متساوون‭ ‬مختلفون في‭ ‬نقد‭ ‬نظرية‭ ‬التسامح

التسامح‭ ‬ليس‭ ‬مكرمة‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬الفضل،‭ ‬ولا‭ ‬تنازلا‭ ‬أخلاقيا‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬الوجاهة،‭ ‬إنه‭ ‬حق‭ ‬إنساني،‭ ‬ومبدأ‭ ‬وجودي‭ ‬وهو‭ ‬أخيرا‭ ‬موقف‭ ‬فكري‭. ‬وممارسة‭ ‬سلوكية‭. ‬التعريف‭: ‬التسامح‭ ‬تحمّل،‭ ‬والسماح‭ ‬وقبول‭ ‬المختلف،‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬مرفوض،‭ ‬وجعل‭ ‬الآخر‭ ‬رديفا‭ ‬لنا‭ ‬ومساويا‭ ‬لنا‭ ‬‭(‬أنطولوجيا‭)‬،‭ ‬ولقد‭ ‬ذكر‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬ما‭ ‬نصه‭ ‬‮«‬وخلقكم‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬واحدة‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬التساهل‭ ‬أو‭ ‬التغاضي‭ ‬أو‭ ‬التسامح،‭ ‬مع‭ ‬انتهاك‭ ‬أبسط‭ ‬مبادئ‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬أو‭ ‬اختراق‭ ‬قدسية‭ ‬الحياة‭ ‬والكرامة‭ ‬الإنسانية‭.‬

الجديد  عبدالمعطي سويد [نُشر في 01/10/2016، العدد: 21، ص(18)]

لوحة: إسماعيل نصرة
لقد ‭ ‬ولدت‭ ‬فكرة‭ ‬التسامح‭ ‬تاريخيا‭ ‬مع‭ ‬نشوء‭ ‬الظاهرة‭ ‬الدينية،‭ ‬وكانت‭ ‬ولادتها‭ ‬معوقة‭ ‬بعض‭ ‬الشيء،‭ ‬حيث‭ ‬اتخّذ‭ ‬الكثيرون‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬العقائد‭ ‬بالموقف‭ ‬الواحدي‭ ‬المطلق‭ ‬وأصبح‭ ‬أصحاب‭ ‬كل‭ ‬عقيدة‭ ‬يرفضون‭ ‬أهل‭ ‬العقيدة‭ ‬الأخرى‭ ‬ويعتبرونهم‭ ‬آخرين‭ ‬ليسوا‭ ‬منهم‭ ‬أو‭ ‬‭(‬خارجين‭ ‬عن‭ ‬الملّة‭)‬‭ ‬وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬الإنسانية‭ ‬تعتبر‭ ‬كل‭ ‬أيديولوجية‭ ‬‭(‬الماركسية‭-‬اللينينية‭ ‬والنازية‭ ‬والقوميات‭ ‬الشوفينية‭)‬‭ ‬الخارج‭ ‬عنها‭ ‬منشق‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬التسامح‭ ‬معه‭.‬

لقد‭ ‬ظلّت‭ ‬فكرة‭ ‬التسامح‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬الخلل‭ ‬طوال‭ ‬العصور‭ ‬الوسطى‭ ‬الأوروبية‭ ‬وتوّجتها‭ ‬الحروب‭ ‬المدعاة‭ ‬تاريخيا،‭ ‬بالحروب‭ ‬الدينية‭ ‬‭(‬بين‭ ‬البروتستانت‭ ‬والكاثوليك‭)‬‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬وجوهها‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬التسامح،‭ ‬أو‭ ‬هي‭ ‬التعبير‭ ‬العنفي‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬التسامح‭ ‬مع‭ ‬المختلف‭ ‬في‭ ‬الدين‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬العصور‭ ‬الوسطى‭ ‬العربية‭-‬الإسلامية‭ ‬فقد‭ ‬شهدت‭ ‬حواضر‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬تسامحا‭ ‬شهدت‭ ‬له‭ ‬المراجع‭ ‬البحثية‭ ‬الموضوعية‭ ‬بتمتع‭ ‬الناس‭ ‬بنمط‭ ‬رائع‭ ‬بتعايش‭ ‬المختلفين‭ ‬في‭ ‬الحواضر‭ ‬المذكورة،‭ ‬مع‭ ‬استثناء‭ ‬واحد‭ ‬وهو‭: ‬لحظة‭ ‬اشتداد‭ ‬وحدّة‭ ‬النقاش‭ ‬بين‭ ‬الفرق‭ ‬والنحل،‭ ‬ولجوء‭ ‬هذه‭ ‬القراءات‭ ‬الخاصة‭ ‬للنص‭ ‬الديني‭ ‬والفكرة‭ ‬القرآنية‭ ‬منطلقين‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬القراءات‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬أنزل‭ ‬الله‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬سلطان‭ ‬ذاهبة‭ ‬إلى‭ ‬التفسير‭ ‬الواحدي‭ ‬الذي‭ ‬يلبّي‭ ‬رغبة‭ ‬هذه‭ ‬الفرقة‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬مهملة‭ ‬لفكرة‭ ‬التسامح‭ ‬وإهمال‭ ‬المرجعية‭ ‬النصية‭ ‬القائلة‭ ‬‮«‬لكم‭ ‬دينكم‭ ‬ولي‭ ‬دين‮»‬‭ ‬و‮»‬من‭ ‬شاء‭ ‬فليؤمن‭ ‬ومن‭ ‬شاء‭ ‬فليكفر‮»‬‭ ‬و‮»‬لا‭ ‬إكراه‭ ‬في‭ ‬الدين‮»‬‭ ‬وجاءت‭ ‬الفرق‭ ‬تلعن‭ ‬كل‭ ‬فرقة‭ ‬أختها‭ ‬ولجأت‭ ‬كل‭ ‬واحدة‭ ‬أن‭ ‬ترمي‭ ‬أختها‭ ‬بالكفر‭ ‬والزندقة‭ ‬وترى‭ ‬كل‭ ‬واحدة‭ ‬هي‭ ‬الوحيدة‭ ‬الناجية‭ ‬من‭ ‬عذاب‭ ‬جهنّم‭. ‬ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬تجد‭ ‬بعض‭ ‬المرجعيات‭ ‬الإسلامية‭ ‬أن‭ ‬الأصل‭ ‬في‭ ‬الدين‭ ‬هو‭ ‬التسامح‭ ‬‭(‬انظر‭ ‬الآيات‭ ‬المذكورة‭ ‬أعلاه‭)‬‭ ‬وكذلك‭ ‬لجأت‭ ‬مرجعيات‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬استنباط‭ ‬فكرة‭ ‬التسامح‭ ‬من‭ ‬أسماء‭ ‬الله‭ ‬الحسنى‭ ‬وأحدها‭: ‬الحليم،‭ ‬والحلم،‭ ‬أي‭ ‬الرشاد‭ ‬حيث‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬الأخذ‭ ‬بفكرة‭ ‬التسامح‭ ‬إزاء‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يأخذ‭ ‬بالإسلام‭ ‬دينا‭.‬

ولعل‭ ‬بداية‭ ‬الطفرات‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية‭ ‬والنظرة‭ ‬الانقلابية‭ ‬لمسألة‭ ‬التسامح‭ ‬تجسدّت‭ ‬في‭ ‬النهضة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬وذلك‭ ‬بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬التراثين‭ ‬الإنسانيين‭ ‬الإغريقي‭ ‬والروماني،‭ ‬ثم‭ ‬الثورات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬حيث‭ ‬أخذت‭ ‬تميل‭ ‬بشدة‭ ‬نحو‭ ‬مركزية‭ ‬الإنسان،‭ ‬هذه‭ ‬المركزية‭ ‬التي‭ ‬نتجت‭ ‬عنها‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬فكرة‭ ‬التسامح‭ ‬خارج‭ ‬نطاق‭ ‬النصّ‭ ‬الديني،‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬التسامح‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مسألة‭ ‬يأمر‭ ‬بها‭ ‬الله‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬حق‭ ‬إنساني،‭ ‬طبيعي،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬برزت‭ ‬أسماء‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬المفكرين‭ ‬الذين‭ ‬كتبوا‭ ‬رسائل‭ ‬في‭ ‬التسامح‭ ‬من‭ ‬قبيل‭:‬

جون‭ ‬لوك‭ ‬‭(‬1632‭-‬17049‭ ‬‭)‬،‭ ‬وفولتير‭ ‬‭(‬1654‭-‬1778‭ ‬‭)‬،‭ ‬ورسالتهما‭ ‬في‭ ‬التسامح‭ ‬وكذلك‭ ‬بايلي‭ ‬‭(‬1647‭-‬17609‭)‬‭ ‬وليسينغ‭ ‬‭(‬1729‭ ‬‭-‬1784‭ ‬‭)‬‭ ‬وانتهاء‭ ‬برينان‭ ‬‭(‬1823‭-‬1892‭)‬،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الطفرة‭ ‬النوعية‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬بها‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية‭ ‬أي‭ ‬عصر‭ ‬التنوير،‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬بلورت‭ ‬تماما‭ ‬فكرة‭ ‬الحق‭ ‬الإنساني‭ ‬الكامل‭ ‬في‭ ‬المساواة‭-‬الوجودية‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وأقول‭ ‬الفكرة‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬التطبيق‭ ‬الأمثل‭ ‬لها‭ ‬أو‭ ‬بعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬البشر،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬الفروق‭ ‬الجنسية‭ ‬والعرقية‭ ‬والدينية‭ ‬والثقافية‭ ‬أو‭ ‬أسلوب‭ ‬الحياة،‭ ‬والذي‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬مفهوم‭: ‬التسامح‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬ثقافتنا‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرة،‭ ‬فيقتضي‭ ‬التنويه‭ ‬وذكر‭ ‬عيّنة‭ ‬سريعة‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬مثقّفينا‭ ‬الذين طرحوا،‭ ‬وعالجوا‭ ‬سؤال‭ ‬التسامح‭:‬

أولا‭: ‬ذكر‭ ‬الراحل‭ ‬محمد‭ ‬أركون‭ ‬مثلا‭ ‬حيث‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬التسامح‭ ‬لا‭ ‬يفهم‭ ‬إلا‭ ‬بالقياس‭ ‬بصلته‭ ‬بضدّه‭ ‬إي‭ ‬اللاتسامح‭ ‬وما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التسامح‭ ‬به،‭ ‬ويعتبر‭ ‬أركون‭ ‬أن‭ ‬التسامح‭ ‬لم‭ ‬يعرفه‭ ‬السياق‭ ‬الإسلامي‭ ‬حق‭ ‬المعرفة،‭ ‬واعتبر‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬اللامفكّر‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الإسلامي،‭ ‬ويرجع‭ ‬أركون‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬عائق‭ ‬إبستيمولوجي،‭ ‬يسمّيه‭ ‬بالسياج‭ ‬الدوغمائي،‭ ‬ومصادرات‭ ‬الفكر‭ ‬التقليدي‭-‬الأرثوذكسي،‭ ‬وينتهي‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬التسامح‭ ‬قيمة‭ ‬من‭ ‬قيم‭ ‬الحداثة‭ ‬وهو‭ ‬نتاج‭ ‬العقل‭ ‬الحديث‭ ‬المؤسس‭ ‬على‭ ‬المساواة‭ ‬الإنسانية‭ ‬الكاملة‭.‬

ثانيا‭: ‬الراحل‭ ‬الدكتور‭ ‬محمد‭ ‬عابد‭ ‬الجابري،‭ ‬وقوله‭ ‬بتبيئة‭ ‬المفاهيم‭ ‬واعتباره‭ ‬أن‭ ‬عدم‭ ‬التسامح‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭-‬الإسلامية‭ ‬الوسيطة‭ ‬والحديثة‭ ‬والمعاصرة‭ ‬مرتبط‭ ‬نظريا‭ ‬وتنفيذا‭ ‬بالتفكير‭ ‬الأحادي‭ ‬باتّباع‭ ‬حرفية‭ ‬النصّ‭ ‬الديني‭ ‬وأخيرا‭ ‬صلة‭ ‬الموضوع‭ ‬بصراع‭ ‬الحضارات،‭ ‬أما‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬التاريخية‭ ‬العربية‭-‬الإسلامية‭ ‬فقد‭ ‬نوقش‭ ‬موضوع‭ ‬التسامح‭ ‬إثر‭ ‬حدث‭ ‬تاريخي‭ ‬معروف‭ ‬وهو‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬علي‭ ‬ومعاوية‭ ‬واختلافهما‭ ‬حول‭ ‬مسألة‭ ‬الخلافة‭.‬

لوحة: خالد تكريتي

ثالثا‭: ‬الدكتورعلي‭ ‬أومليل،‭ ‬حيث‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬موقف‭ ‬التسامح‭ ‬هو‭ ‬موقف‭ ‬محايد‭ ‬ويعني‭ ‬التسامح‭ ‬عند‭ ‬أومليل‭ ‬قبول‭ ‬الاختلاف،‭ ‬ويعزو‭ ‬عدم‭ ‬التسامح‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬إلى‭ ‬تبنّي‭ ‬الواحدية‭ ‬المطلقة‭ ‬في‭ ‬التفكير،‭ ‬والإيمان‭ ‬بامتلاك‭ ‬الحقيقة‭ ‬المطلقة‭ ‬لدى‭ ‬طرف‭ ‬واحد،‭ ‬دون‭ ‬الآخر‭ ‬ويعرّج‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬نحو‭ ‬كبار‭ ‬المتصوفة‭ ‬المسلمين‭ ‬الذين‭ ‬تجاوروا‭ ‬بفكرهم‭ ‬وسلوكهم‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬التعصّب،‭ ‬وأن‭ ‬الحقيقة‭ ‬ملك‭ ‬الجميع‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬الاختلاف‭ ‬في‭ ‬العقيدة‭ ‬والإيمان،‭ ‬بحيث‭ ‬التزم‭ ‬هؤلاء‭ ‬المتصوفة‭ ‬بالقول‭ ‬بأن‭ ‬الدين‭ ‬واحد‭ ‬وأن‭ ‬الإيمان‭ ‬واحد،‭ ‬وهو‭ ‬ذو‭ ‬أشكال‭ ‬متعددة‭ ‬في‭ ‬ظاهر‭ ‬الأمر‭ ‬بينما‭ ‬الناس‭ ‬كلهم‭ ‬سواسية‭ ‬في‭ ‬الإيمان،‭ ‬ولا‭ ‬فرق‭ ‬بين‭ ‬مسلم‭ ‬ويهودي‭ ‬ومسيحي،‭ ‬فحبّهم‭ ‬لله‭ ‬واحد‭ ‬وإيمانهم‭ ‬به‭ ‬واحد،‭ ‬‭(‬أي‭ ‬الأديان‭ ‬الإبراهيمية‭)‬‭ ‬ويستشهد‭ ‬الدكتور‭ ‬أومليل،‭ ‬بشعر‭ ‬الشيخ‭ ‬الأكبر‭ ‬محي‭ ‬الدين‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭:‬

‮«‬أدين‭ ‬بدين‭ ‬الحب‭ ‬أنّى‭ ‬توجهت

ركائبه‭ ‬فالحب‭ ‬ديني‭ ‬وإيماني

لقد‭ ‬صار‭ ‬قلبي‭ ‬قابلا‭ ‬كل‭ ‬صورة

فمرعى‭ ‬لغزلان‭ ‬ودير‭ ‬لرهبان‮»‬‭.‬

‮ ‬سؤال‭ ‬التسامح

أصبحت‭ ‬كلمة‭ ‬التسامح‭ ‬في‭ ‬العربية،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬اللغات‭ ‬من‭ ‬الذيوع‭ ‬والشيوع،‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬الابتذال‭ ‬والخلط‭ ‬بينها‭ ‬وعبارة‭ ‬المسامح‭ ‬كريم،‭ ‬ونحن‭ ‬إذ‭ ‬بدأنا‭ ‬ا‭ ‬نعترض‭ ‬تماما‭ ‬إزاء‭ ‬هذا‭ ‬الشيوع‭ ‬والاستعمال‭ ‬الشعبي‭ ‬والنخبوي‭ ‬فسنحاول‭ ‬استبدال‭ ‬هذا‭ ‬المصطلح‭ ‬بغيره‭ ‬بحيث‭ ‬يكون‭ ‬مصطلحا‭ ‬عالما‭ ‬ومثقفا‭ ‬ويقترب‭ ‬من‭ ‬المصطلح‭ ‬الفلسفي،‭ ‬ولكن‭ ‬قبل‭ ‬إبداء‭ ‬اقتراحنا‭ ‬حول‭ ‬استبدال‭ ‬مصطلح‭ ‬التسامح‭ ‬بغيره‭ ‬نقترحه‭ ‬هنا،‭ ‬تجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬عبقرية‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬توفيرها‭ ‬الكمّ‭ ‬الهائل‭ ‬من‭ ‬المترادفات‭ ‬لكثير‭ ‬من‭ ‬الكلمات‭ ‬العربية‭ ‬المعروفة‭ ‬وفي‭ ‬نطاق‭ ‬التسامح‭ ‬هنا،‭ ‬لقد‭ ‬ألفينا‭ ‬عددا‭ ‬لا‭ ‬بأس‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬المترادفات‭ ‬والتي‭ ‬تؤدي‭ ‬معنى‭ ‬متقاربا‭ ‬تماما‭ ‬لكلمة‭ ‬التسامح،‭ ‬وندعو‭ ‬إلى‭ ‬تحييد‭ ‬كلمة‭ ‬التسامح‭ ‬التقليدية‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬شابها‭ ‬من‭ ‬الالتباس‭ ‬ما‭ ‬شابه،‭ ‬ونحن‭ ‬إذن‭ ‬أمام‭ ‬عدد‭ ‬لا‭ ‬بأس‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬البدائل‭ ‬لكلمة‭ ‬التسامح‭ ‬ولنذكر‭ ‬مثلا‭: ‬التكافؤ‭ ‬الوجودي،‭ ‬ونحن‭ ‬نميل‭ ‬بلا‭ ‬تردد‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬المصطلح،‭ ‬وكذلك‭ ‬يمكن‭ ‬عرض‭ ‬كلمات‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬التجانس‭ ‬الوجودي،‭ ‬أو‭ ‬الموازاة‭ ‬الوجودية‭ ‬أو‭ ‬التعادلية‭ ‬الوجودية،‭ ‬أو‭ ‬المساواة،‭ ‬أو‭ ‬النديّة‭ ‬الوجودية،‭ ‬وأعتقد‭ ‬أن‭ ‬العبارات‭ ‬المذكورة‭ ‬توحي‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المضمون‭ ‬إل‭ ‬معنى‭ ‬التسامح‭ ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬المضمون‭ ‬الديني،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الإنساني،‭ ‬وغنيّ‭ ‬عن‭ ‬البيان‭ ‬هنا‭ ‬أني‭ ‬استخدمت‭ ‬كلمة‭ ‬التسامح‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الصفحات‭ ‬كناحية‭ ‬إجرائية‭ ‬مع‭ ‬بطلان‭ ‬استخدامها‭ ‬من‭ ‬الآن‭ ‬فصاعدا،‭ ‬وأفضل‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬عوضا‭ ‬عنها‭ ‬التكافؤ‭ ‬في‭ ‬الوجود‭ ‬‭(‬إنسانيا‭)‬‭ ‬بين‭ ‬الأفراد‭ ‬والمجتمعات،‭ ‬بين‭ ‬الأكثريات‭ ‬والأقليات‭ ‬بين‭ ‬العقائد‭ ‬والأفكار‭ ‬بين‭ ‬البلدان‭ ‬والأقطار‭ ‬الخ‮…‬‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬مختلف‭ ‬انتماءاتهم‭ ‬ونمط‭ ‬إيمانهم‭ ‬الديني،‭ ‬لأني‭ ‬هنا‭ ‬غير‭ ‬معني‭ ‬بمعالجة‭ ‬التسامح‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬ديني‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬وسياق‭ ‬أيديولوجيين‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬المنطلق‭ ‬الإنساني‭ ‬بالمطلق،‭ ‬وبالتالي‭ ‬يكون‭ ‬العقل‭ ‬هو‭ ‬أعدل‭ ‬الأشياء‭ ‬قسمة‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬تعبير‭ ‬‭(‬ديكارت‭)‬،‭ ‬هذا‭ ‬العقل‭ ‬هو‭ ‬معيار‭ ‬التسامح‭ ‬الوجودي‭ ‬أو‭ ‬التكافؤ‭ ‬الذي‭ ‬نحن‭ ‬بصدد‭ ‬اقتراحه‭ ‬هنا‭.‬

وبعبارة‭ ‬أخري‭ ‬أعني‭ ‬بالوجودي‭ ‬المساواة‭ ‬التامة‭ ‬بين‭ ‬الناس،‭ ‬وما‭ ‬يعبر‭ ‬عنه‭ ‬البند‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬لائحة‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬1948‭ ‬القائل‭ ‬بأن‭ ‬الناس‭ ‬يولدون‭ ‬متساوين‭ ‬أحرارا‭ ‬يتمتعون‭ ‬بالكرامة‭ ‬الكاملة،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬الشكل‭ ‬والهيئة‭ ‬والاعتقاد‭ ‬والعرق‭ ‬والدين‭ ‬والوطن‭ ‬ودون‭ ‬أدنى‭ ‬تمييز،‭ ‬وهم‭ ‬متساوون‭ ‬أمام‭ ‬القانون‭ ‬الإنساني‭ ‬القاضي‭ ‬أولا‭ ‬بحق‭ ‬الوجود،‭ ‬وقداسته‭ ‬المطلقة،‭ ‬وعدم‭ ‬حق‭ ‬أيّ‭ ‬سلطة‭ ‬دنيوية‭ ‬أو‭ ‬دينية‭ ‬في‭ ‬الاعتداء‭ ‬على‭ ‬كرامته‭ ‬وحريته‭ ‬وفي‭ ‬اتخاذ‭ ‬الموقف‭ ‬والرأي‭ ‬والمذهب‭ ‬الذي‭ ‬يرتضيه،‭ ‬وقبوله‭ ‬أو‭ ‬التراجع‭ ‬عنه‭ ‬وليس‭ ‬لأحد‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬إقحام‭ ‬نظره‭ ‬على‭ ‬الآخر‭.‬

الواقع‭ ‬أن‭ ‬التسامح‭ ‬يطرح‭ ‬إشكاليات‭ ‬كثيرة،‭ ‬لا‭ ‬يحلّها‭ ‬إلا‭ ‬العقل‭ ‬المستنير‭ ‬شريطة‭ ‬تمتّع‭ ‬هذا‭ ‬العقل‭ ‬بالثقافة‭ ‬الانسانية،‭ ‬مع‭ ‬الانحياز‭ ‬الكامل‭ ‬للإنسان‭ ‬والقبول‭ ‬الحاسم‭ ‬بمبدأ‭ ‬تعايش‭ ‬المختلفين‭ ‬المتكافئين‭ ‬أنطولوجيا،‭ ‬وعلى‭ ‬الصعيد‭ ‬الإنساني‭ ‬المحض‭ ‬وعدم‭ ‬الركون‭ ‬إلى‭ ‬المضمون‭ ‬الديني‭ ‬للتسامح‭.‬

أخيرا‭ ‬تجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬كون‭ ‬مسألة‭ ‬التسامح‭ ‬مرتبطة‭ ‬بمسالة‭ ‬العدالة‭ ‬الإنسانية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬وهذه‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬التسامح‭ ‬والعدالة‭ ‬ناقشها‭ ‬جون‭ ‬رولز‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬نظرية‭ ‬في‭ ‬العدالة‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬اشتهر‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬وكذلك‭ ‬حول‭ ‬الموضوع‭ ‬نفسه‭ ‬للأميركي‭ ‬الهندي‭ ‬الأصل‭ ‬أماريتا‭ ‬سن‭. ‬‭(‬انظر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬ملحق‭ ‬الخليج‭ ‬المهم‭ ‬حول‭ ‬موضوع‭ ‬التسامح‭ ‬2‭ ‬مايو‭ ‬2016‭)‬

أخيرا‭ ‬ثمة‭ ‬أسئلة‭ ‬شائكة‭ ‬يطرحها‭ ‬موضع‭ ‬التسامح‭ ‬من‭ ‬قبيل‭: ‬هل‭ ‬نتسامح‭ ‬مع‭ ‬التعصب؟‭ ‬وهل‭ ‬نتسامح‭ ‬من‭ ‬يهدد‭ ‬وجودنا‭ ‬وحياتنا؟‭ ‬وهل‭ ‬نتسامح‭ ‬مع‭ ‬اللاتسامح‭ ‬وهل‭ ‬نتسامح‭ ‬مع‭ ‬المجرم؟‭ ‬أو‭ ‬مع‭ ‬عصابات‭ ‬القتل؟‭ ‬أو‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬يغتصب‭ ‬الأوطان‭ ‬والديار‭ ‬والأراضي؟‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬يستخدم‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬فرض‭ ‬الرأي؟‭ ‬أو‭ ‬يغتصب‭ ‬الجسد‭ ‬بالعنف‭ ‬الجنسي‭ ‬أو‭ ‬التعذيب‭ ‬لأسباب‭ ‬سياسية‭ ‬ساقطة‭ ‬عقلا؟‭ ‬أليس‭ ‬من‭ ‬الضرورة‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬قدسية‭ ‬الحياة‭ ‬ووضع‭ ‬الضوابط‭ ‬مع‭ ‬الاحترام‭ ‬الكامل‭ ‬لإنسانية‭ ‬الإنسان؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الحرية‭ ‬والتسامح؟

أخيرا‭ ‬إن‭ ‬مواقف‭ ‬التطرف‭ ‬والعنف‭ ‬والإرهاب‭ ‬تشوّه‭ ‬روح‭ ‬المساواة‭ ‬الإنسانية‭ ‬أو‭ ‬التكافؤ‭ ‬الوجودي‭ ‬بمصطلحنا‭ ‬أو‭ ‬عبارة‭ ‬التسامح‭ ‬الشائعة،‭ ‬أو‭ ‬عبارة‭ ‬التسامح‭ ‬المتداولة‭.‬


كاتب من مصر