‬كيف‭ ‬تحدث‭ ‬الثورات‭ ‬الأخلاقية‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ

يتساءل‭ ‬الأمريكي‭ ‬كوامي‭ ‬أنطوني‭ ‬أبياه‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬كتابه‭ ‬“ميثاق‭ ‬الشرف‭.. ‬كيف‭ ‬تحدث‭ ‬الثورات‭ ‬الأخلاقية”‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يتسنى‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نعرفه‭ ‬عن‭ ‬الأخلاقيات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬الثورات‭ ‬الأخلاقية؟‭ ‬ليذكر‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬ساقه‭ ‬إلى‭ ‬طرح‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬هو‭ ‬‮ ‬أن‭ ‬المؤرخين‭ ‬والفلاسفة‭ ‬اكتشفوا‭ ‬الكثير‭ ‬عن‭ ‬العلم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الدراسة‭ ‬المتأنية‭ ‬للثورات‭ ‬العلمية‭.‬

الجديد  مهيار أيوب [نُشر في 01/10/2016، العدد: 21، ص(148)]

يجد ‬أبياه‭ ‬أن‭ ‬نمو‭ ‬المعرفة‭ ‬العلمية‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تفجر‭ ‬ثورة‭ ‬هائلة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬وينوه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الروح‭ ‬المحركة‭ ‬للعلم‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هدفها‭ ‬تغيير‭ ‬وجه‭ ‬العالم‭ ‬وإنما‭ ‬فهمه‭. ‬ويشير‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأخلاقيات،‭ ‬كما‭ ‬أكد‭ ‬إيمانويل‭ ‬كانط،‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الأساس‭ ‬ذات‭ ‬طبيعة‭ ‬عملية؛‭ ‬فربما‭ ‬كان‭ ‬لما‭ ‬نفكر‭ ‬فيه‭ ‬أو‭ ‬نشعر‭ ‬به‭ ‬أهمية‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الأخلاقية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الأخلاقيات،‭ ‬في‭ ‬صميمها،‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬نفعله‭.‬

يقسم‭ ‬أبياه‭ ‬كتابه‭ ‬‭(‬منشورات‭ ‬هنداوي‭ ‬في‭ ‬القاهرة،‭ ‬ترجمة‭ ‬رضوى‭ ‬محمد‭ ‬قطيط‭)‬‭ ‬إلى‭ ‬خمسة‭ ‬فصول‭ ‬هي‭: ‬اندثار‭ ‬المبارزة،‭ ‬تحرير‭ ‬الأقدام‭ ‬الصينية،‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬الاسترقاق‭ ‬على‭ ‬جانبي‭ ‬الأطلسي،‭ ‬حروب‭ ‬على‭ ‬المرأة،‭ ‬دروس‭ ‬وموروثات‭. ‬ويرتحل‭ ‬من‭ ‬بريطانيا‭ ‬إلى‭ ‬الصين،‭ ‬يم‭ ‬يعود‭ ‬أدراجه‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬جانبي‭ ‬الأطلسي،‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬دور‭ ‬الشرف‭ ‬في‭ ‬ثلاث‭ ‬ثورات‭ ‬أخلاقية‭ ‬اندلعت‭ ‬في‭ ‬الماضي،‭ ‬في‭ ‬مسعى‭ ‬لتعميق‭ ‬الفهم‭ ‬للأبعاد‭ ‬المتعددة‭ ‬للشرف‭.‬

قضية‭ ‬مصيرية‭:‬

درس‭ ‬أبياه‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬الثورات‭ ‬الأخلاقية،‭ ‬بحثا‭ ‬عما‭ ‬يمكن‭ ‬تعلمه‭ ‬منها‭. ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬لاحظ‭ ‬أن‭ ‬الحالات‭ ‬المتباينة‭ ‬التي‭ ‬تأملها،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬انهيار‭ ‬المبارزة‭ ‬في‭ ‬إنكلترا،‭ ‬أو‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬عادة‭ ‬ربط‭ ‬أقدام‭ ‬الفتيات‭ ‬لدى‭ ‬الصينيين،‭ ‬أو‭ ‬نهاية‭ ‬العبودية‭ ‬على‭ ‬جانبي‭ ‬الأطلسي،‭ ‬يجمعها‭ ‬بعض‭ ‬السمات‭ ‬غير‭ ‬المتوقعة‭.‬

يعد‭ ‬أبياه‭ ‬الشرف‭ ‬قضية‭ ‬مصيرية‭ ‬أغفلتها‭ ‬الفلسفة‭ ‬الأخلاقية‭ ‬الحديثة،‭ ‬ويطالب‭ ‬بمكانة‭ ‬خاصة‭ ‬للشرف‭ ‬في‭ ‬الأفكار‭ ‬حول‭ ‬ماهية‭ ‬الحياة‭ ‬الإنسانية‭ ‬الناجحة‭. ‬ويعتقد‭ ‬أن‭ ‬إحدى‭ ‬طرق‭ ‬البدء‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬أهمية‭ ‬الشرف‭ ‬بالنسبة‭ ‬لمبادئ‭ ‬الأخلاق‭ ‬هي‭ ‬إدراك‭ ‬الصلات‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬الشرف‭ ‬والاحترام‭. ‬ويجد‭ ‬أن‭ ‬الاحترام‭ ‬واحترام‭ ‬الذات‭ ‬كلاهما‭ ‬فضائل‭ ‬إنسانية‭ ‬بالغة‭ ‬مساعدة‭ ‬على‭ ‬العيش‭ ‬الطيب‭.‬

يعتقد‭ ‬كذلك‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬الاهتمام‭ ‬بقضية‭ ‬الشرف‭ ‬أن‭ ‬يساعد‭ ‬المرء‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬كما‭ ‬ينبغي‭ ‬مع‭ ‬الآخرين،‭ ‬وأن‭ ‬يستغل‭ ‬حياته‭ ‬أفضل‭ ‬استغلال‭. ‬ويرى‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬حان‭ ‬الوقت‭ ‬لتعاد‭ ‬للشرف‭ ‬مكانته‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭. ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬الوقائع‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬يعرضها‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬تضرب‭ ‬الأمثال‭ ‬للسمات‭ ‬المختلفة‭ ‬للشرف‭ ‬عبر‭ ‬الأزمنة‭ ‬والأمكنة،‭ ‬وتتيح‭ ‬لنا‭ ‬فرصة‭ ‬استكشافها‭. ‬وتساعد‭ ‬كل‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الوقائع‭ ‬على‭ ‬إضافة‭ ‬عنصر‭ ‬جديد‭ ‬للصورة‭ ‬ككل‭.‬

يقول‭ ‬إن‭ ‬اندثار‭ ‬المبارزة‭ ‬وتحرير‭ ‬الأقدام‭ ‬الصينية‭ ‬والقضاء‭ ‬على‭ ‬الاسترقاق‭ ‬على‭ ‬جانبي‭ ‬الأطلسي،‭ ‬ليست‭ ‬ثلاث‭ ‬حكايات‭ ‬منفصلة‭ ‬ذات‭ ‬طبيعة‭ ‬محلية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬خيوط‭ ‬نسيج‭ ‬حكاية‭ ‬إنسانية‭ ‬واحدة؛‭ ‬حكاية‭ ‬تهم‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭. ‬وقد‭ ‬تضفي‭ ‬كل‭ ‬بقعة‭ ‬صبغتها‭ ‬الخاصة‭ ‬على‭ ‬موضوع‭ ‬الشرف‭.‬

يذكر‭ ‬أنه‭ ‬هدفه‭ ‬ليس‭ ‬محاولة‭ ‬فهم‭ ‬أناس‭ ‬آخرين،‭ ‬أو‭ ‬أزمنة‭ ‬أخرى،‭ ‬أو‭ ‬أماكن‭ ‬أخرى‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يسعى‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬محاولة‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬المعاصرة‭. ‬ويهدف‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬شرح‭ ‬مفهوم‭ ‬الشرف‭ ‬حتى‭ ‬يتسنى‭ ‬لنا‭ ‬إدراك‭ ‬أهميته‭ ‬المستمرة‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منا‭. ‬كما‭ ‬يهدف‭ ‬تحديداً‭ ‬إلى‭ ‬استغلال‭ ‬الدروس‭ ‬المستفادة‭ ‬من‭ ‬الماضي‭ ‬لمواجهة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬المشكلات‭ ‬التي‭ ‬تطرحها‭ ‬قضية‭ ‬الشرف‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬المعاصر؛‭ ‬ألا‭ ‬وهي‭ ‬قتل‭ ‬النساء‭ ‬والفتيات‭ ‬باسم‭ ‬الشرف‭. ‬وتراه‭ ‬ينتقل‭ ‬في‭ ‬الفصل‭ ‬الرابع‭ ‬إلى‭ ‬باكستان‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لفهم‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬جوانب‭ ‬الشرف‭ ‬القاتمة‭ ‬ومواجهتها‭. ‬يسلط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬باكستان،‭ ‬وينوه‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬المكان‭ ‬الوحيد‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬الكرة‭ ‬الأرضية‭ ‬الذي‭ ‬ترتكب‭ ‬فيه‭ ‬جرائم‭ ‬قتل‭ ‬باسم‭ ‬الشرف‭.‬

الخزي‭ ‬والعار‭:‬

يتساءل‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬نقصده‭ ‬بالشرف؟‭ ‬ويجيب‭ ‬أن‭ ‬الفيلسوف‭ ‬ستيفن‭ ‬داروال‭ ‬ميز‭ ‬مؤخرا‭ ‬بين‭ ‬طريقتين‭ ‬مختلفتين‭ ‬في‭ ‬الأساس‭ ‬لاحترام‭ ‬شخص‭ ‬ما‭. ‬الطريقة‭ ‬الأولى،‭ ‬التي‭ ‬أطلق‭ ‬عليها‭ ‬اسم‭ ‬الاحترام‭ ‬التقييمي‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬المرء‭ ‬بإصدار‭ ‬حكم‭ ‬إيجابي‭ ‬لصالح‭ ‬شخص‭ ‬ما‭ ‬وفقا‭ ‬لمعيار‭ ‬معين،‭ ‬والأخرى‭ ‬الاحترام‭ ‬الإقراري،‭ ‬يقر‭ ‬على‭ ‬أساسها‭ ‬حقه‭.‬

يلفت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬استيعاب‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الشرف‭ ‬استحقاق‭ ‬للاحترام،‭ ‬وأن‭ ‬الخزي‭ ‬يأتي‭ ‬بفقدان‭ ‬هذا‭ ‬الحق،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬يتمتع‭ ‬بالاحترام‭ ‬يعنيه‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أهلاً‭ ‬لهذا‭ ‬الاحترام،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينال‭ ‬هذا‭ ‬الاحترام‭. ‬ويجد‭ ‬أن‭ ‬الشخص‭ ‬يشعر‭ ‬بالخزي‭ ‬عندما‭ ‬يقصرفي‭ ‬التزامه‭ ‬بمعايير‭ ‬ميثاق‭ ‬الشرف؛‭ ‬وأنه‭ ‬يشعر‭ ‬بهذا‭ ‬الخزي‭ ‬أيضا‭ ‬سواء‭ ‬عرف‭ ‬الناس‭ ‬بتقصيره‭ ‬هذا‭ ‬أم‭ ‬لا‭. ‬وتراه‭ ‬يعرّف‭ ‬الخزي‭ ‬بأنه‭ ‬الشعور‭ ‬المناسب‭ ‬لسلوك‭ ‬منافٍ‭ ‬للشرف‭. ‬ويجد‭ ‬أنه‭ ‬نتيجة‭ ‬لهذا‭ ‬الرابط‭ ‬بين‭ ‬الشرف‭ ‬والخزي،‭ ‬فإن‭ ‬إحدى‭ ‬طرق‭ ‬التعبير‭ ‬عمن‭ ‬ليس‭ ‬أهلا‭ ‬للشرف‭ ‬هي‭ ‬نعته‭ ‬بالوقاحة‭ ‬أو‭ ‬قلة‭ ‬الحياء‭.‬

يجزم‭ ‬أبياه‭ ‬أن‭ ‬منظومة‭ ‬الشرف‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬المرء‭ ‬في‭ ‬موضع‭ ‬المُساءلة‭ ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يقترف‭ ‬ذنبا‭ ‬أو‭ ‬لم‭ ‬يقترف‭ ‬أحد‭ ‬خطأ‭ ‬في‭ ‬حقه‭. ‬ويؤكد‭ ‬أن‭ ‬الشرف‭ ‬ليس‭ ‬بالأمر‭ ‬الشخصي‭ ‬فحسب،‭ ‬وأن‭ ‬شرف‭ ‬المرء‭ ‬يرتبط‭ ‬ارتباطا‭ ‬وثيقا‭ ‬بجوانب‭ ‬من‭ ‬الهوية‭ ‬يستقي‭ ‬منها‭ ‬عضويته‭ ‬في‭ ‬فئة‭ ‬اجتماعية‭ ‬ما‭ ‬بطرق‭ ‬عديدة‭. ‬كما‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬الهوية‭ ‬الجماعية‭ ‬ترسم‭ ‬ملامح‭ ‬الشرف‭ ‬الشخصي؛‭ ‬لأن‭ ‬احترام‭ ‬شخص‭ ‬ما‭ ‬أو‭ ‬ازدراءه‭ ‬هو‭ ‬نتاج‭ ‬طريقة‭ ‬تفكير‭ ‬المرء‭ ‬بصفته‭ ‬عضوا‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬فئات‭ ‬اجتماعية‭ ‬مختلفة‭. ‬وعليه‭ ‬فإن‭ ‬الهوية‭ ‬تستمد‭ ‬أهميتها‭ ‬من‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬ما‭ ‬تفرضه‭ ‬مواثيق‭ ‬الشرف‭ ‬من‭ ‬متطلبات‭.‬

ينوه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الطبقة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬تلعب‭ ‬دورا‭ ‬أساسيا‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭. ‬ففي‭ ‬إنجلترا‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر،‭ ‬كانت‭ ‬مواثيق‭ ‬الشرف‭ ‬تُلزم‭ ‬الرجال‭ ‬أبناء‭ ‬الطبقات‭ ‬الراقية‭ ‬بقبول‭ ‬التحدي‭ ‬في‭ ‬مبارزة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬صدر‭ ‬عن‭ ‬سيد‭ ‬نبيل‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬فكانت‭ ‬مواثيق‭ ‬الشرف‭ ‬الخاصة‭ ‬بها‭ ‬تُلزم‭ ‬النساء‭ ‬من‭ ‬بنات‭ ‬الطبقات‭ ‬الراقية‭ ‬بربط‭ ‬أقدامهن‭. ‬وفي‭ ‬كلتا‭ ‬الحالتين،‭ ‬كان‭ ‬ما‭ ‬تنص‭ ‬عليه‭ ‬مواثيق‭ ‬الشرف‭ ‬من‭ ‬سلوكيات‭ ‬منوطا‭ ‬بالمكانة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والجنس؛‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬طريقة‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬كانت‭ ‬متوقفة‭ ‬على‭ ‬هويته‭ ‬بدوره‭.‬

هل‭ ‬من‭ ‬تغييرات‭ ‬مُستشرفة؟

يتساءل‭ ‬ما‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬بالإمكان‭ ‬استشراف‭ ‬تغييرات‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬الشرف‭ ‬لدى‭ ‬من‭ ‬يقتلون‭ ‬النساء‭ ‬باسم‭ ‬الشرف‭ ‬في‭ ‬باكستان‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الأماكن‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬قتل‭ ‬النساء‭ ‬فيها‭ ‬تحت‭ ‬هذا‭ ‬القناع‭. ‬ويعتقد‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬الثورات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬السابقة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬تغييرا‭ ‬طرأ‭ ‬على‭ ‬المعتقدات‭ ‬الأخلاقية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬ثورة‭ ‬شهدتها‭ ‬الممارسات؛‭ ‬ثورة‭ ‬لعب‭ ‬الشرف‭ ‬فيها‭ ‬دورا‭ ‬محوريٍّا‭. ‬ويؤكد‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الجديد‭ ‬هو‭ ‬الحجج‭ ‬الأخلاقية،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬الجديد‭ ‬هو‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬الانصياع‭ ‬لهذه‭ ‬الحجج‭. ‬كما‭ ‬يؤكد‭ ‬اختلاف‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬اضطلع‭ ‬به‭ ‬الشرف‭ ‬في‭ ‬الثورات‭ ‬الأخلاقية‭ ‬الثلاث،‭ ‬وأدرك‭ ‬أنه‭ ‬ثمة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬آلية‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬الشرف‭ ‬والتطور‭ ‬الأخلاقي‭.‬

يؤكد‭ ‬أبياه‭ ‬أن‭ ‬العنصرالأساسي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالات‭ ‬كافة‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬مفر‭ ‬من‭ ‬تغيير‭ ‬مواثيق‭ ‬الشرف‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬لتلك‭ ‬الممارسات‭ ‬أن‭ ‬تختفي‭. ‬أما‭ ‬السمة‭ ‬الثانية‭ ‬المشتركة‭ ‬فهي‭ ‬أن‭ ‬ميثاق‭ ‬الشرف‭ ‬قد‭ ‬واجهته‭ ‬تحديات‭ ‬أخلاقية‭ ‬ودينية‭ ‬قبل‭ ‬اندلاع‭ ‬الثورة‭ ‬بكثير،‭ ‬وأخيرا‭ ‬تجتمع‭ ‬الحالات‭ ‬الثلاث‭ ‬كلها‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬مع‭ ‬نهاية‭ ‬الثورة،‭ ‬كان‭ ‬الشرف‭ ‬قد‭ ‬جُنِّد‭ ‬بنجاح‭ ‬لينضم‭ ‬إلى‭ ‬الأخلاق‭.‬

يتحدث‭ ‬عن‭ ‬الشرف‭ ‬كوسيلة‭ ‬لتحفيز‭ ‬الجنود‭ ‬في‭ ‬الجيوش‭. ‬ويجد‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬سبباً‭ ‬آخر‭ ‬وراء‭ ‬تفضيل‭ ‬الشرف‭ ‬على‭ ‬القانون‭ ‬باعتباره‭ ‬آلية‭ ‬من‭ ‬آليات‭ ‬تحفيز‭ ‬الجنود‭. ‬ويعتقد‭ ‬أن‭ ‬التضحيات‭ ‬الأكثر‭ ‬فائدة‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬الذي‭ ‬يتطلب‭ ‬أن‭ ‬تتحمل‭ ‬المخاطر،‭ ‬والتي‭ ‬تعني‭ ‬الإقدام‭ ‬على‭ ‬أفعال‭ ‬هي‭ ‬بلغة‭ ‬الجنود‭ ‬زائدة‭ ‬عن‭ ‬المطلوب؛‭ ‬أي‭ ‬أفعال‭ ‬محببة‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الأخلاقي،‭ ‬ولكنها‭ ‬تتطلب‭ ‬بذل‭ ‬النفيس‭ ‬والغالي‭ ‬لدرجة‭ ‬لا‭ ‬تجعلها‭ ‬لازمة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الأخلاقي‭.‬

يرى‭ ‬أبياه‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬فهم‭ ‬المغزى‭ ‬من‭ ‬الأخلاق‭ ‬أن‭ ‬يمنع‭ ‬الجندي‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يعتدي‭ ‬على‭ ‬الكرامة‭ ‬الإنسانية‭ ‬لسجنائه،‭ ‬ومن‭ ‬شأنه‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬يجعله‭ ‬يستنكر‭ ‬تصرفات‭ ‬من‭ ‬يقدم‭ ‬على‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الاعتداء‭. ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬حس‭ ‬الشرف‭ ‬حتى‭ ‬يتخطى‭ ‬الجندي‭ ‬مرحلة‭ ‬فعل‭ ‬الصواب‭ ‬والتنديد‭ ‬بالخطأ‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬الإصرار‭ ‬على‭ ‬فعل‭ ‬شيء‭ ‬ما‭ ‬عندما‭ ‬يُقْدِم‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬حوله‭ ‬على‭ ‬أفعال‭ ‬خبيثة،‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬حس‭ ‬الشرف‭ ‬حتى‭ ‬يتسنَّى‭ ‬للمرء‭ ‬الشعور‭ ‬بأنه‭ ‬صار‭ ‬متورطا‭ ‬بأفعال‭ ‬أقدم‭ ‬عليها‭ ‬آخرون‭.‬

يشار‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬كوامي‭ ‬أنطوني‭ ‬أبياه‭ ‬هو‭ ‬عضو‭ ‬في‭ ‬الأكاديمية‭ ‬الأمريكية‭ ‬للفنون‭ ‬والآداب،‭ ‬وهو‭ ‬أستاذ‭ ‬الفلسفة‭ ‬بجامعة‭ ‬“لورنس‭ ‬إس‭ ‬روكفلر”‭ ‬وفي‭ ‬مركز‭ ‬القيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬بجامعة‭ ‬برينستون،‭ ‬كما‭ ‬يشغل‭ ‬منصب‭ ‬رئيس‭ ‬مركز‭ ‬“بن‭ ‬أمريكان‭ ‬سنتر”‭.‬


كاتب من لبنان مقيم في نيقوسيا