رسالة‭ ‬إلى‭ ‬صادق‭ ‬العظم

الجديد  أحمد برقاوي [نُشر في 01/10/2016، العدد: 21، ص(81)]

لوحة: فادي يازجي
صديقي‭ ‬صادق‭:‬

‮ ‬محبة‭ ‬وتحية‭ ‬وبعد

‮ ‬فإنه‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الواجب‭ ‬أن‭ ‬أكتب‭ ‬عن‭ ‬الحوار‭ ‬الذي‭ ‬أجرته‭ ‬معك‭ ‬مجلة‭ ‬“الجديد”،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬سفري‭ ‬‮ ‬إلى‭ ‬بريطانيا‭ ‬قد‭ ‬حال‭ ‬دون‭ ‬ذلك،‭ ‬فأنا‭ ‬لم‭ ‬أستن‭ ‬طقوساً‭ ‬للكتابة‭ ‬في‭ ‬السفر‭ ‬المؤقت‭. ‬ولم‭ ‬أشأ‭ ‬أن‭ ‬يصدر‭ ‬العدد‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬“الجديد”‭ ‬الذي‭ ‬يحتفي‭ ‬بك‭ ‬وبحوارك‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أحضر‭ ‬فيه‭ ‬محبة‭ ‬ووفاءً‭ ‬لصداقة‭ ‬عمرها‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬أربعين‭ ‬عاماً،‭ ‬ولهذا‭ ‬آثرت‭ ‬أن‭ ‬أكتب‭ ‬إليك‭ ‬رسالة‭ ‬أستعيد‭ ‬فيها‭ ‬حميمية‭ ‬التواصل‭ ‬فالرسالة‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬البوح‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬الكلام‭ ‬الفصل‭.‬

لا‭ ‬شك‭ ‬بأن‭ ‬التجربة‭ ‬التي‭ ‬جمعتنا‭ ‬معاً‭ ‬في‭ ‬قسم‭ ‬الفلسفة‭ ‬بجامعة‭ ‬دمشق‭ ‬قد أغنت‭ ‬معرفة‭ ‬كلٍ‭ ‬منّا‭ ‬بالآخر،‭ ‬وكشفت‭ ‬لنا‭ ‬عن‭ ‬مواطن‭ ‬الاختلاف‭ ‬والاتفاق،‭ ‬ودورك‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬أسبوع‭ ‬الفلسفة‭ ‬‭-‬سنوات‭ ‬رئاستك‭ ‬للقسم‭-‬‭ ‬قد‭ ‬أظهر‭ ‬همومنا‭ ‬الفلسفية‭ ‬المشتركة‭ ‬وانتماءنا‭ ‬إلى‭ ‬التمرد‭ ‬الميتافيزيقي‭ ‬الذي‭ ‬تحدث‭ ‬عنه‭ ‬كامو‭.‬

وهنا‭ ‬أستحضر‭ ‬زملاءنا‭ ‬الذين‭ ‬رحلوا‭ ‬و‭ ‬زملاءنا‭ ‬العائشين‭: ‬بديع‭ ‬الكسم،‭ ‬نايف‭ ‬بلوز،‭ ‬عادل‭ ‬العوا،‭ ‬عبدالكريم‭ ‬اليافي،‮ ‬حامد‭ ‬خليل،‭ ‬خضر‭ ‬زكريا،‭ ‬غانم‭ ‬هنا‭. ‬وأتذكر‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬شاركونا‭ ‬أسابيع‭ ‬الفلسفة‭ ‬من‭ ‬الشام‭ ‬وبلدان‭ ‬عربية‭ ‬أخرى‭: ‬أتذكر‭ ‬ناصيف‭ ‬نصار،‭ ‬موسى‭ ‬وهبة،‭ ‬أحمد‭ ‬ماضي،‭ ‬عزمي‭ ‬بشارة،‭ ‬محمود‭ ‬أمين‭ ‬العالم،‭ ‬حسن‭ ‬حنفي،‭ ‬رفعت‭ ‬السعيد،‭ ‬أتذكر،‭ ‬ماهر‭ ‬الشريف،‭ ‬جودت‭ ‬سعيد،‭ ‬فيصل‭ ‬دراج،‭ ‬عَبَدالرزاق‭ ‬عيد،‭ ‬جمال‭ ‬باروت‭ ‬وعصام‭ ‬الزعيم‭.‬

إني‭ ‬وأنا‭ ‬أتذكر‭ ‬هذه‭ ‬الشخصيات‭ ‬وما‭ ‬شابهها‭ ‬من‭ ‬مفكري‭ ‬العرب‭ ‬فإني‭ ‬أستحضر‭ ‬رعيلاً‭ ‬من‭ ‬‮ ‬الذين‭ ‬هجسوا‭ ‬بالمشكلات‭ ‬المعيشة‭ ‬للعرب،‭ ‬وراحوا‭ ‬يرفعونها‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬الفهم‭ ‬النظري‭. ‬وهنا‭ ‬بالذات‭ ‬استوقفني‭ ‬نفيك‭ ‬لوجود‭ ‬فلسفات‭ ‬عربية‭ ‬معاصرة‭ ‬وقد‭ ‬جاء‭ ‬نفيك‭ ‬كلياً‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬سلب‭ ‬التفلسف‭ ‬عن‭ ‬جهدك‭ ‬الخاص‭ ‬وبخاصة‭ ‬ما‭ ‬ضمنته‭ ‬كتابك‭ ‬“دفاعاً‭ ‬عن‭ ‬المادية‭ ‬والتاريخ”‭ ‬من‭ ‬رؤى‭ ‬فلسفية‭.‬

لست‭ ‬أدرى‭ ‬بدقة‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬معيار‭ ‬التفلسف‭ ‬لديك‭ ‬الذي‭ ‬استند‭ ‬حكمك‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬نفي‭ ‬الفلسفة‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرة؟

لا‭ ‬شك‭ ‬عندي‭ ‬بأن‭ ‬الفلسفة‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرة‭ ‬باتجاهاتها‭ ‬المختلفة‭ ‬كانت‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬منابعها‭ ‬الغربية‭ ‬ولقد‭ ‬عرضنا‭ ‬لهذا‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬كتابنا‭ ‬“العرب‭ ‬وعودة‭ ‬الفلسفة”،‭ ‬كيوسف‭ ‬كرم‭ ‬التومائي،‭ ‬وزكي‭ ‬نجيب‭ ‬محمود‭ ‬الوضعي،‭ ‬وصادق‭ ‬العظم‭ ‬الماركسي،‭ ‬وَعَبَدالرحمن‭ ‬بدوي‭ ‬الوجودي،‭ ‬عبدالعزيز‭ ‬الحبابي‭ ‬الشخصاني‭.. ‬الخ‭. ‬ولكن‭ ‬المنابع‭ ‬الغربية‭ ‬هذه‭ ‬لا‭ ‬تنفي‭ ‬صفة‭ ‬الفيلسوف‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬مما‭ ‬ذكرنا‭ ‬ولم‭ ‬نذكر‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬ألتوسير‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬فيلسوف‭ ‬ماركسي،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نفهمه‭ ‬إلا‭ ‬بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬منبعه،‭ ‬وفكرة‭ ‬القطيعة‭ ‬المعرفية‭ ‬التي‭ ‬أخذها‭ ‬عن‭ ‬باشلار‭ ‬وأدرجها‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬تطور‭ ‬ماركس،‭ ‬ومفهوم‭ ‬البنية‭ ‬الذي‭ ‬جعله‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الديالكتيك،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬ينف‭ ‬عنه‭ ‬صفة‭ ‬الفيلسوف‭.‬

ومع‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬تصنيف‭ ‬تضع‭ ‬الكتب‭ ‬التالية‭ ‬ومؤلفيها‭: ‬“الأنا”‭ ‬و”أنطولوجيا‭ ‬الذات”‭ ‬و”كوميديا‭ ‬الوجود‭ ‬الإنساني”‭ ‬لأحمد‭ ‬برقاوي،‭ ‬“الجوانية”‭ ‬لعثمان‭ ‬أمين‭ ‬،‭ ‬“الذات‭ ‬والحضور”‭ ‬لناصيف‭ ‬نصار،‭ ‬“دفاعاً‭ ‬عن‭ ‬المادية‭ ‬والتاريخ”‭ ‬لصادق‭ ‬العظم،‭ ‬“العقل‭ ‬والوجود”‮ ‬ليوسف‭ ‬كرم،‭ ‬“من‭ ‬الكائن‭ ‬إلى‭ ‬الشخص”‭ ‬لعبدالعزيز‭ ‬الحبابي‭.. ‬الخ‭.‬

إن‭ ‬رسالتي‭ ‬هذه،‭ ‬لا‭ ‬تسمح‭ ‬يا‭ ‬صديقي،‭ ‬أن‭ ‬أسترسل‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬زوايا‭ ‬الرؤيا‭ ‬الفلسفية‭ ‬لهؤلاء‭ ‬الفلاسفة‭ ‬العرب،‭ ‬أرجو‭ ‬أن‭ ‬نلقاك‭ ‬بخير‭ ‬قريباً‭. ‬وللحوار‭ ‬تتمة‭.‬


كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات