نسق‭ ‬التمثلات‭ ‬وعنف‭ ‬التأويل.. رواية‭ ‬“ابن‭ ‬القبطية”‭ ‬لوليد‭ ‬علاء‭ ‬الدين

في‭ ‬184‭ ‬صفحة‭ ‬وعشرين‭ ‬فصلًا‭ ‬تغوص‭ ‬رواية‭ ‬“ابن‭ ‬القبطية”‭ ‬للكاتب‭ ‬المصري‭ ‬وليد‭ ‬علاء‭ ‬الدين‭ ‬الصادرة‭ ‬في‭ ‬مايو‭ ‬2016‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬الكتب‭ ‬خان‭ ‬بالقاهرة،‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬حكاية‭ ‬بطل‭ ‬ملحمي‭ ‬وُلد‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬متعدد،‭ ‬إنه‭ ‬يوسف‭ ‬بطل‭ ‬حياة‭ ‬زاخرة‭ ‬بالمعاناة‭ ‬والهواجس‭.‬

الجديد  سعيد الشفاج [نُشر في 01/10/2016، العدد: 21، ص(150)]

البداية ‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬تقرير‭ ‬طبي‭ ‬يشخص‭ ‬فيه‭ ‬الطبيب‭ ‬حالة‭ ‬رجل‭ ‬مصاب‭ ‬بشزوفرينيا‭ ‬متقدمة‭ ‬مصحوبة‭ ‬بالتوهمات‭ ‬الاضطهادية‭ ‬والعظمة‭. ‬التقرير‭ ‬يشد‭ ‬انتباه‭ ‬القارئ‭ ‬ويجره‭ ‬إلى‭ ‬معين‭ ‬أسئلة‭ ‬تحفيزية‭ ‬مشكلة‭ ‬لتقنية‭ ‬سردية‭ ‬‭(‬سيرة‭ ‬ذاتية‭ ‬لمريض‭)‬‭ ‬هي‭ ‬محض‭ ‬اختيار‭ ‬الكاتب‭.‬

مبدأ‭ ‬الحكاية‭ ‬عُرس‭ ‬على‭ ‬مقاس‭ ‬المأتم،‭ ‬يوسف‭ ‬يفقد‭ ‬الأمل‭ ‬الأخير‭ ‬في‭ ‬حبيبة‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬الولادة‭ ‬على‭ ‬يديه‭ ‬واستقبلها‭ ‬ذات‭ ‬مخاض‭ ‬وها‭ ‬هي‭ ‬تُزفّ‭ ‬لرجل‭ ‬بكرش‭ ‬ومحفظة‭ ‬نقود‭ ‬ممتلئة‭. ‬فرح‭ ‬وحشيش،‭ ‬ضحك‭ ‬مكتوم،‭ ‬سكر‭ ‬لنسيان‭ ‬‮«‬أمل”‭ ‬في‭ ‬ليلة‭ ‬دخلتها‭.‬

السارد‭ ‬في‭ ‬الحكاية‭ ‬ينتقم‭ ‬من‭ ‬الأحداث‭ ‬عبر‭ ‬لغة‭ ‬زاخرة‭ ‬بالعنف‭ ‬والواقعية،‭ ‬تذكرنا‭ ‬بسينما‭ ‬صلاح‭ ‬أبو‭ ‬سيف‭. ‬يوسف‭ ‬جرّب‭ ‬احتراف‭ ‬الموسيقى‭ ‬واشتغل‭ ‬في‭ ‬مجمع‭ ‬سياحي‭ ‬كبير‭ ‬وحلم‭ ‬بأن‭ ‬يصبح‭ ‬كاتبًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬فهو‭ ‬صاحب‭ ‬موهبة‭ ‬خارقة‭ ‬ودليله‭ ‬الكراسة‭ ‬الزرقاء‭ ‬التي‭ ‬يسكب‭ ‬فيها‭ ‬أفكارًا‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬هلاوس،‭ ‬يطارده‭ ‬منصور‭ ‬زوج‭ ‬أمل‭ ‬في‭ ‬حلّه‭ ‬وترحاله،‭ ‬تضايقه‭ ‬فكرة‭ ‬زواجهما‭ ‬فتتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬كابوس‭ ‬في‭ ‬اليقظة‭ ‬وفي‭ ‬جلسات‭ ‬الحشيش‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يلتقي‭ ‬بفتاة‭ ‬يهودية‭ ‬اسمها‭ ‬‮«‬راحيل”،‭ ‬هنا‭ ‬ستنحو‭ ‬القصة‭ ‬منحى‭ ‬آخر،‭ ‬عندما‭ ‬تدعوه‭ ‬راحيل‭ ‬إلى‭ ‬صفقة‭ ‬باسم‭ ‬الأديان،‭ ‬راحيل‭ ‬بعنفوانها‭ ‬وجمالها،‭ ‬تتوسل‭ ‬إليه‭ ‬بأن‭ ‬يتبادلا‭ ‬الحب‭ ‬كي‭ ‬تحصل‭ ‬منه‭ ‬على‭ ‬نطفة‭ ‬متعددة‭ ‬الأجناس،‭ ‬طفلة‭ ‬جميلة‭ ‬هي‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬الديانات‭ ‬الكتابية‭ ‬الثلاث‭.‬

تتربص‭ ‬حكاية‭ ‬ابن‭ ‬القبطية‭ ‬بتفاصيل‭ ‬الأحداث‭ ‬الصغيرة،‭ ‬بالأفكار‭ ‬المتصارعة‭ ‬داخل‭ ‬شخص‭ ‬واحد،‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬بين‭ ‬الداخل‭ ‬المكتوم‭ ‬بالرغبات‭ ‬والطموحات،‭ ‬والخارج‭/‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬يحبل‭ ‬بالحقائق‭ ‬المُرة،‭ ‬ويبقى‭ ‬حلم‭ ‬راحيل‭ ‬يطوف‭ ‬بالرواية‭ ‬إلى‭ ‬آخرها‭. ‬أحيانًا‭ ‬تفسح‭ ‬الحكاية‭ ‬خيوط‭ ‬الماضي‭ ‬عبر‭ ‬استذكار‭ ‬استعادي‭ ‬لماضي‭ ‬الأب‭ ‬والأم‭ ‬والجدة،‭ ‬وراحيل‭ ‬هي‭ ‬حكاية‭ ‬داخل‭ ‬الحكاية،‭ ‬باندفاعها‭ ‬وعقلها‭ ‬المعجون‭ ‬باللاهوت‭ ‬ورحمها‭ ‬الذي‭ ‬يشبه‭ ‬أرضا‭ ‬جدباء‭ ‬ويوسف‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬سيسقيها،‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تؤكد‭ ‬لنفسها‭ ‬أنها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬محو‭ ‬الاختلاف‭ ‬في‭ ‬الواحد،‭ ‬وتدخل‭ ‬مع‭ ‬البطل‭ ‬في‭ ‬حوارات حجاجية‭ ‬وإغرائية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬بلوغ‭ ‬منتهى‭ ‬أحلامها‭ ‬‮«‬أريد‭ ‬لرحمي‭ ‬الموسوي،‭ ‬أن‭ ‬يستقبل‭ ‬طفلة‭ ‬من‭ ‬نطفة‭ ‬تشكلت‭ ‬من‭ ‬صلب‭ ‬محمدي‭ ‬في‭ ‬رحم‭ ‬مريمي”‭ ‬‭(‬الرواية‭ ‬ص‭ ‬74‭)‬‭.‬

تخلو‭ ‬الحكاية‭ ‬من‭ ‬أحداث‭ ‬ومنعرجات‭ ‬فهي‮ ‬‭ ‬سباحة‭ ‬عميقة‭ ‬داخل‭ ‬الشخصيات‭ ‬واستغوار‭ ‬التفاصيل‭ ‬الدقيقة‭ ‬التي‭ ‬تعج‭ ‬بها،‭ ‬حتى‭ ‬إنه‭ ‬يمكن‭ ‬التشكيك‭ ‬في‭ ‬الجنس‭ ‬الروائي‭ ‬الذي‭ ‬اختاره‭ ‬وليد‭ ‬علاء‭ ‬الدين،‭ ‬إنها‭ ‬تكاد‭ ‬تكون‭ ‬رواية‭ ‬شخوص‭ ‬تسبح‭ ‬في‭ ‬فلك‭ ‬بطل‭ ‬أساسي،‭ ‬تنجذب‭ ‬تارة‭ ‬وتتباعد‭ ‬تارة‭ ‬أخرى،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬سأحاول‭ ‬الوقوف‭ ‬عند‭ ‬بعض‭ ‬ملامحه‭.‬

‮ ‬الشخصية‭ ‬الإشكالية

إن‭ ‬قوة‭ ‬الجذب‭ ‬الحكائي‭ ‬لدى‭ ‬وليد‭ ‬علاء‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬‮«‬ابن‭ ‬القبطية”‭ ‬هو‭ ‬أنك‭ ‬تشعر‭ ‬أن‭ ‬الأحداث‭ ‬تدور‭ ‬بداخلك‭ ‬وأنك‭ ‬تعرف‭ ‬هاته‭ ‬الشخوص‭ ‬وربما‭ ‬تجزم‭ ‬أنك‭ ‬التقيتها‭ ‬ذات‭ ‬مرة،‭ ‬فهو‭ ‬يعطيك‭ ‬إحساسًا‭ ‬بالتجدد‭ ‬والتمدد‭ ‬معًا‭.‬

‮«‬ابن‭ ‬القبطية”‭ ‬عمل‭ ‬يتميز،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الإمتاع‭ ‬المرافق‭ ‬لك‭ ‬طيلة‭ ‬رحلة‭ ‬القراءة،‭ ‬بآفاقه‭ ‬الجمالية،‭ ‬يتداخل‭ ‬فيها‭ ‬أنا‭/‬القارئ‭ ‬بالشخصية‭ ‬الروائية‭ ‬‭(‬يوسف‭)‬‭.‬

من‭ ‬مبدأ‭ ‬الحكاية‭ ‬يصدمك‭ ‬التقرير‭ ‬الطبّي‭ ‬الذي‭ ‬يعطينا‭ ‬ملمحًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬عن‭ ‬بطل‭ ‬ملحمي‭ ‬يكاد‭ ‬يختلط‭ ‬بالأسطورة‭ ‬‮«‬يوسف‭ ‬ابن‭ ‬يعقوب‭ ‬من‭ ‬راحيل‭ ‬التي‭ ‬أحبها‭ ‬ولذلك‭ ‬فقد‭ ‬أحبَّه،‭ ‬أنت‭ ‬ابن‭ ‬المحبة‭ ‬يا‭ ‬يوسف”‭ ‬‭(‬الرواية‭ ‬ص‭ ‬86‭)‬‭.‬

اختيار‭ ‬الاسم‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬أولى‭ ‬الإشكاليات،‭ ‬والذي‭ ‬يحيلنا‭ ‬على‭ ‬سيدنا‭ ‬يوسف‭ ‬النبي‭ ‬ومحنة‭ ‬الإغواء‭ ‬التي‭ ‬عاشها‭ ‬مع‭ ‬زليخة‭ ‬ومع‭ ‬إخوته‭ ‬ومع‭ ‬سنوات‭ ‬عجاف‭.‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬الانشداد‭ ‬نحو‭ ‬الاستعارة‭ ‬التاريخية‭ ‬يعبّر‭ ‬عن‭ ‬رغبة‭ ‬السارد‭ ‬في‭ ‬إعطاء‭ ‬الحكي‭ ‬ضمانة‭ ‬ما،‭ ‬تحقق‭ ‬له‭ ‬الاستمرار‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬تمنحه‭ ‬فرادة‭ ‬إبداعية‭ ‬خاصة،‭ ‬إذا‭ ‬حاولنا‭ ‬تصنيف‭ ‬الشخصيات‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬سوف‭ ‬نحتار‭ ‬بين‭ ‬التصنيفات‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬للنقد‭ ‬الأدبي‭ ‬والتي‭ ‬تطغى‭ ‬على‭ ‬التحليل‭ ‬النقدي‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬الروايات،‭ ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نجزم‭ ‬بتواجد‭ ‬شخصيات‭ ‬رئيسية‭ ‬وأخرى‭ ‬ثانوية‭ ‬إذا‭ ‬استثنينا‭ ‬البطل،‭ ‬لأنّ‭ ‬كل‭ ‬شخصية‭ ‬تعتبر‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬الحكي،‭ ‬وتعتبر‭ ‬آراء‭ ‬لوكاش‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المنحى،‭ ‬أقصد‭ ‬المنحى‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬حسب‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬به‭ ‬الناقد‭ ‬المغربي‭ ‬حسن‭ ‬بحراوي‭. ‬لكن‭ ‬ألا‭ ‬يمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬شخصية‭ ‬يوسف‭ ‬وراحيل‭ ‬كوجود‭ ‬إشكالي،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬‮«‬من‭ ‬حيث‭ ‬هي‭ ‬فعالية‭ ‬فكرية‭ ‬منتجة‭ ‬للمعرفة‭ ‬والخطاب‭ ‬والرموز‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬وجود‭ ‬بنيوي‭ ‬أيضا‭ ‬يتداخل‭ ‬فيه‭ ‬النفسي‭ ‬المعرفي‭ ‬المجتمعي‭ ‬والثقافي”‭ ‬‭(‬بنية‭ ‬النص‭ ‬الروائي،‭ ‬حسن‭ ‬بحراوي،‭ ‬المركز‭ ‬الثقافي‭ ‬العربي‭ ‬بيروت،‭ ‬ص‭ ‬209‭)‬‭.‬

استطاع‭ ‬السارد‭/‬البطل‭ ‬أن‭ ‬يضع‭ ‬خريطة‭ ‬شاملة‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬وعن‭ ‬علاقته‭ ‬بالآخرين‭ ‬وبالحكاية‭ ‬معًا،‭ ‬معتمدًا‭ ‬على‭ ‬تقنية‭ ‬تحليلية‭ ‬دقيقة‭ ‬للكاتب‭:‬

‮ ‬‭ ‬–‭ ‬يوسف‭: ‬شاب‭ ‬وسيم،‭ ‬مثقف،‭ ‬حالم،‭ ‬يعشق‭ ‬الحشيش،‭ ‬مضطرب،‭ ‬تنتابه‭ ‬حالات‭ ‬جنون،‭ ‬يعشق‭ ‬الرقص،‭ ‬مساره‭ ‬يؤدي‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬الجامودية،‭ ‬شرقي،‭ ‬بدوي،‭ ‬مسلم‭.‬

‮ ‬‭ ‬–‭ ‬‮ ‬راحيل‭: ‬فتاة‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬الجمال،‭ ‬مثقفة،‭ ‬متعلمة،‭ ‬متحررة،‭ ‬لا‭ ‬تؤمن‭ ‬بالأديان‭ ‬بل‭ ‬بدين‭ ‬واحد،‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تحبل،‭ ‬صبورة،‭ ‬مجادلة‭ ‬من‭ ‬الطراز‭ ‬الرفيع،‭ ‬قادمة‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬مختلفة‭.‬

‮ ‬–‭ ‬الآخرون‭: ‬يتقاطعون‭ ‬حسب‭ ‬قوة‭ ‬وضعف‭ ‬التأثير،‭ ‬لكن‭ ‬لكل‭ ‬واحد‭ ‬موقعه‭ ‬في‭ ‬المتن‭ ‬الحكائي،‭ ‬والملاحظ‭ ‬أن‭ ‬كلهم‭ ‬يتقاسمون‭ ‬مع‭ ‬يوسف‭ ‬البطولة‭ ‬وفقًا‭ ‬لشبكة‭ ‬العلاقات‭ ‬التالية‭::‬

‭-‬‭ ‬الطبيب‭: ‬معالج

‭-‬‭ ‬منصور‭: ‬منافس‭ ‬وحقير

‭-‬‭ ‬أمل‭: ‬الحلم‭ ‬والحب‭ ‬المغتصب

‭-‬‭ ‬الأم‭: ‬التوازن‭ ‬والحب‭ ‬والأمان

‭-‬‭ ‬منذر‭ ‬وجورج‭ : ‬الصراع‭ ‬والجذب‭ ‬في‭ ‬اتجاهين‭ ‬متناقضين

‭-‬‭ ‬الحاج‭ ‬سعد‭: ‬وسيط

‭-‬‭ ‬الأصدقاء‭: ‬الأنس‭ ‬والصخب‭ ‬والحشيش

‭-‬‭ ‬الشيخ‭ ‬ضباب‭: ‬الرمز‭ ‬والولي‭ ‬والغامض‭ ‬والمنقذ

إذا‭ ‬ذهبنا‭ ‬مع‭ ‬التحليل‭ ‬البنيوي‭ ‬والذي‭ ‬يتجاوز‭ ‬التحليل‭ ‬النفسي‭ ‬وينظر‭ ‬إلى‭ ‬الشخصيات‭ ‬كمجموعة‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬‮«‬منهج‭ ‬غريماس‮»‬‭ ‬وإذا‭ ‬ذهبنا‭ ‬مع‭ ‬تحليل‭ ‬بروب‭ ‬للوظيفة‭ ‬‮«‬عمل‭ ‬شخصية‭ ‬محددة‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬معناها‭ ‬داخل‭ ‬سيرورة‭ ‬الحكي”‭ ‬‭(‬المرأة‭ ‬و‭ ‬الكتابة،‭ ‬رشيدة‭ ‬بن‭ ‬مسعود،‭ ‬ص‭ ‬100‭)‬،‭ ‬فإننا‭ ‬سنعتبر‭ ‬أن‭ ‬شخصية‭ ‬يوسف‭ ‬لها‭ ‬وظائف‭ ‬محددة‭ ‬مع‭ ‬شخصية‭ ‬راحيل‭ ‬ومع‭ ‬الشخوص‭ ‬الفلكية‭ ‬الأخرى‭ ‬ونجمل‭ ‬هاته‭ ‬العوامل‭ ‬الإشكالية‭ ‬في‭:‬

‭-‬‭ ‬صدمة‭ ‬‮«‬أمل”‭ ‬تحوله‭ ‬إلى‭ ‬كائن‭ ‬ثائر‭ ‬متمرد‭.‬

‭-‬‭ ‬كراهيته‭ ‬لمنصور‭ ‬هي‭ ‬كراهية‭ ‬لنمط‭ ‬اقتصادي‭ ‬جشع‭ ‬ومشوّه‭.‬

‭-‬‭ ‬رفضه‭ ‬نطفة‭ ‬راحيل‮ ‬‭ ‬بحجة‭ ‬ما‭ ‬تدعيه‭ ‬بخلق‭ ‬الإنسان‭ ‬الكامل‭.‬

‭-‬‭ ‬الكتابة‭ ‬في‭ ‬الكراسة‭ ‬الزرقاء‭ ‬هي‭ ‬حل‭ ‬لمواجهة‭ ‬الجنون‭.‬

تبرز‭ ‬شخصية‭ ‬يوسف‭ ‬كنسق‭ ‬إشكالي‭ ‬مبني‭ ‬على‭ ‬غياب‭ ‬الوعي‭ ‬وحضوره،‭ ‬الإرادة‭ ‬واللاإرادة،‭ ‬فهو‭ ‬يعيش‭ ‬بين‭ ‬عالمين،‭ ‬عالم‭ ‬تمثّله‭ ‬وبناه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قناعاته‭ ‬التي‭ ‬تجسّد‭ ‬معنى‭ ‬التصادم،‭ ‬ولعل‭ ‬رمزية‭ ‬الحشيش‭ ‬هي‭ ‬اختيار‭ ‬التواجد‭ ‬في‭ ‬اللامكان،‭ ‬فهو‭ ‬كائن‭ ‬هروبي،‭ ‬سلبي‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬قراراته،‭ ‬حتى‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬ذروة‭ ‬الإثارة‭ ‬الجنسية‭ ‬عمل‭ ‬على‭ ‬تجميد‭ ‬حواسه،‭ ‬بل‭ ‬تعتبر‭ ‬شخصية‭ ‬أمل‭ ‬وراحيل‭ ‬سببًا‭ ‬لضياعه‭ ‬‮«‬تتنازع‭ ‬رأسي‭ ‬ذاكرتان،‭ ‬امرأتان،‭ ‬واحدة‭ ‬أضعتها‭ ‬والأخرى‭ ‬أضاعتني”‭ ‬‭(‬الرواية‭ ‬ص‭ ‬117‭)‬ن‭ ‬فانجذب‭ ‬أخيرًا‭ ‬لعوامل‭ ‬التوازن‭ ‬لديه‭ ‬وهي‭: ‬الرقص‭-‬الحلم‭ ‬–الحشيش‭-‬الكراسة‭ ‬الزرقاء‭.‬

‮ ‬النسق‭ ‬الديني‭ ‬وعنف‭ ‬التأويل

تنبني‭ ‬حكاية‭ ‬‮«‬ابن‭ ‬القبطية”‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬العقيدة‭ ‬والأديان،‭ ‬وهذا‭ ‬يتّضح‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ثلاث‭ ‬شخصيات‭ ‬محورية‭: ‬الأم‭ ‬‭(‬مسيحية‭)‬،‭ ‬الأب‭ ‬‭(‬مسلم‭)‬،‭ ‬يوسف‭ ‬‭(‬مسلم‭)‬،‭ ‬راحيل‭ ‬‭(‬يهودية‭)‬‭.‬

هذا‭ ‬الاختيار‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬اعتباطيًا‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نسق‭ ‬لاستنباط‭ ‬المفاهيم‭ ‬والتصورات‭ ‬العامة‭ ‬حول‭ ‬الإسلام‭ ‬كدين‭ ‬شمولي‭ ‬في‭ ‬علاقته‭ ‬باليهودية‭ ‬والمسيحية،‭ ‬راحيل‭ ‬تحاول‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬الانفصام‭ ‬العَقدي‭ ‬للإنسان‭ ‬وتعترف‭ ‬بأنه‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬إلا‭ ‬دين‭ ‬واحد‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬دعا‭ ‬إليه‭ ‬الأنبياء‭ ‬كلهم،‭ ‬لذا‭ ‬اشتدت‭ ‬رغبتها‭ ‬في‭ ‬امتداد‭ ‬يجمع‭ ‬الأعراق‭ ‬الثلاثة‭ ‬‮«‬ننقذهم‭ ‬يا‭ ‬يوسف”‭(‬‭ ‬الرواية‭ ‬ص‭ ‬100‭)‬‭.‬

وعبر‭ ‬فصول‭ ‬الرواية‭ ‬تتوالى‭ ‬حوارات‭ ‬راحيل‭ ‬مع‭ ‬يوسف‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لإقناعه‭ ‬بفكرة‭ ‬الإخصاب‭ ‬الديني‭ ‬وإعادة‭ ‬تأويل‭ ‬سليم‭ ‬لشمولية‭ ‬التفكير‭ ‬وعدم‭ ‬الإقصاء‭ ‬باسم‭ ‬الجنة‭ ‬أو‭ ‬النار،‭ ‬راحيل‭ ‬بدورها‭ ‬كانت‭ ‬ضحية‭ ‬صراع‭ ‬بين‭ ‬أبيها‭ ‬وأمها‭:‬‮ ‬‭(‬الأم‭: ‬أغنية‭ ‬هافا‭ ‬ناجيلا‭)‬‭ ‬راحيل‭ ‬‭(‬الأب‭: ‬رقصة‭ ‬بولكا‭)‬

إذن‭ ‬تتوضح‭ ‬لنا‭ ‬رؤية‭ ‬الكاتب‭ ‬بأن‭ ‬العنف‭ ‬يأخذ‭ ‬منحى‭ ‬داخليا‭ ‬وآخر‭ ‬خارجيا،‭ ‬عنف‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬تصور‭ ‬إقصائي‭ ‬للآخر‭:‬

داخلي‭: ‬أب‭ ‬وأم‭ ‬راحيل‭/‬‭ ‬أب‭ ‬وأم‭ ‬يوسف

خارجي‭: ‬رحيل ضد‭ ‬يوسف‭/‬‭ ‬منذر‭ ‬ضد‭ ‬جورج‭/‬‭ ‬يوسف‭ ‬ضد‭ ‬الملتحي

إن‭ ‬النسق‭ ‬الأسري‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬النسق‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وغياب‭ ‬تربية‭ ‬دينية‭ ‬سليمة‭ ‬تولّد‭ ‬العنف‭ ‬والإقصاء‭ ‬بل‭ ‬الإرهاب‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬إن‭ ‬فصول‭ ‬الرواية‭ ‬مخيال‭ ‬وتمثلات‭ ‬عن‭ ‬دين‭ ‬شمولي‭ ‬يلملم‭ ‬شتات‭ ‬الفكر‭ ‬العقدي‭ ‬‮«‬تخيّل‭ ‬معي،‭ ‬سوف‭ ‬تكون‭ ‬رحما‭ ‬يجمع‭ ‬الديانات‭ ‬الإبراهيمية‭ ‬الثلاث”‭ ‬‭(‬الرواية‭ ‬ص‭ ‬67‭)‬،‭ ‬لكن‭ ‬يوسف‭ ‬مستعد‭ ‬بأن‭ ‬يضحّي‭ ‬بالمهنة‭ ‬التي‭ ‬تعب‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحصول‭ ‬عليها‭ ‬مقابل‭ ‬ألا‭ ‬يتخلى‭ ‬عن‭ ‬قناعاته‭ ‬العقدية،‭ ‬وحتى‭ ‬لا‭ ‬يسقط‭ ‬مدرجًا‭ ‬في‭ ‬دماء‭ ‬الخطيئة‭ ‬التي‭ ‬تسكن‭ ‬عقله،‭ ‬تعيد‭ ‬راحيل‭ ‬هندسة‭ ‬النسق‭ ‬الديني‭ ‬عبر‭ ‬حفريات‭ ‬تاريخية‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬يعقوب‭ ‬وعلاقته‭ ‬بأبنائه‭ ‬مستعينة‭ ‬بالنص‭ ‬القرآني‭ ‬‮«‬سورة‭ ‬البقرة‭ ‬الآية‭ ‬132‮»‬‭ ‬وباللاهوت‭ ‬الذي‭ ‬درسته‭ ‬ثم‭ ‬بتجربتها‭ ‬المريرة‭ ‬التي‭ ‬عاشتها‭ ‬مع‭ ‬أمها‭ ‬وأبيها‭.‬

إن‭ ‬وليد‭ ‬علاء‭ ‬الدين‭ ‬لم‭ ‬يسع‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬استحضار‭ ‬التصور‭ ‬القرآني‭ ‬للدين‭ ‬بل‭ ‬عمل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حواريات‭ ‬وظفها‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬صيغة‭ ‬متقاربة‭ ‬ومشتركة‭ ‬بين‭ ‬الديانات‭ ‬الثلاث‭ ‬وهذا‭ ‬المشترك‭ ‬جاء‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬بطلته‭ ‬راحيل‭ ‬‮«…‬‭ ‬و‭ ‬لكن‭ ‬إذا‭ ‬كنت‭ ‬استمعت‭ ‬لي‭ ‬جيدا‭ ‬فإن‭ ‬الإسلام‭ ‬هو‭ ‬كل‭ ‬عمل‭ ‬بنية‭ ‬الخير،‭ ‬وكل‭ ‬فعل‭ ‬يدفع‭ ‬الشر،‭ ‬لم‭ ‬يُعدّ‭ ‬الله‭ ‬ناره‭ ‬لغير‭ ‬المسلمين،‭ ‬إنما‭ ‬أعدها‭ ‬للأشرار،‭ ‬لكن‭ ‬جهز‭ ‬جنته‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬أتى‭ ‬الله‭ ‬بقلب‭ ‬سليم”‭(‬‭ ‬الرواية‭ ‬ص‭ ‬95‭)‬‭.‬

جماليات‭ ‬الحكي

تحبل‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬ابن‭ ‬القبطية”‭ ‬بأبعاد‭ ‬جمالية‭ ‬متنوعة،‭ ‬بالاشتغال‭ ‬الرصين‭ ‬على‭ ‬اللغة‭ ‬وما‭ ‬تزخر‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬دلالات،‭ ‬إنها‭ ‬رواية‭ ‬إشكاليات‭ ‬وأفكار‭ ‬متوهجة‭ ‬قابلة‭ ‬للانفجار،‭ ‬مع‭ ‬تشويق‭ ‬مضمن‭ ‬داخل‭ ‬التفاصيل،‭ ‬فهي‭ ‬تستمد‭ ‬عنفوانها‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬عدة‭ ‬تتلاحم‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭ ‬كي‭ ‬تشكل‭ ‬للقارئ‭ ‬متعة‭ ‬التلقي‭ ‬النصي‭ ‬عبر‭ ‬خيوط‭ ‬فنية‭ ‬تتشابك‭ ‬أحيانا‭ ‬وتنفك‭ ‬حينا‭ ‬آخر،‭ ‬وأقف‭ ‬عند‭ ‬بعضها‭:‬

‮ ‬أ‭ ‬–‭ ‬شعرية‭ ‬السرد‭: ‬باعتماد‭ ‬لغة‭ ‬تصويرية‭ ‬بمسحة‭ ‬شاعرية،‭ ‬أو‭ ‬باستحضار‭ ‬قصائد‭ ‬وأزجال‭ ‬معينة‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬كان‭ ‬صوتها‭ ‬مازال‭ ‬محلقا‭ ‬في‭ ‬جوّ‭ ‬الغرفة”‭ ‬‭(‬الرواية‭ ‬ص‭ ‬95‭ ‬‭)‬،‭ ‬‮«‬أنت‭ ‬القروي‭ ‬الأخير،‭ ‬أنت‭ ‬سلالة‭ ‬الطمي‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬التصحر”‭ ‬‭(‬الرواية‭ ‬ص‭ ‬99‭)‬،‭ ‬‮«‬رفرفت‭ ‬شفتاك‭ ‬بضحكة‭ ‬تشبه‭ ‬الفراشة”‭ ‬‭(‬الرواية‭ ‬ص‭ ‬129‭)‬،‭ ‬‮«‬يصحون‭ ‬على‭ ‬اندلاع‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬تويجات‭ ‬الزهور‭ ‬على‭ ‬اختمار‭ ‬الرحيق‭ ‬المنساب‭ ‬على‭ ‬أغصان‭ ‬نبتاتهن‭ ‬الغضة”‭ ‬‭(‬الرواية‭ ‬ص‭ ‬144‭)‬‭.‬

ب‭ ‬–‭ ‬التنويع‭ ‬في‭ ‬الحوار‭: ‬حيث‭ ‬تحضر‭ ‬الحوارات‭ ‬إما‭ ‬ذات‭ ‬النفس‭ ‬الطويل‭ ‬أو‭ ‬المختزل‭ ‬أو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬مونولوجات‭.‬

ج‭ ‬–الفلاش‭ ‬باك‭: ‬يستند‭ ‬السرد‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬التقنية‭ ‬عبر‭ ‬تقطيع‭ ‬زمني‭ ‬متداخل‭ ‬بين‭ ‬الماضي‭ ‬والحاضر،‭ ‬فيصبح‭ ‬الزمن‭ ‬الغابر‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الحاضر،‭ ‬فيستعيد‭ ‬البطل‭ ‬ذكريات‭ ‬عدة‭: ‬ولادة‭ ‬أمل‭/‬خلاف‭ ‬الجدة‭ ‬مع‭ ‬الأب‭ ‬والأم‭/‬قصة‭ ‬النبي‭ ‬يعقوب‭/‬الحملة‭ ‬الفرنسية‭..‬

د‭ ‬–‭ ‬الغرائبي‭: ‬البعد‭ ‬الغرائبي‭ ‬يتجلّى‭ ‬في‭ ‬شخصية‭ ‬‮«‬ضباب”،‭ ‬الولي‭ ‬الذي‭ ‬طرد‭ ‬ببركة‭ ‬دخانه‭ ‬فرنسا‭ ‬النابليونية،‭ ‬ثم‭ ‬‮«‬عرنوس‮»‬‭ ‬المحارب‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬بالخبر‭ ‬من‭ ‬أتون‭ ‬المعركة،‭ ‬وتحضر‭ ‬شخصية‭ ‬ضباب‭ ‬كذلك‭ ‬كبعد‭ ‬ضرائحي‭ ‬تلجأ‭ ‬إليه‭ ‬أم‭ ‬يوسف‭ ‬لدفع‭ ‬جنون‭ ‬الرقص‭ ‬عن‭ ‬ابنها‭. ‬البعد‭ ‬الغرائبي‭ ‬دائمًا‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬للتصديق،‭ ‬مثير‭ ‬للجدل،‭ ‬مذهل‭ ‬‮«‬ولكنهم‭ ‬لما‭ ‬رأوا‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تصدقه‭ ‬أعينهم،‭ ‬ذهلوا،‭ ‬وتداخل‭ ‬عليهم‭ ‬الأمر”‭. ‬‭(‬الرواية‭ ‬ص‭ ‬167‭)‬‭.‬

هـ‭ ‬–‭ ‬الرمزية‭: ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬وليد‭ ‬علاء‭ ‬الدين‭ ‬معجب‭ ‬بالأسلوب‭ ‬الرمزي‭ ‬للمذاهب‭ ‬التعبيرية‭ ‬والدادائية‭ ‬والسريالية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين؟

إلى‭ ‬جانب‭ ‬البعد‭ ‬الواقعي‭ ‬للرواية‭ ‬فقد‭ ‬تفوق‭ ‬الكاتب‭ ‬في‭ ‬استعمال‭ ‬الرمز‭ ‬كانتقال‭ ‬من‭ ‬المرئي‭ ‬إلى‭ ‬اللامرئي،‭ ‬يقول‭ ‬محسن‭ ‬عطية‭ ‬‮«‬غاية‭ ‬الفنان‭ ‬الرمزي‭ ‬هي‭ ‬الإيحاء‭ ‬بـ‭(‬الدهشة‭ ‬و‭ ‬العاطفة‭)‬‭ ‬بعقد‭ ‬الرابطة‭ ‬بين‭ ‬المرئي‭ ‬و‭ ‬اللامرئي‭ ‬تلك‭ ‬غاية‭ ‬الرمز‮»‬‭ ‬‭(‬الفن‭ ‬وعالم‭ ‬الرمز،‭ ‬محسن‭ ‬عطية،‭ ‬دار‭ ‬المعارف،‭ ‬مصر‭ ‬ص‭ ‬101‭)‬‭.‬

الرقص‭: ‬‭(‬المرئي‭: ‬حركة‭ ‬جسدية‭)‬‭ ‬‭(‬اللامرئي‭: ‬عملية‭ ‬توازن‭ ‬وبحث‭ ‬عن‭ ‬الذات‭)‬

الريح‭: ‬‭(‬المرئي‭: ‬ظاهرة‭ ‬طبيعية‭)‬‭ ‬‭(‬اللامرئي‭: ‬قوة‭ ‬دينامية‭ ‬–‭ ‬حاملة‭ ‬لروح‭ ‬الصحراء‭)‬

الرمال‭: ‬‭(‬المرئي‭: ‬مكونات‭ ‬تضاريسية‭)‬‭ ‬‭(‬اللامرئي‭: ‬رمز‭ ‬للفحولة‭ ‬–‭ ‬الرجل‭ ‬المخصب‭)‬

الطمي‭: ‬‭(‬المرئي‭: ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬التراب‭ ‬والماء‭)‬‭ ‬‭(‬اللامرئي‭: ‬رمز‭ ‬للرخاوة‭ ‬–‭ ‬الأنثى‭ ‬المخصبة‭)‬

إن‭ ‬اللغة‭ ‬هي‭ ‬ثوب‭ ‬المعاني‭ ‬وقد‭ ‬عمل‭ ‬الكاتب‭ ‬على‭ ‬إغناء‭ ‬الرواية‭ ‬مستعينا‭ ‬بالرمز‭ ‬اللغوي،‭ ‬بواسطة‭ ‬تحويل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مرئي‭ ‬إلى‭ ‬لامرئي،‭ ‬فما‭ ‬يبدو‭ ‬ظاهريًا‭ ‬رقصًا‭ ‬هو‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬محاولة‭ ‬لإيجاد‭ ‬تناغم‭ ‬بين‭ ‬الروح‭ ‬والجسد،‭ ‬بين‭ ‬الحلم‭ ‬والواقع‭ ‬ونلاحظ‭ ‬أن‭ ‬البطل‭ ‬بقي‭ ‬وفيًا‭ ‬لبداوته‭ ‬الأولى‭ ‬فاستعان‭ ‬بمعجم‭ ‬طبيعي،‭ ‬والريح‭ ‬تغدو‭ ‬كائنًا‭ ‬يتحرك،‭ ‬يغير‭ ‬ملامح‭ ‬الناس‭ ‬ويسيطر‭ ‬على‭ ‬مصائرهم،‭ ‬أما‭ ‬الرمال‭ ‬فهي‭ ‬رمز‭ ‬للذكورة‭ ‬والطمي‭ ‬رمز‭ ‬للأنوثة،‭ ‬سالب‭ ‬وموجب‭.‬

تعتبر‭ ‬رواية‮ ‬‭ ‬‮«‬ابن‭ ‬القبطية”‭ ‬عملا‭ ‬مدروسًا‭ ‬و‭ ‬متنًا‭ ‬حكائيًا‭ ‬متكامل‭ ‬الأنساق،‭ ‬إشكاليًا‭ ‬في‭ ‬تناوله،‭ ‬مقلقا،‭ ‬ومتعبًا‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬فصوله،‭ ‬جميلًا‭ ‬في‭ ‬لغته‭ ‬وتصويره‭ ‬ووصفه‭ ‬للذات‭ ‬الإنسانية‭ ‬وعلاقاتها‭ ‬بمحيطها‭ ‬السوسيو‭ ‬ثقافي‭ ‬العام‭.‬

إنها‭ ‬رواية‭ ‬عابرة‭ ‬للقارات‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬ترجمات‭ ‬إلى‭ ‬لغات‭ ‬أخرى،‭ ‬إنها‭ ‬تبقى‭ ‬نصًّا‭ ‬أدبيًا‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬الثراء‭ ‬وفي‭ ‬قمة‭ ‬الإمتاع‭.‬


كاتب‭ ‬من‭ ‬المغرب