زهرة‭ ‬خزامى‭ ‬في‭ ‬صحراء

يوميات‭ ‬في‭ ‬لوس‭ ‬أنجلس

الجديد  حسونة المصباحي [نُشر في 01/08/2016، العدد: 19، ص(128)]

لوحة: سهيل بدور
من‭ ‬ميونيخ‭ ‬إلى‭ ‬لوس‭ ‬أنجلس،‭ ‬طيران‭ ‬يتواصل‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬اثنتي‭ ‬عشرة‭ ‬ساعة‭ ‬بالتّمام‭ ‬والكمال،‭ ‬وفي‭ ‬ضوء‭ ‬نهار‭ ‬لم‭ ‬ينقطع‭ ‬أبدا‭ ‬حتى‭ ‬وصولنا‭ ‬في‭ ‬الساعة‭ ‬السابعة‭ ‬مساء‭ ‬بالتوقيت‭ ‬المحلّي‭.‬هذه‭ ‬أطول‭ ‬رحلة‭ ‬لي‭ ‬بالطائرة‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬بدأت‭ ‬أجوب‭ ‬العالم‭ ‬قبل‭ ‬نحو‭ ‬أربعين‭ ‬عاما‭.. ‬آه‭.. ‬نحن‭ ‬نشيخ‭ ‬بسرعة‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نتفطّن‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬غالب‭ ‬الأحيان‭.‬

فارق‭ ‬الوقت‭ ‬بين‭ ‬القارّة‭ ‬العجوز‭ ‬والعالم‭ ‬الجديد‭ ‬تسع‭ ‬ساعات‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬الأحاسيس‭ ‬والمشاعر‭ ‬التي‭ ‬انتابتني‭ ‬والتي‭ ‬ظلّت‭ ‬تهزّني‭ ‬مثل‭ ‬عاصفة‭ ‬داخليّة‭ ‬بسبب‭ ‬أوّل‭ ‬رحلة‭ ‬لي‭ ‬إلى‭ ‬بلاد‭ ‬‮«‬العم‭ ‬سام”‭ ‬حرمتني‭ ‬من‭ ‬النوم‭ ‬ولو‭ ‬لوقت‭ ‬قصير‭. ‬ألم‭ ‬يقل‭ ‬ماكبث‭ ‬في‭ ‬مسرحية‭ ‬شكسبير‭ ‬الشهيرة‭ ‬بأن‭ ‬أميركا‭ ‬‮«‬تقتل‭ ‬النوم”‭.‬

بعد‭ ‬بحر‭ ‬الشمال،‭ ‬حلّقت‭ ‬الطائرة‭ ‬فوق‭ ‬‮«‬غرينلاند”‭. ‬عبوره‭ ‬استمرّ‭ ‬أزيد‭ ‬من‭ ‬أربع‭ ‬ساعات‭. ‬سماء‭ ‬زرقاء‭ ‬وأرض‭ ‬بيضاء‭ ‬من‭ ‬جليد‭. ‬فقط‭ ‬بقع‭ ‬زرقاء‭ ‬هنا‭ ‬وهناك‭. ‬ثم‭ ‬‮«‬خليج‭ ‬الهيدسون”‭ ‬وعبوره‭ ‬استمرّ‭ ‬أزيد‭ ‬من‭ ‬ساعتين‭ ‬ونصف‭ ‬الساعة‭. ‬وها‭ ‬نحن‭ ‬فوق‭ ‬جبال‭ ‬كندا‭ ‬المغطاة‭ ‬بالثلوج‭. ‬مناظر‭ ‬ساحرة‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬مبهر‭. ‬بعدها‭ ‬قطعنا‭ ‬‮«‬صحراء‭ ‬العبيد”‭. ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬غير‭ ‬أراض‭ ‬قاحلة‭ ‬نحاسيّة‭ ‬اللون،‭ ‬وجبال‭ ‬جرداء‭ ‬تلفّها‭ ‬وحشة‭ ‬قاتمة‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬أزمنة‭ ‬موغلة‭ ‬في‭ ‬القدم‭. ‬تذكّرت‭ ‬قوافل‭ ‬المغامرين‭ ‬الكبار‭ ‬وهم‭ ‬يعبرون‭ ‬هذه‭ ‬المساحات‭ ‬الشاسعة‭ ‬والمتوحّشة‭ ‬باتجاه‭ ‬الغرب‭ ‬الأميركي‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬الذهب‭ ‬والثروة‭. ‬وعادت‭ ‬بي‭ ‬الذاكرة‭ ‬إلى‭ ‬أفلام‭ ‬سارجيو‭ ‬ليوني‭ ‬البديعة‭. ‬والحقيقة‭ ‬أنّي‭ ‬أمقت‭ ‬الدّم‭ ‬وجرائم‭ ‬القتل‭ ‬والانتقام،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬كاميرا‭ ‬سارجيو‭ ‬ليوني‭ ‬تضفي‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬مسحة‭ ‬فنية‭ ‬وإستيتيقية‭ ‬عالية‭ ‬فتجعله‭ ‬مغريا‭ ‬وجذابا‭ ‬ومحبّبا‭ ‬للمشاهدة‭. ‬مرّ‭ ‬بذهني‭ ‬أيضا‭ ‬السويسري‭ ‬سوتر‭ ‬بطل‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬الذهب”‭ ‬لبليز‭ ‬ساندرارس‭ ‬والذي‭ ‬يغادر‭ ‬بلاده‭ ‬فقيرا‭ ‬معدما‭ ‬ليحصل‭ ‬على‭ ‬ثروة‭ ‬طائلة‭ ‬في‭ ‬كاليفورنيا‭. ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يلبث‭ ‬أن‭ ‬يفقد‭ ‬ثروته‭ ‬تلك‭ ‬ليموت‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬أمام‭ ‬المحاكم‭ ‬وهو‭ ‬يهذي‭ ‬مثل‭ ‬مجنون‭.‬

حطّت‭ ‬بنا‭ ‬الطّائرة‭ ‬في‭ ‬مطار‭ ‬لوس‭ ‬أنجلس‭. ‬وأنا‭ ‬أجرّ‭ ‬حقيبتي‭ ‬الغاصّة‭ ‬بالكتب‭ ‬والوثائق‭ ‬باتّجاه‭ ‬شبابيك‭ ‬شرطة‭ ‬الحدود،‭ ‬قطعت‭ ‬بذهني‭ ‬في‭ ‬رمشة‭ ‬عين‭ ‬المسافة‭ ‬المديدة‭ ‬التي‭ ‬تفصلني‭ ‬عن‭ ‬القرية‭ ‬الصّغيرة‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬مولدي‭ ‬قبل‭ ‬أزيد‭ ‬من‭ ‬ستّين‭ ‬عاما‭. ‬الآن‭ ‬السّاعة‭ ‬هناك‭ ‬الثّالثة‭ ‬صباحا‭. ‬أراها‭ ‬هاجعة‭ ‬بعبادها‭ ‬وزيتونها‭ ‬ولوزها‭ ‬ودوابّها‭ ‬وهضابها‭ ‬وأوديتها‭ ‬الجافّة‭ ‬الموحشة‭. ‬بعد‭ ‬قليل‭ ‬ستطلق‭ ‬الدّيكة‭ ‬صياحها،‭ ‬وسيشرع‭ ‬المتقدّمون‭ ‬في‭ ‬السّنّ‭ ‬في‭ ‬التّململ‭ ‬تحت‭ ‬الأغطية‭ ‬استعدادا‭ ‬للنّهوض‭. ‬وها‭ ‬أنا‭ ‬طفل‭ ‬في‭ ‬الثالثة‭ ‬عشرة‭ ‬من‭ ‬عمري‭ ‬أستيقظ‭ ‬وعيناي‭ ‬مثقلتان‭ ‬بالنّوم،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬أمّي‭ ‬التي‭ ‬تخشى‭ ‬دائما‭ ‬وصولي‭ ‬إلى‭ ‬المدرسة‭ ‬متأخّرا،‭ ‬تدسّ‭ ‬في‭ ‬محفظتي‭ ‬كسرة‭ ‬الخبز‭ ‬والبيضتين‭ ‬وربّما‭ ‬قطعة‭ ‬لحم‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬اللّه‭ ‬رحيما‭ ‬ثمّ‭ ‬تطلقني‭ ‬فأمضي‭ ‬في‭ ‬العتمة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬باسطة‭ ‬نفوذها‭ ‬شاهرا‭ ‬العصا‭ ‬التي‭ ‬تحميني‭ ‬من‭ ‬كلاب‭ ‬البادية‭ ‬الشّرسة‭.. ‬لكن‭ ‬الآن‭ ‬أنا‭ ‬بعيد‭ ‬جدّا‭ ‬عن‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬فيه‭ ‬ولدت،‭ ‬وعن‭ ‬طفولتي‭.. ‬فلماذا‭ ‬تحضر‭ ‬هذه‭ ‬الذّكريات‭ ‬فجأة‭ ‬في‭ ‬أروقة‭ ‬مطار‭ ‬لوس‭ ‬أنجلس؟‭ ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬كنت‭ ‬أظنّ‭ ‬وأنا‭ ‬أخوض‭ ‬في‭ ‬الرّمل‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنني‭ ‬أخوض‭ ‬في‭ ‬الطّين‭ ‬أني‭ ‬سأبتعد‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحدّ‭ ‬في‭ ‬المسافة‭ ‬وفي‭ ‬العمر؟

غفلتي‭ ‬عن‭ ‬تقديم‭ ‬المعلومات‭ ‬اللازمة‭ ‬في‭ ‬استمارة‭ ‬الدّخول‭ ‬كلّفتني‭ ‬غاليا‭. ‬فقد‭ ‬أصابني‭ ‬ارتباك‭ ‬شديد‭ ‬حتى‭ ‬أنّني‭ ‬لم‭ ‬أعد‭ ‬أعرف‭ ‬ما‭ ‬أفعل‭ ‬ولا‭ ‬ما‭ ‬أقول‭. ‬ورجال‭ ‬الشّرطة‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬جميعا‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬مكسيكيّة،‭ ‬وجنوب‭ ‬أفريقيّة،‭ ‬وآسيويّة‭ ‬وجدوا‭ ‬في‭ ‬شخصي‭ ‬الضّحيّة‭ ‬المبتغاة‭ ‬فراحوا‭ ‬يتقاذفونني‭ ‬مثل‭ ‬الكرة،‭ ‬وأنا‭ ‬ألهث‭ ‬من‭ ‬شّباك‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬والعرق‭ ‬يتصبّب‭ ‬منّي‭ ‬بغزارة‭ ‬وأمامي‭ ‬شيء‭ ‬كأنه‭ ‬الضّباب،‭ ‬لكن‭ ‬دونما‭ ‬جدوى‭ ‬‮«‬المعلومات‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬غير‭ ‬كافية”‭ ‬ذاك‭ ‬كان‭ ‬جوابهم‭ ‬الدّائم‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬أفعل‭ ‬وما‭ ‬أقول‭.. ‬وأنا‭ ‬حائر،‭ ‬مروّع،‭ ‬وهم‭ ‬يتسلّون‭ ‬بحالتي،‭ ‬ويتبادلون‭ ‬النّظرات‭ ‬المتآمرة‭ ‬عليّ‭ ‬وأنا‭ ‬كالورقة‭ ‬في‭ ‬مهبّ‭ ‬الرّيح‭.. ‬اللّعنة‭ ‬عليّ‭! ‬اللّعنة‭ ‬عليّ‭! ‬فأنا‭ ‬دائما‭ ‬أرتكب‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأخطاء‭ ‬فقط‭ ‬لأنّي‭ ‬أنفر‭ ‬من‭ ‬الأوراق‭ ‬الإداريّة‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬أعيرها‭ ‬اهتماما‭. ‬وفي‭ ‬النّهاية‭ ‬أجد‭ ‬نفسي‭ ‬في‭ ‬الفخّ‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬الضّبع‮»‬‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬النّاس‭ ‬في‭ ‬قريتي‭.. ‬أوف‭.. ‬متى‭ ‬ينتهي‭ ‬هذا‭ ‬العذاب‭.. ‬متى؟‭ ‬وروحي‭ ‬تكاد‭ ‬تصعد‭ ‬إلى‭ ‬خالقها‭ ‬وقفت‭ ‬أمامي‭ ‬امرأة‭ ‬بيضاء‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬العمر،‭ ‬باسمة،‭ ‬أخذت‭ ‬منّي‭ ‬الاستمارة‭. ‬ألقت‭ ‬عليّ‭ ‬بعض‭ ‬الأسئلة‭ ‬المختصرة‭ ‬جدّا‭ ‬لإضافة‭ ‬المعلومات‭ ‬النّاقصة‭ ‬ثم‭ ‬أطلقت‭ ‬سراحي‭ ‬لأجد‭ ‬نفسي‭ ‬خارج‭ ‬المطار‭ ‬في‭ ‬أقلّ‭ ‬من‭ ‬عشر‭ ‬دقائق‭.‬

سائق‭ ‬لطيف‭ ‬وأنيق‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬كوريّة‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬انتظاري‭. ‬في‭ ‬سيّارة‭ ‬فخمة‭ ‬سوداء‭ ‬أخذني‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬فيلا‭ ‬أورورا”‭ ‬حيث‭ ‬سأقيم‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬العام‭. ‬وهي‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬مرتفع‭ ‬يطلّ‭ ‬على‭ ‬المحيط‭ ‬الهادئ‭. ‬صاحبها،‭ ‬ليون‭ ‬فلويختنفانغر،‭ ‬الكاتب‭ ‬الثريّ‭ ‬و”البورجوازي‭ ‬الأحمر”‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يسمّيه‭ ‬البعض‭ ‬بسبب‭ ‬ميوله‭ ‬الشيوعيّة،‭ ‬أوصى‭ ‬بعد‭ ‬وفاته‭ ‬عام‭ ‬1958‭ ‬بأن‭ ‬تتحوّل‭ ‬الفيلا‭ ‬إلى‭ ‬إقامة‭ ‬لاستضافة‭ ‬الكتاب‭ ‬والفنّانين‭ ‬الرّاغبين‭ ‬في‭ ‬استكمال‭ ‬مشاريعهم‭ ‬أو‭ ‬الإعداد‭ ‬لها‭. ‬آه‭.. ‬لقد‭ ‬فعل‭ ‬خيرا،‭ ‬وبي‭ ‬أنا‭ ‬بالخصوص‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬باستطاعتي‭ ‬أن‭ ‬أعمل‭ ‬في‭ ‬بيتي‭ ‬في‭ ‬الحمّامات‭ ‬بسبب‭ ‬صخب‭ ‬المسجد‭ ‬القريب‭ ‬منّي‭ ‬والذي‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬عمليّة‭ ‬تعذيب‭ ‬يوميّة‭ ‬بالنّسبة‭ ‬إليّ‭. ‬فقد‭ ‬رفعوا‭ ‬في‭ ‬درجات‭ ‬مكبّر‭ ‬الصّوت،‭ ‬ومددّوا‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الصّلوات‭ ‬الخمس‭. ‬وبعد‭ ‬صلاة‭ ‬العشاء‭ ‬يفرضون‭ ‬على‭ ‬سكّان‭ ‬الحيّ‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬الدّروس‭ ‬الدّينيّة‭. ‬وعند‭ ‬الفجر‭ ‬يقتلعني‭ ‬الآذان‭ ‬من‭ ‬النّوم‭ ‬فأستيقظ‭ ‬مقطوع‭ ‬الأنفاس،‭ ‬وقلبي‭ ‬دقّات‭ ‬عنيفة‭ ‬مضطربة‭. ‬ويوم‭ ‬الجمعة‭ ‬أجد‭ ‬نفسي‭ ‬مجبرا‭ ‬على‭ ‬مغادرة‭ ‬بيتي‭ ‬طوال‭ ‬الظهيرة‭.. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬باليد‭ ‬حيلة‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬عربنا‭ ‬القدماء‭. ‬فلو‭ ‬شكوت‭ ‬حالي‭ ‬لأحدهم‭ ‬لمزّقت‭ ‬تمزيقا‭ ‬لأني‭ ‬‮«‬كافر”‭ ‬و”زنديق”‭ ‬ووو‭.. ‬لذا‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬من‭ ‬عقابي‭ ‬في‭ ‬الدّنيا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يسلّط‭ ‬عليّ‭ ‬عقاب‭ ‬الآخرة‭. ‬والمؤذّن‭ ‬يصرخ،‭ ‬يصرخ‭ ‬عاليا‭.. ‬عاليا‭ ‬جدّا‭ ‬لأنه‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬يطرب‭ ‬لذلك،‭ ‬لذا‭ ‬سيجازيه‭ ‬يوم‭ ‬القيامة‭ ‬جزاء‭ ‬عظيما،‭ ‬بل‭ ‬لعلّه‭ ‬سيجد‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬الجنّة‭ ‬جنبا‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬مع‭ ‬الزّنجيّ‭ ‬بلال،‭ ‬مؤذن‭ ‬الرسول‭.‬

لوحة: سعاد مردم بيك

نعم‭ ‬لقد‭ ‬فعل‭ ‬ليون‭ ‬فلويختنفانغر‭ ‬خيرا‭ ‬حقّا‭. ‬أمّا‭ ‬أغنياؤنا‭ ‬فيسخرون‭ ‬من‭ ‬أعمال‭ ‬كهذه‭. ‬وبالنّسبة‭ ‬إليهم‭ ‬هي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تصدر‭ ‬إلا‭ ‬عن‭ ‬مجنون‭ ‬أو‭ ‬غبيّ‭ ‬لا‭ ‬يحسن‭ ‬تدبير‭ ‬شؤون‭ ‬حياته‭. ‬نعم‭ ‬هكذا‭ ‬هم‭ ‬يفكرون‭ ‬وبن‭ ‬لادن‭ ‬فضّل‭ ‬أن‭ ‬يبددّ‭ ‬مبالغ‭ ‬طائلة‭ ‬في‭ ‬عمليّات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬نتيجتها‭ ‬في‭ ‬النّهاية‭ ‬غير‭ ‬تشويه‭ ‬صورة‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬أمّا‭ ‬أطفال‭ ‬فلسطين‭ ‬الذين‭ ‬كان‭ ‬يبكي‭ ‬على‭ ‬حالهم‭ ‬بدموع‭ ‬التّماسيح‭ ‬فلم‭ ‬يبن‭ ‬لهم‭ ‬مدرسة‭ ‬تنقذهم‭ ‬من‭ ‬الجهل‭ ‬أو‭ ‬ملجأ‭ ‬يقيهم‭ ‬شرّ‭ ‬التشرّد‭.‬

ولكن‭ ‬لم‭ ‬أشغل‭ ‬ذهني‭ ‬به‭ ‬وبمن‭ ‬شابهه‭.. ‬ها‭ ‬أنا‭ ‬أخيرا‭ ‬في‭ ‬‮«‬فيلا‭ ‬أورورا”،‭ ‬أمامي‭ ‬صورة‭ ‬بالأبيض‭ ‬والأسود‭ ‬لليون‭ ‬فلويختنفانغر،‭ ‬يبدو‭ ‬فيها‭ ‬سعيدا‭ ‬وفي‭ ‬كامل‭ ‬الصحّة‭ ‬والحيويّة‭. ‬وفي‭ ‬صورة‭ ‬أخرى‭ ‬هو‭ ‬واقف‭ ‬بجانب‭ ‬زوجته‭ ‬الجميلة‭ ‬مارتا‭ ‬لوفر‭ ‬التي‭ ‬قاسمته‭ ‬مرّ‭ ‬الحياة‭ ‬وحلوها‭ ‬حتى‭ ‬اللّحظة‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬حياته‭. ‬حياته‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬المغامرات‭ ‬المثيرة‭ ‬عكست‭ ‬تقلّبات‭ ‬عصره‭ ‬المتعدّدة‭ ‬والكثيرة‭ ‬والعجيبة‭. ‬وهو‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬عائلة‭ ‬من‭ ‬البورجوازيّة‭ ‬الصّناعيّة‭. ‬وفي‭ ‬سنوات‭ ‬شبابه،‭ ‬ترك‭ ‬ميونيخ‭ ‬حيث‭ ‬ولد‭ ‬عام‭ ‬1884‭ ‬لينتقل‭ ‬إلى‭ ‬برلين‭ ‬لدراسة‭ ‬الفلسفة‭. ‬وفي‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬اختلط‭ ‬بالحركات‭ ‬الطلائعيّة‭ ‬وأصدر‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬دير‭ ‬شبيغل”‭ ‬‭(‬المرآة‭)‬‭ ‬التي‭ ‬ستحتضن‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬الفنّ‭ ‬والأدب‭ ‬والفكر‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬1912‭ ‬تزوّج‭ ‬من‭ ‬مارتا‭ ‬لوفر‭ ‬وانطلق‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬طويلة‭ ‬إلى‭ ‬فرنسا‭ ‬وإيطاليا‭. ‬وفي‭ ‬صيف‭ ‬1914‭ ‬اجتازا‭ ‬البحر‭ ‬إلى‭ ‬تونس‭ ‬ففاجأتهما‭ ‬الحرب‭ ‬الكونية‭ ‬هناك‭. ‬وبسبب‭ ‬جنسيّتهما‭ ‬الألمانية،‭ ‬قامت‭ ‬السّلطات‭ ‬الفرنسيّة‭ ‬باعتقالهما‭ ‬غير‭ ‬أنهما‭ ‬تمكّنا‭ ‬من‭ ‬الفرار‭.‬

خلال‭ ‬تلك‭ ‬السنوات‭ ‬المجنونة‭ ‬والمحمومة‭ ‬التي‭ ‬عاشتها‭ ‬برلين‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الكونيّة،عاد‭ ‬ليون‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬النّشاط‭ ‬الأدبي‭ ‬والفنّي‭ ‬والفكري،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يتقن‭ ‬لغات‭ ‬عديدة‭ ‬مثل‭ ‬الفرنسيّة‭ ‬والإيطالية‭ ‬والأسبانيّة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬اليونانية‭ ‬القديمة‭ ‬واللاتينيّة،‭ ‬وكان‭ ‬واسع‭ ‬الثقافة‭ ‬ملمّا‭ ‬بآداب‭ ‬العالم‭ ‬القديمة‭ ‬والحديثة،‭ ‬أصبح‭ ‬بمثابة‭ ‬القطب‭ ‬الذي‭ ‬يتحرّك‭ ‬من‭ ‬حوله‭ ‬الطّلائعيّون‭ ‬المتطلّعون‭ ‬إلى‭ ‬حياة‭ ‬ينتصر‭ ‬فيها‭ ‬الحب‭ ‬والسّلام‭ ‬والصّداقة‭ ‬والوئام‭ ‬على‭ ‬الضغائن‭ ‬والأحقاد‭ ‬ونزعات‭ ‬الانتقام‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الفترة،‭ ‬تعرّف‭ ‬ليون‭ ‬على‭ ‬رموز‭ ‬الطليعة‭ ‬الجديدة‭ ‬من‭ ‬أمثال‭ ‬برتولد‭ ‬برخت‭ ‬وفالتر‭ ‬بنيامين،‭ ‬ذلك‭ ‬البرليني‭ ‬اللاّمع‭ ‬الذي‭ ‬لن‭ ‬يقوى‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬على‭ ‬تحمّل‭ ‬مشاقّ‭ ‬المنفى‭ ‬فينتحر‭ ‬يأسا‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬الفاصلة‭ ‬بين‭ ‬فرنسا‭ ‬وأسبانيا‭.‬

وكانت‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬غنيّة‭ ‬أيضا‭ ‬بالإنتاج‭ ‬الأدبي‭. ‬فقد‭ ‬أصدر‭ ‬ليون‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الروايات‭ ‬والقصص‭ ‬التي‭ ‬نالت‭ ‬شهرة‭ ‬واسعة‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬وحدها‭ ‬وإنّما‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬البلدان‭ ‬الأوروبيّة‭ ‬الأخرى‭. ‬وبذلك‭ ‬أصبح‭ ‬ليون‭ ‬نجما‭ ‬ساطعا‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬برلين‭ ‬الخارجة‭ ‬للتّوّ‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬مدمّرة‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تعلم‭ ‬أنها‭ ‬ستجبر‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭ ‬على‭ ‬دخول‭ ‬حرب‭ ‬أخرى‭ ‬أشدّ‭ ‬دمارا‭ ‬من‭ ‬سابقتها‭.‬

منذ‭ ‬البداية،‭ ‬أي‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬هتلر‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يجمع‭ ‬الأنصار‭ ‬من‭ ‬حوله‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬‮«‬شيلينغ”‭ ‬بميونيخ‭ ‬مقتصرا‭ ‬على‭ ‬شرب‭ ‬بيرّة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬تاركا‭ ‬الآخرين‭ ‬يعبّونها‭ ‬كما‭ ‬يريدون‭ ‬ويشتهون‭ ‬حتى‭ ‬يتمكّن‭ ‬من‭ ‬السّيطرة‭ ‬على‭ ‬عقولهم‭ ‬وعلى‭ ‬قلوبهم‭.‬

نبّه‭ ‬ليون‭ ‬إلى‭ ‬مخاطر‭ ‬النّازيّة‭ ‬وكتب‭ ‬محذّرا‭ ‬من‭ ‬صعودها‭. ‬وفي‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬لن‭ ‬يغفر‭ ‬له‭ ‬النّازيّون‭ ‬ذلك‭ ‬حال‭ ‬صعودهم‭ ‬إلى‭ ‬السّلطة،‭ ‬حيث‭ ‬أمر‭ ‬غوبلس‭ ‬بتخريب‭ ‬بيته‭ ‬‮«‬جحر‭ ‬الأفاعي”‭ ‬كما‭ ‬وصفه،‭ ‬وبحرق‭ ‬كتبه‭ ‬وبمصادرة‭ ‬ممتلكاته‭. ‬أمّا‭ ‬هو‭ ‬ففرّ‭ ‬إلى‭ ‬فرنسا‭ ‬ومنها‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأميركيّة‭ ‬مختارا‭ ‬الإقامة‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬كاليفونيا‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬سيصبح‭ ‬بيته‭ ‬أيضا‭ ‬مفتوحا‭ ‬لكبار‭ ‬المفكّرين‭ ‬والفلاسفة‭ ‬والمبدعين‭ ‬والفنّانين‭ ‬الفارّين‭ ‬من‭ ‬النّازيّة‭ ‬ومن‭ ‬الحرب‭ ‬وأهوالها‭ ‬من‭ ‬أمثال‭ ‬توماس‭ ‬مان‭ ‬وأخيه‭ ‬هاينريش‭ ‬مان‭ ‬وبرتولد‭ ‬برخت‭ ‬وفريتز‭ ‬لانج‭ ‬وأدورنو‭ ‬وآخرين‭ ‬كثيرين‭. ‬وفي‭ ‬حفل‭ ‬عيد‭ ‬ميلاده‭ ‬الستين‭ ‬الذي‭ ‬انتظم‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬‮«‬سانتا‭ ‬مونيكا”،‭ ‬كان‭ ‬أينشتاين‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الحضور‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الوجوه‭ ‬البارزة‭ ‬الأخرى‭.‬

بعد‭ ‬أن‭ ‬طفت‭ ‬في‭ ‬مكتبته‭ ‬العامرة‭ ‬بأمّهات‭ ‬الكتب،‭ ‬طالعتني‭ ‬صور‭ ‬أخرى‭ ‬له‭ ‬وهو‭ ‬يمارس‭ ‬الرّياضة‭ ‬في‭ ‬الحديقة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الجبل‭ ‬القريب‭. ‬‮«‬سأفعل‭ ‬مثله”‭ ‬قلت‭ ‬ثم‭ ‬دخلت‭ ‬الجناح‭ ‬المخصّص‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬‮«‬فيلا‭ ‬أورورا”‭. ‬من‭ ‬النّظرة‭ ‬الأولى‭ ‬لاحظت‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬أحتاجه‭ ‬للعمل‭ ‬والتّفكير‭ ‬في‭ ‬كامل‭ ‬الهدوء‭. ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬رغبة‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬النّوم‭.‬بل‭ ‬إنّ‭ ‬الحيويّة‭ ‬التي‭ ‬أتمتّع‭ ‬بها‭ ‬تشبه‭ ‬حيويّتي‭ ‬حين‭ ‬أستيقظ‭ ‬بعد‭ ‬نوم‭ ‬مريح‭ ‬وطويل‭. ‬ماذا‭ ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬أفعل‭ ‬إذن؟‭ ‬أفرغت‭ ‬الحقائب‭. ‬رتّبت‭ ‬الثياب‭ ‬في‭ ‬الخزانة‭ ‬والكتب‭ ‬في‭ ‬الرّفّ‭ ‬المخصّص‭ ‬لها‭. ‬وضعت‭ ‬الوثائق‭ ‬على‭ ‬مكتب‭ ‬العمل‭. ‬فعلت‭ ‬كلّ‭ ‬هذا‭ ‬مستمتعا‭ ‬بالاستماع‭ ‬إلى‭ ‬موسيقى‭ ‬هادئة‭ ‬وبشرب‭ ‬كأس‭ ‬من‭ ‬‮«‬الجيفاز‮»‬‭. ‬بعدها‭ ‬أردت‭ ‬أن‭ ‬أتجوّل‭ ‬في‭ ‬الحديقة‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬بردا‭ ‬لاذعا‭ ‬صدّني‭ ‬فعدت‭ ‬بسرعة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬أتيت‭. ‬دائما‭ ‬لا‭ ‬رغبة‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬النّوم،‭ ‬ماذا‭ ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬أفعل‭ ‬إذن؟‭ ‬تناولت‭ ‬كتاب‭ ‬الإيطالي‭ ‬بياترو‭ ‬شيتاتي‭ ‬عن‭ ‬كافكا‭. ‬تمدّدت‭ ‬على‭ ‬الفراش‭ ‬وواصلت‭ ‬القراءة‭. ‬وها‭ ‬أنا‭ ‬أجول‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬بديع،‭ ‬فما‭ ‬قرأت‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬كتابا‭ ‬عن‭ ‬صاحب‭ ‬‮«‬أميركا”‭ ‬بمثل‭ ‬هذا‭ ‬العمق،‭ ‬وبمثل‭ ‬هذه‭ ‬المتعة‭ ‬التي‭ ‬تجعلك‭ ‬مشدودا‭ ‬إليه‭ ‬حتى‭ ‬أنك‭ ‬تكون‭ ‬راغبا‭ ‬في‭ ‬إنهائه‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة‭. ‬سحر‭ ‬بياترو‭ ‬شيتاتي‭ ‬وقدرته‭ ‬الفائقة‭ ‬على‭ ‬توليد‭ ‬الأفكار‭ ‬وابتكارها‭ ‬واللّعب‭ ‬بها‭ ‬مثلما‭ ‬يلعب‭ ‬السّاحر‭ ‬بالنّار،‭ ‬وثقافته‭ ‬الواسعة‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬القارئ‭ ‬يشعر‭ ‬وهو‭ ‬يقرؤه‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنه‭ ‬يتجوّل‭ ‬في‭ ‬بستان‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ّثمار‭ ‬الأرض‭ ‬ما‭ ‬يغني‭ ‬ويبهج‭.. ‬كلّ‭ ‬هذا‭ ‬حاضر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭!‬

النّهاية‭ ‬مؤثّرة‭ ‬للغاية‭: ‬كافكا‭ ‬يحتضر‭ ‬وهو‭ ‬يكابد‭ ‬آلاما‭ ‬شنيعة‭. ‬طلب‭ ‬مورفينا‭ ‬وقال‭ ‬للطبيب‭ ‬روبرت‭ ‬كلوبستوك‭ ‬‮«‬لقد‭ ‬وعدتني‭ ‬به‭ ‬دائما‭ ‬ومنذ‭ ‬أربع‭ ‬سنوات‭. ‬أنت‭ ‬تعذّبني‭ ‬ودائما‭ ‬كنت‭ ‬تعذّبني‭. ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أتحدّث‭ ‬إليك‭. ‬هكذا‭ ‬أنا‭ ‬أموت‭ ‬بعد‭ ‬حقنتين”،‭ ‬ثم‭ ‬قال‭ ‬‮«‬أنتم‭ ‬تسخرون‭ ‬مني‭. ‬أنتم‭ ‬أعطيتموني‭ ‬سمّا‭. ‬اقتلوني‭ ‬وإلا‭ ‬فإنها‭ ‬جريمة”‭. ‬وعندما‭ ‬أعطوه‭ ‬المورفين‭ ‬فرح‭ ‬بذلك‭ ‬‮«‬نعم‭ ‬هذا‭ ‬شيء‭ ‬جيّد‭.. ‬لكن‭ ‬أريد‭ ‬المزيد‭ ‬لأنه‭ ‬بلا‭ ‬أيّ‭ ‬مفعول‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬الآن”‭. ‬ثم‭ ‬ببطء‭ ‬أخلد‭ ‬إلى‭ ‬النّوم،‭ ‬ليستيقظ‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬اضطراب‭. ‬وعندما‭ ‬سند‭ ‬كلوبستوك‭ ‬رأسه‭ ‬حسبه‭ ‬أخته‭ ‬‮«‬إيللي”‭ ‬فصاح‭: ‬‮«‬ابتعدي‭ ‬يا‭ ‬إيللي‭.. ‬‮ ‬ابتعدي‭.. ‬لا‭ ‬تكوني‭ ‬قريبة‭ ‬منّي‭..‬”،‭ ‬ثم‭ ‬بحركة‭ ‬فجئيّة‭ ‬وغير‭ ‬عاديّة‭ ‬نزع‭ ‬محجاجه‭ ‬بعنف‭ ‬ملقيا‭ ‬به‭ ‬وسط‭ ‬الغرفة‭ ‬‮«‬يكفي‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬العذاب‭. ‬لماذا‭ ‬تواصلونه؟”‭. ‬ولمّا‭ ‬ابتعد‭ ‬كلوبستوك‭ ‬ليغسل‭ ‬المحقنة،‭ ‬قال‭ ‬له‭ ‬كافكا‭ ‬‮«‬لا‭ ‬تذهب”‭. ‬‮«‬لا‭ ‬لن‭ ‬أذهب”‭ ‬ردّ‭ ‬كلوبستوك‭.‬بصوت‭ ‬عميق‭. ‬أضاف‭ ‬كافكا‭ ‬قائلا‭ ‬‮«‬لكن‭ ‬أنا‭ ‬الذي‭ ‬سأذهب‭!‬”‭.‬

إنها‭ ‬السّاعة‭ ‬الثانية‭ ‬صباحا‭ ‬بتوقيت‭ ‬لوس‭ ‬أنجلس،‭ ‬النّوم‭ ‬أثقل‭ ‬جفوني‭ ‬فاستسلمت‭ ‬له‭ ‬إلا‭ ‬أنّي‭ ‬لم‭ ‬أنم‭ ‬غير‭ ‬ثلاث‭ ‬ساعات‭ ‬فقط‭. ‬حلمت‭ ‬فرأيت‭ ‬نفسي‭ ‬أمسي‭ ‬في‭ ‬شاطئ‭ ‬فارغ‭. ‬البحر‭ ‬هائج،‭ ‬والبرد‭ ‬شديد‭. ‬اعتراني‭ ‬خوف‭ ‬أسود‭ ‬فأخذ‭ ‬قلبي‭ ‬يدقّ‭ ‬دقّات‭ ‬متسارعة‭ ‬وعنيفة‭. ‬أردتّ‭ ‬أن‭ ‬أهرب‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬قدميّ‭ ‬كانتا‭ ‬ثقيلتين‭ ‬كأنّهما‭ ‬من‭ ‬حديد‭. ‬فجأة‭ ‬برزت‭ ‬خلف‭ ‬الضّباب‭ ‬الكثيف‭ ‬فتيات‭ ‬جميلات‭ ‬شبه‭ ‬عاريات‭. ‬فورا‭ ‬انخرطن‭ ‬في‭ ‬الرّقص‭ ‬والغناء‭. ‬مفتونا‭ ‬بهنّ‭ ‬استعدت‭ ‬هدوئي‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬رجلا‭ ‬ضخما‭ ‬فارع‭ ‬الطّول‭ ‬انبثق‭ ‬من‭ ‬الضّباب،‭ ‬وبخطوات‭ ‬سريعة‭ ‬راح‭ ‬يتقدّم‭ ‬نحوي‭ ‬مطلقا‭ ‬شتائم‭ ‬مقذعة‭ ‬بالدّارجة‭ ‬التّونسيّة،‭ ‬استبد‭ ‬بي‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬ولمّا‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تفصلني‭ ‬عن‭ ‬الرّجل‭ ‬الضّخم‭ ‬إلا‭ ‬بضع‭ ‬خطوات‭ ‬استيقظت‭..‬

‮ ‬صخب‭ ‬وهدير‭ ‬في‭ ‬الخارج‭. ‬فتحت‭ ‬الباب‭ ‬ووقفت‭ ‬أمام‭ ‬الحديقة‭. ‬المطر‭ ‬يتهاطل‭ ‬بغزارة‭ ‬والبرد‭ ‬ينفذ‭ ‬إلى‭ ‬العظام‭. ‬بسرعة‭ ‬عدت‭ ‬إلى‭ ‬الفراش‭. ‬‮«‬مرحبا‭ ‬بك‭ ‬في‭ ‬لوس‭ ‬أنجلس‮»‬‭ ‬قلت‭ ‬لنفسي‭ ‬ثم‭ ‬غرقت‭ ‬هذه‭ ‬المرّة‭ ‬في‭ ‬نوم‭ ‬سيكون‭ ‬عميقا‭ ‬ولذيذا‭.‬

1

بابتهاج‭ ‬وغبطة‭ ‬رحت‭ ‬أصعد‭ ‬الجبل‭ ‬المعطر‭ ‬بروائح‭ ‬الإكليل‭ ‬والزعتر‭ ‬والأزهار‭ ‬البرية‭. ‬الطقس‭ ‬بارد‭ ‬قليلا‭ ‬والسّماء‭ ‬مغّيمة‭. ‬وهناك‭ ‬في‭ ‬الأسفل‭ ‬المحيط‭ ‬الهادئ‭ ‬بلون‭ ‬رمادي‭ ‬غامق‭. ‬ولا‭ ‬موجة‭ ‬بيضاء‭ ‬على‭ ‬سطحه‭. ‬واصلت‭ ‬الصعود‭ ‬مستمعا‭ ‬إلى‭ ‬هدير‭ ‬غضبي‭ ‬تجاه‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬بلادي‭ ‬من‭ ‬أعمال‭ ‬عنف‭ ‬وتخريب‭ ‬وتكفير‭. ‬لكن‭ ‬فجأة‭ ‬خفت‭ ‬الهدير‭ ‬ولم‭ ‬أعد‭ ‬أسمع‭ ‬غير‭ ‬الصمت‭ ‬الذي‭ ‬من‭ ‬حولي‭. ‬صمت‭ ‬تعودت‭ ‬عليه‭ ‬وتعوّد‭ ‬عليّ‭ ‬حتى‭ ‬بتّ‭ ‬أحاوره‭ ‬وبات‭ ‬يحاورني‭ ‬أنا‭ ‬الذي‭ ‬خبرت‭ ‬الوحدة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬باتت‭ ‬عشيقتي‭ ‬الوحيدة،‭ ‬إليها‭ ‬أأنس‭ ‬وإليّ‭ ‬تأنس‭ ‬أيضا‭. ‬توقّفت‭ ‬فوق‭ ‬قمة‭ ‬الجبل‭ ‬لأستعيد‭ ‬أنفاسي‭ ‬التي‭ ‬أرهقها‭ ‬الصّعود‭.‬

أمامي‭ ‬مشاهد‭ ‬بديعة‭: ‬لوس‭ ‬أنجلس‭ ‬بكل‭ ‬تلك‭ ‬المدن‭ ‬المكوّنة‭ ‬لها‭ ‬وهي‭ ‬ماليبو‭ ‬الصغيرة‭ ‬السّاكنة‭ ‬كأنّها‭ ‬خلت‭ ‬من‭ ‬أهلها،‭ ‬وسانتا‭ ‬مونيكا‭ ‬مدينة‭ ‬الأغنياء‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يتناولون‭ ‬غير‭ ‬الأطعمة‭ ‬والفواكه‭ ‬البيولوجية،‭ ‬وداون‭ ‬تاون‭ ‬الصّاخبة‭ ‬الملتهبة،‭ ‬وواشنطن‭ ‬فاكس‭ ‬حيث‭ ‬المهاجرون‭ ‬المكسيكيون‭ ‬وفقراء‭ ‬الزّنوج‭ ‬وبقايا‭ ‬الهنود‭ ‬الذين‭ ‬دمّرتهم‭ ‬المخدرات‭ ‬والكحول،‭ ‬وهناك‭ ‬بعيدا‭ ‬جبال‭ ‬مكسوّة‭ ‬بالثلوج‭ ‬وأخرى‭ ‬يغلّفها‭ ‬الضّباب‭.‬

في‭ ‬طريق‭ ‬عودتي‭ ‬لاحظت‭ ‬أن‭ ‬الحيوانات‭ ‬البرية‭ ‬لا‭ ‬تفرّ‭ ‬هاربة‭ ‬مثلما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬بلادنا،‭ ‬حتى‭ ‬الأرانب‭ ‬تظلّ‭ ‬تنظر‭ ‬إليك‭ ‬أنت‭ ‬الغريب‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬بعيد‭ ‬وكأنها‭ ‬تقول‭ ‬لك‭ ‬‮«‬مرحبا‭ ‬بك‭ ‬في‭ ‬غابتنا‭ ‬الجميلة”‭. ‬قطفت‭ ‬أزهارا‭ ‬برّية‭ ‬وعدت‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬فيلا‭ ‬أورورا”‭ ‬حيث‭ ‬أقيم‭. ‬وضعت‭ ‬باقة‭ ‬الزهور‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬المطبخ‭. ‬طبخت‭ ‬حساء‭ ‬خضار‭. ‬ومستمعا‭ ‬إلى‭ ‬موسيقى‭ ‬الجاز‭ ‬التي‭ ‬أعشقها،‭ ‬رحت‭ ‬أشرب‭ ‬نبيذا‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬أحمر‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬أسعد‭ ‬حال‭. ‬أليست‭ ‬السعادة‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬بسيط‭ ‬وطبيعيّ‭ ‬ومفيد‭ ‬للحواسّ‭ ‬الخمس؟

2

رأيت‭ ‬نفسي‭ ‬بين‭ ‬أهلي،‭ ‬وأمّي‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭ ‬منشغلة‭ ‬بإعداد‭ ‬حقيبتي‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬علمت‭ ‬أنّي‭ ‬مسافر‭ ‬إلى‭ ‬أميركا‭ ‬وأني‭ ‬سأمكث‭ ‬هناك‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭. ‬بدت‭ ‬شديدة‭ ‬الابتهاج‭ ‬برحلتي‭. ‬ثم‭ ‬دعاني‭ ‬قريب‭ ‬لم‭ ‬أره‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬المراهقة،‭ ‬ولست‭ ‬أدري‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬حيّا‭ ‬أم‭ ‬ميّتا،‭ ‬إلى‭ ‬بيته‭ ‬فلبّيت‭ ‬الدّعوة‭ ‬تاركا‭ ‬أمّي‭ ‬منهمكة‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬الحقيبة‭ ‬‮«‬لا‭ ‬تتأخر‭ ‬كثيرا”،‭ ‬قالت‭ ‬لي‭. ‬سرنا‭ ‬مسافة‭ ‬طويلة‭. ‬بدأت‭ ‬أتعب‭ ‬وأتضايق‭. ‬لم‭ ‬أخف‭ ‬ذلك‭ ‬عن‭ ‬قريبي‭ ‬فأبتسم‭ ‬وقال‭ ‬مشيرا‭ ‬إلى‭ ‬هضبة‭ ‬جرداء‭ ‬بعيدة‭ ‬‮«‬بيتي‭ ‬هناك”‭. ‬ازداد‭ ‬ضيقي‭ ‬فتوقّفت‭ ‬عن‭ ‬السير‭ ‬وقلت‭ ‬له‭ ‬‮«‬ليس‭ ‬بإمكاني‭ ‬أن‭ ‬أواصل”‭. ‬ابتسم‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬وقال‭ ‬‮«‬ها‭ ‬هو‭ ‬بيتي”،‭ ‬نظرت‭ ‬فإذا‭ ‬بي‭ ‬أرى‭ ‬كوخا‭ ‬من‭ ‬طوب‭ ‬وأطفالا‭ ‬حفاة‭ ‬وشبه‭ ‬عراة‭. ‬ثم‭ ‬برزت‭ ‬كلاب‭ ‬سود‭ ‬راحت‭ ‬تنبح‭ ‬غاضبة‭. ‬قلت‭ ‬لقريبي‭ ‬‮«‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬أن‭ ‬أعود‭ ‬فغدا‭ ‬سأسافر‭ ‬باكرا‭ ‬وأمي‭ ‬تنتظرني”‭. ‬‮«‬لا‭ ‬تخف”‭ ‬قال‭ ‬قريبي،‭ ‬ثم‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬الكلاب‭ ‬فكفّت‭ ‬عن‭ ‬النّباح‭ ‬واختفت،‭ ‬بينما‭ ‬أخذ‭ ‬الأطفال‭ ‬يبكون‭.‬

شعرت‭ ‬بكراهية‭ ‬حادّة‭ ‬تجاه‭ ‬قريبي‭ ‬الذي‭ ‬ظلّ‭ ‬يبتسم‭ ‬غير‭ ‬عابئ‭ ‬ببكاء‭ ‬الأطفال‭. ‬وفي‭ ‬لحظة‭ ‬ما‭ ‬تغيّر‭ ‬المشهد‭ ‬ورأيت‭ ‬نفسي‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬حزينة‭ ‬لم‭ ‬أرها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أبدا‭. ‬معي‭ ‬صديقي‭ ‬إدموند‭ ‬الرسام‭ ‬التيرولي‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬ميونيخ‭. ‬دعاني‭ ‬إلى‭ ‬شرب‭ ‬كأس‭ ‬وكان‭ ‬عالما‭ ‬بسفري‭ ‬إلى‭ ‬أميركا‭. ‬قلت‭ ‬له‭ ‬بأنه‭ ‬عليّ‭ ‬ألا‭ ‬أتأخر‭ ‬لأن‭ ‬أمي‭ ‬تنتظرني‭ ‬فطمأنني‭. ‬دخلنا‭ ‬محلا‭ ‬موحشا‭ ‬على‭ ‬أرضيته‭ ‬القذرة‭ ‬أناس‭ ‬جالسون‭ ‬أو‭ ‬نائمون‭. ‬تراجعت‭ ‬أرغب‭ ‬في‭ ‬الفرار‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬صديقي‭ ‬إدموند‭ ‬أمسك‭ ‬بي‭ ‬من‭ ‬ذراعي‭ ‬قائلا‭ ‬‮«‬لا‭ ‬تهتم‭.. ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬سيكون‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يرام”‭. ‬تعجّبت‭ ‬من‭ ‬جوابه‭. ‬فأنا‭ ‬أعلم‭ ‬أنه‭ ‬ينفر‭ ‬من‭ ‬الأماكن‭ ‬المشبوهة‭ ‬ولا‭ ‬يحتمل‭ ‬البقاء‭ ‬فيها‭ ‬ولو‭ ‬لبضع‭ ‬لحظات‭. ‬تمدّد‭ ‬على‭ ‬الأرضيّة‭ ‬وأغمض‭ ‬عينيه‭ ‬راغبا‭ ‬في‭ ‬النوم‭. ‬منزعجا‭ ‬اقتربت‭ ‬منه،‭ ‬وهامسا‭ ‬في‭ ‬أذنه‭ ‬أعلمته‭ ‬أني‭ ‬لا‭ ‬أحتمل‭ ‬المكان‭ ‬ولا‭ ‬رغبة‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬النوم‭. ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يفتح‭ ‬عينيه‭ ‬أجابني‭ ‬‮«‬لا‭ ‬تكثر‭ ‬من‭ ‬الكلام‭ ‬ودعني‭ ‬أنام‭ ‬قليلا”‭.‬

لوحة: سعاد مردم بيك

واقفا‭ ‬عند‭ ‬باب‭ ‬الخروج،‭ ‬رجل‭ ‬طويل‭ ‬ضخم‭ ‬يراقبني‭ ‬مثل‭ ‬شرطي‭ ‬اشتبه‭ ‬في‭ ‬أمري‭. ‬بدأت‭ ‬أفكّر‭ ‬في‭ ‬الهروب‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الرجل‭ ‬الطويل‭ ‬الضّخم‭ ‬صفّق‭ ‬بيديه‭ ‬وصاح‭ ‬‮«‬هيّا‭ ‬انهضوا‭.. ‬سأغلق‭ ‬المحلّ”‭. ‬خرجنا‭ ‬إلى‭ ‬الشارع،‭ ‬أعلمني‭ ‬صديقي‭ ‬إدموند‭ ‬أنه‭ ‬جائع‭ ‬جدّا‭. ‬بحثنا‭ ‬عن‭ ‬مطعم‭ ‬لكن‭ ‬دون‭ ‬جدوى‭. ‬اقتربنا‭ ‬من‭ ‬كوخ‭ ‬حقير‭. ‬ثمّة‭ ‬حيوان‭ ‬غريب‭ ‬يشبه‭ ‬الثعلب‭ ‬نائم‭ ‬على‭ ‬التبن‭. ‬أخرج‭ ‬إدموند‭ ‬سكيّنا‭ ‬ضخما‭ ‬وبحركة‭ ‬واحدة‭ ‬قطع‭ ‬جزءا‭ ‬منه‭ ‬فسال‭ ‬الدم‭ ‬غزيرا‭ ‬وأخذ‭ ‬الحيوان‭ ‬المسكين‭ ‬يحتجّ‭ ‬بلغة‭ ‬ألمانية‭ ‬سليمة‭ ‬فردّ‭ ‬عليه‭ ‬إدموند‭ ‬بهدوء‭ ‬وكأنهّ‭ ‬يخاطب‭ ‬صديقا‭ ‬قديما‭ ‬‮«‬لا‭ ‬يهم‭.. ‬نحن‭ ‬جائعان”‭. ‬صمت‭ ‬الحيوان‭ ‬وراح‭ ‬يلحس‭ ‬جرحه‭ ‬بينما‭ ‬الدم‭ ‬يسيل‭ ‬غزيرا‭ ‬منه‭. ‬أراد‭ ‬إدموند‭ ‬أن‭ ‬يوقد‭ ‬نارا‭ ‬ليشوي‭ ‬لحم‭ ‬الحيوان‭ ‬الغريب‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬فشل‭ ‬في‭ ‬ذلك‭. ‬عندئذ‭ ‬اغتاظ‭ ‬غيظا‭ ‬شديدا‭ ‬وراح‭ ‬يشتم‭ ‬المدينة‭ ‬وأهلها‭. ‬ثم‭ ‬التفت‭ ‬إليّ‭ ‬وقال‭ ‬‮«‬سوف‭ ‬تكون‭ ‬سعيدا‭ ‬في‭ ‬أميركا”‭. ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬أن‭ ‬أعود”‭.. ‬قلت‭ ‬له‭. ‬‮«‬هيّا‭ ‬اذهب‭ ‬إلى‭ ‬الجحيم”‭.. ‬قال‭. ‬بحثت‭ ‬عن‭ ‬تاكسي‭ ‬وطال‭ ‬بحثي‭ ‬حتى‭ ‬أني‭ ‬شعرت‭ ‬أني‭ ‬لن‭ ‬أستطيع‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬أبدا‭. ‬ركضت‭ ‬مثل‭ ‬مجنون‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬الفارغة‭. ‬ظللت‭ ‬أركض‭ ‬وأركض‭ ‬وأركض‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬استيقظت‭.‬

3

جولة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬الغابة‭. ‬روائح‭ ‬الزّعتر‭ ‬والشّيح‭ ‬والإكليل‭ ‬والأزهار‭ ‬البرّية‭ ‬أكثر‭ ‬فوحانا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬بسبب‭ ‬الأمطار‭ ‬الغزيرة‭ ‬التي‭ ‬تهاطلت‭ ‬فجر‭ ‬اليوم‭. ‬الضّباب‭ ‬يصعد‭ ‬من‭ ‬أسفل،‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬المحيط‭ ‬ليغطّي‭ ‬قمم‭ ‬الهضاب‭ ‬والجبال‭. ‬لم‭ ‬يقع‭ ‬بصري‭ ‬على‭ ‬أكياس‭ ‬بلاستيك‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬علب‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬أيّ‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الأشياء‭ ‬التي‭ ‬تشوّه‭ ‬الطبيعة‭ ‬والشّواطئ‭ ‬والغابات‭ ‬والحدائق‭ ‬والشوارع‭ ‬والساحات‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭. ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬نظيف‭ ‬ومرتب‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬كائنات‭ ‬خفيّة‭ ‬تعنى‭ ‬بذلك‭. ‬أثناء‭ ‬العودة،‭ ‬دست‭ ‬خطأ‭ ‬على‭ ‬خنفس‭ ‬أسود‭ ‬فمات‭ ‬في‭ ‬الحين‭. ‬تألمت‭ ‬جدا‭ ‬فكما‭ ‬لو‭ ‬أنني‭ ‬قتلت‭ ‬نفسا‭ ‬بشرية‭. ‬أي‭ ‬نعم‭.. ‬فذلك‭ ‬الخنفس‭ ‬كان‭ ‬مثلي‭ ‬يتجوّل‭ ‬هانئا‭ ‬مطمئنا‭ ‬وها‭ ‬أنا‭ ‬أنهي‭ ‬حياته‭ ‬في‭ ‬رمشة‭ ‬عين‭. ‬لوقت‭ ‬طويل‭ ‬ظل‭ ‬ضميري‭ ‬يخزني‭ ‬وظلت‭ ‬روحي‭ ‬تتعذب‭ ‬جراء‭ ‬فعلتي‭ ‬الشّنيعة‭.‬

4

طقس‭ ‬متقلّب‭. ‬سماء‭ ‬مغيّمة‭. ‬تنقشع‭ ‬السحب‭ ‬لبضع‭ ‬دقائق‭ ‬ثم‭ ‬لا‭ ‬تلبث‭ ‬أن‭ ‬تعود‭. ‬تجوّلت‭ ‬على‭ ‬الشاطئ‭ ‬باتجاه‭ ‬‮«‬ماليبو”‭. ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬غير‭ ‬المشرّدين‭ ‬الذين‭ ‬تعوّدت‭ ‬على‭ ‬رؤيتهم‭ ‬يوميا‭ ‬تقريبا‭ ‬خصوصا‭ ‬تلك‭ ‬الشقراء‭ ‬المصحوبة‭ ‬دائما‭ ‬بكلب‭ ‬أسود‭ ‬ضخم‭ ‬والتي‭ ‬تؤكد‭ ‬ملامحها‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬جميلة‭ ‬جدا‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الأيام‭. ‬لعلّ‭ ‬الكحول‭ ‬والمخدّرات‭ ‬فعلت‭ ‬فعلها‭ ‬فباتت‭ ‬شبحا‭ ‬لما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬شبابها‭. ‬كما‭ ‬شاهدت‭ ‬تلك‭ ‬الزّنجيّة‭ ‬العجوز‭ ‬الفاتحة‭ ‬فمها‭ ‬الأدرد‭ ‬طوال‭ ‬الوقت‭ ‬والسّاكنة‭ ‬دائما‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنها‭ ‬ميّتة‭ ‬منذ‭ ‬أمد‭ ‬بعيد‭. ‬سرت‭ ‬عكس‭ ‬اتجاه‭ ‬الريح‭. ‬فكرت‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تكثر‭ ‬فيها‭ ‬المحرّمات‭ ‬والمقدّسات‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬أنها‭ ‬تصبح‭ ‬شرائع‭ ‬وقوانين‭ ‬صارمة‭ ‬يعاقب‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬خالفها،‭ ‬أو‭ ‬رفض‭ ‬الانصياع‭ ‬لها،‭ ‬أو‭ ‬أظهر‭ ‬لامبالاة‭ ‬تجاهها،‭ ‬تنعدم‭ ‬الحريات‭ ‬العامة‭ ‬والخاصّة‭ ‬فيجد‭ ‬الفرد‭ ‬نفسه‭ ‬مجبرا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬منجذبا‭ ‬طوال‭ ‬الوقت‭ ‬للعالم‭ ‬الخارجي‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬مشاهده‭ ‬على‭ ‬الجميع‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬استثناء‭ ‬مجبرا‭ ‬إيّاهم‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬مطيعين‭ ‬له‭ ‬طاعة‭ ‬عمياء،‭ ‬ومحذّرا‭ ‬إيّاهم‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬اجتياز‭ ‬الخطوط‭ ‬الحمراء‭. ‬لذلك‭ ‬يظل‭ ‬العالم‭ ‬الداخلي‭ ‬يضمر‭ ‬ويضمر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ينتفي‭ ‬تماما‭ ‬ويصبح‭ ‬شبيها‭ ‬ببئر‭ ‬مهجورة‭.‬

في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الإسلامية‭ ‬المحرّمات‭ ‬والمقدّسات‭ ‬أشدّ‭ ‬عنفا‭ ‬وقسوة‭ ‬تجاه‭ ‬الحرّيات‭ ‬العامّة‭ ‬والفرديّة‭ ‬بالخصوص‭. ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬سياسيّة‭ ‬فقط‭ ‬وإنما‭ ‬أخلاقيّة‭ ‬ودينية‭ ‬أيضا‭. ‬وتقول‭ ‬المقدسات‭ ‬إن‭ ‬الحياة‭ ‬مؤجلة‭. ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬وهم‭ ‬ووساخة‭. ‬لذا‭ ‬فإن‭ ‬الإقبال‭ ‬عليها‭ ‬وعلى‭ ‬ملذّاتها‭ ‬والافتنان‭ ‬والتعّلق‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬الكبائر‭ ‬ورجس‭ ‬من‭ ‬عمل‭ ‬الشيطان‭. ‬ومرتكبها‭ ‬يحاسب‭ ‬حسابا‭ ‬عسيرا‭ ‬يوم‭ ‬القيامة‭ ‬ويحشر‭ ‬في‭ ‬جهنّم‭ ‬الحمراء‭. ‬أما‭ ‬الذي‭ ‬ينأى‭ ‬بنفسه‭ ‬عن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الكبائر‭ ‬ويتجنّبها‭ ‬ويترفّع‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭ ‬الدنيا‭ ‬وأوساخها،‭ ‬فإنه‭ ‬يفوز‭ ‬بالجنة‭ ‬وبرضا‭ ‬الله‭ ‬ورسوله‭ ‬وصحابته‭ ‬أجمعين‭. ‬يفوز‭ ‬بهذا‭ ‬كله‭ ‬حتى‭ ‬ولو‭ ‬اكتوى‭ ‬بالعذاب‭ ‬وعرف‭ ‬الجوع‭ ‬والشقاء‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الأرض‭. ‬من‭ ‬هنا‭ ‬نفهم‭ ‬غربة‭ ‬الفنّان‭ ‬في‭ ‬مجتمعات‭ ‬كهذه،‭ ‬والعذاب‭ ‬الأليم‭ ‬الذي‭ ‬يقاسيه‭ ‬للحفاظ‭ ‬ولو‭ ‬على‭ ‬القليل‭ ‬من‭ ‬حرّيته‭ ‬الشّخصية‭ ‬ومن‭ ‬عالمه‭ ‬الداخلي‭. ‬وحتى‭ ‬وإن‭ ‬اختار‭ ‬الصّمت‭ ‬والعزلة‭ ‬فإن‭ ‬العالم‭ ‬الخارجي‭ ‬يظلّ‭ ‬يلاحقه‭ ‬ويراقب‭ ‬حركاته‭ ‬وسكناته‭ ‬ويطالبه‭ ‬بالإفصاح‭ ‬عن‭ ‬أفكاره‭ ‬وعن‭ ‬مشاعره‭ ‬والذوبان‭ ‬في‭ ‬القطيع‭ ‬الهائل‭ ‬الصامت‭ ‬الخاضع‭ ‬خضوعا‭ ‬مطلقا‭ ‬للمقدسات‭ ‬والمحرمات‭. ‬فإن‭ ‬لم‭ ‬يستجب‭ ‬لذلك،‭ ‬دفع‭ ‬الثمن‭ ‬غاليا‭ ‬كأن‭ ‬يقتل‭ ‬أو‭ ‬يسجن‭ ‬أو‭ ‬يفرّ‭ ‬إلى‭ ‬المنافي‭ ‬وليس‭ ‬معه‭ ‬غير‭ ‬جرح‭ ‬الوطن‭ ‬الذي‭ ‬هجره‭ ‬والى‭ ‬الأبد‭. ‬كما‭ ‬نفهم‭ ‬شقاء‭ ‬المرأة‭ ‬وغربتها‭ ‬وعذابها‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المجتمعات‭.‬فالمقدسات‭ ‬تصفها‭ ‬بالعورة‭. ‬وتشتد‭ ‬القسوة‭ ‬عليها‭ ‬إن‭ ‬هي‭ ‬حاولت‭ ‬إثبات‭ ‬وجودها‭ ‬والتعبير‭ ‬عن‭ ‬مشاعرها،‭ ‬أو‭ ‬أظهرت‭ ‬رفضها‭ ‬للمظالم‭ ‬التي‭ ‬تسلط‭ ‬عليها،‭ ‬وتمرّدها‭ ‬على‭ ‬القهر‭ ‬الذي‭ ‬تعانيه‭.‬

مؤخّرا‭ ‬قرأت‭ ‬تحقيقا‭ ‬مدهشا‭ ‬في‭ ‬‮«‬النيويورك‭ ‬تايمز‮»‬‭ ‬عنوانه‭ ‬‮«‬صوتي‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬سيبقى‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬هم‭ ‬أعدموني”،‭ ‬ويتحدث‭ ‬كاتبه‭ ‬عن‭ ‬أوضاع‭ ‬نساء‭ ‬شابات‭ ‬أو‭ ‬متزوجات‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬تحدّين‭ ‬المقدّسات‭ ‬وكتبن‭ ‬الشعر‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬سلّط‭ ‬عليهنّ‭ ‬عقابا‭ ‬شديدا،‭ ‬بل‭ ‬أجبر‭ ‬البعض‭ ‬منهنّ‭ ‬على‭ ‬الانتحار‭ ‬حرقا‭. ‬وليس‭ ‬ذلك‭ ‬بالأمر‭ ‬الغريب،‭ ‬فالمقدّسات‭ ‬تعتبر‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬ذنبا‭ ‬عظيما،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬المرأة‭ ‬عورة‭ ‬بل‭ ‬وتسعى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬شاعرة‭ ‬أيضا‭. ‬والشعر‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬معلوم‭ ‬محرّم‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬الرجال‭ ‬القوّامين‭ ‬عليهن‭. ‬وهو‭ ‬من‭ ‬أعمال‭ ‬الشياطين‭. ‬والشعراء‭ ‬لا‭ ‬يتبعهم‭ ‬إلاّ‭ ‬الغاوون‭. ‬ومينا‭ ‬موسكا‭ ‬البالغة‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬سبعة‭ ‬عشرة‭ ‬عاما،‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬اللاتي‭ ‬تجرّأن‭ ‬على‭ ‬ارتكاب‭ ‬هذه‭ ‬الجريمة‭ ‬البشعة‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬كتابة‭ ‬الشعر‭. ‬فعلت‭ ‬ذلك‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬قتل‭ ‬خطيبها‭ ‬جرّاء‭ ‬انفجار‭ ‬لغم‭. ‬وبحسب‭ ‬التقاليد‭ ‬المتبعة‭ ‬في‭ ‬قبيلتها،‭ ‬فرض‭ ‬عليها‭ ‬الزواج‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬إخوة‭ ‬خطيبها‭ ‬الراحل‭ ‬والذي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تكنّ‭ ‬له‭ ‬أيّ‭ ‬عاطفة‭. ‬وأمام‭ ‬عجزها‭ ‬عن‭ ‬الاحتجاج،‭ ‬لجأت‭ ‬إلى‭ ‬كتابة‭ ‬الشعر‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬اختلاجات‭ ‬نفسها‭ ‬الجريحة‭ ‬المعذبة‭. ‬وهي‭ ‬تفعل‭ ‬ذلك‭ ‬خفية‭ ‬عن‭ ‬الجميع‭ ‬بمن‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أقرب‭ ‬الناس‭ ‬إليها‭ ‬إذ‭ ‬أنها‭ ‬سمعت‭ ‬أخاها‭ ‬يقول‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬‮«‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬تكتب‭ ‬الشعر‭ ‬عاهرة‭ ‬تستحقّ‭ ‬الرّجم‭ ‬بالحجارة‭.. ‬والتي‭ ‬تغنّي‭ ‬يسلّط‭ ‬عليها‭ ‬نفس‭ ‬العقاب‭ ‬أيضا‭.. ‬”‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬قصائدها‭ ‬تقول‭ ‬مينا‭ ‬موسكا‭:‬

‮«‬أنا‭ ‬مثل‭ ‬زهرة‭ ‬الخزامى‭ ‬في‭ ‬الصحراء

أذبل‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتفتّح‭ ‬براعمي”‭.‬

وفي‭ ‬قصيدة‭ ‬أخرى‭ ‬تقول‭:‬

‮«‬يكبر‭ ‬شقائي‭ ‬بنفس‭ ‬النسق‭ ‬الذي‭ ‬تقصر‭ ‬به‭ ‬حياتي‭ ‬يوما‭ ‬بعد‭ ‬آخر

لكني‭ ‬سأموت‭ ‬بقلب‭ ‬مفعم‭ ‬بالأمل‮…‬”‭.‬

أما‭ ‬زرمينا‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تمضي‭ ‬قصائدها‭ ‬باسم‭ ‬مستعار‭ ‬هو‭ ‬‮«‬راحلة”‭ ‬فقد‭ ‬دفعت‭ ‬حياتها‭ ‬ثمنا‭ ‬جراء‭ ‬تحديها‭ ‬لعائلتها‭ ‬ووسطها‭ ‬الاجتماعي‭ ‬مصرّة‭ ‬على‭ ‬كتابة‭ ‬شعر‭ ‬فيه‭ ‬تتغنّى‭ ‬بالحبّ‭ ‬والحياة‭. ‬ولما‭ ‬اشتدت‭ ‬عليها‭ ‬الضغوط‭ ‬وباتت‭ ‬على‭ ‬وشك‭ ‬الاختناق‭ ‬من‭ ‬فرط‭ ‬الحصار‭ ‬المضروب‭ ‬عليها‭ ‬أحرقت‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬البيت‭ ‬العائلي‭.‬

في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬قصائدها‭ ‬تقول‭ ‬زرمينا‭:‬

‮«‬في‭ ‬يوم‭ ‬محاكمتي،‭ ‬سأصيح‭ ‬عاليا‭ ‬لأقول،

أنا‭ ‬قادمة‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬بقلب‭ ‬مليء‭ ‬بالأمل‮…‬”‭.‬

وفي‭ ‬قصيدة‭ ‬أخرى‭ ‬تقول‭:‬

‮«‬مضاجعة‭ ‬رجل‭ ‬عجوز

مثل‭ ‬مضاجعة‭ ‬جذع‭ ‬ذرة‭ ‬سوّدته‭ ‬الحشرات‮…‬”‭.‬

ويقول‭ ‬شاعر‭ ‬أفغاني‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬صلة‭ ‬بها‭ ‬قبل‭ ‬انتحارها،‭ ‬إن‭ ‬زرمينا‭ ‬كانت‭ ‬تسأل‭ ‬دائما‭ ‬‮«‬لماذا‭ ‬لست‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يعيش‭ ‬فيه‭ ‬أناس‭ ‬يفهمون‭ ‬مشاعري،‭ ‬ويستمعون‭ ‬إلى‭ ‬صوتي؟”‭. ‬وكانت‭ ‬تسأل‭ ‬ملتاعة‭ ‬‮«‬الله‭ ‬يحب‭ ‬الجمال‭ ‬فلماذا‭ ‬يكرهه‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬بلادي؟”‭. ‬ثم‭ ‬تضيف‭ ‬قائلة‭ ‬‮«‬كان‭ ‬الله‭ ‬يحبّ‭ ‬محمّدا‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬بلادي‭ ‬يعشقون‭ ‬الجريمة‭. ‬وإذا‭ ‬كنا‭ ‬مسلمين‭ ‬حقا‭ ‬فلماذا‭ ‬نحن‭ ‬أعداء‭ ‬للحب؟”‭.‬

5

جولتي‭ ‬اليومية‭. ‬سماء‭ ‬معتمة‭ ‬وطقس‭ ‬بارد‭ ‬قليلا‭. ‬الشاطئ‭ ‬شبه‭ ‬مقفر‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬النّساء‭. ‬مصحوبا‭ ‬بعجوز‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬جدّته،‭ ‬طفل‭ ‬في‭ ‬حوالي‭ ‬الثالثة‭ ‬أو‭ ‬الرابعة‭ ‬يرتدي‭ ‬شورت‭ ‬بنّي‭ ‬وتي‭ ‬شورت‭ ‬رمادي‭ ‬مخطط‭ ‬بالبنفسجي‭ ‬والأصفر‭ ‬على‭ ‬الصدر‭ ‬والكتفين،‭ ‬يمشي‭ ‬حافيا‭ ‬على‭ ‬الرّمل‭. ‬مبتسما‭ ‬ومبتهجا‭ ‬حيّاني‭ ‬بحرارة‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنه‭ ‬يعرفني‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬بعيد‭. ‬وتلك‭ ‬الابتسامة‭ ‬البريئة‭ ‬أزاحت‭ ‬في‭ ‬رمشة‭ ‬عين‭ ‬الآلام‭ ‬المتراكمة‭ ‬في‭ ‬القلب‭ ‬والروح‭ ‬جرّاء‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬بلادي،‭ ‬معيدة‭ ‬إليّ‭ ‬إشراقة‭ ‬الأمل‭. ‬وكانت‭ ‬أجمل‭ ‬هدية‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬عيد‭ ‬العمال‭.‬


كاتب من تونس