‬هرمنيوطيقا‭ ‬الجسد

‮ ‬قراءة‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬الفيل‭ ‬الأزرق”‮ ‬

الجديد  ماهر عبدالمحسن [نُشر في 01/08/2016، العدد: 19، ص(146)]

ينتمي‭ ‬أحمد‭ ‬مراد‭ ‬صاحب‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬الفيل‭ ‬الأزرق”‭ ‬إلى‭ ‬جيل‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬الشباب‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يشكل‭ ‬تياراً‭ ‬جديداً‭ ‬يخوض‭ ‬مغامرات‭ ‬إبداعية‭ ‬ظلت‭ ‬غير‭ ‬مطروقة‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬المعاصر‭.‬‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬فجوة‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬الأدبية‭ ‬كان‭ ‬يقوم‭ ‬الأدب‭ ‬الغربي‭ ‬المترجم‭ ‬بسدّها،‭ ‬ويتخم‭ ‬الوعي‭ ‬المتلقي‭ ‬بشخوص‭ ‬خرافية‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬دراكيولا‭ ‬وفرانكشتاين،‭ ‬وشخوص‭ ‬بشرية‭ ‬حادة‭ ‬الذكاء‭ ‬مثل‭ ‬شارلوك‭ ‬هولمز‭ ‬ودكتور‭ ‬واطسون‭ ‬وأرسين‭ ‬لوبين‭.‬

وهي الشخصيات‭ ‬التي‭ ‬حددت‭ ‬المسار‭ ‬لأدب‭ ‬الرعب‭ ‬والأدب‭ ‬البوليسي‭ ‬منذ‭ ‬بداياتها‭ ‬الأولى‭ ‬عند‭ ‬برام‭ ‬ستوكر‭ ‬وماري‭ ‬شيلي‭ ‬وأغاثا‭ ‬كريستي‭ ‬وأرثر‭ ‬كونان‭ ‬دويل‭ ‬وموريس‭ ‬لابلان،‭ ‬وحتى‭ ‬وقتنا‭ ‬الحاضر‭ ‬لدى‭ ‬دان‭ ‬براون‭ ‬صاحب‭ ‬‮«‬شفرة‭ ‬دافنشي”‭ ‬وهـ‭.‬ج‭ ‬رولينج‭ ‬مؤلفة‭ ‬سلسلة‭ ‬‮«‬هاري‭ ‬بوتر”،‭ ‬وستيفن‭ ‬كينج‭ ‬كاتب‭ ‬الرعب‭ ‬الأشهر‭.‬

والملاحظ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬الفيل‭ ‬الأزرق”،‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬‮«‬دار‭ ‬الشروق”‭ ‬القاهرية‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الكتابة‭ ‬رغم‭ ‬شعبيتها‭ ‬الكبيرة‭ ‬وتصدّرها‭ ‬لقائمة‭ ‬المبيعات‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تحظى‭ ‬بالقدر‭ ‬الكافي‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬النقدية‭ ‬العربية‭. ‬وهي‭ ‬آفة‭ ‬ينبغي‭ ‬التخلص‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬كتاباتنا‭ ‬النقدية،‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬تصنيف‭ ‬الأدب‭ ‬إلى‭ ‬درجات‭ ‬تأتي‭ ‬هذه‭ ‬النوعية‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬المرتبة‭ ‬الثانية‭ ‬أو‭ ‬الثالثة،‭ ‬وهي‭ ‬المرتبة‭ ‬التي‭ ‬يترفع‭ ‬النقد‭ ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬نفسه‭ ‬جاداً‭ ‬عن‭ ‬النزول‭ ‬إليها‭ ‬ووضعها‭ ‬موضع‭ ‬البحث‭ ‬والدراسة‭ ‬للكشف‭ ‬عن‭ ‬جماليتها‭ ‬الخاصة‭ ‬ومعرفة‭ ‬أسباب‭ ‬نجاحها‭ ‬الجماهيري‭ ‬وإقبال‭ ‬القراء‭ ‬‭-‬بمختلف‭ ‬الأعمار‭-‬‭ ‬عليها‭.‬

‮ ‬‭ ‬يتمتع‭ ‬أحمد‭ ‬مراد‭ ‬بحس‭ ‬بوليسي‭ ‬عال‭ ‬وقدرة‭ ‬فائقة‭ ‬على‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬عوالم‭ ‬جديدة،‭ ‬فروايته‭ ‬الأول‭ ‬‮«‬فيرتيجو”‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الملاهي‭ ‬الليلية،‭ ‬وتدور‭ ‬روايته‭ ‬الثانية‭ ‬‮«‬تراب‭ ‬الماس‮»‬‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬العطارة‭ ‬والصيدلة،‭ ‬وتدور‭ ‬روايته‭ ‬الأخيرة‭ ‬‮«‬1919”‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬البغاء،‭ ‬أما‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬الفيل‭ ‬الأزرق”‭ ‬محل‭ ‬الدراسة‭ ‬‭-‬وهي‭ ‬الرواية‭ ‬الثالثة‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬مؤلفاته‭-‬‭ ‬فتدور‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الجن‭ ‬والطب‭ ‬النفسي،‭ ‬ويربطها‭ ‬كلها‭ ‬خيط‭ ‬بوليسي‭ ‬تجدله‭ ‬أحداث‭ ‬غرائبية‭ ‬مليئة‭ ‬بالإثارة‭ ‬والتشويق‭.‬

ولا‭ ‬يقدم‭ ‬أحمد‭ ‬مراد‭ ‬هذا‭ ‬اللون‭ ‬البوليسي‭ ‬كهدف‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته،‭ ‬وإنما‭ ‬باعتباره‭ ‬وسيلة‭ ‬جذابة‭ ‬للكشف‭ ‬عن‭ ‬جذور‭ ‬الفساد‭ ‬المختبئة‭ ‬تحت‭ ‬سطح‭ ‬المجتمع،‭ ‬ويعبر‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬الكاتب‭ ‬الكبير‭ ‬صنع‭ ‬الله‭ ‬إبراهيم‭ ‬بعبارة‭ ‬دالة‭ ‬تتصدر‭ ‬غلاف‭ ‬رواية‭ ‬مراد‭ ‬الثانية‭ ‬فيرتيجو،‭ ‬قائلاً‭ ‬‮«‬للمرة‭ ‬الثانية‭ ‬بعد‭ ‬‘فيرتيجو’‭ ‬يتخذ‭ ‬أحمد‭ ‬مراد‭ ‬من‭ ‬الجريمة‭ ‬خلفية‭ ‬تكشف‭ ‬بأسلوب‭ ‬مشوق‭ ‬كواليس‭ ‬المجتمع‭ ‬والفساد‭ ‬المستشري‭ ‬وسط‭ ‬طبقاته‭ ‬وهو‭ ‬بذلك‭ ‬يؤكد‭ ‬قواعد‭ ‬النوع‭ ‬الروائي‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬رائداً‭ ‬له”‭.‬

والسؤال‭ ‬الآن،‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬مقاربة‭ ‬هذا‭ ‬اللون‭ ‬من‭ ‬الأدب‭ ‬الروائي‭ ‬بصفة‭ ‬عامة،‭ ‬وروايات‭ ‬أحمد‭ ‬مراد‭ ‬بنحو‭ ‬خاص؟

في‭ ‬الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬المعضلة‭ ‬هنا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬تحميل‭ ‬هذه‭ ‬الكتابة‭ ‬بأكثر‭ ‬مما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحتمله‭ ‬من‭ ‬أبعاد‭ ‬إنسانية‭ ‬ووجودية‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬اجتماعية‭ ‬وسياسية‭ ‬لتلحق‭ ‬بكبريات‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬حفرت‭ ‬لنفسها‭ ‬مكاناً‭ ‬في‭ ‬الوجدان‭ ‬وفي‭ ‬التاريخ‭. ‬فمن‭ ‬الخطأ‭ ‬استخدام‭ ‬مصطلحات‭ ‬نقدية‭ ‬كبيرة‭ ‬حين‭ ‬إقدامنا‭ ‬على‭ ‬قراءة‭ ‬وتفسير‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال،‭ ‬فقط‭ ‬علينا‭ ‬تناولها‭ ‬ومحاولة‭ ‬فهمها‭ ‬وفقاً‭ ‬لسياقها‭ ‬ومنطقها‭ ‬الخاص‭ ‬الذي‭ ‬يحكم‭ ‬جمالياتها‭ ‬الخاصة‭ ‬بالنوع‭.‬

‮ ‬‭ ‬ورواية‭ ‬‮«‬الفيل‭ ‬الأزرق”‭ ‬تقدم‭ ‬لنا‭ ‬المفتاح‭ ‬لفهمها‭ ‬وفهم‭ ‬أعمال‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬النوع‭. ‬فالحركة‭ ‬هي‭ ‬أساس‭ ‬العمل‭ ‬البوليسي،‭ ‬سواء‭ ‬أكانت‭ ‬داخلية‭ ‬أو‭ ‬خارجية،‭ ‬والجسد‭ ‬هو‭ ‬الفاعل‭ ‬والمفعول‭ ‬في‭ ‬الجريمة،‭ ‬هو‭ ‬الحاضر‭ ‬والغائب‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭. ‬فالقاتل‭ ‬الذي‭ ‬يرغب‭ ‬في‭ ‬تأكيد‭ ‬وجوده‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬إزاحة‭ ‬الآخر‭ ‬‭(‬المقتول‭)‬‭ ‬من‭ ‬الوجود،‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يختفي‭ ‬من‭ ‬المشهد‭ ‬طوال‭ ‬الرواية‭ ‬بينما‭ ‬تبقى‭ ‬الجثة‭ ‬حاضرة‭ ‬لتظل‭ ‬موضوعاً‭ ‬للبحث‭ ‬والتنقيب‭ ‬عن‭ ‬الفاعل‭ ‬وشروط‭ ‬الفعل‭ ‬الإجرامي‭.‬فكيف‭ ‬تحقق‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬‮«‬الفيل‭ ‬الأزرق”؟

الكتابة‭ ‬بالجسد

منذ‭ ‬الصفحات‭ ‬الأولى‭ ‬تطلعنا‭ ‬الرواية‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يلعبه‭ ‬التعبير‭ ‬الجسدي‭ ‬في‭ ‬الفهم‭ ‬والتفسير،‭ ‬فالدكتور‭ ‬يحيى‭ ‬الشخصية‭ ‬الرئيسية‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬يعمل‭ ‬طبيباً‭ ‬للأمراض‭ ‬النفسية‭ ‬بمستشفى‭ ‬العباسية‭ ‬وتتناول‭ ‬رسالته‭ ‬في‭ ‬الدكتوراه‭ ‬موضوع‭ ‬‮«‬التحليل‭ ‬النفسي‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬لغة‭ ‬الجسد”‭.. ‬وهي‭ ‬المهارة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يجيد‭ ‬يحيى‭ ‬غيرها،‭ ‬والتي‭ ‬سيعتمد‭ ‬عليها‭ ‬كثيراً‭ ‬في‭ ‬أحداث‭ ‬الرواية‭ ‬لفك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الألغاز‭ ‬والشفرات‭ ‬التي‭ ‬تطوق‭ ‬حياته‭. ‬ففي‭ ‬جلسة‭ ‬بوكر‭ ‬يقول‭ ‬لنفسه‭ ‬في‭ ‬مونولوج‭ ‬داخلي‭ ‬‮«‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬متأخراً،‭ ‬فالحكة‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬بدأت،‭ ‬حكّة‭ ‬قراءة‭ ‬من‭ ‬حولي،‭ ‬فك‭ ‬شفرتهم،‭ ‬تعريتهم‭ ‬ورؤية‭ ‬أكاذيبهم‭ ‬بالعين‭ ‬المجردة،‭ ‬لغة‭ ‬الجسد‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تكذب،‭ ‬فمداعبة‭ ‬أرنبة‭ ‬أنف‭ ‬تفضح‭ ‬من‭ ‬يدّعي‭ ‬ثقة‭ ‬وأوراقه‭ ‬سيئة،‭ ‬جذب‭ ‬شحمة‭ ‬أذن‭ ‬تعني‭ ‬أوراقاً‭ ‬جيدة‭ ‬لكنها‭ ‬مترددة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هزة‭ ‬قدم‭ ‬رتيبة‭ ‬تعني‭ ‬شخصاً‭ ‬فقد‭ ‬صبره،‭ ‬على‭ ‬وشك‭ ‬الفوز‭ ‬لكنه‭ ‬ينتظر‭ ‬انقضاضه”‭ ‬‭(‬1‭)‬‭.‬

وفي‭ ‬جملة‭ ‬معبرة‭ ‬يخاطب‭ ‬خصمه‭ ‬الخاسر‭ ‬قائلاً‭ ‬‮«‬الورق‭ ‬مستخبّي‭.. ‬بس‭ ‬الوشوش‭ ‬بتفضح”‭.‬

وكما‭ ‬يفضح‭ ‬الجسد‭ ‬الحي‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬الآخرين‭ ‬ويصبح‭ ‬مرآة‭ ‬شفافة‭ ‬تعكس‭ ‬مكنونات‭ ‬النفس‭ ‬المتوارية‭ ‬والمحتجبة‭ ‬أمام‭ ‬العين‭ ‬غير‭ ‬المدرّبة،‭ ‬فإن‭ ‬الجسد‭ ‬الميت‭ ‬الذي‭ ‬غادر‭ ‬الحياة‭ ‬وتحول‭ ‬إلى‭ ‬كيان‭ ‬معتم‭ ‬وسرّ‭ ‬مغلق‭ ‬كفّ‭ ‬عن‭ ‬الوجود‭. ‬هذا‭ ‬الجسد‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬عن‭ ‬بعث‭ ‬رسائله‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬الآخر‭ ‬ليكشف‭ ‬عن‭ ‬سر‭ ‬اللحظات‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬أودت‭ ‬بحياته‭ ‬وحوّلته‭ ‬إلى‭ ‬جثة‭ ‬هامدة،‭ ‬فعندما‭ ‬يتحول‭ ‬الجسد‭ ‬إلى‭ ‬ملف‭ ‬للطب‭ ‬الشرعي‭ ‬أو‭ ‬البحث‭ ‬الجنائي‭ ‬لا‭ ‬يستغرب‭ ‬أن‭ ‬نقرأ‭ ‬عبارات‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬‮«‬وبالكشف‭ ‬على‭ ‬المجنيّ‭ ‬عليها‭ ‬تبين‭ ‬حدوث‭ ‬اعتداء‭ ‬جنسي‭ ‬يرجع‭ ‬لساعات‭ ‬قبل‭ ‬الوفاة‭ ‬أحدث‭ ‬تهتكاً‭ ‬حاداً‭ ‬بمنطقة‭ ‬المهبل‭ ‬والعجان،‭ ‬ونزيفاً‭ ‬أدى‭ ‬للإجهاض،‭ ‬وبفحص‭ ‬الرحم‭ ‬تبين‭ ‬أن‭ ‬عمر‭ ‬الجنين‭ ‬من‭ ‬سبعة‭ ‬إلى‭ ‬ثمانية‭ ‬أسابيع‭ ‬تقريباً”‭ ‬‭(‬3‭)‬‭.‬

ولأن‭ ‬الجسد‭ ‬لا‭ ‬يفصح‭ ‬عن‭ ‬مكنوناته‭ ‬إلا‭ ‬لمن‭ ‬يمتلك‭ ‬مهارة‭ ‬قراءة‭ ‬أبجدياته‭ ‬الخاصة،‭ ‬فإنه‭ ‬يمثل‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬الغواية‭ ‬ويكشف‭ ‬عن‭ ‬هوس‭ ‬الآخر‭ ‬بمحاولة‭ ‬اقتحامه‭ ‬وفضّ‭ ‬أسراره‭ ‬دون‭ ‬مبرر‭ ‬حقيقي‭ ‬ودون‭ ‬استئذان‭.‬

إن‭ ‬يحيى‭ ‬يمتلك‭ ‬هذه‭ ‬القدرة‭ ‬ويعيش‭ ‬هذا‭ ‬الهوس‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬لحظة‭ ‬واعية‭ ‬من‭ ‬لحظات‭ ‬حياته‭ ‬الفارغة‭ ‬من‭ ‬المعنى‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تسبب‭ ‬بسُكره‭ ‬في‭ ‬وفاة‭ ‬زوجته‭ ‬وابنته‭ ‬الصغيرة‭ ‬في‭ ‬حادث‭ ‬طريق،‭ ‬لقد‭ ‬تحوّل‭ ‬العلم‭ ‬على‭ ‬يديه‭ ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬للتسلية‭ ‬وتبديد‭ ‬أوقات‭ ‬الفراغ‭ ‬المقيتة‭. ‬يحدث‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬إرادياً‭ ‬وبوعي‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭ ‬حين‭ ‬يقول‭ ‬واصفاً‭ ‬حالته‭ ‬بدقة‭ ‬‮«‬وبدأت‭ ‬لا‭ ‬إرادياً‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬هوايتي،‭ ‬كم‭ ‬أعشق‭ ‬لغة‭ ‬الجسد‭ ‬حين‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬برجل‭ ‬وامرأة‭ ‬يجلسان‭ ‬في‭ ‬مطعم‭.. ‬تلك‭ ‬الجالسة‭ ‬التي‭ ‬تضع‭ ‬يديها‭ ‬أسفل‭ ‬ذقنها‭ ‬وتميل‭ ‬برأسها،‭ ‬تنصت‭ ‬لهراء‭ ‬الجالس‭ ‬أمامها‭ ‬بشغف‭ ‬وانبهار،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬السفيه‭ ‬يكذب‭ ‬فيما‭ ‬يحكيه،‭ ‬كتفه‭ ‬اليسرى‭ ‬ترتفع‭ ‬لا‭ ‬إرادياً‭ ‬كل‭ ‬عشر‭ ‬ثوان‭ ‬لينكر‭ ‬ويستغيث‭ ‬مما‭ ‬يختلقه‭ ‬فصّ‭ ‬مخه‭ ‬الأيمن‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬طمس‭ ‬الحقائق‭ ‬واستبدالها‭ ‬ببطولاته‭ ‬الزائفة،‭ ‬أما‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬ذراعيها‭ ‬أمام‭ ‬صدرها‭ ‬وتضع‭ ‬حقيبة‭ ‬يدها‭ ‬بينها‭ ‬وبينه‭ ‬تصنع‭ ‬حائلاً‭ ‬يمنعه‭ ‬من‭ ‬اقتحامها‭ ‬رافضة‭ ‬لما‭ ‬يقول”‭.‬

وكما‭ ‬تكون‭ ‬لغة‭ ‬الجسد‭ ‬هوساً‭ ‬فهي‭ ‬أيضاً‭ ‬لعنة‭ ‬تصيب‭ ‬دارسيها‭ ‬بحيث‭ ‬يقرأون‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬ما‭ ‬يودّون‭ ‬أن‭ ‬يعرفوه‭ ‬لا‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬الجسد‭ ‬عن‭ ‬صاحبه‭ ‬بالفعل،‭ ‬فلأن‭ ‬يحيى‭ ‬يرغب‭ ‬في‭ ‬استعادة‭ ‬حبه‭ ‬القديم‭ ‬تجاه‭ ‬لبنى‭ ‬التي‭ ‬تزوجت‭ ‬وأنجبت‭ ‬طفلة،‭ ‬فإنه‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يقرأ‭ ‬في‭ ‬ملامح‭ ‬وجهها‭ ‬من‭ ‬التعبيرات‭ ‬ما‭ ‬ينم‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬استقرار‭ ‬العلاقة‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬زوجها‭ ‬خالد،‭ ‬فيحدّث‭ ‬نفسه‭ ‬قائلاً‭ ‬‮«‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬لغة‭ ‬الجسد‭ ‬خانتني‭ ‬أم‭ ‬أني‭ ‬في‭ ‬قرارة‭ ‬نفسي‭ ‬تمنيت‭ ‬‘بدناءة’‭ ‬رؤية‭ ‬ذلك‭ ‬التعبير‭ ‬في‭ ‬وجهها‭ ‬فرأيته؟‭ ‬ملامح‭ ‬لبنى‭ ‬لم‭ ‬تبد‭ ‬مسترخية‭ ‬وهي‭ ‬تنطق‭ ‬اسم‭ ‬زوجها،‭ ‬تقلصت‭ ‬شفتاها‭ ‬لجزء‭ ‬من‭ ‬الثانية‭ ‬كان‭ ‬كافياً‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليّ‭ ‬لألتقطه،‭ ‬اللعنة‭ ‬على‭ ‬لغة‭ ‬الجسد‭ ‬وما‭ ‬تفعله‭ ‬في‭ ‬دارسيها”‭.‬

لا‭ ‬تتوقف‭ ‬قدرات‭ ‬يحيى‭ ‬على‭ ‬قراءة‭ ‬الأجساد‭ ‬التي‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬حركة،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضاً‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬ثبات،‭ ‬الأجساد‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬تثبت‭ ‬تعبيراتها‭ ‬في‭ ‬الصور،‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التعبير‭ ‬مجدداً،‭ ‬ليس‭ ‬هذا‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬يستطيع‭ ‬ببراعة‭ ‬منقطعة‭ ‬النظير‭ ‬أن‭ ‬يقرأ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تعبيرات‭ ‬الجسد‭ ‬الحاضر‭ ‬في‭ ‬الصورة‭ ‬تعبيرات‭ ‬الجسد‭ ‬الغائب‭ ‬عن‭ ‬الكادر،‭ ‬والواقف‭ ‬خلف‭ ‬الكاميرا،‭ ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬الصّور‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يستكشف‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬بين‭ ‬صديقه‭ ‬شريف‭ ‬وزوجته‭ ‬بسمة‭ ‬المتهم‭ ‬بقتلها،‭ ‬‮«‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ستين‭ ‬صورة‭ ‬لبسمة،‭ ‬عارية‭ ‬مستلقية‭ ‬في‭ ‬السرير‭! ‬لقطات‭ ‬مقربة‭ ‬لشفتيها،‭ ‬عنقها،‭ ‬ظهرها،‭ ‬ساقيها‭ ‬وأصابع‭ ‬قدميها‭ ‬وكاحلها،‭ ‬تصوير‭ ‬عاشق‭ ‬يقبّل‭ ‬الأرض‭ ‬تحت‭ ‬قدمي‭ ‬أفيونته”‭.‬

‮ ‬‭ ‬الأجساد‭ ‬إذن‭ ‬تكتب‭ ‬نفسها‭ ‬وتفض‭ ‬بكارة‭ ‬الغيب،‭ ‬الماضي‭ ‬والمستقبل،‭ ‬والصخب‭ ‬الذي‭ ‬يملأ‭ ‬الحاضر‭ ‬ويطمس‭ ‬معالمه‭.. ‬إنها‭ ‬كتاب‭ ‬موتى‭ ‬مفتوح‭ ‬أمام‭ ‬يحيى،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬يتحقق‭ ‬له‭ ‬بعث‭ ‬جديد‭. ‬ولعل‭ ‬في‭ ‬اسم‭ ‬يحيى‭ ‬يكمن‭ ‬سر‭ ‬شخصيته‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬الحياة‭ ‬للمعاني‭ ‬والدلالات‭ ‬للأشياء‭ ‬والأشخاص‭ ‬التي‭ ‬ماتت‭ ‬من‭ ‬حوله‭ ‬ومازالت‭ ‬تقتحم‭ ‬حياته‭ ‬بوجهها‭ ‬المخيف‭.‬

الكتابة‭ ‬على‭ ‬الجسد

الكتابة‭ ‬على‭ ‬الجسد‭ ‬تلعب‭ ‬دوراً‭ ‬هاماً‭ ‬في‭ ‬حلّ‭ ‬ألغاز‭ ‬الرواية،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬داخلها‭ ‬سر‭ ‬اللغز‭ ‬الأكبر‭ ‬الذي‭ ‬بمعرفته‭ ‬تتحلل‭ ‬كل‭ ‬المعضلات‭ ‬التي‭ ‬استعصت‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬يحيى‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الرواية،‭ ‬وفهم‭ ‬اللجنة‭ ‬الطبية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬سبيلها‭ ‬إلى‭ ‬إصدار‭ ‬حكم‭ ‬بالإدانة‭ ‬على‭ ‬شريف،‭ ‬كما‭ ‬استعصت‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬المتلقي‭ ‬الذي‭ ‬ظل‭ ‬متأرجحاً‭ ‬بين‭ ‬يحيى‭ ‬وشريف،‭ ‬معتقداً‭ ‬أن‭ ‬الحل‭ ‬لن‭ ‬يأتي‭ ‬إلا‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬إثبات‭ ‬جنون‭ ‬أحدهما‭ ‬وتبرئة‭ ‬الآخر‭.‬

الكتابة‭ ‬على‭ ‬الجسد‭ ‬تتخذ‭ ‬شكل‭ ‬الوشم‭ ‬على‭ ‬جلد‭ ‬شريف‭ ‬وجلد‭ ‬زوجته‭ ‬بسمة،‭ ‬وعن‭ ‬طريق‭ ‬محاولة‭ ‬يحيى‭ ‬قراءة‭ ‬الرمز‭ ‬الذي‭ ‬يشير‭ ‬إليه‭ ‬الوشم‭ ‬تبدأ‭ ‬رحلة‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬آخر،‭ ‬يبعد‭ ‬عن‭ ‬السيكولوجي‭ ‬ويقترب‭ ‬من‭ ‬الميثولوجي‭ ‬لنجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬وجهاً‭ ‬لوجه‭ ‬أمام‭ ‬أساطير‭ ‬ظلامية‭ ‬وكائنات‭ ‬خرافية‭ ‬متوحشة‭ ‬تقتات‭ ‬على‭ ‬لحوم‭ ‬البشر‭. ‬وبنفس‭ ‬المهارة‭ ‬الخاصة‭ ‬التي‭ ‬يتمتع‭ ‬بها‭ ‬يحيى‭ ‬في‭ ‬قراءة‭ ‬لغة‭ ‬الجسد،‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يفك‭ ‬شفرة‭ ‬الجسد‭ ‬الموشوم،‭ ‬‮«‬الوشم‭ ‬المغوي‭ ‬على‭ ‬فخذها‭ ‬اليسرى‭ ‬يشير‭ ‬لزوجة‭ ‬لديها‮ ‬Desserts‭ ‬menu‮ ‬من‭ ‬مئتي‭ ‬صفحة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬زوجها”‭.‬

وكما‭ ‬يُعدّ‭ ‬الوشم‭ ‬بمثابة‭ ‬الكتابة‭ ‬على‭ ‬الجسد‭ ‬فإن‭ ‬الإصابات‭ ‬والجروح‭ ‬تعدّ‭ ‬أيضاً‭ ‬صوراً‭ ‬وأشكالاً‭ ‬للكتابة،‭ ‬‮«‬كما‭ ‬تبين‭ ‬حدوث‭ ‬قطع‭ ‬دائري‭ ‬مشرذم‭ ‬‘قطر‭ ‬5سم’‭ ‬أعلى‭ ‬الفخذ‭ ‬اليسرى‭ ‬يشير‭ ‬تطوره‭ ‬الالتئامي‭ ‬إلى‭ ‬كونه‭ ‬جائز‭ ‬الحدوث‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬أسبوع‭ ‬إلى‭ ‬عشرة‭ ‬أيام،‭ ‬نتيجة‭ ‬سلخ‭ ‬الجلد‭ ‬بآلة‭ ‬حادة‭!‬”‭.‬

‭ ‬إننا‭ ‬إزاء‭ ‬عملية‭ ‬كتابة‭ ‬ومحو‭ ‬للكتابة‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت،‭ ‬فالجلد‭ ‬المشوّه‭ ‬للقتيلة‭ ‬كان‭ ‬يحمل‭ ‬وشماً‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬والآن‭ ‬لا‭ ‬يحمل‭ ‬سوى‭ ‬أثر‭ ‬لحمي‭ ‬ممزق‭ ‬لعملية‭ ‬نزع‭ ‬ومحو‭ ‬لهذا‭ ‬الوشم،‭ ‬والمفارقة‭ ‬أن‭ ‬سلخ‭ ‬الجلد‭ ‬ومحو‭ ‬الوشم‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الشكل‭ ‬الجمالي،‭ ‬‮«‬لم‭ ‬أستطع‭ ‬تبين‭ ‬الرسم‭ ‬جيداً،‭ ‬ربما‭ ‬ثلاثة‭ ‬خطوط‭ ‬متقاطعة‭ ‬تصنع‭ ‬شكل‭ ‬وردة‭ ‬مبسطة”‭ ‬‭(‬9‭)‬‭.‬

لوحة: محمود دياب

ولا‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نستنبط‭ ‬أيّ‭ ‬نتيجة‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬كون‭ ‬يحيى‭ ‬يعالج‭ ‬المسألة‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬التهكم‭ ‬واللامبالاة‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬زخم‭ ‬المتناقضات‭ ‬التي‭ ‬تعج‭ ‬بها‭ ‬حياته‭ ‬الماضية‭ ‬والحاضرة‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬جدل‭ ‬الكتابة‭ ‬والمحو‭ ‬على‭ ‬الجسد‭ ‬الذي‭ ‬يهيمن‭ ‬على‭ ‬أحداث‭ ‬الرواية‭ ‬يكشف‭ ‬لنا‭ ‬عن‭ ‬جدلية‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬اللذة‭ ‬والألم‭. ‬فالكتابة‭ ‬ترتبط‭ ‬باللذة،‭ ‬بينما‭ ‬يرتبط‭ ‬المحو‭ ‬بالألم،‭ ‬والكتابة‭ ‬على‭ ‬الجسد‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬قارئ‭ ‬لفهم‭ ‬معناها‭ ‬كما‭ ‬الكتابة‭ ‬على‭ ‬الورق‭ ‬أو‭ ‬الحجر،‭ ‬لأن‭ ‬الكتابة‭ ‬على‭ ‬الجسد‭ ‬هي‭ ‬فعل‭ ‬أكثر‭ ‬عن‭ ‬كونها‭ ‬قولا‭. ‬إنها‭ ‬تحمل‭ ‬دائماً‭ ‬سراً‭ ‬كونياً‭ ‬خاصاً،‭ ‬قوة‭ ‬خفية‭ ‬تتجاوز‭ ‬مادية‭ ‬النقش‭ ‬والجسد‭ ‬معاً،‭ ‬لأنها‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬بمثابة‭ ‬الطلّسم‭ ‬وتحقق‭ ‬قدراً‭ ‬من‭ ‬السحر،‭ ‬سحر‭ ‬حقيقي‭ ‬أو‭ ‬توهّمي،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأحوال‭ ‬تترك‭ ‬أثراً‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الروح‭.‬

ثفالوشم‭ ‬يرتبط‭ ‬بالقدرة‭ ‬الجنسية،‭ ‬عند‭ ‬الرجل‭ ‬أو‭ ‬عند‭ ‬المرأة،‭ ‬ويقدم‭ ‬حلاً‭ ‬سحرياً‭ ‬لانسداد‭ ‬سبل‭ ‬التواصل‭ ‬بين‭ ‬المحبين‭ ‬الراغبين‭ ‬في‭ ‬المتعة‭ ‬والاستحواذ،‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬سيكتشفه‭ ‬يحيى‭ ‬في‭ ‬أحلامه‭ ‬وفي‭ ‬يقظته‭:‬

‮«‬‭-‬‭ ‬يا‭ ‬خالة‭.. ‬جلدي‭ ‬بيتقطّع‮ ‬‭ ..‬‮ ‬‭ ‬ما‭ ‬عنتش‭ ‬قادرة‭.‬

‭-‬‭ ‬لجل‭ ‬الورد‭ ‬ينسقي‭ ‬العليق‭ ..‬‮ ‬‭ ‬اصبري‭ ‬يا‭ ‬بنتي‭.‬

‭-‬‭ ‬خايفة‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬ليه‭ ‬فايدة‭ ‬الدّك‭ ‬ده‮ ‬‭ ..‬‮ ‬‭ ‬كنا‭ ‬نقشناه‭ ‬حنّة‭.‬

‭-‬‭ ‬رسمة‭ ‬الوردة‭ ‬لازم‭ ‬تبات‭ ‬في‭ ‬جلدك‭ ‬اتنين‭ ‬وسبعين‭ ‬يوم‭ ‬لغاية‭ ‬ما‭ ‬ينفك‭ ‬سحرك”‭.‬

ولأن‭ ‬الجنس‭ ‬علاقة‭ ‬ثنائية‭ ‬فإن‭ ‬التعويذة‭ ‬السحرية‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬مزدوجة،‭ ‬بعضها‭ ‬محفور‭ ‬على‭ ‬جسد‭ ‬المرأة‭ ‬وبعضها‭ ‬المكمّل‭ ‬محفور‭ ‬على‭ ‬جسد‭ ‬الرجل‭ ‬‮«‬وشم‭ ‬الوردة‭ ‬ينبض‭ ‬على‭ ‬فخذها‭ ‬ويتلوى‭! ‬وذراعي‭ ‬اليسرى‭ ‬بدأت‭ ‬ترتعش‭.. ‬سخونة‭ ‬ذراعي‭ ‬تكاد‭ ‬تشعل‭ ‬السرير‭ ‬من‭ ‬تحتنا،‭ ‬الهلع‭ ‬استبدل‭ ‬الخوف‭ ‬في‭ ‬ملامحها‭ ‬من‭ ‬عنف‭ ‬حركاتي،‭ ‬عرقي‭ ‬انهمر‭ ‬على‭ ‬صدرها‭ ‬وبدأت‭ ‬أرتج‭ ‬بلا‭ ‬إرادة،‭ ‬أتزلزل‭ ‬حتى‭ ‬بدأت‭ ‬تصرخ‭ ‬من‭ ‬تحتي”‭.‬

‮ ‬وفي‭ ‬النهاية‭ ‬تقدم‭ ‬الرواية‭ ‬تفسيرين‭ ‬محتملين‭ ‬للقوة‭ ‬الخارقة‭ ‬التي‭ ‬ينطوي‭ ‬عليها‭ ‬الوشم‭: ‬واحدة‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬علمية،‭ ‬والأخرى‭ ‬خرافية،‭ ‬وفي‭ ‬كلتا‭ ‬الحالتين‭ ‬يتم‭ ‬إهدار‭ ‬التفسير‭ ‬العلمي‭ ‬الصحيح،‭ ‬بل‭ ‬وشبه‭ ‬العلمي،‭ ‬لتحتفي‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬بالخرافة‭ ‬باعتبارها‭ ‬الخيار‭ ‬الأكثر‭ ‬مناسبة‭ ‬للرواية‭ ‬البوليسية‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬الإثارة‭ ‬وشد‭ ‬انتباه‭ ‬القارئ‭ ‬حتى‭ ‬اللحظات‭ ‬الأخيرة‭.‬

‭ ‬وفي‭ ‬التفسير‭ ‬الأول‭ ‬تحاول‭ ‬صاحبة‭ ‬محل‭ ‬التاتو‭ ‬‭(‬الوشم‭)‬‭ ‬أن‭ ‬تبرر‭ ‬عملها‭ ‬المريب‭ ‬قائلة‭ ‬‮«‬تاتو‭ ‬معين‭ ‬بيعمل”‮ ‬‘Positive‭ ‬energy‭ ‬during‭ ‬sex‘‮ ‬طاقة‭ ‬إيجابية،‭ ‬تخلّي‭ ‬العلاقة‭ ‬تتحسن،‭ ‬وبينشط‭ ‬الشاكرات،‭ ‬اللي‭ ‬هي‭ ‬بؤر‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬الجسم‭! ‬خصوصاً‭ ‬‘المولادارا‭ ‬شاكرا’‭ ‬اللي‭ ‬بتأثر‭ ‬على‭ ‬المبايض‭ ‬والبروستاتا‮…‬‭ ‬الطاقة‭ ‬علم”‭.‬

وفي‭ ‬التفسير‭ ‬الثاني‭ ‬يغوص‭ ‬يحيى‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬عالم‭ ‬الجن‭ ‬والأعمال‭ ‬السفلية‭ ‬ليقرأ‭ ‬‮«‬هذا‭ ‬ورب‭ ‬الأرباب‭ ‬أخطر‭ ‬أنواع‭ ‬التسليط‭ ‬على‭ ‬الإنس‭ ‬فافهم،‭ ‬هو‭ ‬استحضار‭ ‬لعارض‭ ‬سفلي‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬رسم‭ ‬طلّسمة‭ ‬ومناداته‭ ‬بعزيمته‭ ‬التي‭ ‬تسيطر‭ ‬عليه‭ ‬منذ‭ ‬عهد‭ ‬سليمان،‭ ‬فيأتي‭ ‬خادم‭ ‬الطلّسم‭ ‬لينكح‭ ‬الأنثى‭ ‬المسلط‭ ‬عليها‭ ‬مدة‭ ‬شهر‭ ‬وعشرة‭ ‬أيام،‭ ‬وحده،‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الحلول‭ ‬في‭ ‬جسد‭ ‬بعلها‭ ‬المعاشر‭ ‬لها‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬بعل”‭.‬

وهنا‭ ‬تصل‭ ‬الرواية‭ ‬إلى‭ ‬ذروة‭ ‬الأحداث‭ ‬كاشفة‭ ‬عن‭ ‬سلسلة‭ ‬الألغاز‭ ‬التي‭ ‬استعصت‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬على‭ ‬الفهم‭ ‬لنجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬إزاء‭ ‬قراءة‭ ‬شديدة‭ ‬المحلية‭ ‬لواحد‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬العالمية‭ ‬الشهيرة‭ ‬وهو‭ ‬‮«‬دكتور‭ ‬جيكل‭ ‬ومستر‭ ‬هايد”‭. ‬وهي‭ ‬قراءة‭ ‬تبعد‭ ‬عن‭ ‬ظاهرة‭ ‬الفصام‭ ‬السيكولوجية‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬الرواية‭ ‬أن‭ ‬تثبت‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تحدث‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬الأفلام‭ ‬فقط‭. ‬وتبرز‭ ‬فكرة‭ ‬الحلول‭ ‬الجسدي‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الجن‭ ‬فيما‭ ‬يعرف‭ ‬بـ”المس‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬تفسيرات‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬الماوراء‭ ‬وتستمد‭ ‬مادتها‭ ‬من‭ ‬الواقع‭ ‬البيئي‭ ‬العربي‭.‬

وكما‭ ‬ذكرنا‭ ‬لا‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نحمّل‭ ‬الرواية‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تحتمل‭ ‬حتى‭ ‬نحاسبها‭ ‬بمنطق‭ ‬العلم‭ ‬أو‭ ‬الفلسفة،‭ ‬وإنما‭ ‬فقط‭ ‬بالمنطق‭ ‬البوليسي‭ ‬الذي‭ ‬تنتمي‭ ‬إليه‭. ‬وهي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحدود‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬عالم‭ ‬سحري‭ ‬مثير‭ ‬وغريب،‭ ‬واستطاعت‭ ‬أن‭ ‬تستحوذ‭ ‬على‭ ‬انتباه‭ ‬القارئ‭ ‬منذ‭ ‬السطور‭ ‬الأولى‭ ‬وحتى‭ ‬السطر‭ ‬الأخير،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أهلها‭ ‬لتكون‭ ‬ضمن‭ ‬الروايات‭ ‬الأكثر‭ ‬مبيعاً‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وأن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬فيلم‭ ‬سينمائي‭ ‬ناجح‭ ‬يحمل‭ ‬نفس‭ ‬الاسم‭.‬


كاتب من مصر