ثقافة‭ ‬التضحية‭ ‬بالآخر

الجديد  سلام سرحان [نُشر في 01/08/2016، العدد: 19، ص(108)]

لوحة: كرم الشمالي
وصلني قبل‭ ‬أيام‭ ‬منشور‭ ‬يدعي‭ ‬التفاني‭ ‬والإخلاص‭ ‬في‭ ‬حب‭ ‬الوطن،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬انتشر‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وهو‭ ‬يروي‭ ‬قصة،‭ ‬يفترض‭ ‬أنها‭ ‬تاريخية‭ ‬وتعبر‭ ‬عن‭ ‬أقصى‭ ‬التضحيات‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الوطن،‭ ‬ولكن‭ ‬دلالاتها‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬خلل‭ ‬عميق‭ ‬في‭ ‬ثقافتنا‭.‬

تتحدث‭ ‬القصة‭ ‬عن‭ ‬حطاب‭ ‬عجوز‭ ‬كان‭ ‬يقطع‭ ‬الأخشاب‭ ‬مع‭ ‬ابنه‭ ‬خارج‭ ‬مدينته،‭ ‬حين‭ ‬وصل‭ ‬جيش‭ ‬يريد‭ ‬غزو‭ ‬المدينة‭. ‬وتقول‭ ‬إن‭ ‬الجيش‭ ‬طلب‭ ‬من‭ ‬الحطاب‭ ‬معلومات‭ ‬عن‭ ‬المدينة،‭ ‬فقال‭ ‬لهم‭ ‬اقتلوا‭ ‬هذا‭ ‬الشاب‭ ‬لأني‭ ‬أخشى‭ ‬أن‭ ‬يشي‭ ‬بي‭ ‬إذا‭ ‬أخبرتكم‭.‬

وحين‭ ‬قتلوا‭ ‬ابنه،‭ ‬قال‭ ‬لهم‭ ‬إنه‭ ‬كان‭ ‬يخشى‭ ‬أن‭ ‬يضعف‭ ‬ابنه‭ ‬ويقدم‭ ‬لهم‭ ‬المعلومات‭. ‬ونتيجة‭ ‬ذلك‭ ‬أمر‭ ‬القائد‭ ‬جيشه‭ ‬بالانسحاب‭. ‬وقال‭ ‬لهم‭ ‬إن‭ ‬موقف‭ ‬هذا‭ ‬الحطاب‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬سكان‭ ‬المدينة‭ ‬يحبون‭ ‬وطنهم‭ ‬وأن‭ ‬الجيش‭ ‬لن‭ ‬يستطيع‭ ‬الانتصار‭ ‬عليها‭.‬

وقد‭ ‬علق‭ ‬على‭ ‬القصة‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الأشخاص‭ ‬واعتبروها‭ ‬مثالا‭ ‬لحب‭ ‬الوطن‭ ‬والتضحية‭ ‬من‭ ‬أجله‭.‬

أخبرت‭ ‬المرسل‭ ‬أن‭ ‬القصة‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬ثقافة‭ ‬خطيرة،‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬بنا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬نحن‭ ‬عليه،‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬تضحية‭ ‬الكثيرين‭ ‬بالوطن‭. ‬وقد‭ ‬أثار‭ ‬ذلك‭ ‬ذهوله‭ ‬واستغرابه‭.‬

قلت‭ ‬له‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الحطاب‭ ‬يعتبر‭ ‬قاتلا‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬القوانين‭ ‬المدنية‭ ‬العادلة‭. ‬وسألته‭: ‬من‭ ‬قال‭ ‬للحطاب‭ ‬أنه‭ ‬ابنه‭ ‬سيضعف؟‭ ‬ومن‭ ‬أعطاه‭ ‬الحق‭ ‬أن‭ ‬ينهي‭ ‬حياته؟‭ ‬وأن‭ ‬يحكم‭ ‬عليه‭ ‬بالإعدام‭ ‬بسبب‭ ‬افتراضات‭ ‬في‭ ‬رأسه؟

ذلك‭ ‬الفتى‭ ‬له‭ ‬حق‭ ‬الحياة‭ ‬وأن‭ ‬يقرر‭ ‬مصيره‭ ‬بنفسه،‭ ‬وحتى‭ ‬أبوه‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬حق‭ ‬التضحية‭ ‬به‭. ‬من‭ ‬حق‭ ‬ذلك‭ ‬الحطاب‭ ‬أن‭ ‬يضحي‭ ‬بنفسه،‭ ‬أما‭ ‬التضحية‭ ‬بشخص‭ ‬آخر‭ ‬فلا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تخطر‭ ‬بباله،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الوطن‭ ‬أو‭ ‬أيّ‭ ‬قضية‭ ‬مقدسة‭.‬

الشعب‭ ‬المعاصر‭ ‬الحريص‭ ‬على‭ ‬وطنه‭ ‬وقيمه،‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يفكر‭ ‬أي‭ ‬فرد‭ ‬من‭ ‬أفراده‭ ‬بالتدخل‭ ‬في‭ ‬حرية‭ ‬الآخر‭ ‬وقراراته‭ ‬الشخصية،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬تقرير‭ ‬مصيره‭ ‬والتضحية‭ ‬به،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬ابنه‭.‬

أما‭ ‬الشعب‭ ‬القطيع‭ ‬فهو‭ ‬الذي‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬الفضاءات‭ ‬الفردية‭ ‬وتجد‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬يقول‭: ‬لا‭ ‬مانع‭ ‬في‭ ‬مقتل‭ ‬عشرة‭ ‬أشخاص‭ ‬أو‭ ‬عدة‭ ‬آلاف‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الهدف‭ ‬الذي‭ ‬يراه‭ ‬ملائما‭ ‬للوطن‭ ‬أو‭ ‬القضية‭.‬

قلت‭ ‬له‭ ‬لو‭ ‬قيل‭ ‬لك‭ ‬‮«‬اقطع‭ ‬يد‭ ‬رجل‭ ‬ما،‭ ‬وسوف‭ ‬تنتهي‭ ‬كل‭ ‬مشاكل‭ ‬العالم”‭ ‬ماذا‭ ‬ستفعل؟‭ ‬فأصيب‭ ‬بالحيرة‭. ‬فقلت‭ ‬له‭ ‬بأنك‭ ‬ستكون‭ ‬مجرما‭ ‬إذا‭ ‬قطعتها‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬هوية‭ ‬ذلك‭ ‬الرجل‭ ‬أو‭ ‬عقيدته،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬بلد‭ ‬عدوّ،‭ ‬ومهما‭ ‬كان‭ ‬الهدف‭ ‬ومدى‭ ‬واقعيته‭ ‬أم‭ ‬لا‭.‬

من‭ ‬يعطيك‭ ‬الحق‭ ‬بأن‭ ‬تقطع‭ ‬يده‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬قضيتك‭ ‬المقدسة؟‭ ‬مثلما‭ ‬لا‭ ‬يحق‭ ‬لأيّ‭ ‬شخص‭ ‬آخر‭ ‬أن‭ ‬يقتلك‭ ‬أو‭ ‬يقطع‭ ‬يدك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬عقيدته‭ ‬أو‭ ‬وطنه‭.‬

حينها‭ ‬بدأ‭ ‬صاحبي‭ ‬يدرك‭ ‬الفكرة،‭ ‬وبدا‭ ‬وكأنه‭ ‬استيقظ‭ ‬من‭ ‬نومة‭ ‬عميقة‭. ‬وقال‭: ‬يبدو‭ ‬أننا‭ ‬منومون‭ ‬في‭ ‬مرجل‭ ‬ثقافي‭ ‬مبني‭ ‬على‭ ‬اختلالات‭ ‬كبيرة،‭ ‬ولا‭ ‬نستطيع‭ ‬التجرد‭ ‬للنظر‭ ‬للأشياء‭ ‬بحيادية‭. ‬اقترحت‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يمسح‭ ‬القصة‭ ‬ففعل،‭ ‬بل‭ ‬وبدأ‭ ‬بإقناع‭ ‬من‭ ‬يروّجون‭ ‬لها‭ ‬بالتوقف‭ ‬عن‭ ‬نشرها‭.‬

في‭ ‬ثقافتنا‭ ‬يكتسح‭ ‬الجميع‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬وأصدقاء‭ ‬وزملاء،‭ ‬الفضاء‭ ‬الفردي‭ ‬لكل‭ ‬منهم‭ ‬دون‭ ‬استئذان،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬مصالح‭ ‬القطيع‭ ‬تتقدم‭ ‬وتسحق‭ ‬جميع‭ ‬حقوق‭ ‬الأفراد‭.‬

المجتمع‭ ‬المكون‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬مستقلين‭ ‬وأقوياء،‭ ‬يتمسكون‭ ‬بحقوقهم‭ ‬الفردية‭ ‬ولا‭ ‬يسمحون‭ ‬لأحد‭ ‬أو‭ ‬لأيّ‭ ‬سلطة‭ ‬بانتزاعها،‭ ‬يكون‭ ‬قويا‭ ‬لأنه‭ ‬يكون‭ ‬مجموع‭ ‬قوة‭ ‬كل‭ ‬أولئك‭ ‬الأفراد‭ ‬الأقوياء‭.‬

أما‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬تُصادر‭ ‬فيه‭ ‬حقوق‭ ‬ومصائر‭ ‬الأفراد‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الآخرين‭ ‬أو‭ ‬السلطات،‭ ‬فإنه‭ ‬يكون‭ ‬مجتمعا‭ ‬هشا،‭ ‬لأنه‭ ‬بلا‭ ‬أشخاص‭ ‬أقوياء،‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬سليمة‭ ‬وفردية‭.‬

الطفل‭ ‬الذي‭ ‬تحترم‭ ‬عائلته‭ ‬رأيه‭ ‬وفضاءه‭ ‬الشخصي‭ ‬ينشأ‭ ‬قويا‭ ‬ويحترم‭ ‬الآخرين،‭ ‬أما‭ ‬الطفل‭ ‬الذي‭ ‬تسحقه‭ ‬إرادة‭ ‬العائلة‭ ‬فإنه‭ ‬يكون‭ ‬قاسيا‭ ‬ومن‭ ‬السهل‭ ‬عليه‭ ‬التجاوز‭ ‬على‭ ‬حقوق‭ ‬الآخرين‭.‬

لذلك‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬تنجب‭ ‬من‭ ‬يصل‭ ‬بهم‭ ‬الأمر‭ ‬لتفجير‭ ‬أنفسهم‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إلحاق‭ ‬الضرر‭ ‬بالآخرين‭.‬

علينا‭ ‬أن‭ ‬نستكشف‭ ‬حقوقنا‭ ‬الفردية‭ ‬وندافع‭ ‬عنها‭ ‬لكي‭ ‬نتعلم‭ ‬احترام‭ ‬حقوق‭ ‬الآخرين‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬حقهم‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يقرّروا‭ ‬مصيرهم‭. ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لشخص‭ ‬أن‭ ‬يحصل‭ ‬على‭ ‬حريته‭ ‬كاملة،‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬توقف‭ ‬عن‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬حريات‭ ‬الآخرين‭.‬

هناك‭ ‬كثيرون‭ ‬في‭ ‬شعوبنا‭ ‬يطالبون‭ ‬بحرياتهم‭ ‬المسلوبة،‭ ‬لكنهم‭ ‬يطالبون‭ ‬معها‭ ‬بمنع‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬فعل‭ ‬كذا‭ ‬أو‭ ‬لبس‭ ‬كذا‭ ‬أو‭ ‬شرب‭ ‬كذا،‭ ‬رغم‭ ‬أنهم‭ ‬يرددون‭ ‬أحيانا‭ ‬دون‭ ‬إدراك‭: ‬إن‭ ‬حرية‭ ‬الفرد‭ ‬تنتهي‭ ‬عندما‭ ‬تمس‭ ‬حرية‭ ‬الآخرين‭.‬

تلك‭ ‬هي‭ ‬بعض‭ ‬بذور‭ ‬ثقافة‭ ‬القسوة‭ ‬وعدم‭ ‬احترام‭ ‬حقوق‭ ‬الآخر‭ ‬وفضاءه‭ ‬الشخصي،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬جملة‭ ‬ما‭ ‬أوصلنا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬نحن‭ ‬عليه‭.‬


شاعر من العراق مقيم في لندن