الأهوار‭

هنا‭ ‬غرست‭ ‬الآلهة‭ ‬البردي‭ ‬والقصب

الجديد  عبدالله مكسور [نُشر في 01/10/2016، العدد: 21، ص(103)]

صورة من الواقع
«لا‭ ‬أحد‭ ‬يعرف‭ ‬متى‭ ‬بدأ‭ ‬ظهور‭ ‬البردي‭ ‬والقصب‭ ‬فقد‭ ‬غرستهما‭ ‬الآلهة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأرض»‭. ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬تنبئنا‭ ‬به‭ ‬الصحائف‭ ‬القديمة،‭ ‬التي‭ ‬تخبرنا‭ ‬بأن‭ ‬أتونابشتم‭ ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬نوح‭ ‬العراقيين‭ ‬القدامى‭ ‬كُلف‭ ‬بصناعة‭ ‬فُلك‭ ‬مِن‭ ‬قِبل‭ ‬الآلهة،‭ ‬كي‭ ‬تستمر‭ ‬الحياة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬غزا‭ ‬جنوب‭ ‬العِراق‭ ‬طوفان‭ ‬عارم‭. ‬فهل‭ ‬نعتبر‭ ‬ذلك‭ ‬الحدث‭ ‬البداية‭ ‬الثَّانية‭ ‬لغرس‭ ‬البردي‭ ‬والقصب؟‭ ‬وهل‭ ‬إن‭ ‬الحمامة،‭ ‬حسب‭ ‬قصة‭ ‬الطَّوفان،‭ ‬إنما‭ ‬عادت‭ ‬إلى‭ ‬أتونابشتم‭ ‬ببردية‭ ‬خضراء؟

الصور‭ ‬المنشورة‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الصفحات‭ ‬التقطتها‭ ‬عدسة‭ ‬المصور‭ ‬العراقي‭ ‬المقيم‭ ‬في‭ ‬بروكسل‭ ‬كريم‭ ‬إبراهيم‭ ‬برهافة‭ ‬وحساسية‭ ‬وتوق‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬خاص‭. ‬يعتقد‭ ‬كريم‭ ‬إبراهيم‭ ‬المصور‭ ‬الفوتوغرافي‭ ‬البلجيكي‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬عراقي‭ ‬أن‭ ‬الصورة‭ ‬ضرورة‭ ‬حقيقية‭ ‬لإكمال‭ ‬المشهد‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم،‭ ‬فالحركة‭ ‬في‭ ‬الصورة‭ ‬لا‭ ‬تمتزج‭ ‬بالمكان‭ ‬الذي‭ ‬اجتازَتهُ،‭ ‬فالمكان‭ ‬هو‭ ‬الماضي‭ ‬والحركة‭ ‬هي‭ ‬الحاضر،‭ ‬إنها‭ ‬فعل‭ ‬الاجتياز‭.‬

المكان ‭ ‬عند‭ ‬الفنان‭ ‬قابلٌ‭ ‬للقسمة‭ ‬على‭ ‬الجميع،‭ ‬بينما‭ ‬الحركة‭ ‬متفرّدة‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬القسمة،‭ ‬فهي‭ ‬حالة‭ ‬ذاتية‭ ‬محصورة‭ ‬بصاحبها‭.‬

الأمكنة‭ ‬التي‭ ‬يختارها‭ ‬المصوّر‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬متشابه‭ ‬عندما‭ ‬تتعلّق‭ ‬بالبيئة‭ ‬الطبيعية‭ ‬التي‭ ‬يؤثّر‭ ‬فيها‭ ‬الإنسان،‭ ‬بينما‭ ‬الحركات‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬بها‭ ‬الإنسان‭ ‬غير‭ ‬متجانسة‭ ‬أو‭ ‬ثابتة،‭ ‬إنها‭ ‬متحوّلة‭ ‬باتجاه‭ ‬الحدث‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬ساكناً‭.‬

ويعتقد‭ ‬كريم‭ ‬أن‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬يقدّمها‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬طرفين‭ ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬اللحظة‭ ‬الساكنة‭ ‬الثابتة‭ ‬للصورة،‭ ‬والثاني‭ ‬هو‭ ‬الزمن‭ ‬المجرّد‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬اعتبارات‭ ‬أو‭ ‬ظروف‭ ‬أو‭ ‬واقع،‭ ‬إلا‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬بقوة‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬الحوار‭ ‬دون‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬كاذبة‭ ‬أو‭ ‬مصطنعة‭ ‬لا‭ ‬تشبه‭ ‬المشهد‭ ‬الثابت‭ ‬أو‭ ‬اللّحظي‭ ‬في‭ ‬الصورة‭.‬

يعتبر‭ ‬كريم‭ ‬إبراهيم‭ ‬الصور‭ ‬التي‭ ‬يلتقطها‭ ‬موضوعات‭ ‬جمالية‭ ‬ووثائقية‭ ‬تقدم‭ ‬معرفة‭ ‬بالمكان‭ ‬والناس‭ ‬والزمن‭. ‬وهو‭ ‬يلجأ‭ ‬إلى‭ ‬الصورة‭ ‬لتكون‭ ‬جزءا‭ ‬فعّالا‭ ‬بقوة‭ ‬من‭ ‬ثقافته‭ ‬الشخصية‭ ‬وثقافة‭ ‬الحوار‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬لكونه‭ ‬يعتبر‭ ‬الصورة‭ ‬أفقا‭ ‬إنسانيا‭ ‬يتفوق‭ ‬على‭ ‬اللغة،‭ ‬ويتحول‭ ‬إلى‭ ‬الطريقة‭ ‬الأمثل‭ ‬لتقديم‭ ‬معرفة‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬عالم‭ ‬متصالح‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬بشره،‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬التناقضات‭ ‬كبيرة‭ ‬بين‭ ‬البشر،‭ ‬يتكامل‭ ‬هذا‭ ‬عندما‭ ‬تتنوع‭ ‬الصور‭ ‬وأمكنتها،‭ ‬أو‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬معرضا‭ ‬متكاملا‭ ‬حول‭ ‬مكان‭ ‬أو‭ ‬جماعة‭ ‬بشرية‭ ‬محددة،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الصور‭ ‬المنشورة‭ ‬هنا‭.‬

يقول‭ ‬الروائي‭ ‬عبدالله‭ ‬مكسور‭ ‬إن‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬تشدّ‭ ‬كريم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرها‭ ‬خلال‭ ‬مطاردته‭ ‬الصورة‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬تلاحماً‭ ‬مع‭ ‬الواقع،‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬اللقطة‭ ‬حالمة‭ ‬أو‭ ‬مؤلمة،‭ ‬فتراه‭ ‬يسعى‭ ‬عبر‭ ‬عدسته‭ ‬لالتقاط‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مثير‭ ‬وغريب‭ ‬ويشبه‭ ‬الإنسان‭ ‬النقيّ‭ ‬المتصالح‭ ‬مع‭ ‬عالمه‭.‬

ويعترف‭ ‬المصور‭ ‬أنه‭ ‬يلتقط‭ ‬من‭ ‬الواقع‭ ‬صورة‭ ‬آنية‭ ‬ثابتة‭ ‬يمكن‭ ‬تعميمها‭ ‬واستمرارها‭ ‬لما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬خصائص‭ ‬تمثّل‭ ‬التقاطع‭ ‬الإيجابي‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬والبيئة،‭ ‬فهي‭ ‬في‭ ‬اجتماعها‭ ‬مثلها‭ ‬مثل‭ ‬سيمفونية‭ ‬تؤسس‭ ‬حركاتها‭ ‬لما‭ ‬يُعرف‭ ‬بالهارموني‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الأصوات‭ ‬والأطياف‭.‬

والصورة،‭ ‬عنده،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬هي‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬وَهْمٍ‭ ‬ثابت‭ ‬وعام‭ ‬ليغدو‭ ‬متغيّراً‭ ‬بحسب‭ ‬المُشاهد‭ ‬الذي‭ ‬يراه‭ ‬أو‭ ‬يستقبله،‭ ‬فأهمية‭ ‬دور‭ ‬المتلقي‭ ‬عند‭ ‬كريم‭ ‬تتحدد‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭ ‬التي‭ ‬تتيح‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬ينفرد‭ ‬بالصورة‭ ‬أو‭ ‬يتّحد‭ ‬معها‭.‬

في‭ ‬رحلاته‭ ‬المتعددة‭ ‬إلى‭ ‬المشرق‭ ‬العربي،‭ ‬بين‭ ‬مصر‭ ‬خلال‭ ‬ثورة‭ ‬25‭ ‬يناير‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬وبعدها،‭ ‬وإلى‭ ‬العراق‭ ‬حتى‭ ‬ربيع‭ ‬2016،‭ ‬استطاع‭ ‬كريم‭ ‬إبراهيم‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬المشرق‭ ‬في‭ ‬مخيّلته‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬دعاه‭ ‬إلى‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬أكثر‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭ ‬الهاربة‭ ‬من‭ ‬الواقع‭. ‬يقول‭ ‬كريم‭ ‬إن‭ ‬الشرق‭ ‬بكل‭ ‬تعقيداته‭ ‬يمر‭ ‬بظروف‭ ‬استثنائية،‭ ‬ولربّما‭ ‬هو‭ ‬لا‭ ‬يشبه‭ ‬نفسه‭ ‬أبداً‭. ‬ولذلك‭ ‬يقول‭ ‬كريم‭ ‬ابراهيم‭ ‬“أعمد‭ ‬إلى‭ ‬التقاط‭ ‬الهادئ‭ ‬الغريب‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الصخب‭ ‬والموت”‭. ‬يشير‭ ‬الفنان‭ ‬إلى‭ ‬صورة‭ ‬التقطها‭ ‬في‭ ‬أهوار‭ ‬العراق‭ ‬لقاربين‭ ‬من‭ ‬الصيد‭ ‬يحملان‭ ‬صيادين،‭ ‬بعضهم‭ ‬انشغل‭ ‬بالتقاط‭ ‬السمك‭ ‬من‭ ‬المياه‭ ‬وبعضهم‭ ‬يراقب‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬وسط‭ ‬هدوء‭ ‬في‭ ‬السماء‭ ‬والموج،‭ ‬ويتمنى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬التصالح‭ ‬هو‭ ‬العنوان‭ ‬العريض‭ ‬للشرق،‭ ‬التصالح‭ ‬الذي‭ ‬يصنع‭ ‬حوار‭ ‬الكائن‭ ‬مع‭ ‬نفسه‭ ‬وحواره‭ ‬مع‭ ‬عالمه‭.‬

ميريام‭ ‬ديفريندت‭ ‬الأستاذة‭ ‬التي‭ ‬تابعت‭ ‬المصور‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬مشواره،‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬كريم‭ ‬منذ‭ ‬بداياته‭ ‬وإلى‭ ‬اليوم‭ ‬يتمتع‭ ‬بالهدوء‭ ‬التام‭. ‬فهو‭ ‬يملك‭ ‬عيناً‭ ‬فاحصة‭ ‬تلتقط‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬صوره‭ ‬التي‭ ‬تنتظر‭ ‬من‭ ‬المشاهد‭ ‬أن‭ ‬يسمع‭ ‬صمتها‭ ‬بتركيز‭ ‬عال‭.‬

هناك‭ ‬انسجام‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الصور‭ ‬التي‭ ‬يلتقطها،‭ ‬وكأنك‭ ‬تشاهد‭ ‬فرقة‭ ‬موسيقية‭ ‬يقودها‭ ‬مايسترو‭ ‬واحد،‭ ‬هو‭ ‬الأكثر‭ ‬حرصاً‭ ‬على‭ ‬الانسجام‭ ‬بين‭ ‬الجميع‭. ‬وكريم‭ ‬إبراهيم‭ ‬هو‭ ‬الأكثر‭ ‬حرصاً‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬واقع‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬المثالية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬صوره‭ ‬المتنوعة‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬البيئة‭ ‬الصامتة،‭ ‬المتحركة‭ ‬في‭ ‬العقل‭ ‬الباطن‭ ‬للمتلقي،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تلاحظه‭ ‬في‭ ‬شخصيته‭ ‬أيضا‭.‬

إن‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬اللحظة،‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬كما‭ ‬يفعل‭ ‬الفنان‭ ‬هي‭ ‬اتصال‭ ‬الواقعي‭ ‬باللاواقعي‭ ‬لإعادة‭ ‬تأليف‭ ‬الحركة،‭ ‬وهذا‭ ‬يتم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تسليمنا‭ ‬بأن‭ ‬اللحظة‭ ‬الواقعية‭ ‬هي‭ ‬امتداد‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬غير‭ ‬واقعي‭. ‬فالحركة‭ ‬في‭ ‬الصورة‭ ‬متصلة‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬حسّي‭ ‬وعقلي،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬التمازح‭ ‬المطلق،‭ ‬لبناء‭ ‬الصورة‭ ‬الكاملة‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬الحب،‭ ‬بفطرته‭ ‬الأولى،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أفكار‭ ‬أو‭ ‬لحظات‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬ثابتة‭ ‬وأزلية،‭ ‬تغدو‭ ‬آنية‭ ‬ومتحركة‭ ‬في‭ ‬العقل‭ ‬الباطن‭ ‬للمشاهد‭. ‬فالحركة‭ ‬في‭ ‬الصور‭ ‬المعروضة‭ ‬هي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬انتقال‭ ‬من‭ ‬لحظة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬أكثر‭ ‬كمالاً‭ ‬ونضجاً،‭ ‬وما‭ ‬على‭ ‬المتلقي‭ ‬إلا‭ ‬تخيّل‭ ‬العالم‭ ‬والمضيّ‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬الصورة‭ ‬نحو‭ ‬تهيؤات‭ ‬خاصة‭ ‬بنا‭ ‬كمشاهدين‭.

ألبوم‭ ‬صور‭: ‬كريم‭ ‬ابراهيم


كاتب‭ ‬من‭ ‬سوريا‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬بروكسل