيعة‭ ‬تماما‭. ‬لقد‭ ‬احتال‭ ‬على‭ ‬الشجرة‭ ‬التي‭ ‬رآها‭ ‬في‭ ‬الطبيعة‭ ‬ليخترع‭ ‬شجرته‭ ‬الشخصية‭.‬

‮ ‬شبهة‭ ‬الصيني

‮ ‬لم‭ ‬يخن‭ ‬زاووكي‭ ‬صينيته‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬يتبادل‭ ‬خبرة‭ ‬التبقيع‭ ‬مع‭ ‬صديقه‭ ‬الألماني‭ ‬هانز‭ ‬هارتونغ‭ ‬‭(‬1904ــ1989‭)‬‭. ‬كان‭ ‬الرسامان‭ ‬يبحثان‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬الجمالية‭ ‬نفسها،‭ ‬لذلك‭ ‬ليس‭ ‬غريبا‭ ‬أن‭ ‬يلتقيا،‭ ‬يتقاطعا،‭ ‬يتشابها،‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬يقتفي‭ ‬أحدهما‭ ‬أثر‭ ‬الآخر‭. ‬أليس‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬بين‭ ‬بابلو‭ ‬بيكاسو‭ ‬وجورج‭ ‬براك،‭ ‬يوم‭ ‬كانت‭ ‬التكعيبية‭ ‬تجمع‭ ‬بينهما؟‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬الفذة‭ ‬التي‭ ‬أقامها‭ ‬زاووكي‭ ‬وهارتونغ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التعويل‭ ‬على‭ ‬الأثر‭ ‬الجمالي‭ ‬الصيني‭ ‬بشكل‭ ‬مطلق‭. ‬فزاووكي‭ ‬الذي‭ ‬انتقل‭ ‬إلى‭ ‬باريس‭ ‬عام‭ ‬1947‭ ‬كان‭ ‬رساما‭ ‬صينيا‭ ‬محترفا‭ ‬أما‭ ‬صديقه‭ ‬هارتونغ‭ ‬فإنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬كذلك‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬كانت‭ ‬نتائج‭ ‬أبحاثهما‭ ‬الجمالية‭ ‬متشابهة‭. ‬هل‭ ‬أبهر‭ ‬هارتونغ‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬صينيا‭ ‬صديقه‭ ‬الصيني‭ ‬بـ»صينيته»؟

لا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬أدوات‭ ‬القياس‭ ‬تسمح‭ ‬لنا‭ ‬بقول‭ ‬ذلك‭.‬

‮ ‬لعنة‭ ‬الاستشراق

‮ ‬ما‭ ‬تعلمه‭ ‬رواد‭ ‬الحداثة‭ ‬الفنية‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬من‭ ‬الفنون‭ ‬الأفريقية‭ ‬والآسيوية‭ ‬هو‭ ‬أكثر‭ ‬بكثير‭ ‬ممّا‭ ‬تعلّموه‭ ‬من‭ ‬فنون‭ ‬الإغريق‭. ‬علينا‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬نتفادى‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬“لعنة‭ ‬الاستشراق‮»‬‭. ‬فالرسامون‭ ‬المستشرقون‭ ‬‭(‬جان‭ ‬ليون‭ ‬جيروم‭ ‬أبرزهم‭)‬‭ ‬كانوا‭ ‬قد‭ ‬رسموا‭ ‬مشاهد‭ ‬مستلهمة‭ ‬من‭ ‬الحكايات‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬ادعوا‭ ‬أنهم‭ ‬عاشوا‭ ‬تفاصيله‭ ‬البصرية‭. ‬لم‭ ‬يغير‭ ‬ما‭ ‬رسموه‭ ‬من‭ ‬هوياتهم‭. ‬ذلك‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يمسّهم‭ ‬ولم‭ ‬يُحدث خلخلة‭ ‬في‭ ‬أعماقهم‭. ‬كانوا‭ ‬الجزء‭ ‬المترف‭ ‬من‭ ‬جسد‭ ‬استعماري‭ ‬كان‭ ‬يتمدد‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬‭(‬الأمم‭ ‬البدائية‭)‬‭. ‬كانت‭ ‬هويّة‭ ‬المستعمر‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬هوية‭ ‬الفنان‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬عينه‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬ترنو‭ ‬إلى‭ ‬أثينا‭ ‬وروما‭. ‬متى‭ ‬بدأ‭ ‬الغزو‭ ‬المعاكس؟

الرومانسي‭ ‬أوجين‭ ‬ديلاكروا‭ ‬‭(‬1798ــ1863‭)‬‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬غشاشا‭. ‬فلو‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬رأى‭ ‬حقا‭ ‬“نساء‭ ‬الجزائر‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬عنوان‭ ‬لوحته‭ ‬الشهيرة‭ ‬لامّحت‭ ‬هويته‭ ‬الفرنسية‭ ‬وصار‭ ‬جزائريا‭ ‬في‭ ‬حقبة‭ ‬الاستعمار‭ ‬الفرنسي‭. ‬وعلى‭ ‬العموم‭ ‬فإن‭ ‬مفهوم‭ ‬هوية‭ ‬الآخر‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يلح‭ ‬على‭ ‬العقل‭ ‬الاستشراقي‭. ‬كان‭ ‬الآخر‭ ‬“موجودا‮»‬‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬هوية‭.‬

المتاهة‭ ‬الصينية

‮ ‬يُخيل‭ ‬إليّ‭ ‬أن‭ ‬الاعتراف‭ ‬بهوية‭ ‬الآخر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ممكنا‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬خيانة‭ ‬هوية‭ ‬الـ»أنا‮»‬‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬على‭ ‬أفضل‭ ‬وجه‭ ‬فنسنت‭ ‬فان‭ ‬غوخ‭. ‬بدليل‭ ‬أن‭ ‬نقاد‭ ‬باريس‭ ‬كانوا‭ ‬حين‭ ‬يسخرون‭ ‬من‭ ‬رسومه‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تعجبهم‭ ‬يطلقون‭ ‬عليه‭ ‬لقب‭ ‬الرسام‭ ‬الصيني‭. ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬فنسنت‭ ‬حين‭ ‬تعلم‭ ‬من‭ ‬اليابانيين‭ ‬تقنية‭ ‬الحفر‭ ‬على‭ ‬الخشب‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬أوروبيا‭.‬

هل‭ ‬كان‭ ‬فنسنت‭ ‬أكثر‭ ‬صينية‭ ‬من‭ ‬زاووكي؟

بسبب‭ ‬اختلاف‭ ‬الزمن‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬الخطأ‭ ‬اعتماد‭ ‬أدوات‭ ‬قياس‭ ‬واحدة‭. ‬كان‭ ‬فنسنت‭ ‬هاربا‭ ‬من‭ ‬أوروبا‭ ‬فيما‭ ‬كان‭ ‬زاووكي‭ ‬لاجئا‭ ‬إليها‭. ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬فنسنت‭ ‬فإن‭ ‬الرسوم‭ ‬اليابانية‭ ‬تختصر‭ ‬الطريق‭ ‬أمامه‭. ‬أما‭ ‬صينية‭ ‬زاووكي‭ ‬فإنها‭ ‬أشبه‭ ‬بالمتاهة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُحصى‭ ‬دروبها‭.‬

ولكن‭ ‬مثالا‭ ‬من‭ ‬المحترف‭ ‬الفرنسي‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يقربنا‭ ‬من‭ ‬الفكرة‭ ‬الغامضة‭.‬

اللوحة‭ ‬والحقيقة

‮ ‬بدأ‭ ‬ديلاكروا‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬لوحته‭ ‬“نساء‭ ‬الجزائر‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1830‭ ‬ولم‭ ‬ينهها‭ ‬إلا‭ ‬عام‭ ‬1934‭. ‬كان‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأعوام‭ ‬قد‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬المغرب‭ ‬بمهمات‭ ‬دبلوماسية‭. ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬اللوحة‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬تجربة‭ ‬الرسام‭ ‬الرومانسية،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬الموضوع‭ ‬ليعني‭ ‬شيئا‭. ‬عام‭ ‬1955‭ ‬أعاد‭ ‬بابلو‭ ‬بيكاسو‭ ‬رسم‭ ‬تلك‭ ‬اللوحة‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الرسام‭ ‬الأسباني‭ ‬المقيم‭ ‬في‭ ‬باريس‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬الجزائر‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬يرسم‭ ‬تلك‭ ‬اللوحة‭. ‬لا‭ ‬لأن‭ ‬الجزائر‭ ‬التي‭ ‬رسمها‭ ‬ديلاكروا‭ ‬صارت‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬الماضي‭ ‬وحسب،‭ ‬بل‭ ‬وأيضا‭ ‬لأن‭ ‬المسألة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬بيكاسو‭ ‬كانت‭ ‬تتعلق‭ ‬بمشكلات‭ ‬الرسم‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬بيكاسو‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلاّ‭ ‬إلى‭ ‬بضعة‭ ‬خطوات‭ ‬ليكون‭ ‬في‭ ‬متحف‭ ‬اللوفر‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬يتأمل‭ ‬رائعة‭ ‬ديلاكروا‭. ‬كما‭ ‬يبدو‭ ‬فإن‭ ‬طريقة‭ ‬بيكاسو‭ ‬المتمرّدة‭ ‬في‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬اللوحة‭ ‬قد‭ ‬قادته‭ ‬إلى‭ ‬اكتشاف‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ديلاكروا‭ ‬قد‭ ‬اكتشفه‭ ‬من‭ ‬عوالم‭ ‬سحرية‭ ‬كان‭ ‬الموضوع‭ ‬الجزائري‭ ‬قد‭ ‬انطوى‭ ‬عليها‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفعه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يعيد‭ ‬رسم‭ ‬تلك‭ ‬اللوحة‭ ‬غير‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬منه‭ ‬لاكتشاف‭ ‬هويات‭ ‬نسائها‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬فعله‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬وفي‭ ‬وقت‭ ‬مبكر‭ ‬من‭ ‬حياته‭ ‬حين‭ ‬رسم‭ ‬لوحته‭ ‬الشهيرة‭ ‬“فتيات‭ ‬أفنيون‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1907‭ ‬والتي‭ ‬يعتبرها‭ ‬المؤرخون‭ ‬لحظة‭ ‬تحول‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الحداثة‭ ‬الفنية‭.‬‮ ‬

ولكن‭ ‬هل‭ ‬سنرى‭ ‬نساء‭ ‬جزائريات‭ ‬حقيقيات‭ ‬في‭ ‬لوحات‭ ‬بيكاسو‭ ‬حرمنا‭ ‬حس‭ ‬ديلاكروا‭ ‬الاستشراقي‭ ‬من‭ ‬رؤيتهن؟

مشهد من طنجة في المغرب لهنري ماتيس

مطر‭ ‬في‭ ‬طنجة

‮ ‬سأذهب‭ ‬هنا‭ ‬بخفة‭ ‬إلى‭ ‬فيلا‭ ‬دي‭ ‬فرانس‭ ‬في‭ ‬طنجة،‭ ‬هناك‭ ‬حيث‭ ‬أقام‭ ‬هنري‭ ‬ماتيس‭ ‬عام‭ ‬1912‭ ‬ليتعرف‭ ‬على‭ ‬الضوء‭ ‬باعتباره‭ ‬هوية‭ ‬للمكان‭. ‬لقد‭ ‬حبس‭ ‬الطقس‭ ‬السيء‭ ‬الرسام‭ ‬الفرنسي‭ ‬في‭ ‬غرفته‭ ‬بالفندق‭ ‬فكان‭ ‬يرسم‭ ‬مشاهد‭ ‬طنجة‭ ‬من‭ ‬النافذة‭.‬

مَن‭ ‬يمكنه‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬الغرفة‭ ‬37‭ ‬في‭ ‬فندق‭ ‬فيلا‭ ‬دي‭ ‬فرانس‭ ‬وينظر‭ ‬من‭ ‬نافذتي‭ ‬تلك‭ ‬الغرفة‭ ‬سيكتشف‭ ‬أن‭ ‬الرجل‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬استمات‭ ‬في‭ ‬الاستغاثة‭ ‬بموهبته‭ ‬لتصل‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬المشهد‭ ‬الجمالي‭.‬

والعكس‭ ‬فعله‭ ‬بيكاسو‭. ‬لقد‭ ‬استقوى‭ ‬بخياله‭ ‬على‭ ‬مخيلة‭ ‬سلفه‭ ‬ليحرر‭ ‬نساء‭ ‬الجزائر‭ ‬من‭ ‬صورة‭ ‬نمطية‭ ‬فرضها‭ ‬خيال‭ ‬استشراقي‭. ‬ما‭ ‬رسمه‭ ‬بيكاسو‭ ‬ليس‭ ‬استنساخا‭ ‬لما‭ ‬رآه‭. ‬كان‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يتعرف‭ ‬على‭ ‬الهوية‭ ‬الضائعة‭. ‬لقد‭ ‬عرف‭ ‬أن‭ ‬يفعل‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬فتيات‭ ‬أفنيون‭ ‬اللواتي‭ ‬رآهن‭ ‬في‭ ‬الواقع‭. ‬ولكنه‭ ‬يرى‭ ‬فتياته‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬لوحة‭.‬

بالتأكيد‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬هو‭ ‬غير‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬في‭ ‬لوحة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬اللعبة‭ ‬التي‭ ‬تمكن‭ ‬بيكاسو‭ ‬من‭ ‬أصولها‭ ‬كانت‭ ‬واحدة‭. ‬كان‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬يحاول‭ ‬فيها‭ ‬الرسم‭ ‬يتحدى‭ ‬أصول‭ ‬بلاغته‭ ‬الفنية‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يخترع‭ ‬شيئا‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يجدّ‭. ‬إنه‭ ‬رجل‭ ‬محظوظ‭.‬

‮ ‬تمرين‭ ‬على‭ ‬الإلهام‮ ‬

‮ ‬إن‭ ‬فكرة‭ ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬لوحة‭ ‬بطريقة‭ ‬شخصية‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬بيكاسو‭ ‬إنما‭ ‬تنطوي‭ ‬على‭ ‬محاولة‭ ‬اكتشاف‭ ‬تلك‭ ‬اللوحة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ترسم‭. ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬موضوع‭ ‬اللوحة‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الجوهر،‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬الجزء‭ ‬الأصغر‭ ‬دائما‭.‬

لقد‭ ‬بحث‭ ‬بيكاسو‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬مستثنيا‭ ‬هوية‭ ‬النساء‭ ‬اللواتي‭ ‬حرضه‭ ‬أسلوب‭ ‬ديلاكروا‭ ‬في‭ ‬رسمهن‭ ‬على‭ ‬العودة‭ ‬إليهن‭. ‬ربما‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬ير‭ ‬جزائريّتهن‭ ‬في‭ ‬لوحة‭ ‬سلفه‭ ‬أو‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬جماليات‭ ‬فعل‭ ‬الرسم‭ ‬وملهماته‭ ‬المباشرات‭ ‬أو‭ ‬أنه‭ ‬اعتبر‭ ‬المسألة‭ ‬كلها‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬التمرين‭ ‬على‭ ‬الالهام‭ ‬الفني‭.‬

ولكن‭ ‬قبل‭ ‬جزائرية‭ ‬تلكم‭ ‬النسوة‭ ‬هل‭ ‬كان‭ ‬بيكاسو‭ ‬يفكر‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تحل‭ ‬أسبانيته‭ ‬محل‭ ‬فرنسية‭ ‬رسام‭ ‬اللوحة‭ ‬الاصلي؟

‭ ‬مهب‭ ‬الرياضيات

‮ ‬أيام‭ ‬ديلاكروا‭ ‬كان‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬هوية‭ ‬فرنسية‭ ‬في‭ ‬الفن‭ ‬ممكنا‭. ‬فديلاكروا‭ ‬هو‭ ‬سليل‭ ‬المدرسة‭ ‬الفرنسية‭ ‬في‭ ‬الرسم‭. ‬أما‭ ‬حين‭ ‬ظهر‭ ‬بيكاسو،‭ ‬بعد‭ ‬التحول‭ ‬العظيم‭ ‬الذي‭ ‬أحدثه‭ ‬بول‭ ‬سيزان‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬الرسم،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قيامه‭ ‬بإعادة‭ ‬المشهد‭ ‬المرئي‭ ‬إلى‭ ‬عناصر‭ ‬رياضية،‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬حقيقتها‭ ‬الأصل‭ ‬الذي‭ ‬تستند‭ ‬إليه‭ ‬الأشكال‭ ‬فقد‭ ‬قطع‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬الرسم‭ ‬باعتباره‭ ‬مطلقا‭ ‬رياضيا‭ ‬الطريق‭ ‬على‭ ‬الهويات‭ ‬النسبية‭ ‬القلقة‭. ‬سيرث‭ ‬الأسباني‭ ‬بيكاسو‭ ‬سلفه‭ ‬فيلازكيث‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬حين‭ ‬يعيد‭ ‬رسم‭ ‬إحدى‭ ‬لوحاته‭. ‬وهي‭ ‬المحاولة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يستعد‭ ‬ابن‭ ‬مالقا‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬هويته‭ ‬الأسبانية‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬اختراع‭ ‬الوطنية‭ ‬منسجما‭ ‬مع‭ ‬الرؤى‭ ‬الكونية‭ ‬التي‭ ‬اكتسبتها‭ ‬الحداثة‭ ‬الفنية‭ ‬من‭ ‬خلال‮ ‬‭ ‬تمرّدها‭ ‬على‭ ‬الأصول‭ ‬الثقافية‭ ‬بأغطيتها‭ ‬السياسية‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬انطباعية‭ ‬فرنسية‭ ‬أمرا‭ ‬يقبله‭ ‬التاريخ‭ ‬فإنّ‭ ‬أيّ‭ ‬حديث‭ ‬عن‭ ‬تكعيبية‭ ‬فرنسية‭ ‬سيبدو‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬الدعابة‭ ‬الساذجة،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬التكعيبية‭ ‬ولدت‭ ‬في‭ ‬باريس‭.‬

لقد‭ ‬أُزيح‭ ‬عن‭ ‬هوية‭ ‬العمل‭ ‬الفني‭ ‬غطاؤها‭ ‬الجمعي‭ ‬الضيق‭ ‬لتشارك‭ ‬الفرد‭ ‬مصيره‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬فرضه‭ ‬القرن‭ ‬العشرون‭ ‬على‭ ‬الأوروبيين‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬للضياع‭ ‬كانوا‭ ‬قد‭ ‬فرضوها‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬سابقة‭ ‬على‭ ‬الشعوب‭ ‬الأخرى‭ ‬بقوة‭ ‬الاستعمار‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬طوف‭ ‬الميدوزا‭ ‬إلا‭ ‬قناعا‭ ‬للتحرر‭ ‬من‭ ‬الوهم‭ ‬القديم‭. ‬فالجزائر‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬فرنسية‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الهند‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬إنكليزية‭. ‬لقد‭ ‬فشل‭ ‬مشروع‭ ‬الهوية‭ ‬التي‭ ‬تستولي‭ ‬على‭ ‬هويات‭ ‬الآخرين،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬الفن‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬التحريض‭ ‬على‭ ‬الاعتراف‭ ‬بذلك‭ ‬الفشل‭. ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬بقي‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬معنى‭ ‬لهويات‭ ‬الآخرين‭ ‬في‭ ‬الفن؟

‭ ‬الأرض‭ ‬الأخرى

‮ ‬في‭ ‬ثلاثينات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬كان‭ ‬مارك‭ ‬توبي‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬تشيلي‭ ‬قد‭ ‬لعب‭ ‬دورا‭ ‬أساسيا‭ ‬في‭ ‬الحركة‭ ‬السيريالية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬باريس‭ ‬مسرحها‭. ‬الآن‭ ‬يلعب‭ ‬الصيني‭ ‬أي‭ ‬وي‭ ‬وي‭ ‬الدور‭ ‬نفسه،‭ ‬لكن‭ ‬مساحته‭ ‬العالم‭ ‬كله‭.‬

كان‭ ‬توبي‭ ‬مقيدا‭ ‬بسرياليته‭ ‬باعتبارها‭ ‬هويته،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬وي‭ ‬وي‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يفكر‭ ‬بصينيته‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬له‭ ‬أسلوب‭ ‬بعينه‭. ‬أعماله‭ ‬نفسها‭ ‬لا‭ ‬تدعو‭ ‬مشاهديها‭ ‬إلى‭ ‬القيام‭ ‬بذلك‭. ‬إنه‭ ‬واحد‭ ‬منا‭.‬

ولكن‭ ‬مَن‭ ‬نحن؟

بورتريت شخصي لرامبرانت

‮ ‬رامبرانت‭ ‬وحفيده

‮ ‬ربما‭ ‬من‭ ‬الأصوب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬السؤال‭ ‬“مَن‭ ‬أنا؟‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬سؤال‭ ‬هوية‭ ‬حائر‭ ‬وحزين‭ ‬وفيه‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬بما‭ ‬يمنع‭ ‬جناحين‭ ‬من‭ ‬التحليق‭. ‬قدر‭ ‬يائس‭ ‬لا‭ ‬يلامس‭ ‬الحقيقة‭ ‬إلا‭ ‬بأصابع‭ ‬مذعورة‭. ‬حين‭ ‬رأيت‭ ‬بورتريه‭ ‬رامبرانت‭ ‬شابا‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬صغيرة‭ ‬تكاد‭ ‬تكون‭ ‬بالأسود‭ ‬والابيض‭ ‬هالتني‭ ‬تلك‭ ‬القدرة‭ ‬العظيمة‭ ‬على‭ ‬التعريف‭ ‬بالذات‭. ‬أما‭ ‬حين‭ ‬رأيت‭ ‬لوحات‭ ‬عديدة‭ ‬هي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬صوره‭ ‬الشخصية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬مراحل‭ ‬عمره‭ ‬فإنني‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬الرسام‭ ‬الباروكي‭ ‬الذي‭ ‬عاش‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1606‭ ‬و1669‭ ‬كان‭ ‬حريصا‭ ‬على‭ ‬التعرف‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬حرصه‭ ‬على‭ ‬التعريف‭ ‬بها‭.‬

وهو‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬فنسنت‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأربع‭ ‬التي‭ ‬عاشها‭ ‬في‭ ‬منزله‭ ‬الاصفر‭ ‬بـ»آرل‮»‬‭ ‬جنوب‭ ‬فرنسا‭. ‬رسم‭ ‬فنسنت‭ ‬يومها‭ ‬39‭ ‬صورة‭ ‬شخصية‭. ‬أشهرها‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تظهره‭ ‬بضمادة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬قطع‭ ‬أذنه‭. ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬مارس‭ ‬فيها‭ ‬الرسم‭ ‬كانت‭ ‬كافية‭ ‬لكي‭ ‬تضع‭ ‬فنسنت‭ ‬في‭ ‬مكانة‭ ‬يحسده‭ ‬عليها‭ ‬علماء‭ ‬النفس‭ ‬والاجتماع‭ ‬واللغة‭ ‬قبل‭ ‬الرسامين‭ ‬الذين‭ ‬صاروا‭ ‬يتعثرون‭ ‬بخطاهم‭ ‬وهم‭ ‬يرون‭ ‬ظله‭ ‬ذاهبا‭ ‬إلى‭ ‬حقول‭ ‬زهرة‭ ‬عباد‭ ‬الشمس‭.‬

لا‭ ‬يحتاج‭ ‬المرء‭ ‬إلى‭ ‬قراءة‭ ‬توقيعه‭ ‬أسفل‭ ‬اللوحة‭ ‬ليشهق‭ ‬باسمه‭.‬

لقد‭ ‬عرف‭ ‬فنسنت‭ ‬‭(‬1853ــ1890‭)‬‭ ‬كيف‭ ‬يدير‭ ‬شؤون‭ ‬عالمه‭ ‬الشخصي‭ ‬بحيث‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬العالم‭ ‬كونا‭ ‬تصطف‭ ‬حشود‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬يوميا‭ ‬في‭ ‬أمستردام‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التعرف‭ ‬على‭ ‬أسراره‭ ‬الغامضة‭. ‬شخصيا‭ ‬وقفت‭ ‬لساعات‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬قراءة‭ ‬رسائله‭ ‬ورؤية‭ ‬لوحة‭ ‬صديقه‭ ‬بول‭ ‬غوغان‭ ‬التي‭ ‬رسمه‭ ‬فيها‭.‬‮ ‬

مَن‭ ‬لم‭ ‬يتعرف‭ ‬على‭ ‬فنسنت‭ ‬بريشته‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يتعرف‭ ‬عليه‭ ‬بريشة‭ ‬صديقه‭ ‬غوغان‭ ‬الذي‭ ‬هرب‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬تاهيتي‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬أقصى‭ ‬جنوب‭ ‬الأرض‭. ‬حضور‭ ‬فنسنت‭ ‬لم‭ ‬يعذب‭ ‬أحدا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬جعلنا‭ ‬نتعرف‭ ‬على‭ ‬كائن‭ ‬يعيش‭ ‬باعتباره‭ ‬وسيطا‭ ‬بين‭ ‬الأرض‭ ‬والسماء‭.‬

نفس‭ ‬معذبة

‮ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الرسم‭ ‬حاول‭ ‬فنسنت‭ ‬التعرف‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬المعذّبة‭. ‬ولكن‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬النفس‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يعذبنا‭. ‬لا‭ ‬ينفع‭ ‬في‭ ‬شيء‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إننا‭ ‬تعرفنا‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬صورته‭. ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نصدق‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬المرآة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬ينظر‭ ‬إليها‭ ‬أثناء‭ ‬الرسم‭ ‬قد‭ ‬خانت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬ملامحه‭. ‬فنسنت‭ ‬الذي‭ ‬نراه‭ ‬في‭ ‬لوحاته‭ ‬تعجز‭ ‬أيّ‭ ‬مرآة‭ ‬عن‭ ‬إظهاره‭.‬

غالبا‭ ‬ما‭ ‬ذكّرني‭ ‬أسلوب‭ ‬فنسنت‭ ‬في‭ ‬الرسم‭ ‬بشعر‭ ‬القطة‭ ‬المستفزة‭ ‬التي‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تستسلم‭ ‬لموائها‭ ‬الغاضب‭. ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬الأسلوب‭ ‬قد‭ ‬تخطى‭ ‬موضوعه‭ ‬ليضع‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬روح‭ ‬ساهرة‭ ‬على‭ ‬عزلتها‭. ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬صور‭ ‬فنسنت‭ ‬في‭ ‬لوحاته‭ ‬حريصة‭ ‬على‭ ‬وحشتها،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هواء‭ ‬كثيف‭ ‬يفصل‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬من‭ ‬يراها‭. ‬يحبه‭ ‬زائروه،‭ ‬يتعاطفون‭ ‬معه،‭ ‬يذهلهم‭ ‬انشغاله‭ ‬المنصف‭ ‬بأشيائه‭ ‬الصغيرة،‭ ‬بغرفته،‭ ‬سريره،‭ ‬حذائه،‭ ‬سلاحفه،‭ ‬المقهى‭ ‬المجاور‭ ‬لبيته،‭ ‬الدكتور‭ ‬غاشيه‭ ‬وابنته،‭ ‬غير‭ ‬أنهم‭ ‬لن‭ ‬يألفوه‭ ‬صديقا‭. ‬يقيم‭ ‬فنسنت‭ ‬خلف‭ ‬زجاج‭ ‬هويته‭ ‬الطاردة‭.‬

‮ ‬الباروكي‭ ‬المعاصر

كان‭ ‬فن‭ ‬فنسنت‭ ‬شخصيا‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دحضه‭ ‬بول‭ ‬سيزان‭ ‬‭(‬1839ــ‭ ‬1906‭)‬‭ ‬حين‭ ‬رسم‭ ‬صوره‭ ‬الشخصية‭ ‬باعتبارها‭ ‬موضوعات‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يجرؤ‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬به‭ ‬أحد‭ ‬قبله‭. ‬يمكنك‭ ‬أن‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬تفّاحاته‭ ‬ومستحماته‭ ‬ولاعبي‭ ‬الورق‭ ‬الذين‭ ‬رسمهم‭ ‬غير‭ ‬مرة‭ ‬بالحياد‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬تنظر‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬صوره‭ ‬الشخصية‭. ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأحوال‭ ‬فإن‭ ‬الرسام‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬الشيء‭ ‬نفسه‭. ‬لم‭ ‬تعق‭ ‬صورته‭ ‬خياله‭ ‬ليسجل‭ ‬يومياتها‭. ‬ما‭ ‬كان‭ ‬لديه‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ ‬يكفي‭ ‬لتسجيل‭ ‬يومياته‭ ‬رساما‭ ‬فقط‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬صنع‭ ‬منه‭ ‬فاتحا‭ ‬بل‭ ‬ومعلما‭ ‬وأبا‭ ‬للحداثة‭ ‬الفنية‭ ‬في‭ ‬قرن‭ ‬سيلتفت‭ ‬رساموه‭ ‬فلا‭ ‬يرون‭ ‬قمة‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬قمم‭ ‬الجبال‭ ‬التي‭ ‬رسمها‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬مراحله‭ ‬الفنية‭ ‬صلابة‭.‬‮ ‬

كان‭ ‬سيزان‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬جمله‭ ‬المعقدة‭ ‬لا‭ ‬تصلح‭ ‬للتعريف‭ ‬به‭ ‬رساما‭ ‬وحيدا‭. ‬هناك‭ ‬جمع‭ ‬من‭ ‬الرسامين‭ ‬قد‭ ‬امتزج‭ ‬ليحلّ‭ ‬في‭ ‬روحه‭ ‬التي‭ ‬تودّ‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬انقضاء‭ ‬زمن‭ ‬وبداية‭ ‬زمن‭ ‬جديد‭ ‬للرسم‭. ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظري‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬سيزان‭ ‬باروكيا‭ ‬معاصرا‭. ‬لقد‭ ‬استعاد‭ ‬الرجل‭ ‬الصنعة،‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬يهدمها،‭ ‬بل‭ ‬ليقشرها‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنها‭ ‬بصلة‭. ‬جرّب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬شيئا‭ ‬مختلفا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬طبقة‭ ‬انتقل‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬طريقه‭ ‬إلى‭ ‬العمق‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعرف‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يحتوي‭ ‬على‭ ‬بذرة‭. ‬فالبذرة‭ ‬الحقيقية‭ ‬كانت‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬يقبض‭ ‬عليها‭ ‬بيده‭.‬

كان‭ ‬سيزان‭ ‬أكثر‭ ‬الرسامين‭ ‬اطمئنانا‭ ‬إلى‭ ‬مستقبله،‭ ‬لا‭ ‬لشيء‭ ‬إلا‭ ‬لأنه‭ ‬قد‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬حلّ‭ ‬مشكلاته‭ ‬مع‭ ‬الماضي‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ينسى‭ ‬الماضي‭ ‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬الماضي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬موجودا‭ ‬أصلا‭. ‬كان‭ ‬يتصرف‭ ‬بحق‭ ‬الوارث‭ ‬الطبيعي‭.‬

وكما‭ ‬أرى‭ ‬فإن‭ ‬سيزان‭ ‬سلم‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬وصية‭ ‬فنه‭ ‬التي‭ ‬خان‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬القرن‭ ‬هويتها‭.‬

لقد‭ ‬صارت‭ ‬الفوضى‭ ‬عنوانا‭ ‬لغياب‭ ‬الهوية‭.‬


شاعر من العراق مقيم في لندن