إعادة‭ ‬اكتشاف‭ ‬غرامشي.. اليسار‭ ‬الذي‭ ‬يتحسر‭ ‬عليه‭ ‬صادق‭ ‬جلال‭ ‬العظم

في‭ ‬الأشهر‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الرّبيع‭ ‬العربي،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكتمل،‭ ‬عاد‭ ‬اسم‭ ‬أنطونيو‭ ‬غرامشي‭ ‬‭(‬1891‭-‬1937‭)‬‭ ‬للظّهور‭ ‬فجأة،‭ ‬في‭ ‬مقالات،‭ ‬أو‭ ‬بإعادة‭ ‬إصدار‭ ‬كتابات‭ ‬له‭ ‬بالعربية،‭ ‬أو‭ ‬ترجمة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬الإيطالية‭ ‬مجدداً،‭ ‬عاد‭ ‬الإيطالي‭ ‬‮«‬الجنوبي‮»‬،‭ ‬‮«‬الشّيوعي‭ ‬الغاضب‮»‬‭ ‬من‭ ‬نومه‭ ‬ليشارك‭ ‬في‭ ‬نقاشات‭ ‬حول‭ ‬حراك‭ ‬الجماهير‭ ‬جنوب‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭. ‬وجد‭ ‬فيه‭ ‬بعض‭ ‬ممثلي‭ ‬اليسار‭ ‬العربي‭ ‬ممهداً‭ ‬لتفسير‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬الميادين،‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬ومصر‭ ‬واليمن،‭ ‬وأعادوا‭ ‬بعثه‭ ‬‭-‬بشكل‭ ‬متأخّر‭-‬‭ ‬لتوجيه‭ ‬غضب‭ ‬الشّعوب‭ ‬ضدّ‭ ‬الأنظمة‭ ‬المستبدّة،‭ ‬وتقديم‭ ‬قراءات‭ ‬سريعة‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬‮«‬الثّورة‮»‬‭.‬

الجديد  سعيد خطيبي [نُشر في 01/10/2016، العدد: 21، ص(78)]

لوحة: لين بطل
أطروحات ‭ ‬غرامشي‭ ‬كانت‭ ‬الأقرب‭ ‬للحالة‭ ‬العربية،‭ ‬فقد‭ ‬انتقل‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬الفكرية،‭ ‬من‭ ‬المحسوس‭ ‬إلى‭ ‬الملموس،‭ ‬من‭ ‬‮«‬المثالية‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الفعل‮»‬،‭ ‬من‭ ‬‮«‬الفكرة‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬المبادرة‮»‬،‭ ‬قام‭ ‬بهدم‭ ‬الهالة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تلفّ‭ ‬الفلسفة‭ ‬ووضعها‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬الجماهير،‭ ‬جعل‭ ‬منها‭ ‬أداة‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬اليومي،‭ ‬‮«‬خبزاً‮»‬‭ ‬لحياتهم‭ ‬المتعثّرة،‭ ‬خلّصها‭ ‬من‭ ‬‮«‬النّخبوية‮»‬‭ ‬الصّلبة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تجعل‭ ‬منها‭ ‬علماً‭ ‬يخصّ‭ ‬أقلية‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬ويُلغي‭ ‬الأغلبية،‭ ‬لقد‭ ‬ذهب‭ ‬غرامشي‭ ‬نحو‭ ‬إشاعة‭ ‬أن‭ ‬الفلسفة‭ ‬ملك‭ ‬للجميع،‭ ‬وأن‭ ‬لكلّ‭ ‬مواطن‭ ‬حقّ‭ ‬في‭ ‬‮«‬التّفلسف‮»‬،‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬لعب‭ ‬دوراً‭ ‬في‭ ‬تقريبها‭ ‬من‭ ‬النّاس‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الرّأسمالية،‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬ما‭ ‬يحصل‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬العربية،‭ ‬حيث‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬الفلسفة‭ ‬بنظرة‭ ‬ريبة‭ ‬وشكّ‭ ‬وعداء‭ ‬أحياناً،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يحزن‭ ‬صادق‭ ‬جلال‭ ‬العظم‭ ‬‭(‬1934‭)‬‭ ‬في‭ ‬حواره‭ ‬الأخير،‭ ‬مع‭ ‬‮«‬الجديد‮»‬‭ ‬حيث‭ ‬يقول‭ ‬‮«‬منذ‭ ‬محنة‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬والفلسفة‭ ‬العربية‭ ‬مُحاربة‭ ‬ومقصية‭ ‬من‭ ‬التداول‭ ‬والممارسة‮»‬‭.‬

محنة‭ ‬الفلسفة‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬الدّول‭ ‬العربية،‭ ‬التي‭ ‬تحكمها‭ ‬عائلات‭ ‬دينية،‭ ‬أو‭ ‬تقودها‭ ‬أحزاب‭ ‬متأسلمة،‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬ترفع‭ ‬شعار‭ ‬العلمانية‭ ‬و‮«‬تتاجر‮»‬‭ ‬بوسطيتها،‭ ‬لنأخذ‭ ‬الجزائر‭ ‬نموذجاً،‭ ‬حيث‭ ‬يتحسّر‭ ‬الدكتور‭ ‬فارح‭ ‬مسرحي،‭ ‬أستاذ‭ ‬جامعي‭ ‬في‭ ‬قسم‭ ‬الفلسفة‭ ‬‮«‬منزلة‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬الاهتمامات،‭ ‬ولعل‭ ‬العوائق‭ ‬الأكثر‭ ‬أهمية‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬المتعلّقة‭ ‬بالدولة،‭ ‬بسياساتها‭ ‬ومؤسساتها‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬التّربوي‭ ‬والثّقافي،‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الفلسفة‭ ‬هي‭ ‬آخر‭ ‬المواد‭ ‬التي‭ ‬يتعرّف‭ ‬عليها‭ ‬التلميذ‭ ‬في‭ ‬مساره‭ ‬الدراسي‭ ‬ولا‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬قبل‭ ‬السنة‭ ‬الثانية‭ ‬ثانويا‭ ‬للأدبيين‭ ‬والثالثة‭ ‬ثانويا‭ ‬للعلميين،‭ ‬وهذا‭ ‬وضع‭ ‬يعبّر‭ ‬عن‭ ‬إرادة‭ ‬واضحة‭ ‬لتهميش‭ ‬الفلسفة‮»‬‭. ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬‭-‬مع‭ ‬بعض‭ ‬التّحفظ‭-‬‭ ‬إن‭ ‬الجزائر‭ ‬بلد‭ ‬دون‭ ‬فلاسفة،‭ ‬وأمّا‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬اليوم،‭ ‬فهو‭ ‬بلد‭ ‬لبعض‭ ‬المشتغلين‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬لا‭ ‬أكثر،‭ ‬يُعيدون‭ ‬‭-‬في‭ ‬الغالب‭-‬‭ ‬تدوير‭ ‬قضايا‭ ‬وإشكاليات‭ ‬تخصّ‭ ‬مجتمعات‭ ‬غير‭ ‬مجتمعاتهم،‭ ‬يستوردون‭ ‬نقاشات‭ ‬غربية‭ ‬ويعيدون‭ ‬مضغها،‭ ‬ممّا‭ ‬يضعهم‭ ‬في‭ ‬قطيعة‭ ‬مع‭ ‬مواطنيهم‭. ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬نبّه‭ ‬إليه‭ ‬غرامشي،‭ ‬قبل‭ ‬حوالي‭ ‬القرن‭ ‬من‭ ‬الآن،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬‮«‬يتشاءم‮»‬‭ ‬من‭ ‬ذكاء‭ ‬الفلاسفة‭ ‬و‮«‬يتفاءل‮»‬‭ ‬إزاء‭ ‬قدرة‭ ‬الواحد‭ ‬منهم‭ ‬على‭ ‬‮«‬توظيف‮»‬‭ ‬معارفه‭ ‬ميدانياً،‭ ‬وكان‭ ‬يصرّ‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬التّفكير‭ ‬إلى‭ ‬تطبيق‭ ‬الأفكار،‭ ‬لكننا‭ ‬لم‭ ‬ننتبه‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬التّفصيلات‭ ‬سوى‭ ‬متأخّرين،‭ ‬فصلنا‭ ‬الفلسفة‭ ‬عن‭ ‬أخواتها،‭ ‬عن‭ ‬التّاريخ‭ ‬وعن‭ ‬الثّقافة،‭ ‬أي‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭ ‬العادية،‭ ‬حتى‭ ‬باتت‭ ‬تخصصاً‭ ‬مجرداً‭ ‬يعلو‭ ‬عن‭ ‬يوميّات‭ ‬النّاس،‭ ‬ولا‭ ‬ينظرون‭ ‬إليه‭ ‬سوى‭ ‬من‭ ‬الأسفل‭ ‬برفض‭ ‬ممزوج‭ ‬باحتقار‭ ‬أحياناً‭.‬

هذه‭ ‬القطيعة‭ ‬مع‭ ‬الفلسفة‭ ‬ومع‭ ‬العقلانية‭ ‬التي‭ ‬تكّرست‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الماضية،‭ ‬شكّلت‭ ‬بيئة‭ ‬للانتقال‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬التّفكير‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬فوضى،‭ ‬وفي‭ ‬الانتقال‭ ‬بين‭ ‬مرحلتين‭ ‬ستظهر‭ ‬‮«‬وحوش‮»‬‭ ‬‭-‬كما‭ ‬كان‭ ‬يقول‭ ‬أنطونيو‭ ‬غرامشي‭-‬‭ ‬وصارت‭ ‬البيئة‭ ‬العربية‭ ‬مناسبة‭ ‬لنموّ‭ ‬وحش‭ ‬‮«‬التديّن‮»‬،‭ ‬هكذا‭ ‬راحت‭ ‬تتشكّل‭ ‬جماعات‭ ‬إسلامية‭ ‬ضاغطة،‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬والجزائر‭ ‬والمغرب‭ ‬والعراق،‭ ‬وغيرها،‭ ‬ووصلنا‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬توجّه‭ ‬ديني‭ ‬عنيف‭ ‬وأصولي‭ ‬وتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬جهادية‭ ‬إرهابية‭. ‬هذا‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أتوقّعه‭ ‬يوما‮»‬‭ ‬ذكر‭ ‬صاحب‭ ‬‮«‬نقد‭ ‬الفكر‭ ‬الدّيني‮»‬‭.‬

لكن،‭ ‬الأمر‭ ‬يبدو‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬ما‭ ‬منطقياً،‭ ‬فقد‭ ‬أعاد‭ ‬الإسلاميون‭ ‬تطبيق‭ ‬فكر‭ ‬غرامشي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يقرؤوا‭ ‬له،‭ ‬وظلّ‭ ‬اليساريون‭ ‬يفسّرون‭ ‬آراءه‭ ‬في‭ ‬الزّوايا‭ ‬المعتمة‭ ‬من‭ ‬المجتمع،‭ ‬حشّد‭ ‬الإسلاميون‭ ‬الجماهير‭ ‬وصعدوا‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬السّلطة،‭ ‬وفاوضهم‭ ‬على‭ ‬نصيبهم‭ ‬في‭ ‬الحكم،‭ ‬وظلّ‭ ‬اليساريون‭ ‬يلوكون‭ ‬هزائمهم،‭ ‬غير‭ ‬مستوعبين‭ ‬قوة‭ ‬تأثير‭ ‬الدّين‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭.‬

نقد‭ ‬غرامشي‭ ‬للكنيسة‭ ‬ينطبق‭ ‬‭-‬تقريباً‭-‬‭ ‬على‭ ‬الجماعات‭ ‬الإسلامية،‭ ‬التي‭ ‬تستمد‭ ‬قوتها‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬اللحمة‭ ‬الدّينية‮»‬‭ ‬أو‭ ‬القرابة‭ ‬الدّينية،‭ ‬وفي‭ ‬‮«‬خبثها‮»‬‭ ‬في‭ ‬تفكيك‭ ‬كلّ‭ ‬الحركات‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬المنافسة‭ ‬لها،‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬كلّ‭ ‬بلد‭ ‬عربي‭ ‬يشتهر‭ ‬بجماعة‭ ‬دينية‭ ‬له‭ ‬وليس‭ ‬بجماعة‭ ‬ثقافية‭ ‬أو‭ ‬فلسفية،‭ ‬وصار‭ ‬رجل‭ ‬الدّين‭ ‬هو‭ ‬الواسطة‭ ‬بين‭ ‬السّلطة‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وما‭ ‬يُطلق‭ ‬عليه‭ ‬مجتمعا‭ ‬مدنيا‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬صار‭ ‬الدّاعية‭ ‬أو‭ ‬الإمام،‭ ‬خصوصاً‭ ‬مع‭ ‬تطوّر‭ ‬وسائل‭ ‬التّواصل،‭ ‬حلقة‭ ‬الوصل‭ ‬بين‭ ‬الأعلى‭ ‬والأسفل،‭ ‬بين‭ ‬الحاكم‭ ‬والطّبقات‭ ‬الكادحة‭. ‬ما‭ ‬فعلته‭ ‬الجماعات‭ ‬الدّينية،‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الرّبيع‭ ‬العربي‭ ‬مثلاً،‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬‭(‬مع‭ ‬صعود‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمين‭ ‬ثمّ‭ ‬سقوطهم‭)‬،‭ ‬هو‭ ‬الطّموح‭ ‬الذي‭ ‬عجزت‭ ‬عنه‭ ‬القوى‭ ‬اليسارية،‭ ‬ونقصد‭ ‬هنا‭ ‬تحقيق‭ ‬فكرة‭ ‬اللحمة،‭ ‬أي‭ ‬إيجاد‭ ‬المكوّن‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬النّاس،‭ ‬باختلاف‭ ‬هوياتهم‭ ‬و‭ ‬انتماءاتهم‭ ‬في‭ ‬البلد‭ ‬الواحد،‭ ‬لكن‭ ‬بمجرد‭ ‬وصول‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمين‭ ‬للحكم‭ ‬لاحظنا‭ ‬أنّهم‭ ‬قاموا‭ ‬بما‭ ‬يشبه‭ ‬‮«‬الثّورة‭ ‬السّلبية‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬بترتيب‭ ‬السياسة‭ ‬بحسب‭ ‬أولوياتهم،‭ ‬وليس‭ ‬بحسب‭ ‬احتياجات‭ ‬الجماهير‭ ‬التي‭ ‬رافقتهم،‭ ‬قلبوا‭ ‬بوصلتهم‭ ‬إلى‭ ‬اتجاه‭ ‬معاكس،‭ ‬وغيّروا‭ ‬شعار‭ ‬الشّعب‭ ‬‮«‬عيش،‭ ‬كرامة‭ ‬وحرية‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬شعار‭ ‬فضفاض‭ ‬هو‭ ‬‮«‬الإسلام‭ ‬هو‭ ‬الحلّ‮»‬‭.‬

هذا‭ ‬الواقع،‭ ‬يُحيلنا‭ ‬إلى‭ ‬سؤال‭ ‬آخر،‭ ‬طرحه‭ ‬غرامشي‭ ‬على‭ ‬المثقفين‭ ‬في‭ ‬الغرب،‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬نعيد‭ ‬طرحه‭ ‬على‭ ‬المثقفين‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬قديماً‭ ‬وحديثاً،‭ ‬حول‭ ‬عجزنا‭ ‬عن‭ ‬خلق‭ ‬تصوّر‭ ‬بديل‭ ‬للديّن‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬وفي‭ ‬الشّارع،‭ ‬وقد‭ ‬يبدو‭ ‬الأمر‭ ‬مربكاً‭ ‬في‭ ‬البداية،‭ ‬لكن‭ ‬الغرب‭ ‬تجاوزنا‭ ‬في‭ ‬تحييد‭ ‬الدّين‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭ ‬العامّة،‭ ‬ودفع‭ ‬ثمناً،‭ ‬والعملية‭ ‬مرّت‭ ‬بقرون‭ ‬ومخاضات،‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬مما‭ ‬يحدث‭ ‬عربيا،‭ ‬رغم‭ ‬الثّمن‭ ‬الباهظ‭ ‬الذي‭ ‬دفعناه‭ ‬ومازلنا‭ ‬إلى‭ ‬اليوم،‭ ‬فقد‭ ‬ظلّ‭ ‬الدين‭ ‬حاضراً،‭ ‬بل‭ ‬صار‭ ‬أكثر‭ ‬قوة‭ ‬ممّا‭ ‬مضى،‭ ‬صار‭ ‬لغة‭ ‬اليومي‭ ‬وطوق‭ ‬نجاة‭ ‬وهمي،‭ ‬لكنّ‭ ‬الجموع‭ ‬تؤمن‭ ‬به،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬جزئياً‭ ‬انتقال‭ ‬الحركية‭ ‬الدينية‭ ‬من‭ ‬الدعوية‭ ‬وردّة‭ ‬الفعل،‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬المبادرة‭ ‬بالفعل‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬الجهاد‭ ‬وإلى‭ ‬تنويع‭ ‬طموحاتها‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬معاركها‭ ‬خارج‭ ‬أرضها،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬أولاً‭ ‬الجماعة‭ ‬الإسلامية‭ ‬المسلحة‭ ‬‭(‬الجيا‭)‬‭ ‬في‭ ‬الجزائر،‭ ‬التي‭ ‬دشّنت‭ ‬‮«‬عهد‭ ‬الجهاد‭ ‬في‭ ‬الخارج‮»‬‭ ‬بعملياتها‭ ‬في‭ ‬قطارات‭ ‬باريس‭ ‬‭(‬1995،‭ ‬راح‭ ‬ضحيتها‭ ‬ثمانية‭ ‬أشخاص،‭ ‬مع‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬100‭ ‬جريح‭)‬،‭ ‬ثم‭ ‬عمليات‭ ‬‮«‬القاعدة‮»‬‭ ‬في‭ ‬تفجيرات‭ ‬سفارتي‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأميركية‭ ‬في‭ ‬نيروبي‭ ‬ودار‭ ‬السّلام‭ ‬‭(‬1998‭)‬،‭ ‬لتبلغ‭ ‬‮«‬الجهادية‭ ‬الإرهابية‮»‬‭ ‬ذروتها‭ ‬مع‭ ‬تفجيرات‭ ‬11‭ ‬سبتمبر‭ ‬2001،‭ ‬وتتواصل‭ ‬مع‭ ‬اعتداءات‭ ‬تنظيم‭ ‬الدّولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬وبلجيكا‭. ‬فتعلّق‭ ‬اليسار‭ ‬ببعض‭ ‬المثاليات‭ ‬يحجب‭ ‬عنه‭ ‬رؤية‭ ‬الشّعب،‭ ‬ويقطع‭ ‬عنه‭ ‬الطّريق‭ ‬للتّواصل‭ ‬والتّحاور‭ ‬مع‭ ‬الطّبقات‭ ‬السّفلى‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭. ‬راح‭ ‬هذا‭ ‬اليسار‭ ‬يطوّر‭ ‬من‭ ‬نظرته‭ ‬الخاصّة‭ ‬للعالم،‭ ‬متغافلا‭ ‬عن‭ ‬النّظر‭ ‬لما‭ ‬يدور‭ ‬من‭ ‬حوله،‭ ‬ترك‭ ‬فارغاً‭ ‬شاسعاً‭ ‬كان‭ ‬سهلا‭ ‬على‭ ‬الإسلاميين‭ ‬ملؤه،‭ ‬ليؤكد‭ ‬بذلك‭ ‬على‭ ‬قراءاته‭ ‬السّطحية‭ ‬لغرامشي،‭ ‬ففي‭ ‬كلّ‭ ‬عملية‭ ‬انتقال‭ ‬سياسي‭ ‬أو‭ ‬اجتماعي،‭ ‬كان‭ ‬اليسار‭ ‬عربيا‭ ‬متأخراً،‭ ‬منزويا‭ ‬في‭ ‬طرف‭ ‬القاطرة‭.‬

ليس‭ ‬من‭ ‬المستغرب‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬كتابات‭ ‬غرامشي‭ ‬لمحاولة‭ ‬فهم‭ ‬بعض‭ ‬خلفيات‭ ‬ومآلات‭ ‬الرّبيع‭ ‬العربي،‭ ‬والتي‭ ‬يذكّرنا‭ ‬بها‭ ‬صادق‭ ‬جلال‭ ‬العظم‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مباشر،‭ ‬ومحاولة‭ ‬إسقاط‭ ‬مفاهيمه‭ ‬على‭ ‬الحالة‭ ‬العربية‭ ‬وهي‭ ‬‮«‬المجتمع‭ ‬المدني‮»‬،‭ ‬‮«‬الهيمنة‭ ‬الثّقافية‮»‬،‭ ‬‮«‬البراكسيس‮»‬،‭ ‬لكنها‭ ‬تبدو‭ ‬لنا‭ ‬عودة‭ ‬متأخّرة،‭ ‬متأخّرة‭ ‬بعقود‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬بسنوات،‭ ‬جاءت‭ ‬عقب‭ ‬انتهاء‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬مثلث‭ ‬الهيمنة‭ ‬من‭ ‬الأعلى‭ ‬إلى‭ ‬الأسفل،‭ ‬وعقب‭ ‬انتهاء‭ ‬الإسلاميين‭ ‬من‭ ‬تنظيم‭ ‬أنفسهم‭ ‬وتثبيت‭ ‬علاقاتهم‭ ‬‮«‬السّلطوية‮»‬‭ ‬على‭ ‬الطبقات‭ ‬المسحوقة‭ ‬من‭ ‬المجتمع،‭ ‬ممّا‭ ‬سهّل‭ ‬لهم‭ ‬احتلال‭ ‬مواقع‭ ‬قيادية‭ ‬بعيد‭ ‬الرّبيع‭ ‬العربي،‭ ‬والمساهمة‭ ‬بالتالي‭ ‬في‭ ‬تأخير‭ ‬المجتمع‭ ‬عن‭ ‬تحقيق‭ ‬حلم‭ ‬الدّولة‭ ‬المدنية‭.‬

‮«‬حسب‭ ‬رأيي‭ ‬هناك‭ ‬نضج‭ ‬ووعي‭ ‬داخل‭ ‬الفرد‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬التدين‭ ‬والإيمان‭ ‬الفردي‭ ‬ليسا‭ ‬هما‭ ‬اللذان‭ ‬سيؤسسان‭ ‬لدولة‭ ‬حديثة‭ ‬بالمؤسسات‭ ‬الديمقراطية‭. ‬وهو‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الرّفض‮»‬‭ ‬يقول‭ ‬العظم‭. ‬هذا‭ ‬الكلام‭ ‬كان‭ ‬صالحا‭ ‬للحظة‭ ‬البدايات‭ ‬الحالمة،‭ ‬لكن‭ ‬الطُّعم‭ ‬كان‭ ‬يختفي‭ ‬وسط‭ ‬الجموع،‭ ‬ونسينا‭ ‬أن‭ ‬التّدين‭ ‬‭(‬مع‭ ‬المبالغة‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬الدّين‭)‬‭ ‬صار‭ ‬مأدبة‭ ‬يومية‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬عربي‭ ‬أرخته‭ ‬الخيبات،‭ ‬وخطأ‭ ‬النخبة‭ ‬اليسارية‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تولي‭ ‬الأمر‭ ‬أهمية،‭ ‬أو‭ ‬أنها‭ ‬استهزأت‭ ‬بواقعها،‭ ‬بل‭ ‬نجد‭ ‬نخباً‭ ‬تتّجه‭ ‬نحو‭ ‬السّخرية‭ ‬من‭ ‬معتقدات‭ ‬الغالبية‭ ‬الدّينية،‭ ‬ممّا‭ ‬حرّك‭ ‬سخطا‭ ‬من‭ ‬جموع‭ ‬القاعدة‭ ‬نحو‭ ‬النّخبة‭ ‬العقلانية،‭ ‬فالتواصل‭ ‬مع‭ ‬الجماهير‭ ‬ليس‭ ‬ممكنا‭ ‬سوى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬فهم‭ ‬واضح‭ ‬لعلاقاتها‭ ‬بالمسجد‭ ‬وبالإمام‭ ‬وبطقوس‭ ‬الدّين‭ ‬عموماً،‭ ‬مع‭ ‬احترمها‭ ‬أولاً،‭ ‬ثمّ‭ ‬إعادة‭ ‬توجيهها‭ ‬نحو‭ ‬استيعاب‭ ‬حقوقها‭ ‬المدنية،‭ ‬قبل‭ ‬التّفكير‭ ‬في‭ ‬هدم‭ ‬علاقاتها‭ ‬باللاهوت‭ ‬وبالغيبيات‭.‬

إذن،‭ ‬هذا‭ ‬اليسار‭ ‬العربي،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الرّجل‭ ‬الجماعي‮»‬‭ ‬المتعب‭ ‬كما‭ ‬يعبر‭ ‬عنه‭ ‬السوسيولوجي‭ ‬علي‭ ‬الكنز‭(‬1946‭-)‬،‭ ‬ركّز‭ ‬خطابه‭ ‬نحو‭ ‬السّلطة‭ ‬ومعاركتها‭ ‬والاصطدام‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬جولات‭ ‬غير‭ ‬متساوية‭ ‬القوى،‭ ‬ولم‭ ‬ينتبه،‭ ‬طيلة‭ ‬عقود‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬جماعات‭ ‬دينية‭ ‬تشتغل‭ ‬في‭ ‬الأسفل،‭ ‬مركّزة‭ ‬على‭ ‬الأفراد‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬السّلطة،‭ ‬متيقنة‭ ‬بإمكانية‭ ‬وصولها‭ ‬إليها‭ ‬لاحقا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬فعلاً‭.‬

هذا‭ ‬اليسار،‭ ‬الذي‭ ‬يتحسّر‭ ‬عليه‭ ‬صادق‭ ‬جلال‭ ‬العظم،‭ ‬لم‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬قوقعة‭ ‬الصّدمات،‭ ‬ربما‭ ‬الصّدمة‭ ‬الأولى‭ ‬والكبرى‭ ‬كانت‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬نكسة‭ ‬67‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬تلت‭ ‬مباشرة‭ ‬جولة‭ ‬التّحرر‭ ‬وطموح‭ ‬تأسيس‭ ‬الدّولة‭ ‬الوطنية‭ ‬الحديثة،‭ ‬والتي‭ ‬يسميها‭ ‬العظم‭ ‬باسمها‭ ‬الحقيقي‭ ‬‮«‬الهزيمة‮»‬‭ ‬‭(‬أو‭ ‬صفعة‭ ‬67‭)‬،‭ ‬وعدم‭ ‬تسمية‭ ‬الأشياء‭ ‬بمسمياتها‭ ‬يزيد‭ ‬العالم‭ ‬كآبة‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يقول‭ ‬ألبير‭ ‬كامو‭. ‬الإسلاميون‭ ‬أيضاً‭ ‬خسروا‭ ‬بعضا‭ ‬من‭ ‬معاركهم،‭ ‬عرفوا‭ ‬السّجن،‭ ‬أعلنوا‭ ‬الجهاد‭ ‬في‭ ‬البوسنة‭ ‬والهرسك‭ ‬في‭ ‬تسعينات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬وخرجوا‭ ‬منها‭ ‬مهزومين،‭ ‬لم‭ ‬تتحقّق‭ ‬كامل‭ ‬أحلامهم‭ ‬في‭ ‬أفغانستان،‭ ‬وهاهم‭ ‬يعيدون‭ ‬الكرّة‭ ‬ثانية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬وليبيا،‭ ‬استوعبوا،‭ ‬في‭ ‬البدء،‭ ‬‮«‬حدودهم‮»‬‭ ‬ثم‭ ‬وسّعوها،‭ ‬وصار‭ ‬اليسار‭ ‬ملزماً‭ ‬بالتّفاوض‭ ‬مع‭ ‬خصومه‭ ‬التّاريخيين‭ ‬إن‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يضمّد‭ ‬جناحه‭ ‬المكسور،‭ ‬بات‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يجلس‭ ‬جنبا‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬مع‭ ‬الإسلاميين،‭ ‬أن‭ ‬يتحاور‭ ‬معهم،‭ ‬وهي‭ ‬‮«‬الضّرورة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يقلها‭ ‬صادق‭ ‬جلال‭ ‬العظم‭ ‬في‭ ‬حواره‭ ‬مع‭ ‬‮«‬الجديد‮»‬،‭ ‬هي‭ ‬حقيقة‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يقرّ‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬يساريين‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭.‬


كاتب من الجزائر