جرذان‭ ‬العالم‭ ‬السفلي‭ ‬واللحمة‭ ‬التي‭ ‬تطول‭ ‬وتقصر

الجديد  عيسى جابلي [نُشر في 01/08/2016، العدد: 19، ص(102)]

لوحة: محمد الوهيبي
‮«‬أَوَلَيْست‭ ‬الفأر‭ ‬والجرذان‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تأكل‭ ‬كتب‭ ‬الله‭ ‬تعالى،‭ ‬وكتب‭ ‬العلم،‭ ‬وكتب‭ ‬الحساب؛‭ ‬وتقتل‭ ‬الفَسِيلَ‭ ‬والنّخل،‭ ‬وتهلك‭ ‬العلف‭ ‬والزّرع،‭ ‬وربما‭ ‬أهلكن‭ ‬القراح‭ ‬كله،‭ ‬وحملن‭ ‬شعير‭ ‬الكدس‭ ‬وبرّه‭. ‬فكيف‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الجهة‭ ‬من‭ ‬خلق‭ ‬الشيطان؟‭! ‬هذا،‭ ‬وبين‭ ‬طباعها‭ ‬وطباع‭ ‬الإنسان‭ ‬منافرة‭ ‬شديدة،‭ ‬ووحشة‭ ‬مفرطة‭. ‬وهي‭ ‬لا‭ ‬تأنس‭ ‬بالناس،‭ ‬وإن‭ ‬طالت‭ ‬معايشتها‭ ‬لهم‭. ‬وكيف‭ ‬تأنس‭ ‬بهم‭ ‬وهم‭ ‬لا‭ ‬يقلعون‭ ‬عن‭ ‬قتلها‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تقلع‭ ‬هي‭ ‬عن‭ ‬مساءتهم؟‭! ‬فلو‭ ‬كنّ‭ ‬ممّا‭ ‬يؤكل‭ ‬لكان‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬بعض‭ ‬المرفق‭. ‬فكيف‭ ‬وإنها‭ ‬لَتُلقى‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬ميّتة،‭ ‬فما‭ ‬يعرض‭ ‬لها‭ ‬الكلب‭ ‬الجائع‭!‬”‭.‬

‭[‬الجاحظ،‭ ‬الحيوان،‭ ‬الجزء‭ ‬V،‭ ‬ص‭. ‬ص‭ ‬174‭-‬175‭ ‬‭(‬بتصرف‭)]‬

جرذان‭ ‬العالم‭ ‬السفلي

في‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬أكلني‭ ‬جرذ‭.‬

جعل‭ ‬يهاجمني‭ ‬بكل‭ ‬جرأة‭. ‬أخذ‭ ‬يقضم‭ ‬أصابع‭ ‬قدميّ‭ ‬حتّى‭ ‬قطعها‭. ‬سالت‭ ‬دماء‭ ‬كثيرة‭. ‬جفّت‭. ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬بإمكاني‭ ‬التّنقّل‭. ‬أقفلت‭ ‬باب‭ ‬بيتي‭ ‬بالحديد،‭ ‬وجعلت‭ ‬عليه‭ ‬حارسين‭ ‬يتناوبان‭ ‬الحراسة‭. ‬من‭ ‬الغد‭ ‬جاءني‭ ‬أحدهما‭ ‬بجثّة‭ ‬الثّاني‭ ‬دون‭ ‬رأس‭ ‬ولا‭ ‬قدمين‭.‬

أكلته‭ ‬الجرذان،‭ ‬قال‭ ‬لي،‭ ‬ثمّ‭ ‬فرّ‭ ‬هاربا‭ ‬برأسه‭ ‬وذعره‭.‬

قرأت‭ ‬الخبر‭ ‬على‭ ‬صفحات‭ ‬الجرائد‭ ‬اليومية‭:‬

‮«‬نقل‭ ‬مراسلنا‭ ‬في‭ ‬مدينة‮…‬‭ ‬أنّ‭ ‬كاتبا‭ ‬تونسيّا‭ ‬قد‭ ‬أكلته‭ ‬جرذان‭ ‬قميئة‭. ‬وقد‭ ‬تمّ‭ ‬العثور‭ ‬عليه‭ ‬جثّة‭ ‬هامدة‭ ‬في‭ ‬بيته‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬ضواحي‭ ‬المدينة‭ ‬وعلى‭ ‬جسده‭ ‬خدوش‭ ‬عميقة‭. ‬وأفاد‭ ‬مراسلنا‭ ‬أن‭ ‬على‭ ‬جثة‭ ‬الهالك‭ ‬ثلاثة‭ ‬خطوط‭ ‬حمراء‭ ‬يحتوي‭ ‬بعضها‭ ‬بعضا‭. ‬وصرّح‭ ‬الهالك‭ ‬لمراسلنا‭ ‬أنّه‭ ‬لا‭ ‬يهتمّ‭ ‬بالأمر،‭ ‬لأنّ‭ ‬الجرذان‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬كائنات‭ ‬غريبة‭ ‬عن‭ ‬المدينة،‭ ‬وأنّه‭ ‬ليس‭ ‬ضحيتها‭ ‬الأولى‭ ‬ولا‭ ‬الأخيرة‭.‬

يذكر‭ ‬أن‭ ‬مدينة‮…‬‭ ‬تعيش‭ ‬منذ‭ ‬مدة‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬ظاهرة‭ ‬هي‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬نوعها‭ ‬تاريخيّا،‭ ‬إذ‭ ‬صارت‭ ‬أوّل‭ ‬مدينة‭ ‬تأكل‭ ‬جرذانها‭ ‬البشر‭!‬”‭.‬

ألقيت‭ ‬الجريدة‭ ‬جانبا‭ ‬غير‭ ‬مكترث‭ ‬بالتّصريح‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬أقله‭ ‬ولا‭ ‬بالخبر‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يعنيني‭ ‬ورحت‭ ‬أرتّب‭ ‬المشهد‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬

***

كانت‭ ‬مدينتي‭ ‬‭-‬ومازالت‭-‬‭ ‬أجمل‭ ‬مدينة‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬عبثا‭ ‬يحاول‭ ‬بنيانها‭ ‬تسلّق‭ ‬قامة‭ ‬الجبل‭ ‬الخطير،‭ ‬وآن‭ ‬يعجز‭ ‬ويثنيه‭ ‬التّعب‭ ‬ينام‭ ‬عند‭ ‬السّفح‭ ‬مطمئنّا،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يواصل‭ ‬الجبل‭ ‬ارتفاعه‭ ‬ويضحك‭ ‬في‭ ‬صمت‭ ‬من‭ ‬عبث‭ ‬المحاولة‭. ‬أمّا‭ ‬صمت‭ ‬المدينة‭ ‬وهدوؤها‭ ‬فليس‭ ‬سوى‭ ‬خدعة‭ ‬بسيطة‭ ‬أحسبها‭ ‬أهمّ‭ ‬حرفة‭ ‬تمارسها‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭. ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬خلف‭ ‬الصّمت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬صراع‭.‬

هنا‭ ‬باعة‭ ‬الفول‭ ‬يتنازعون‭ ‬الرّصيف‭ ‬في‭ ‬صمت،‭ ‬وهنا‭ ‬الشّوّاؤون‭ ‬تنوب‭ ‬عن‭ ‬حربهم‭ ‬معاركُ‭ ‬لافتات‭ ‬الأسعار‭ ‬التي‭ ‬تعلو‭ ‬وتنخفض‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬مرّات‭ ‬ومرّات‭ ‬كبورصة‭ ‬‮«‬وول‭ ‬ستريت”،‭ ‬وهنا‭ ‬المقاهي‭ ‬تولد‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬لحظة‭ ‬على‭ ‬جنبات‭ ‬الطّريق‭ ‬الوطنيّة‭ ‬رقم‭ ‬3‭ ‬يدمّر‭ ‬بعضها‭ ‬بعضا‭ ‬في‭ ‬صمت،‭ ‬وهنا‭ ‬الحوانيت‭ ‬والمغازات‭ ‬تخوض‭ ‬حرب‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬صمت،‭ ‬حتّى‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬بارت‭ ‬تجارة‭ ‬حلّت‭ ‬أخرى‭ ‬محلّها‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬ممكن،‭ ‬وهنا‭ ‬البناءات‭ ‬تتطاول‭ ‬شرقا‭ ‬وتتوسّع‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬سواني‭ ‬الزّيتون‭.‬

وتحت‭ ‬المدينة‭ ‬عالم‭ ‬سفليّ‭ ‬لا‭ ‬يأبه‭ ‬به‭ ‬أحد‭..‬

‭.. ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أفاقت‭ ‬المدينة‭ ‬يوما‭ ‬على‭ ‬صياح‭ ‬عجوز‭ ‬وجدت‭ ‬ابنها‭ ‬على‭ ‬سريره‭ ‬جثّة‭ ‬بجمجمة‭ ‬فارغة،‭ ‬وعلى‭ ‬صدره‭ ‬ثلاثة‭ ‬خطوط‭ ‬حمراء‭.‬

كانت‭ ‬تقول‭ ‬مولولة‭: ‬لقد‭ ‬رأيت‭ ‬آخرها‭ ‬يغادر‭. ‬كان‭ ‬الباب‭ ‬موصدا‭ ‬غير‭ ‬أنّه‭ ‬انسلّ‭ ‬كنسمة‭ ‬هواء‭. ‬إنّه‭ ‬جرذ‭ ‬ضخم‭ ‬جدّا‭. ‬وإنّ‭ ‬ملامحه‭ ‬بشريّة،‭ ‬غير‭ ‬أنّه‭ ‬يمشي‭ ‬على‭ ‬أربع‭ ‬يتبعه‭ ‬ذيل‭ ‬دقيق‭ ‬طويل‭..‬

ثمّ‭ ‬تتالت‭ ‬الجثث‭ ‬وكثرت‭ ‬القصص‭ ‬وتناقلتها‭ ‬الأفواه‭ ‬غرائب‭ ‬وعجائب،‭ ‬وصارت‭ ‬المدينة‭ ‬فيلم‭ ‬رعب‭ ‬هوليوديّا‭ ‬لا‭ ‬يصدّق‭.‬

***

البارحة‭ ‬أكلت‭ ‬الجرذان‭ ‬نهود‭ ‬مراهقتين‭ ‬تاركة‭ ‬ثلاثة‭ ‬خطوط‭ ‬حمراء‭ ‬ناصعة‭ ‬على‭ ‬فرج‭ ‬كلّ‭ ‬واحدة‭.‬

في‭ ‬الطّرف‭ ‬الشّرقيّ‭ ‬من‭ ‬المدينة‭ ‬أيضا،‭ ‬شنّت‭ ‬جرذان‭ ‬تطلع‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬السّفليّ‭ ‬حملة‭ ‬على‭ ‬مدرسة‭ ‬أكلت‭ ‬أصابع‭ ‬كلّ‭ ‬تلاميذها،‭ ‬والتّوقيع‭ ‬ثلاثة‭ ‬خطوط‭ ‬حمراء‭ ‬مطبوعة‭ ‬على‭ ‬الباب‭ ‬الرّئيس‭.‬

في‭ ‬سفح‭ ‬الجبل‭ ‬قطيع‭ ‬بقر‭ ‬أكلت‭ ‬الفئران‭ ‬أثداءه‭ ‬فسال‭ ‬نهر‭ ‬من‭ ‬الحليب‭ ‬والدمّ‭ ‬والتّوقيع‭ ‬ثلاثة‭ ‬خطوط‭ ‬حمراء‭.‬

سانية‭ ‬الزّيتون‭ ‬شماليّ‭ ‬المدينة‭ ‬أصبحت‭ ‬بلا‭ ‬أغصانها،‭ ‬وعلى‭ ‬الجذوع‭ ‬ثلاثة‭ ‬خطوط‭ ‬حمراء‭.‬

هكذا‭ ‬تأتيك‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬عشرات‭ ‬الأخبار‭ ‬المرعبة‭ ‬تسمعها‭ ‬حيثما‭ ‬حللت،‭ ‬حتّى‭ ‬صار‭ ‬ليل‭ ‬المدينة‭ ‬وحشا‭ ‬مرعبا‭ ‬ثقيلا‭.‬

اختفى‭ ‬الباعة‭. ‬أغلقت‭ ‬الدّكاكين‭. ‬هجرت‭ ‬السّاحات‭ ‬والمقاهي‭ ‬والجوامع‭ ‬والمدارس‭ ‬وغلّقت‭ ‬الأبواب‭ ‬بالحديد،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬الرّعب‭ ‬تسلّل‭ ‬بين‭ ‬الجدران‭ ‬إلى‭ ‬الأسرّة‭ ‬والقلوب‭.‬

كانت‭ ‬المدينة‭ ‬تشيّع‭ ‬موتاها‭ ‬صباح‭ ‬مساء‭. ‬وفي‭ ‬كلّ‭ ‬ليلة‭ ‬تتطلّع‭ ‬العيون‭ ‬المتوجّسة‭ ‬إلى‭ ‬سماع‭ ‬خبر‭ ‬غارة‭ ‬جديدة‭ ‬تشنّها‭ ‬جرذان‭ ‬العالم‭ ‬السّفليّ‭.‬

جفّت‭ ‬العيون‭ ‬والحلوق‭. ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬للبكاء‭ ‬معنى‭ ‬ولا‭ ‬فائدة‭ ‬من‭ ‬العويل‭. ‬أصبحت‭ ‬المدينة‭ ‬الخبر‭ ‬الرّئيس‭ ‬في‭ ‬نشرات‭ ‬الأنباء‭. ‬جاءت‭ ‬فرق‭ ‬بحث‭ ‬وتحقيق‭ ‬دوليّة‭ ‬تجمع‭ ‬المعلومات‭ ‬عن‭ ‬الظّاهرة‭. ‬انصبّت‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬ووكالات‭ ‬الأنباء‭ ‬الدّوليّة‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬وأوفدت‭ ‬الأمم‭ ‬المتّحدة‭ ‬مبعوثا‭ ‬أمميّا‭ ‬لحلّ‭ ‬الأزمة‭. ‬واحتل‭ ‬الخبر‭ ‬عناوين‭ ‬الصّفحات‭ ‬الأولى‭ ‬بخطّ‭ ‬غليظ‭:‬

‮«‬جرذان‭ ‬قميئة‭ ‬تأكل‭ ‬أدمغة‭ ‬النّاس‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬‮……‬”‭!‬؛‭ ‬‮«‬منظّمة‭ ‬الصّحة‭ ‬العالميّة‭ ‬في‭ ‬مأزق‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬حلّ‭ ‬للقضاء‭ ‬على‭ ‬جرذان‭ ‬تأكل‭ ‬أدمغة‭ ‬البشر‭!‬”؛‭ ‬‮«‬إنّها‭ ‬الكارثة‭: ‬جرذان‭ ‬تأكل‭ ‬أدمغة‭ ‬بشريّة‭!‬”؛‭ ‬‮«‬أغرب‭ ‬من‭ ‬الخيال‭: ‬مدينة‭ ‬تأكل‭ ‬جرذانها‭ ‬أدمغة‭ ‬البشر‭!‬”؛‭ ‬‮«‬هل‭ ‬ينجح‭ ‬الموفد‭ ‬الأمميّ‭ ‬في‭ ‬حلّ‭ ‬أكبر‭ ‬كارثة‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الواحد‭ ‬والعشرين؟”‭..‬

غادر‭ ‬كثيرون‭ ‬المدينة‭. ‬خلت‭ ‬أحياء‭ ‬من‭ ‬سكّانها‭ ‬بالكامل‭. ‬فرّ‭ ‬بعض‭ ‬جيراني‭ ‬زرافات‭ ‬إلى‭ ‬مدن‭ ‬مجاورة‭ ‬ريثما‭ ‬يتبيّن‭ ‬أمر‭ ‬الجرذان‭. ‬جاء‭ ‬رئيس‭ ‬الدّولة‭ ‬في‭ ‬زيارة‭ ‬فجئيّة‭ ‬إلى‭ ‬المدينة‭ ‬استغرق‭ ‬الإعداد‭ ‬لها‭ ‬أسبوعا‭ ‬كاملا‭. ‬وقف‭ ‬على‭ ‬المنصّة‭. ‬قال‭ ‬عبارات‭ ‬كالخراء‭. ‬بكى‭. ‬مسح‭ ‬دموعه‭. ‬انصرف‭. ‬جابت‭ ‬مسيرات‭ ‬شوارع‭ ‬المدينة‭. ‬تجمّعت‭ ‬الحشود‭ ‬أمام‭ ‬إقامة‭ ‬الموفد‭ ‬الأمميّ‭. ‬خرج‭ ‬حرسه‭ ‬قائلين‭:‬

البارحة،‭ ‬أكلته‭ ‬الجرذان‭.‬

ثمّ‭ ‬طار‭ ‬الوفد‭ ‬ببقايا‭ ‬جثّته‭ ‬مساء‭.‬

صحت‭ ‬فيهم‭:‬

إنّ‭ ‬الأمر‭ ‬بأيديكم‭ ‬أيّها‭ ‬الجبناء‭! ‬اقضوا‭ ‬على‭ ‬الجرذان‭ ‬بأيديكم‭ ‬أيّها‭ ‬الحمقى‭. ‬أغلقوا‭ ‬العالم‭ ‬السّفليّ‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭!‬

وفي‭ ‬ساعة‭ ‬سوّيت‭ ‬أرضيّة‭ ‬المدينة‭ ‬بالإسمنت‭ ‬المسلّح‭ ‬الذي‭ ‬سرى‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬الشّقوق‭ ‬والمغارات‭ ‬والثّقوب‭ ‬فسدّها‭ ‬نهائيّا‭. ‬أحكمنا‭ ‬غلق‭ ‬البالوعات‭. ‬سددنا‭ ‬فتحات‭ ‬قنوات‭ ‬الصّرف‭ ‬الصّحيّ‭.‬

ليلا،‭ ‬أحكمت‭ ‬غلق‭ ‬الباب‭. ‬أويت‭ ‬إلى‭ ‬مكتبي‭ ‬أتصفّح‭ ‬ما‭ ‬لديّ‭ ‬من‭ ‬كتب‭ ‬ومجلاّت‭ ‬علميّة‭ ‬وتاريخيّة‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬ظاهرة‭ ‬مماثلة‭. ‬لم‭ ‬أجد‭ ‬شيئا‭ ‬يذكر‭. ‬مجرّد‭ ‬معلومات‭ ‬عامّة‭ ‬عن‭ ‬الفئران‭ ‬ودورها‭ ‬الخطر‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬أكثر‭ ‬الأمراض‭ ‬خطورة‭. ‬قلت‭: ‬تحمل‭ ‬الفئران‭ ‬في‭ ‬أجسادها‭ ‬الأدواء‭ ‬فلا‭ ‬تأبه‭ ‬بها،‭ ‬غير‭ ‬أنّها‭ ‬تقتل‭ ‬بها‭ ‬الآخرين‭.‬

وفي‭ ‬لحظة،‭ ‬وجدتني‭ ‬أمام‭ ‬جرذ‭ ‬أسرع‭ ‬إلى‭ ‬النّور‭ ‬فأطفأه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬أتبيّن‭ ‬ملامحه،‭ ‬ثمّ‭ ‬انقضّ‭ ‬على‭ ‬أصابع‭ ‬قدميّ‭ ‬فأكلها،‭ ‬وانسلّ‭ ‬خارج‭ ‬البيت‭. ‬صباحا‭ ‬أفقت‭ ‬على‭ ‬دمائي‭ ‬وقد‭ ‬جفّت‭. ‬تأمّلت‭ ‬وجهي‭ ‬في‭ ‬المرآة‭. ‬كنت‭ ‬مرهقا‭ ‬جدا‭. ‬على‭ ‬جبيني‭ ‬رأيت‭ ‬ثلاثة‭ ‬خطوط‭ ‬حمراء‭ ‬انطبعت‭ ‬في‭ ‬غمرة‭ ‬ذلك‭ ‬الألم‭ ‬اللّيلي‭ ‬الجارف‭.‬

***

كانت‭ ‬الجرذان‭ ‬تأكل‭ ‬مدينتي‭ ‬وأنا‭ ‬صامت‭ ‬كالغائب‭ ‬عن‭ ‬الوعي،‭ ‬أو‭ ‬كمن‭ ‬لا‭ ‬يهمّه‭ ‬الأمر‭.‬

الحقّ‭ ‬أقول‭ ‬لكم‭: ‬أحسست‭ ‬لأوّل‭ ‬مرّة‭ ‬بأنّني‭ ‬جرذ‭ ‬حقير‭!‬

لماذا‭ ‬التزمت‭ ‬الصّمت‭ ‬كلّ‭ ‬هذا‭ ‬الزّمن؟‭ ‬ألم‭ ‬يكن‭ ‬عليّ‭ ‬منذ‭ ‬البدء‭ ‬أن‭ ‬أتحرّك؟‭! ‬كنت‭ ‬أراقب‭ ‬النّاس‭ ‬يقيمون‭ ‬الولائم‭ ‬ومآدب‭ ‬الطّاعة‭ ‬كالقطعان‭ ‬ويزورون‭ ‬أضرحة‭ ‬الأولياء‭ ‬طلبا‭ ‬للنّجاة‭ ‬من‭ ‬الكارثة‭. ‬رأيت‭ ‬مثقّفي‭ ‬المدينة‭ ‬في‭ ‬المقاهي‭ ‬يثرثرون‭ ‬حول‭ ‬كؤوس‭ ‬الشّاي‭ ‬يأكل‭ ‬بعضهم‭ ‬بعضا‭. ‬سمعت‭ ‬أئمة‭ ‬المساجد‭ ‬يؤكّدون‭ ‬للنّاس‭ ‬أنّها‭ ‬اللّعنة‭ ‬وقد‭ ‬حلّت‭ ‬بالمدينة‭ ‬العاهرة،‭ ‬ويلقّنونهم‭ ‬أنّ‭ ‬ما‭ ‬يحصل‭ ‬هو‭ ‬أقوى‭ ‬‮«‬برهان”‭ ‬من‭ ‬اللّه‭ ‬لمدينة‭ ‬ضالّة‭.‬

رأيت‭ ‬كلّ‭ ‬هذا‭ ‬وأكثر،‭ ‬ولكنّني‭ ‬لم‭ ‬أحرّك‭ ‬ساكنا‭!‬

صحت‭ ‬في‭ ‬المرآة‭: ‬أنت‭ ‬جرذ‭ ‬حقيقيّ‭! ‬أنت‭ ‬جرذ‭ ‬حقير‭! ‬عليك‭ ‬اللّعنة‭ ‬يا‭ ‬عيسى‭! ‬الموت‭ ‬لقلمك‭!‬

سمعني‭ ‬نبراس‭ ‬أصيح‭ ‬بالجملة‭ ‬وأنا‭ ‬أكتبها‭. ‬نطّ‭ ‬في‭ ‬حجري‭:‬

ماذا‭ ‬تكتب؟

قصّة‭.‬

عن‭ ‬الأميرة؟

عن‭ ‬الجرذان‭.‬

تخطف‭ ‬الأطفال‭ ‬الصّغار؟

وتأكل‭ ‬أدمغتهم‭ ‬وأدمغة‭ ‬الصّبايا‭ ‬والأطفال‭ ‬والنّساء‭.. ‬هل‭ ‬تعرفهم؟

نعم‭. ‬عيونهم‭ ‬حمراء‭ ‬وذيولهم‭ ‬طويلة‭ ‬وأنيابهم‭ ‬عملاقة‭ ‬حادة‭ ‬وأنوفهم‭ ‬تقذف‭ ‬المخاط‭ ‬في‭ ‬أفواههم‭ ‬بلا‭ ‬انقطاع،‭ ‬يعيشون‭ ‬على‭ ‬القاذورات‭ ‬ويأكلون‭ ‬لحوم‭ ‬البشر‭..‬

دفعته‭ ‬بهدوء‭ ‬مربّتا‭ ‬على‭ ‬كتفه‭ ‬فقفز‭ ‬إلى‭ ‬لعبه‭ ‬وعدت‭ ‬إلى‭ ‬قصّتي‭..‬

لحمة‭ ‬تطول‭ ‬وتقصر‭..‬

لوحة: كرم الشمالي

ما‭ ‬إن‭ ‬دخلت‭ ‬البالوعة‭ ‬حتّى‭ ‬انقضّوا‭ ‬عليّ‭ ‬خبطا‭ ‬على‭ ‬وجهي‭ ‬بالذّيول،‭ ‬وأخذوا‭ ‬ينهشون‭ ‬لحمي‭. ‬جرّوني‭ ‬عبر‭ ‬قنوات‭ ‬الصّرف‭ ‬إلى‭ ‬بالوعة‭ ‬أخرى‭. ‬فقدت‭ ‬إحساسي‭ ‬بالزّمن‭ ‬وضيّعت‭ ‬الاتّجاهات‭. ‬خنقتني‭ ‬الرّوائح‭ ‬الرّطبة‭. ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬البالوعات‭ ‬زُجّ‭ ‬بي‭ ‬مكتوف‭ ‬اليدين‭ ‬أمام‭ ‬كائن‭ ‬أسود‭ ‬ضخم‭ ‬لا‭ ‬تكاد‭ ‬ملامحه‭ ‬تبين‭. ‬أجلت‭ ‬النّظر‭ ‬في‭ ‬البالوعة‭ ‬مذعورا،‭ ‬فإذا‭ ‬خراء‭ ‬وبول‭ ‬وبراز‭ ‬وصراصير‭ ‬وجثث‭ ‬قطط‭ ‬متعفّنة،‭ ‬وبقايا‭ ‬لحم‭ ‬نتن،‭ ‬وقطع‭ ‬جلود‭ ‬ودماء‭ ‬وغازات‭ ‬تخطف‭ ‬الرّوح‭ ‬وسوائل‭ ‬لزجة‭ ‬تنساب‭ ‬في‭ ‬المكان‭. ‬ومن‭ ‬السّقف‭ ‬تدلّت‭ ‬خيوط‭ ‬سوداء‭ ‬وعناكب‭ ‬وجراد‭ ‬بعيون‭ ‬مضيئة‭.‬

ما‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬بك‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬السّفليّ؟

صاح‭ ‬الكائن‭ ‬بصوت‭ ‬أجشّ‭ ‬فتبيّنت‭ ‬ملامحه‭ ‬لأوّل‭ ‬مرّة‭. ‬عينان‭ ‬بشريّتان‭ ‬تنظر‭ ‬كلّ‭ ‬منهما‭ ‬في‭ ‬مكان،‭ ‬تشعّان‭ ‬بشرّ‭ ‬ومكر‭ ‬ودهاء‭. ‬لوهلة‭ ‬سمّيته‭ ‬بيني‭ ‬وبين‭ ‬نفسي‭ ‬‮«‬التِّبِّيب”‭ ‬‭(‬الهدهد‭)‬‭. ‬ثمّ‭ ‬قهقه‭ ‬فبانت‭ ‬أسنانه‭ ‬الأمامية‭ ‬المتباعدة‭ ‬كسور‭ ‬قيروانيّ‭ ‬قديم‭. ‬تحرّك‭ ‬في‭ ‬القاعة‭ ‬بخطى‭ ‬ثابتة،‭ ‬فبان‭ ‬ذيله‭ ‬الدّقيق‭ ‬الطّويل،‭ ‬وتأكّدت‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬الجرذان‭ ‬كائنات‭ ‬بشريّة‭ ‬استجرذت‭ ‬كي‭ ‬تسيطر‭ ‬بطريقتها‭ ‬على‭ ‬المدينة‭.‬

أتظنّون‭ ‬أنّ‭ ‬شمسكم‭ ‬القحبة‭ ‬ستثنينا‭ ‬عن‭ ‬احتلال‭ ‬المدينة‭ ‬أيّها‭ ‬الوغد؟‭ ‬هل‭ ‬جئت‭ ‬لتحويل‭ ‬المعركة‭ ‬تحت‭ ‬الشّمس؟‭ ‬أم‭ ‬جئتنا‭ ‬غازيا؟

ثمّ‭ ‬أضاف‭ ‬وهو‭ ‬ينظر‭ ‬إليّ‭ ‬نظرة‭ ‬المحتقر‭:‬

يا‭ ‬لك‭ ‬من‭ ‬أخرق‭!‬

وأمسك‭ ‬بي‭ ‬بعنف‭:‬

ما‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬بك؟‭ ‬‭(‬يصيح‭ ‬ويزبد‭)‬

‮……‬‭.. ‬‭(‬جئتكم‭ ‬غازيا‭.. ‬أولاد‭ ‬القحبة‭)‬

انطق‭!‬

جئت‭ ‬مستكشفا‭!‬

تكذب‭! ‬كذّاب‭!‬

‮……‬‭.. ‬‭(‬أنتم‭ ‬الكذب‭ ‬يمشي‭ ‬على‭ ‬قدمين‭.. ‬وجودكم‭ ‬في‭ ‬مدينتي‭ ‬كذبة‭ ‬لم‭ ‬يصدقها‭ ‬غيركم‭!‬‭)‬

ألم‭ ‬تقرأ‭ ‬سيرة‭ ‬أمّة‭ ‬الجرذان‭ ‬أيّها‭ ‬الكلب؟

واشتدّت‭ ‬ثورته‭:‬

أنت‭ ‬رمز‭ ‬الرّداءة‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬وسنقاومك‭ ‬أيّها‭ ‬الكلب‭!‬

‮……‬‭. ‬‭(‬أنتم‭ ‬الرّداءة‭ ‬وقد‭ ‬تجسّدت‭ ‬كائنات‭ ‬لقيطة‭ ‬لا‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬ولا‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬البهائم‭ ‬أيّها‭ ‬الأقحب‭ ‬النّذل‭. ‬أنا‭ ‬كاتب‭ ‬حقيقيّ‭ ‬يا‭ ‬خراء،‭ ‬وسأطهّر‭ ‬المدينة‭ ‬منكم‭ ‬بقلمي‭ ‬وإيري‭ ‬يا‭ ‬لعين‭ ‬السّماء‭ ‬والأرض‭! ‬أعدك‭. ‬إنّها‭ ‬مسألة‭ ‬وقت‭ ‬لا‭ ‬أكثر،‭ ‬فصبرا‭ ‬أيّها‭ ‬التّبّيب‭ ‬اللّعين‭!‬‭)‬‭.‬

ثمّ‭ ‬نادى‭ ‬بكتاب،‭ ‬وأخذ‭ ‬يشير‭ ‬عليّ‭ ‬بقراءة‭ ‬الأسطر‭ ‬والفقرات،‭ ‬الّتي‭ ‬تحدّث‭ ‬عن‭ ‬أمجاد‭ ‬أمّة‭ ‬الجرذان‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬بحثها‭ ‬عن‭ ‬الزعيم‭ ‬المنتظر،‭ ‬والصّراعات‭ ‬التي‭ ‬خاضتها‭ ‬للتوّحّد،‭ ‬وتأميم‭ ‬البالوعات‭ ‬وقنوات‭ ‬الصّرف‭ ‬باسمها‭.‬

خبط‭ ‬الأرض‭ ‬بقدمه‭ ‬صائحا‭ ‬في‭ ‬وجهي‭:‬

لا‭ ‬أحد‭ ‬دخل‭ ‬العالم‭ ‬السّفليّ‭ ‬إلاّ‭ ‬اسْتَجْرَذَ‭. ‬فقدتَ‭ ‬أصابع‭ ‬قدميك،‭ ‬فعذرا‭ ‬عن‭ ‬الألم‭. ‬أردناها‭ ‬همسة‭ ‬بسيطة‭ ‬في‭ ‬أذنك‭ ‬أن‭ ‬ابتعد‭ ‬عن‭ ‬طريقنا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نأكل‭ ‬دماغك‭ ‬أيّها‭ ‬الوغد‭. ‬ولكنّك‭ ‬لم‭ ‬تفهم‭ ‬الرّسالة‭.‬

ورفع‭ ‬رأسي‭ ‬نحو‭ ‬جدار‭ ‬البالوعة‭ ‬مشيرا‭ ‬بإصبعه‭ ‬إلى‭ ‬ثلاثة‭ ‬خطوط‭ ‬حمراء‭ ‬مطبوعة‭ ‬عليه‭:‬

ذاك‭ ‬شعارنا‭: ‬خطّ‭ ‬أوّل‭ ‬ضدّ‭ ‬البشر،‭ ‬وخطّ‭ ‬ثان‭ ‬ضدّ‭ ‬الحيوان‭ ‬وخطّ‭ ‬ثالث‭ ‬ضدّ‭ ‬الشّجر‭! ‬فكن‭ ‬واحدا‭ ‬منّا‭ ‬تأمن‭.‬

كنت‭ ‬غارقا‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬من‭ ‬الغرائب‭ ‬والعجائب‭. ‬أين‭ ‬أنا؟‭ ‬أيّ‭ ‬كابوس‭ ‬يجثم‭ ‬على‭ ‬رأسي‭ ‬وقلبي؟

لماذا‭ ‬تتمتم‭ ‬يا‭ ‬أبي؟‭ ‬ما‭ ‬بك؟

***

غلبتك‭ ‬الجرذان؟‭ ‬‭(‬يقهقه‭ ‬نبراس‭)‬‭.‬

‮………‬‭ ‬‭(‬غلبتني‭ ‬حقا‭ ‬يا‭ ‬ولدي‭)‬‭.‬

دعني‭ ‬أصنع‭ ‬مركبة‭ ‬تطير‭ ‬في‭ ‬الجوّ‭ ‬وترمي‭ ‬عليهم‭ ‬الحجارة‭! ‬أو‭ ‬دعني‭ ‬أتآمر‭ ‬عليهم‭ ‬مع‭ ‬صديقي‭ ‬القطّ‭ ‬وسيصطادهم‭ ‬واحدا‭ ‬تلو‭ ‬الآخر‭!‬

أشرت‭ ‬إلى‭ ‬لعبه‭ ‬فغرق‭ ‬بينها‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬وأما‭ ‬أنا‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬بي‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬خبط‭ ‬رأسي‭ ‬على‭ ‬جدار‭ ‬البالوعة‭. ‬وكنت‭ ‬غارقا‭ ‬في‭ ‬صمتي‭ ‬وذهولي،‭ ‬وريح‭ ‬البالوعة‭ ‬الضيّقة‭ ‬البعيدة‭ ‬أطيب‭ ‬من‭ ‬ريح‭ ‬الجنّة‭ ‬يخنق‭ ‬أنفاسي‭.‬

***

دخلت‭ ‬علينا‭ ‬زمرة‭ ‬من‭ ‬الجرذان‭ ‬تحمل‭ ‬جرذا‭ ‬منهم‭ ‬يتلوّى‭ ‬ويتأوّه‭. ‬سألهم‭ ‬التّبّيب‭:‬

من‭ ‬هذا؟

هذا‭ ‬‮«‬مَعْ”‭ ‬يا‭ ‬مولاي‭. ‬‭(‬كان‭ ‬أشيب‭ ‬منفوش‭ ‬الشّعر‭ ‬ككلب‭ ‬برّيّ،‭ ‬وكان‭ ‬أقربهم‭ ‬إلى‭ ‬الأرض،‭ ‬متدلّي‭ ‬البطن‭ ‬يضع‭ ‬نظّاراتين‭ ‬قديمتين‭)‬‭.‬

ما‭ ‬به؟‭ ‬ما‭ ‬الخطب‭ ‬أيّها‭ ‬الحمقى؟

مولاي‭.. ‬مولاي‭.. ‬ضربه‭ ‬زُبّ‭ ‬يا‭ ‬مولاي‭.‬

زُبّ؟‭!! ‬زُبٌّ‭ ‬صنع‭ ‬به‭ ‬هذا؟

أجل‭. ‬طارده‭ ‬بين‭ ‬بالوعتين‭ ‬أسفل‭ ‬العالم‭ ‬السّفليّ‭ ‬حتّى‭ ‬أصاب‭ ‬بطنه‭ ‬فبقرها‭.‬

ودوّت‭ ‬صفّارات‭ ‬مرعبة‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬المكان‭ ‬وأعلنت‭ ‬حالة‭ ‬الطّوارئ‭ ‬ورأيت‭ ‬الجرذان‭ ‬تتقافز‭ ‬مذعورة،‭ ‬وأبصرت‭ ‬مضافا‭ ‬إليه‭ ‬يجلد‭ ‬‮«‬مَعْ”‭ ‬على‭ ‬مؤخّرته،‭ ‬ومفعولا‭ ‬به‭ ‬شرسا‭ ‬يقرع‭ ‬رأسه‭ ‬قائلا‭:‬

لماذا‭ ‬نصبتَ‭ ‬صديقي‭ ‬أيّها‭ ‬الغبيّ؟

وانهالت‭ ‬عليه‭ ‬المفاعيل‭ ‬التي‭ ‬رفعها‭ ‬يوما،‭ ‬وجاءه‭ ‬الفاعلون‭ ‬الّذين‭ ‬نصبهم،‭ ‬فجلدوا‭ ‬مؤخّرته‭ ‬بالعصيّ‭ ‬حتّى‭ ‬كره‭ ‬الحياة‭ ‬وما‭ ‬فيها‭. ‬كان‭ ‬åمعò‭ ‬يردّد‭ ‬جملته‭ ‬الشّهيرة‭ ‬التي‭ ‬تعوّد‭ ‬أن‭ ‬يختم‭ ‬بها‭ ‬استدراجه‭ ‬لتلميذاته‭ ‬‭-‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يستجرذ‭-‬‭ ‬للنّيل‭ ‬من‭ ‬أجسادهنّ‭ ‬الطّريّة‭ ‬‮«‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أحافظ‭ ‬على‭ ‬هيبتي‭ ‬وسمتي”‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬زعيقه‭ ‬وخواره‭ ‬لم‭ ‬يحم‭ ‬مؤخّرته‭ ‬من‭ ‬الجلد‭. ‬أما‭ ‬بقيّة‭ ‬الجرذان‭ ‬فقد‭ ‬انهالت‭ ‬عليّ‭ ‬تنهش‭ ‬لحمي‭ ‬مثل‭ ‬كلاب‭ ‬جهنّم‭ ‬وألسنتها‭ ‬تنفث‭ ‬السّباب‭ ‬واللّعنات‭. ‬كنت‭ ‬حينها‭ ‬أرى‭ ‬جبل‭ ‬المدينة‭ ‬يتطاول‭ ‬ويميد‭. ‬يلامس‭ ‬رأسه‭ ‬السّحاب‭. ‬يضحك‭ ‬حينا‭ ‬ملء‭ ‬شدقيه،‭ ‬ويزمجر‭ ‬حينا‭ ‬ويزبد،‭ ‬فإذا‭ ‬هو‭ ‬يقصف‭ ‬المدينة‭ ‬بالجلاميد‭ ‬العظيمة،‭ ‬وإذا‭ ‬النّاس‭ ‬شتات‭ ‬وإذا‭ ‬البيوت‭ ‬رماد‭ ‬وحطام‭.. ‬كانت‭ ‬الجرذان‭ ‬تضربني‭ ‬بكلماتها‭ ‬القذرة‭ ‬فإذا‭ ‬وقعها‭ ‬وقع‭ ‬النّار‭. ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬الخراء‭ ‬العفن‭ ‬رأيت‭ ‬سوانيَ‭ ‬المدينة‭ ‬جيشا‭ ‬عرمرمَ‭ ‬يزلزل‭ ‬الأرض‭. ‬رأيت‭ ‬قطعان‭ ‬الخنازير‭ ‬تغزو‭ ‬المدينة،‭ ‬تأكل‭ ‬أطفالها‭ ‬والأرامل‭ ‬والشّيوخ‭ ‬والعجائز‭ ‬والصّبايا‭. ‬تدوس‭ ‬السّنابل‭ ‬وتجفّف‭ ‬عين‭ ‬المدينة‭. ‬تقطف‭ ‬المآذن‭ ‬وتلوّث‭ ‬السّاحات‭..‬

كانت‭ ‬قطعان‭ ‬الجرذان‭ ‬تزمجر،‭ ‬وكنت‭ ‬وحيدا‭ ‬أعزلَ،‭ ‬وكانوا‭ ‬بلا‭ ‬عدد،‭ ‬وكانت‭ ‬أنيابهم‭ ‬مشرعة‭ ‬في‭ ‬وجهي‭ ‬تطلب‭ ‬لحمي‭. ‬تضيء‭ ‬عيونهم‭ ‬القذرة‭ ‬البالوعة‭. ‬كانت‭ ‬تتصايح‭ ‬وتتقافز‭ ‬فزعا‭. ‬ولمّا‭ ‬دقّقت‭ ‬النّظر‭ ‬لأفهم‭ ‬سرّ‭ ‬جريهم‭ ‬وقفزهم‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬ذعرا،‭ ‬رأيت‭ ‬لحمة‭ ‬سمراء‭ ‬طويلة‭ ‬كأنّها‭ ‬ذراع‭ ‬حديديّة‭ ‬تطير‭ ‬في‭ ‬الهواء‭. ‬كانت‭ ‬مثل‭ ‬صاروخ‭ ‬من‭ ‬اللّحم،‭ ‬وكان‭ ‬رأسها‭ ‬العنيد‭ ‬شبيه‭ ‬وجه‭ ‬غاضب‭.‬

إنّه‭ ‬زُبٌّ،‭ ‬صاح‭ ‬أحدهم،‭ ‬إنّه‭ ‬زُبٌّ‭!‬

وتقهقرت‭ ‬الجرذان‭ ‬فتعثّر‭ ‬بعضها‭ ‬ببعض‭ ‬وجرى‭ ‬بولها‭ ‬حاميا‭ ‬بين‭ ‬الأفخاذ،‭ ‬اصطكّت‭ ‬أسنانها‭ ‬القذرة،‭ ‬وسمعت‭ ‬لها‭ ‬ضراطا‭ ‬عنيفا‭.‬

بعينيّ‭ ‬رأيت‭ ‬‮«‬مَعْ”‭ ‬رافعا‭ ‬يديه‭ ‬واللحمة‭ ‬العنيدة‭ ‬‭-‬وقد‭ ‬طالت‭ ‬وانتصبت‭ ‬وعربدت‭-‬‭ ‬تصفع‭ ‬وجهه‭ ‬الممتلئ‭. ‬أبصرت‭ ‬‮«‬تَنْ”‭ ‬يبول‭ ‬في‭ ‬سرواله‭ ‬واللحمة‭ ‬تقرع‭ ‬بطنه‭ ‬المتدلّي‭. ‬هاجمتها‭ ‬مجموعات‭ ‬غفيرة‭ ‬العدد‭ ‬من‭ ‬المتشابهين،‭ ‬فطالت‭ ‬أكثر‭ ‬وصار‭ ‬رأسها‭ ‬رؤوسا‭ ‬وألسنة‭ ‬التفّت‭ ‬حول‭ ‬أعناقهم‭ ‬فحاصرتها‭ ‬حتى‭ ‬قفزت‭ ‬عيونهم‭ ‬وتساقطت‭ ‬أرضا‭ ‬كحبّات‭ ‬البرَد‭.‬

فرّ‭ ‬بعضها‭ ‬فلاحقتها‭ ‬اللّحمة‭ ‬وقد‭ ‬طارت‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬وجعلت‭ ‬تجلد‭ ‬الواحد‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬مؤخرته‭ ‬جلدة‭ ‬واحدة‭ ‬فيخرّ‭ ‬ميّتا،‭ ‬ومن‭ ‬حين‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬تلتفّ‭ ‬حول‭ ‬أحدها‭ ‬حتّى‭ ‬لا‭ ‬حراك‭ ‬به،‭ ‬فتنزع‭ ‬أسماله‭ ‬البالية‭ ‬وتمزّق‭ ‬أسته‭ ‬بشراسة‭ ‬مدهشة‭. ‬كنت‭ ‬أتابع‭ ‬حركتها‭ ‬العجيبة‭ ‬الخفيفة‭ ‬كعصا‭ ‬موسى‭. ‬ترتمي‭ ‬في‭ ‬فم‭ ‬هذا‭ ‬فيغصّ‭ ‬بها‭ ‬حتّى‭ ‬تنفلق‭ ‬مرارته،‭ ‬ثمّ‭ ‬إذا‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬أست‭ ‬ذاك‭ ‬كمثقاب‭ ‬فولاذيّ‭ ‬عنيف،‭ ‬فتنفجر‭ ‬بطنه‭. ‬دوّت‭ ‬الانفجارات‭ ‬والفرقعات‭ ‬وغصّت‭ ‬البالوعات‭ ‬والقنوات‭ ‬بالأمعاء‭ ‬والخراء‭ ‬واللّحم‭ ‬والأشلاء‭ ‬والأضلع‭ ‬والرّؤوس‭ ‬والجماجم‭ ‬الجوفاء‭.‬

وما‭ ‬هي‭ ‬إلاّ‭ ‬ساعة‭ ‬حتّى‭ ‬هدأت‭ ‬الحركة‭ ‬واسترخت‭ ‬اللّحمة‭ ‬وقصرت‭ ‬وضمرت‭ ‬وقد‭ ‬أضناها‭ ‬التّعب‭.‬

كان‭ ‬التّبّيبُ‭ ‬‭-‬علمتُ‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬أنّ‭ ‬اسمه‭ ‬‮«‬عَوْحَ”‭-‬‭ ‬ذليلا‭ ‬قميئا‭ ‬مرتعشا‭ ‬مطأطأ‭ ‬الرّأس‭ ‬يقلّب‭ ‬حَوَلَ‭ ‬عينيه‭ ‬في‭ ‬أكداس‭ ‬الأشلاء‭ ‬والبقايا‭. ‬أخذ‭ ‬ينقع‭ ‬إصبعه‭ ‬في‭ ‬الخراء‭ ‬ويدوّن‭ ‬على‭ ‬الجدار‭ ‬متثاقلا‭:‬

‮«‬أعلنُ،‭ ‬أنا‭ ‬عَوح،‭ ‬كبير‭ ‬الجرذان،‭ ‬عن‭ ‬سقوط‭ ‬العالم‭ ‬السّفليّ‭ ‬ونهاية‭ ‬أمّة‭ ‬الجرذان”‭. ‬ثمّ‭ ‬ينقع‭ ‬إصبعه‭ ‬ثانية‭ ‬ويكتب‭: ‬‮«‬لقد‭ ‬كنت‭ ‬جرذا‭ ‬حقيرا‭ ‬وخنزيرا‭ ‬قميئا‭. ‬عاديت‭ ‬الرّبّ‭ ‬والأرض‭ ‬والحجر‭ ‬والبشر‭ ‬طمعا‭ ‬في‭ ‬الاستيلاء‭ ‬على‭ ‬المدينة‭ ‬والقضاء‭ ‬على‭ ‬شمسها،‭ ‬احتقرت‭ ‬أحرارها‭ ‬وحرائرها‭ ‬زورا‭ ‬وبهتانا‭. ‬ولقد‭ ‬كنت‭ ‬أقحبَ‭ ‬التّفكير‭ ‬عاهر‭ ‬الإحساس،‭ ‬إذ‭ ‬ظننت‭ ‬أنّني‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬فعل‭ ‬ذلك”‭. ‬ثمّ‭ ‬تبع‭ ‬اللّحمة‭ ‬العملاقة‭ ‬الطّائرة‭ ‬وقد‭ ‬طالت‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬وامتدّت‭ ‬بين‭ ‬القنوات،‭ ‬وأنا‭ ‬أجرّني‭ ‬متثاقلا‭ ‬أتابع‭ ‬ما‭ ‬يحصل‭ ‬حتّى‭ ‬بلغنا‭ ‬السّطح‭.‬

شممت‭ ‬رائحة‭ ‬الزّيتون‭ ‬وأعشت‭ ‬أشعّة‭ ‬الشّمس‭ ‬بصري‭. ‬وبدأ‭ ‬النّأس‭ ‬يتقاطرون‭ ‬متحلّقين‭ ‬حولنا‭ ‬مذهولين‭ ‬أمام‭ ‬أطول‭ ‬لحمة‭ ‬بشرية‭ ‬رأوها‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭. ‬لفحت‭ ‬الشّمس‭ ‬وجه‭ ‬التّبّيب‭ ‬عَوْحَ،‭ ‬فجعل‭ ‬يعول‭ ‬وينتفض‭ ‬ويرمي‭ ‬أسماله‭ ‬القذرة،‭ ‬فإذا‭ ‬هو‭ ‬عار،‭ ‬وإذا‭ ‬اللّحمة‭ ‬تنقضّ‭ ‬على‭ ‬مؤخّرته‭ ‬تجلدها‭ ‬بقسوة‭ ‬حينا‭ ‬وتصفع‭ ‬وجهه‭ ‬فيطير‭ ‬مخاطه‭ ‬في‭ ‬الفضاء،‭ ‬وإذا‭ ‬هو‭ ‬ينتفض‭ ‬مذعورا‭. ‬علت‭ ‬زغاريد‭ ‬النّسوة‭ ‬اللاّتي‭ ‬تقهقرن‭ ‬في‭ ‬البدء‭ ‬إذ‭ ‬رأين‭ ‬اللّحمة‭ ‬العجيبة،‭ ‬ثمّ‭ ‬أقبلن‭ ‬على‭ ‬التّبّيب‭ ‬يصفعن‭ ‬وجهه‭ ‬بالنّعال‭ ‬ويبصقن‭ ‬عليه‭. ‬وسمع‭ ‬دويّ‭ ‬انفجار‭ ‬بشري‭ ‬عنيف‭. ‬كان‭ ‬التّبّيب‭ ‬قد‭ ‬انفجر‭ ‬إذ‭ ‬دخلت‭ ‬اللّحمة‭ ‬المنتصبة‭ ‬الطّويلة‭ ‬أسته‭ ‬حتّى‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬فيه،‭ ‬فتفرقع‭ ‬وتطايرت‭ ‬أشلاؤه‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬مكان‭.‬

لمّا‭ ‬كنت‭ ‬ملقى‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬أتنفّس‭ ‬بمشقّة،‭ ‬والنّاس‭ ‬يغسلون‭ ‬جسدي‭ ‬بالماء‭ ‬والصّابون،‭ ‬قصرت‭ ‬اللّحمة‭ ‬العجيبة‭. ‬تقلّصت‭. ‬ثمّ‭ ‬تسلّلت‭ ‬تحت‭ ‬بنطلوني‭ ‬واستعادت‭ ‬مكانها‭ ‬فوق‭ ‬خصيتيّ‭ ‬تماما‭ ‬كأنّها‭ ‬حمامة‭ ‬برّيّة‭. ‬ودخل‭ ‬عليّ‭ ‬نبراس‭ ‬المشاكس‭ ‬إذ‭ ‬سمع‭ ‬تنهيدتي‭..‬

بابا‭.. ‬أنهيت‭ ‬القصّة؟

نعم‭.‬

ماتت‭ ‬الجرذان؟

نعم‭.‬

ولكنّ‭ ‬بقاياها‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬في‭ ‬المدينة‭! ‬فلينزل‭ ‬المطر‭ ‬بابا‭.‬

لا‭ ‬بدّ‭ ‬لهذه‭ ‬القصّة‭ ‬من‭ ‬مطر‭ ‬إذن‭! ‬ولا‭ ‬بدّ‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬مساء‭ ‬تفتح‭ ‬فيه‭ ‬بالوعات‭ ‬المدينة‭ ‬وشبكة‭ ‬التّطهير،‭ ‬إذ‭ ‬تستقبل‭ ‬مياه‭ ‬الوادي‭ ‬المنحدر‭ ‬من‭ ‬جبل‭ ‬المدينة‭ ‬جارفا‭.. ‬يسري‭ ‬في‭ ‬عروق‭ ‬العالم‭ ‬السفليّ‭ ‬فيجرف‭ ‬بقاياه‭ ‬وقاذوراته‭ ‬بعيدا‭ ‬بعيدا‭.‬


كاتب من تونس