فواز‭ ‬طرابلسي‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬أفق‭ ‬جديد

ملاحظات‭ ‬حول‭ ‬أفكار‭ ‬فواز‭ ‬طرابلسي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الحوار‭ ‬المنشور‭ ‬في‭ ‬العدد‭ ‬15‭ ‬أبريل‭/‬نيسان ‬2016

الجديد  البشير ربوح [نُشر في 01/08/2016، العدد: 19، ص(72)]

لوحة: سعاد مردم بيك
لا‭ ‬شكّ‭ ‬أنّ‭ ‬مفهوم‭ ‬الحدث‭ ‬وفق‭ ‬التوصيفات‭ ‬البليغة‭ ‬التي‭ ‬قدمها‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬مارتن‭ ‬هيدغر‭ ‬وبول‭ ‬ريكور‭ ‬وألان‭ ‬باديو‭ ‬تشي‭ ‬بأنّه‭ ‬من‭ ‬اللازم‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬مدى‭ ‬الأثر‭ ‬الذي‭ ‬أحدثه‭ ‬الحدث‭ ‬في‭ ‬الطبقات‭ ‬العميقة‭ ‬للمجتمع،‭ ‬وفي‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعتقد‭ ‬في‭ ‬نفسها‭ ‬أنّها‭ ‬عصية‭ ‬عن‭ ‬أيّ‭ ‬اهتزاز‭. ‬فالحدث‭ ‬الحقيقي‭ ‬شبيه‭ ‬بالموت‭ ‬يدرك‭ ‬كلّ‭ ‬النفوس‭ ‬حتّى‭ ‬ولو‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬بروج‭ ‬مشيّدة‭. ‬وفي‭ ‬صلب‭ ‬هذا‭ ‬التمشي،‭ ‬تتنزّل‭ ‬هذه‭ ‬القراءة‭ ‬الناقدة‭ ‬للحوار‭ ‬الذي‭ ‬أجرته‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬الجديد”‭ ‬في‭ ‬عددها‭ ‬الخامس‭ ‬عشر،‭ ‬مع‭ ‬المفكر‭ ‬العربي‭ ‬والناشط‭ ‬اللبناني‭ ‬فواز‭ ‬طرابلسي،‭ ‬حيث‭ ‬لمسنا‭ ‬في‭ ‬تضاعيف‭ ‬الحوار‭ ‬ومتنه‭ ‬الحضور‭ ‬القوي‭ ‬للحدث‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬وُصِّف‭ ‬بالربيع‭ ‬العربي،‭ ‬الحراك‭ ‬العربي،‭ ‬الثورة‭ ‬العربية،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬نسميه‭: ‬التحوّل‭ ‬العنفي‭ ‬والذي‭ ‬أعتبره‭ ‬اللفظ‭ ‬الأقرب‭ ‬لهذا‭ ‬الحدث‭.‬

لكن ،‭ ‬وبعيدا‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الإشكال‭ ‬الوصفي،‭ ‬يمكن‭ ‬الإقرار‭ ‬بأنّ‭ ‬التحوّل‭ ‬العنفي‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬أثرا‭ ‬في‭ ‬الرؤى‭ ‬والمنظوريات‭ ‬المختلفة‭ ‬التي‭ ‬سادت‭ ‬وهيمنت‭ ‬على‭ ‬المخيال‭ ‬الفكري‭ ‬للإنسان‭ ‬العربي‭ ‬منذ‭ ‬عصر‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الموحدين‭ ‬كما‭ ‬تحدث‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬مفكرنا‭ ‬مالك‭ ‬بن‭ ‬نبي،‭ ‬حيث‭ ‬بدأ‭ ‬عهد‭ ‬المراجعات‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬الانبثاق،‭ ‬وقد‭ ‬لاحظنا‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬الحوار‭ ‬الذي‭ ‬أجراه‭ ‬عمار‭ ‬المأمون‭ ‬مع‭ ‬المفكر‭ ‬العربي‭ ‬الطيب‭ ‬تيزيني‭ ‬في‭ ‬العدد‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬الجديد”،‭ ‬ومنه‭ ‬تعدّ‭ ‬المراجعة‭ ‬الفكرية‭ ‬أو‭ ‬السياسية،‭ ‬في‭ ‬نظرنا‭ ‬أمّ‭ ‬الفضائل‭ ‬وقدس‭ ‬الأقداس‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬أيّ‭ ‬مفكر‭ ‬أو‭ ‬باحث،‭ ‬فالمراجعة‭ ‬تقرأ‭ ‬عند‭ ‬النفوس‭ ‬الكبيرة‭ ‬والنبيلة‭ ‬على‭ ‬أنّها‭ ‬علامة‭ ‬على‭ ‬حالة‭ ‬عليا‭ ‬من‭ ‬حالات‭ ‬الوعي‭ ‬الصادق‭ ‬مع‭ ‬الذات،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬حالة‭ ‬صدق‭ ‬مع‭ ‬الآخر،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تشكّل‭ ‬نقطة‭ ‬انعطاف‭ ‬قوية‭ ‬جهة‭ ‬إنجاز‭ ‬الوثبة‭ ‬التي‭ ‬نصحنا‭ ‬بها‭ ‬مارتن‭ ‬هيدغر‭.‬

على‭ ‬هذا‭ ‬الأساس،‭ ‬ووفق‭ ‬منطق‭ ‬المراجعة‭ ‬التي‭ ‬ستفتح‭ ‬أفقا‭ ‬جدّيا‭ ‬وطريفا‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬والسياسة،‭ ‬جاء‭ ‬الحوار‭ ‬الذي‭ ‬أجرته‭ ‬آراء‭ ‬الجرماني‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬مع‭ ‬المفكر‭ ‬فواز‭ ‬طرابلسي،‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬تاريخية‭ ‬نحتاج‭ ‬فيها‭ ‬فقه‭ ‬المراجعات‭ ‬النقدية،‭ ‬وقد‭ ‬انقسم‭ ‬الحوار‭ ‬إلى‭ ‬قسمين‭ ‬كبيرين؛‭ ‬قسم‭ ‬يتعلّق‭ ‬بالجانب‭ ‬الذي‭ ‬ارتبط‭ ‬عنده‭ ‬بالبراكسيس‭ ‬‭(‬الممارسة‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬يتعالق‭ ‬الفكر‭ ‬مع‭ ‬السياسة،‭ ‬وكانت‭ ‬الكلمة‭ ‬الفصل‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬روح‭ ‬النقد‭ ‬الذاتي‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬قاعدة‭ ‬قارّة‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬اليساري‭ ‬الراهن،‭ ‬وقسم‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬أثر‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬العربي‭ ‬والعالمي،‭ ‬ونحن‭ ‬هنا‭ ‬نسجل‭ ‬مدى‭ ‬التفكّر‭ ‬الذي‭ ‬خمّن‭ ‬فيه‭ ‬الأستاذ‭ ‬فواز‭ ‬طرابلسي،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬حديثه‭ ‬محيطا‭ ‬بالأحداث‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬عصفت‭ ‬بالعالم‭ ‬بدءًا‭ ‬بسقوط‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬وانتهاءً‭ ‬بانفجار‭ ‬الوضع‭ ‬العربي،‭ ‬وعقابيله‭ ‬على‭ ‬الطائفية‭ ‬واليسار‭ ‬والدكتاتوريات‭ ‬والصحافة‭ ‬والعلمانية‭ ‬والوطنية‭ ‬ومصير‭ ‬الماركسية‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬دولة‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭. ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬زاخرا‭ ‬بالرؤى‭ ‬وثريا‭ ‬بالقراءات‭ ‬المفتوحة‭ ‬على‭ ‬معاني‭ ‬ودروب‭ ‬غير‭ ‬مطروقة‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬الفهم‭ ‬العميق‭ ‬للتحولات‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬بعيدا‭ ‬عنّا‭ ‬وكان‭ ‬لها‭ ‬الأثر‭ ‬البالغ‭ ‬على‭ ‬المجال‭ ‬الحيوي‭ ‬العربي،‭ ‬فنحن‭ ‬ما‭ ‬زلنا‭ ‬نعيش‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬الحداثة‭ ‬أو‭ ‬بتعبير‭ ‬واخز‭ ‬في‭ ‬حديقتها‭ ‬الخلفية‭ ‬التي‭ ‬تُرمى‭ ‬فيها‭ ‬فضلات‭ ‬الغرب‭ ‬المعرفية‭ ‬والبشرية‭.‬

ينطلق‭ ‬الحوار‭ ‬من‭ ‬ملاحظة‭ ‬مهمة‭ ‬وهي‭ ‬أنّ‭ ‬الفكر‭ ‬الغربي‭ ‬انخرط‭ ‬مبكراً‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬الحدث‭ ‬العربي،‭ ‬انخراطا‭ ‬يتأسّس‭ ‬على‭ ‬منحى‭ ‬نفسي،‭ ‬حيث‭ ‬يحرص‭ ‬على‭ ‬حضور‭ ‬العامل‭ ‬العاطفي‭ ‬‮«‬الثأر”‭ ‬في‭ ‬جوف‭ ‬الحراك‭ ‬العربي،‭ ‬لأنّ‭ ‬المسألة‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬المفكرين‭ ‬الغربيين‭ ‬لا‭ ‬تتعدى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬حركة‭ ‬اضطغانية‭ ‬أفرزتها‭ ‬النفوس‭ ‬المكسورة‭ ‬تاريخيا،‭ ‬وإنّنا‭ ‬هنا‭ ‬والآن،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ننسى‭ ‬القراءة‭ ‬التي‭ ‬قدمها‭ ‬المفكر‭ ‬الفرنسي‭ ‬الكبير‭ ‬إدغار‭ ‬موران،‭ ‬الذي‭ ‬فهم‭ ‬أنّ‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬العربي‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الأساس‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬رغبة‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬الكرامة‭ ‬والديمقراطية‭ ‬والحرية،‭ ‬وأنّهم‭ ‬كائنات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬تاريخ‭ ‬خارج‭ ‬الأفق‭ ‬الغربي‭ ‬الإمبريالي‭.‬

ومن‭ ‬المنجزات‭ ‬المهمة‭ ‬التي‭ ‬نرصدها‭ ‬في‭ ‬متن‭ ‬الحوار‭ ‬المقدرة‭ ‬العملياتية‭ ‬التي‭ ‬يملكها‭ ‬مثقفنا‭ ‬فواز‭ ‬طرابلسي‭ ‬حيث‭ ‬وبمجرد‭ ‬انبثاق‭ ‬الحدث‭ ‬الحراكي،‭ ‬اجتهد‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬بدايات”‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬2012‭ ‬وهي‭ ‬مجلة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تفعيل‭ ‬آلية‭ ‬المراجعة‭ ‬للفكر‭ ‬اليساري‭ ‬العربي،‭ ‬وهي‭ ‬مهمة‭ ‬على‭ ‬درجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬الجدية‭ ‬والصرامة،‭ ‬وتتضمن‭ ‬رؤية‭ ‬عميقة‭ ‬لما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي،‭ ‬ولما‭ ‬هو‭ ‬مطلوب‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الراهنة‭. ‬ومن‭ ‬وحي‭ ‬هذه‭ ‬المراجعة‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬الدور‭ ‬الإيجابي‭ ‬لليسار،‭ ‬ولليساريين‭ ‬الشباب‭ ‬وما‭ ‬يقومون‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬تنشيط‭ ‬الفعل‭ ‬الثوري‭.‬

أمّا‭ ‬القسم‭ ‬الذي‭ ‬لاحظنا‭ ‬أنه‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬الجانب‭ ‬الفكري،‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يقلّ‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬فضاء‭ ‬البراكسيس‭ ‬والذي‭ ‬نشهد‭ ‬لصاحبنا‭ ‬فيه‭ ‬بمدى‭ ‬الحرص‭ ‬الذي‭ ‬يوليه‭ ‬له،‭ ‬لأنه‭ ‬يؤمن‭ ‬أن‭ ‬الذهاب‭ ‬رأساً‭ ‬جهة‭ ‬مجال‭ ‬الفعل‭ ‬هو‭ ‬الدرب‭ ‬القمين‭ ‬بتحرير‭ ‬اليسار‭ ‬من‭ ‬أزمته،‭ ‬فاليسار‭ ‬في‭ ‬عمقه‭ ‬الفكري‭ ‬هو‭ ‬ذو‭ ‬توجه‭ ‬علماني،‭ ‬ينحاز‭ ‬إلى‭ ‬مجرى‭ ‬التاريخ‭ ‬البشري،‭ ‬وينفر‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬استغلال‭ ‬دنيء‭ ‬للمقدس،‭ ‬حيث‭ ‬أكّد‭ ‬بصورة‭ ‬جلية،‭ ‬أنّ‭ ‬القوى‭ ‬الدينية‭ ‬لها‭ ‬مقدرة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬طروحات‭ ‬قوية‭ ‬ثقافيا‭ ‬وسياسيا،‭ ‬ولكنّها‭ ‬عاجزة‭ ‬اقتصاديا‭ ‬واجتماعياً‭ ‬وهي‭ ‬النقطة‭ ‬القاتلة‭ ‬في‭ ‬جسدها،‭ ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬الثقب‭ ‬يمكن‭ ‬الدخول‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬مقارعة‭ ‬ناجحة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬اليسار،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نحرز‭ ‬تقدماً‭ ‬نوعياً‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬القوى‭ ‬اللاتاريخية‭.‬

وفي‭ ‬ذات‭ ‬التمشي،‭ ‬لم‭ ‬يستبعد‭ ‬اليسار‭ ‬من‭ ‬نقده،‭ ‬إذ‭ ‬أكد‭ ‬على‭ ‬الانحرافات‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬اليسار،‭ ‬وهجرتهم‭ ‬صوب‭ ‬الدكتاتوريات‭ ‬خوفا‭ ‬من‭ ‬سيف‭ ‬الحركة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬إيماناً‭ ‬منهم‭ ‬بأنّ‭ ‬الدكتاتورية‭ ‬هي‭ ‬أفضل‭ ‬قلعة‭ ‬يحتمون‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬الغول‭ ‬الإسلامي‭ ‬القادم،‭ ‬ولا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬ننسى‭ ‬انحراف‭ ‬أو‭ ‬توبة‭ ‬بعض‭ ‬اليساريين‭ ‬جهة‭ ‬منحى‭ ‬التيار‭ ‬الإسلامي،‭ ‬من‭ ‬مثل‭ ‬محمد‭ ‬عمارة،‭ ‬عبد‭ ‬الوهاب‭ ‬المسري‭.. ‬رُب‭ ‬ظاهرة‭ ‬تغدو‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭ ‬تصرفاً‭ ‬متوقعاً‭ ‬في‭ ‬الوسط‭ ‬الثقافي‭ ‬العربي،‭ ‬لأنّ‭ ‬المثقف‭ ‬العربي‭ ‬لم‭ ‬يحقق‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬الإشباع‭ ‬المعرفي‭ ‬الذي‭ ‬يمكّنه‭ ‬من‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬التاريخية،‭ ‬وملازمة‭ ‬موقعه‭ ‬الفكري‭ ‬الذي‭ ‬آمن‭ ‬به‭.‬

وفي‭ ‬خضمّ‭ ‬التحولات‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬يولي‭ ‬الأستاذ‭ ‬فواز‭ ‬طرابلسي‭ ‬وجهته‭ ‬إلى‭ ‬الحدث‭ ‬الأكبر‭ ‬عند‭ ‬جماعة‭ ‬اليساريين‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي،‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬سقوط‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي،‭ ‬وقد‭ ‬نظر‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬إيجابية،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬برداً‭ ‬وسلاما‭ ‬على‭ ‬الماركسية،‭ ‬إذ‭ ‬أصبحت‭ ‬الماركسية‭ ‬في‭ ‬وصغ‭ ‬المتحرّر‭ ‬نهائياً‭ ‬من‭ ‬اشتراطات‭ ‬الدولة‭ ‬المركزية‭ ‬بأخطائها‭ ‬ومثالبها،‭ ‬ويفتح‭ ‬أمام‭ ‬اليسار‭ ‬إمكانية‭ ‬إنشاء‭ ‬عقد‭ ‬جديد‭ ‬ينبني‭ ‬خاصة‭ ‬على‭ ‬القطع‭ ‬أولاً‭ ‬مع‭ ‬كتلة‭ ‬المفاهيم‭ ‬التي‭ ‬هيمنت‭ ‬على‭ ‬المنظومة‭ ‬الفكرية‭ ‬الماركسية،‭ ‬ومنها‭ ‬خاصة‭ ‬الفكرة‭ ‬المقدسة‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالحزب‭ ‬الطليعي،‭ ‬والتوجه‭ ‬مباشرة‭ ‬إلى‭ ‬رؤى‭ ‬مبدعة‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬اليساري‭ ‬المنسجم‭ ‬مع‭ ‬راهنه،‭ ‬من‭ ‬مثل‭ ‬الانشغال‭ ‬بالمنظمات‭ ‬الجماهيرية،‭ ‬مع‭ ‬الالتزام‭ ‬القويّ‭ ‬والغليظ‭ ‬بالرؤية‭ ‬الديمقراطية‭ ‬بحسبانها‭ ‬الضامن‭ ‬الأكبر‭ ‬للحرية‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬المنظمات‭ ‬المنشودة،‭ ‬التي‭ ‬توكل‭ ‬كذلك‭ ‬لها‭ ‬مهمة‭ ‬مقاومة‭ ‬الاستبداد‭ ‬والنيوليبرالية،‭ ‬نظرا‭ ‬لطبيعة‭ ‬التقاطع‭ ‬الحيوي‭ ‬الموجود‭ ‬بينهما،‭ ‬وتهيئة‭ ‬المجتمع‭ ‬سياسياً‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬تنشيط‭ ‬فكرة‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬لكي‭ ‬نتحرّر‭ ‬من‭ ‬سيطرة‭ ‬الذهنية‭ ‬القروية‭ ‬المخيفة،‭ ‬والمناطقية‭ ‬غير‭ ‬العادلة‭ ‬والطائفية‭ ‬النتنة‭ ‬باعتبارها‭ ‬لوثة‭ ‬أصابت‭ ‬الجسد‭ ‬اللبناني‭ ‬في‭ ‬مقتل،‭ ‬ونصير‭ ‬شعبا‭ ‬كما‭ ‬حلم‭ ‬بها‭ ‬الشاعر‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الكبير‭ ‬محمود‭ ‬درويش‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬الأستاذ‭ ‬فواز‭ ‬طرابلسي‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الشأن‭ ‬الفكري‭/‬السياسي‭ ‬اللبناني،‭ ‬الذي‭ ‬انشغل‭ ‬به‭ ‬ممارسة‭ ‬وفكرا‭ ‬وانتساباً،‭ ‬وبذلك‭ ‬فهو‭ ‬يجسّد‭ ‬دور‭ ‬المثقف‭ ‬النقدي‭ ‬الملتزم‭ ‬وفق‭ ‬التوصيف‭ ‬الرائع‭ ‬لمفكرنا‭ ‬إدوارد‭ ‬وديع‭ ‬سعيد،‭ ‬حيث‭ ‬انشغل‭ ‬بالتنقيب‭ ‬عن‭ ‬مواصفات‭ ‬المثقف‭ ‬الصادق‭ ‬مع‭ ‬ذاته‭ ‬والملتزم‭ ‬بقضايا‭ ‬أمته،‭ ‬التزاما‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬فكرة‭ ‬لا‭ ‬تضامن‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬نقد،‭ ‬ولا‭ ‬يحب‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭ ‬أن‭ ‬نتورط‭ ‬في‭ ‬لازمة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬شماعة‭ ‬خارجية‭ ‬نعلق‭ ‬عليها‭ ‬كل‭ ‬انكساراتنا‭ ‬القومية،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬وصفها‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬برطانة‭ ‬اللوم‭.‬

إنّي‭ ‬أنزل‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬في‭ ‬منزلة‭ ‬الحوارات‭ ‬التي‭ ‬حملت‭ ‬في‭ ‬متنها‭ ‬صدقاً‭ ‬كبيرا،‭ ‬هو‭ ‬صدق‭ ‬مع‭ ‬الذات،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الخطير‭ ‬والمهم،‭ ‬وصدق‭ ‬مع‭ ‬القارئ‭ ‬اللبناني‭ ‬والعربي،‭ ‬وأنظر‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الحوارات‭ ‬التي‭ ‬تجريها‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬الجديد”‭ ‬على‭ ‬أنّها‭ ‬قراءات‭ ‬فكرية‭ ‬ستصبح‭ ‬يوما‭ ‬ما‭ ‬وثائق‭ ‬تؤرخ‭ ‬لفترة‭ ‬زمنية‭ ‬ذات‭ ‬منحى‭ ‬انعطافي‭.‬


كاتب وأكاديمي من الجزائر