الأناشيد‭ ‬الداعشية‭ ‬ملهاة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬معنى

فجأة‭ ‬تحول‭ ‬نشيد‭ ‬‮«‬صليل‭ ‬الصوارم‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬للسجال‭ ‬اليومي،‭ ‬وانقلب‭ ‬هذا‭ ‬المانيفستو‭ ‬الدعائي‭ ‬للدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬إلى‭ ‬نكتة‭ ‬طويلة‭ ‬واجتهادات‭ ‬لخلق‭ ‬‮«‬إفيه‮»‬‭ ‬على‭ ‬كلماته‭ ‬ولحنه‭ ‬ذي‭ ‬الجملة‭ ‬الموسيقية‭ ‬القصيرة‭ ‬السهلة‭ ‬التي‭ ‬تعلق‭ ‬في‭ ‬الأذن‭ ‬بسهولة‭.‬ الكثير‭ ‬من‭ ‬التأويلات‭ ‬خرجت‭ ‬لتقول‭ ‬إن‭ ‬ماحدث‭ ‬‭-‬ويحدث‭-‬‭ ‬في‭ ‬النشيد‭ ‬الداعشي‭ ‬هو‭ ‬تفريغ‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬مضمونه‭ ‬الجهادي،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬مشهد الفرح المصري‭ ‬الذي‭ ‬افتتح‭ ‬بالنشيد،‭ ‬وانقسمت‭ ‬التعليقات‭ ‬‮«‬النخبوية‮»‬‭ ‬بين‭ ‬محتف‭ ‬بالسخرية‭ ‬الشعبية‭ ‬بالنشيد،‭ ‬وبين‭ ‬ساخط‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬التغلغل‭ ‬الفني‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الشعبي‭.‬

الجديد  أحمد ندا [نُشر في 01/10/2016، العدد: 21، ص(22)]

لوحة: حسين جمعان
حقيقة، ‬وعلى‭ ‬هامش‭ ‬النقاشات‭ ‬غير‭ ‬المجدية،‭ ‬فإن‭ ‬‮«‬الأغنية‮»‬‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬أن‭ ‬تعلق‭ ‬في‭ ‬الذهن‭ ‬لبساطة‭ ‬لحنها،‭ ‬فاللحن‭ ‬هو‭ ‬المركز‭ ‬الذي‭ ‬به‭ ‬تنجح‭ ‬أو‭ ‬تفشل،‭ ‬وتأتي‭ ‬الكلمات‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الأخيرة‭. ‬الأفراح‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬تشتعل‭ ‬رقصا‭ ‬على‭ ‬أغان‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬الجرح‭ ‬والخيانة‭ ‬وغدر‭ ‬الأصحاب،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬يكترث‭!‬

عودة‭ ‬إلى‭ ‬النشيد،‭ ‬فقد‭ ‬مرّت‭ ‬الحركات‭ ‬الإسلامية‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬التطورات‭ ‬من‭ ‬منتصف‭ ‬سبعينات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬وحتى‭ ‬مطلع‭ ‬الألفية،‭ ‬ورُصدت‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬على‭ ‬مستويات‭ ‬عدة‭ ‬‭-‬الإجرائي‭ ‬التنظيمي‭ ‬والأيديولوجي‭ ‬والخطابي‭-‬‭ ‬كما‭ ‬تم‭ ‬تناول‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭. ‬بعضها‭ ‬يحمل‭ ‬سمات‭ ‬استشراقية‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لسبر‭ ‬أغوار‭ ‬‮«‬آخر‮»‬‭ ‬نشأ‭ ‬وتنامى‭ ‬في‭ ‬الظل،‭ ‬والكثير‭ ‬منها‭ ‬ذو‭ ‬منهج‭ ‬متماسك‭ ‬ورؤية‭ ‬موضوعية‭ ‬لبُنى‭ ‬هذه‭ ‬التنظيمات‭ ‬واستراتيجيات‭ ‬عملها‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬الدراسات‭ ‬في‭ ‬‮«‬فهم‮»‬‭ ‬الحركات‭ ‬الإسلامية‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬وقع‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬التجاهل،‭ ‬على‭ ‬أهميته‭ ‬الشديدة،‭ ‬هو‭ ‬تناميها‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬النفسي،‭ ‬ومستوى‭ ‬الوعي‭ ‬غير‭ ‬المباشر،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬نلمسه‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬‮«‬الفن‭ ‬عند‭ ‬الحركات‭ ‬الإسلامية‮»‬‭. ‬ينبع‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬ضراوة‭ ‬المعركة‭ ‬السياسية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬والتباين‭ ‬و‭/‬أو‭ ‬العداوة‭ ‬بين‭ ‬تياراتها‭ ‬المختلفة،‭ ‬والحضور‭ ‬الثانوي‭ ‬الهامشي‭ ‬للفن‭ ‬‭-‬بكل‭ ‬تعريفاته‭ ‬وتجلياته‭-‬‭ ‬في‭ ‬التركيبة‭ ‬النفسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬للتيارات‭ ‬الإسلامية‭ ‬المختلفة‭.‬

تاريخ‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬منه

النَّشِيدُ‭ ‬فَعِيل‭ ‬بمعنى‭ ‬مُفْعَل‭.‬

والنشيدُ‭ ‬الشعر‭ ‬المتناشد‭ ‬بين‭ ‬القوم‭ ‬ينشد‭ ‬بعضهم‭ ‬بعضاً؛‭ ‬قال‭ ‬الأُقيشر‭ ‬الأَسدي‭ ‬‮«‬ومُسَوّف‭ ‬نَشَدَ‭ ‬الصَّبُوحَ‭ ‬صَبَحْتُه،‭ ‬قَبْلَ‭ ‬الصَّباح،‭ ‬وقَبْلَ‭ ‬كلِّ‭ ‬نِداءِ‮»‬‭ ‬قال‭ ‬‮«‬المسوّف‭ ‬الجائع‭ ‬ينظر‭ ‬يَمْنَةً‭ ‬ويَسْرَةً‮»‬‭. ‬نَشَدَه‭: ‬طلبه؛‭ ‬قال‭ ‬الجعدي‭ ‬‮«‬أَنْشُدُ‭ ‬الناسَ‭ ‬ولا‭ ‬أُنْشِدُهم،‭ ‬إِنَّما‭ ‬يَنْشُدُ‭ ‬مَنْ‭ ‬كانَ‭ ‬أَضَلْ‮»‬‭ ‬قال‭ ‬‮«‬لا‭ ‬أُنْشِدُهم‭ ‬أَي‭ ‬لا‭ ‬أَدُلُّ‭ ‬عليهم‮»‬‭.‬

ويَنْشُدُ‭: ‬يَطْلُبُ‭.‬

والنَّشِيدُ‭ ‬من‭ ‬الأَشعار‭: ‬ما‭ ‬يُتناشَدُ‭.‬

وأَنْشَدَ‭ ‬بِهِمْ‭. ‬هَجَاهُمْ‭.‬

وفي‭ ‬الخبر‭ ‬أَن‭ ‬السَّليطِيِّينَ‭ ‬قالوا‭ ‬لِغَسَّانَ‭ ‬‮«‬هذا‭ ‬جرير‭ ‬يُنْشِدُ‭ ‬بنا‮»‬‭ ‬أَي‭ ‬يَهْجُونا؛‭ ‬واسْتَنْشَدْتُ‭ ‬فلاناً‭ ‬شعره‭ ‬فأَنشدنيه‭.‬

ومِنْشِدٌ‭: ‬اسم‭ ‬موضع؛‭ ‬قال‭ ‬الراعي‭ ‬‮«‬إِذا‭ ‬ما‭ ‬انْجَلَتْ‭ ‬عنهُ‭ ‬غَدَاةً‭ ‬ضَبابةٌ،‭ ‬غَدا‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬بَلْدٍ‭ ‬خَرانِقِ‭ ‬مُنْشِدِ‮»‬‭. ‬‭(‬لسان‭ ‬العرب‭)‬‭.‬

ظهر‭ ‬‮«‬النشيد‭ ‬الإسلامي‮»‬‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬الأزمة،‭ ‬مع‭ ‬تسيد‭ ‬المقولة‭ ‬الفقهية‭ ‬بحرمانية‭ ‬الأغاني،‭ ‬وتواري‭ ‬مثيلتها‭ ‬المستندة‭ ‬على‭ ‬كلام‭ ‬الظاهريين‭ ‬‮«‬ابن‭ ‬حزم‭ ‬الأندلسي‭ ‬على‭ ‬رأسهم‮»‬،‭ ‬وذلك‭ ‬استنادا‭ ‬على‭ ‬أدلة‭ ‬منها‭ ‬‮«‬وَمِنَ‭ ‬النَّاسِ‭ ‬مَن‭ ‬يَشْتَرِي‭ ‬لَهْوَ‭ ‬الْحَدِيثِ‭ ‬لِيُضِلَّ‭ ‬عَن‭ ‬سَبِيلِ‭ ‬اللهِ‭ ‬بِغَيْرِ‭ ‬عِلْمٍ‭ ‬وَيَتَّخِذَهَا‭ ‬هُزُوًا‭ ‬أُولَئِكَ‭ ‬لَهُمْ‭ ‬عَذَابٌ‭ ‬مُّهِينٌ‮»‬‭ ‬‭(‬6‭-‬‭ ‬سورة‭ ‬لقمان‭)‬،‭ ‬وصح‭ ‬عن‭ ‬عبدالله‭ ‬بن‭ ‬مسعود‭ ‬أنه‭ ‬سئل‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الآية‭ ‬فقال‭ ‬‮«‬هو‭ ‬الغناء‭ ‬والذي‭ ‬لا‭ ‬إله‭ ‬إلا‭ ‬هو،‭ ‬يرددها‭ ‬ثلاثا‮»‬‭. ‬والحديث‭ ‬الأشهر‭ ‬‮ ‬عن‭ ‬أبي‭ ‬عامر‭ ‬‭-‬أو‭ ‬أبي‭ ‬مالك‭-‬‭ ‬الأشعري‭ ‬عن‭ ‬النبي‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬قال‭ ‬‮«‬ليكونن‭ ‬من‭ ‬أمتي‭ ‬أقوام‭ ‬يستحلّون‭ ‬الحر‭ ‬والحرير‭ ‬والخمر‭ ‬والمعازف‮»‬‭. ‬قال‭ ‬الذهبي‭ ‬في‭ ‬سير‭ ‬أعلام‭ ‬النبلاء‭ ‬21‭/‬158‭ ‬‮«‬المعازف‭ ‬اسم‭ ‬لكل‭ ‬آلات‭ ‬الملاهي‭ ‬التي‭ ‬يعرف‭ ‬بها‭ ‬كالمزمار‭ ‬والطنبور‭ ‬والشبابة‭ ‬والصنوج‮»‬‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الفتوى‭ ‬تاريخية،‭ ‬وقد‭ ‬توارت‭ ‬تماما‭ ‬في‭ ‬بدايات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬مع‭ ‬محاولات‭ ‬الإصلاح‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬الإمام‭ ‬محمد‭ ‬عبده‭ ‬بالأزهر،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬صعدت‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬مع‭ ‬صعود‭ ‬تيار‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمين،‭ ‬لا‭ ‬كفتوى‭ ‬دينية‭ ‬فقط‭ ‬ولكن‭ ‬كملمح‭ ‬هويّاتي،‭ ‬فكيف‭ ‬إذن‭ ‬يتم‭ ‬التوفيق‭ ‬بين‭ ‬الفتوى‭ ‬الفقهية‭ ‬والمنتج‭ ‬الفني‭.. ‬جاء‭ ‬النشيد‭ ‬ليحل‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة،‭ ‬إنه‭ ‬غناء‭ ‬بلا‭ ‬‮«‬معازف‮»‬‭ ‬يحمل‭ ‬رسالة‭ ‬أخلاقية‭.. ‬يقول‭ ‬حسن‭ ‬البنا‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬رسائله‭ ‬‮«‬إن‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمين‭ ‬لا‭ ‬يحاربون‭ ‬المسرح‭ ‬ولا‭ ‬المذياع؛‭ ‬لأنهم‭ ‬ليسوا‭ ‬من‭ ‬الجمود‭ ‬بحيث‭ ‬يقفون‭ ‬هذا‭ ‬الموقف،‭ ‬وإنما‭ ‬يريدون‭ ‬أن‭ ‬يطهّروهما‭ ‬من‭ ‬الشر‭ ‬والإثم،‭ ‬ويزيلوا‭ ‬أثرها‭ ‬السيء‭ ‬المُنصبّ‭ ‬على‭ ‬نفوس‭ ‬الشباب‭ ‬والفتيات‮»‬‭. ‬نحن‭ ‬إذن‭ ‬أمام‭ ‬بنية‭ ‬‮«‬متعالية‮»‬‭ ‬تشي‭ ‬بوضوح‭ ‬بجدلية‭ ‬الحداثة‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬القلب‭ ‬من‭ ‬أسئلة‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬صورته‭ ‬الوليدة‭.‬

لنقف‭ ‬قليلا‭ ‬عند‭ ‬معضلة‭ ‬هذا‭ ‬الفن،‭ ‬فتزامن‭ ‬ظهوره‭ ‬يأتي‭ ‬مع‭ ‬ازدهار‭ ‬لنوع‭ ‬فنيّ‭ ‬له‭ ‬جمهور‭ ‬عريض‭ ‬‮«‬القرآن‭ ‬المجود‭ ‬والتواشيح‭ ‬الدينية‮»‬‭ ‬بنجومها‭ ‬الكبار‭ ‬ومنهم‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬علي‭ ‬محمود‭ ‬ومحمد‭ ‬رفعت‭ ‬ومصطفى‭ ‬إسماعيل‭ ‬وسيد‭ ‬الصفتي‭ ‬وغيرهم،‭ ‬لماذا‭ ‬إذن‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬الحاجة‮»‬‭ ‬لخلق‭ ‬فن‭ ‬جديد؟‭ ‬هنا‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬الحاجة‭ ‬التنظيمية‭ ‬لوجود‭ ‬‮«‬صوت‮»‬‭ ‬معبّر‭ ‬عنهم،‭ ‬مثلما‭ ‬كانت‭ ‬الحركات‭ ‬الشيوعية‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬لها‭ ‬أناشيدها‭ ‬الخاصة،‭ ‬إذا‭ ‬أضفنا‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‮ ‬‭ ‬كلام‭ ‬البنا‭ ‬في‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬‮«‬بديل‮»‬‭ ‬لشكل‭ ‬الفنّ‭ ‬الموجود‭ ‬بلا‭ ‬معايير‭ ‬ضابطة‭ ‬له،‭ ‬الفن‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬وسيلة‭ ‬للاصطفاف‭ ‬كما‭ ‬عبّرت‭ ‬عنه‭ ‬أدبيات‭ ‬الجماعة‭.‬

النشيد‭ ‬‭-‬عادة‭-‬‭ ‬ذو‭ ‬طابع‭ ‬حماسي،‭ ‬بجُمل‭ ‬موسيقية‭ ‬قصيرة‭ ‬سهلة‭ ‬الحفظ‭ ‬وتعلق‭ ‬في‭ ‬الذهن‭ ‬بيسر،‭ ‬ويملك‭ ‬في‭ ‬بنيته‭ ‬طابعاً‭ ‬تنظيمياً‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بحركة‭ ‬سياسية‭. ‬إذن،‭ ‬هو‭ ‬ذو‭ ‬دور‭ ‬وظيفي،‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اعتباره‭ ‬فناً‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إطار‭ ‬فنيّ‭ ‬لرؤية‭ ‬سياسية‭. ‬ولمّا‭ ‬كان‭ ‬للفن‭ ‬لدى‭ ‬الإخوان‭ ‬دور‭ ‬وظيفي‭ ‬فحسب،‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬الفن‭ ‬الأهم‭ ‬في‭ ‬مسيرتهم‭.‬

فكرة‭ ‬‮«‬البديل‮»‬‭ ‬ودوره‭ ‬الوظيفي،‭ ‬يمكن‭ ‬فهمها‭ ‬في‭ ‬نشيدهم‭ ‬الشهير‭ ‬‮«‬لبيك‭ ‬إسلام‭ ‬البطولة‭ ‬كلنا‭ ‬نفدي‭ ‬الحمى‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬ذاته‭ ‬النشيد‭ ‬العروبي‭ ‬‮«‬لبيك‭ ‬يا‭ ‬علم‭ ‬العروبة‮»‬‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬الكلمات‭ ‬الأصلية‭ ‬واللحن‭ ‬باستثناء‭ ‬‮«‬علم‭ ‬العروبة‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬صار‭ ‬‮«‬إسلام‭ ‬البطولة‮»‬،‭ ‬وأضيفت‭ ‬خمسة‭ ‬مقاطع‭ ‬إلى‭ ‬النشيد‭ ‬الأصلي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬صبغة‭ ‬إسلامية‭ ‬والتذكير‭ ‬بالقضية‭ ‬الفلسطينية‭. ‬مرّ‭ ‬هذا‭ ‬النشيد‭ ‬بتحولات‭ ‬جذرية،‭ ‬فبعدما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬سبعة‭ ‬مقاطع،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬موسيقى،‭ ‬حذف‭ ‬مقطع‭ ‬معادٍ‭ ‬للمسيحيين‭ ‬‮«‬زحفاً‭ ‬جيوش‭ ‬الله‭ ‬عادت‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬مسجدي‭/‬تفني‭ ‬صليب‭ ‬الغدر‭ ‬تثأر‭ ‬من‭ ‬لئيم‭ ‬معتد‭/‬تعلي‭ ‬هتاف‭ ‬الحق‭ ‬تنهض‭ ‬من‭ ‬شريعة‭ ‬أحمدِ‮»‬‭. ‬وقبل‭ ‬حذفه‭ ‬استبدلت‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬صليب‭ ‬الغدر‮»‬‭ ‬بكلمة‭ ‬‮«‬يهود‭ ‬الغدر‮»‬‭. ‬واللافت‭ ‬أن‭ ‬كثيرين‭ ‬لا‭ ‬يعلمون‭ ‬أن‭ ‬النشيد‭ ‬الإسلامي‭ ‬الأشهر‭ ‬هو‭ ‬النسخة‭ ‬الإخوانية‭ ‬من‭ ‬النشيد‭ ‬العروبي‭.‬

النشيد‭ ‬‭-‬عادة‭-‬‭ ‬ذو‭ ‬طابع‭ ‬حماسي،‭ ‬بجُمل‭ ‬موسيقية‭ ‬قصيرة‭ ‬سهلة‭ ‬الحفظ‭ ‬وتعلق‭ ‬في‭ ‬الذهن‭ ‬بيسر،‭ ‬ويملك‭ ‬في‭ ‬بنيته‭ ‬طابعاً‭ ‬تنظيمياً‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بحركة‭ ‬سياسية

وعلى‭ ‬نهج‭ ‬‮«‬لبيك‮»‬‭ ‬كان‭ ‬النشيد‭ ‬الإخواني‭ ‬يطرح‭ ‬نفسه‭ ‬كبديل‭ ‬للرائج‭ ‬بالفعل،‭ ‬وأن‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬‮«‬الآخر‮»‬‭ ‬يكون‭ ‬بأدواته،‭ ‬مع‭ ‬افتقاد‭ ‬أيّ‭ ‬معيار‭ ‬أخلاقي‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬منتج‭ ‬الآخر‭ ‬وتطويعه‭ ‬للرؤية‭ ‬الإسلامية‭ ‬طالما‭ ‬أنهم‭ ‬يحوّلون‭ ‬الحرام‭ ‬إلى‭ ‬حلال‭. ‬ويكفي‭ ‬معرفة‭ ‬أن‭ ‬أغانٍ‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬صيدلي‭ ‬يا‭ ‬صيدلي‮»‬‭ ‬للبناني‭ ‬عازار‭ ‬حبيب،‭ ‬صارت‭ ‬عندهم‭ ‬‮«‬ربنا‭ ‬يا‭ ‬ربنا‮»‬‭. ‬وأغنية‭ ‬‮«‬ميال‮»‬‭ ‬لعمرو‭ ‬دياب‭ ‬أصبحت‭ ‬‮«‬من‭ ‬كام‭ ‬سنة‭ ‬وأنا‭ ‬ديني‭ ‬الإسلام‭/‬وشريعتي‭ ‬أنا‭ ‬سنّة‭ ‬وقرآن‮»‬‭! ‬وأغنية‭ ‬‮«‬إني‭ ‬خيرتك‮»‬‭ ‬لكاظم‭ ‬الساهر،‭ ‬صارت‭ ‬‮«‬إني‭ ‬خيرتك‭ ‬فاختاري‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬عذاب‭ ‬في‭ ‬القبر‭/‬أو‭ ‬بين‭ ‬سعير‭ ‬في‭ ‬النارِ‮»‬،‭ ‬وغيرها‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأغاني‭ ‬التي‭ ‬لاقت‭ ‬انتشاراً‭ ‬في‭ ‬الشارع‭. ‬حتى‭ ‬أغنية‭ ‬‮«‬آه‭ ‬ونص‮»‬‭ ‬لنانسي‭ ‬عجرم‭ ‬لم‭ ‬تسلم‭ ‬من‭ ‬تغيير‭ ‬كلماتها‭.‬

بداية‭ ‬الانشقاق

‮«‬الإنشاد‭ ‬الإسلامي‭ ‬إنشاد‭ ‬مبتدع،‭ ‬يشبه‭ ‬ما‭ ‬ابتدعته‭ ‬الصوفية،‭ ‬ولهذا‭ ‬ينبغي‭ ‬العدول‭ ‬إلى‭ ‬مواعظ‭ ‬الكتاب‭ ‬و‭ ‬السنة،‭ ‬اللهم‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬مواطن‭ ‬الحرب‭ ‬ليستعان‭ ‬به‭ ‬على‭ ‬الإقدام‭ ‬والجهاد‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬فهذا‭ ‬حسن‭. ‬وإذا‭ ‬اجتمع‭ ‬معه‭ ‬الدفّ‭ ‬كان‭ ‬أبعد‭ ‬عن‭ ‬الصواب‮»‬‭ ‬‭(‬فتاوى‭ ‬ابن‭ ‬عثيمين‭)‬‭.‬

مع‭ ‬ظهور‭ ‬انشقاق‭ ‬التيارات‭ ‬الجهادية،‭ ‬توارى‭ ‬كثيرا‭ ‬ذلك‭ ‬الكيان‭ ‬‮«‬المسخ‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬خلقه‭ ‬الإخوان،‭ ‬وكانت‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬منتج‭ ‬فني‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬الأكثر‭ ‬جذرية،‭ ‬لذلك‭ ‬كان‭ ‬منتجهم‭ ‬أكثر‭ ‬أصالة‭ ‬حقيقة،‭ ‬بكلمات‭ ‬معظمها‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬الشعري‭ ‬القديم،‭ ‬بلا‭ ‬دفوف‭ ‬أو‭ ‬آلات‭ ‬مصاحبة،‭ ‬ولعل‭ ‬أشهر‭ ‬الظهورات‭ ‬الفنية‭ ‬لهذه‭ ‬التيارات‭ ‬هو‭ ‬نشيد‭ ‬‮«‬غرباء‮»‬‭ ‬الشهير‭ ‬الذي‭ ‬غناه‭ ‬أحمد‭ ‬النجار‭ ‬أحد‭ ‬قتلة‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الشعب‭ ‬المصري‭ ‬الأسبق‭ ‬رفعت‭ ‬المحجوب‭.‬

ليس‭ ‬خفيا‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحركات‭ ‬الجهادية‭ ‬‭-‬ورغم‭ ‬أنها‭ ‬تبنت‭ ‬أدبيات‭ ‬سيد‭ ‬قطب‭-‬‭ ‬متأثرة‭ ‬بالفكر‭ ‬الوهابي‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬أفكارها‭ ‬فحسب،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬تمظهراتها‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسلوكية‭: ‬الجلباب‭ ‬القصير،‭ ‬غترة‭ ‬الرأس،‭ ‬تعطيش‭ ‬الجيم‭. ‬لذلك‭ ‬كانت‭ ‬فتوى‭ ‬ابن‭ ‬عثيمين‭ ‬بتحريم‭ ‬الأناشيد‭ ‬‮«‬أزمة‮»‬‭ ‬وجدوا‭ ‬مخرجها‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬منطقهم‭ ‬أنهم‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬حرب‭ ‬مع‭ ‬‮«‬الدولة‮»‬‭.‬

تحول‭ ‬درامي

ببساطة،‭ ‬يمكن‭ ‬للأذن‭ ‬الخبيرة‭ ‬أن‭ ‬تعرف‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬النشيد‭ ‬الإخواني‭ ‬والسلفي،‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬فالنشيد‭ ‬الإخواني‭ ‬‭-‬في‭ ‬الأغلب‭-‬‭ ‬هو‭ ‬إبدال‭ ‬لكلمات‭ ‬أغنية‭ ‬ذائعة‭ ‬الصيت‭ ‬بأخرى‭ ‬ذات‭ ‬صبغة‭ ‬إسلامية،‭ ‬والكثير‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأناشيد‭ ‬الفصحى،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الموضوعات‭ ‬المحددة‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬النضال‭ ‬ضد‭ ‬إسرائيل‭ ‬والعودة‭ ‬إلى‭ ‬القدس‭. ‬أما‭ ‬النشيد‭ ‬السلفي‭ ‬ففي‭ ‬الأغلب‭ ‬يرتكن‭ ‬إلى‭ ‬كلمات‭ ‬كلاسيكية‭ ‬ذات‭ ‬سمة‭ ‬دينية‭ ‬واضحة‭ ‬تعود للإمام‭ ‬الشافعي‭ ‬مثلا،‭ ‬وطريقة‭ ‬نطق‭ ‬الحروف‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬النطق‭ ‬القرآني‭ ‬‭(‬تعطيش‭ ‬الجيم‭ ‬وقلقلة‭ ‬بعض‭ ‬الحروف‭)‬‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬التحول‭ ‬‭-‬الأكثر‭ ‬درامية‭-‬‭ ‬في‭ ‬عمر‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬في‭ ‬نسخته‭ ‬السلفية‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬عندما‭ ‬تحولوا‭ ‬إلى‭ ‬الإنشاد‭ ‬بالعامية‭ ‬المصرية،‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬المغاير‭ ‬لتراثه‭ ‬الكبير‭ ‬‭-‬في‭ ‬مصر‭ ‬وخارجها‭-‬‭ ‬تزامن‭ ‬مع‭ ‬دخول‭ ‬الدعوة‭ ‬السلفية‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬بعد‭ ‬ثورة‭ ‬25‭ ‬يناير،‭ ‬تحولت‭ ‬الجماعة‭ ‬الجهادية‭ ‬التي‭ ‬تنامت‭ ‬في‭ ‬الظل‭ ‬إلى‭ ‬حزب‭ ‬معلن‭ ‬مكشوف‭ ‬في‭ ‬العلن،‭ ‬ولأن‭ ‬مفردات‭ ‬التحرك‭ ‬كخلية‭ ‬ضد‭ ‬الدولة‭ ‬والحداثة‭ ‬مغاير‭ ‬لخطوات‭ ‬هي‭ ‬بنت‭ ‬الحداثة‭: ‬الحزب‭ ‬والمواقف‭ ‬المعلنة‭ ‬ومجلس‭ ‬شعب‭ ‬واستفتاءات،‭ ‬تغيرت‭ ‬كثيرا‭ ‬البوصلة‭ ‬الفنية،‭ ‬ليظهر‭ ‬منشد‭ ‬سلفي‭ ‬هو‭ ‬أبو‭ ‬عمار‭. ‬والذي‭ ‬أنشد‭ ‬لأحد‭ ‬رموز‭ ‬الدعوة‭ ‬السلفية‭ ‬وهو‭ ‬‮«‬عبد‭ ‬المنعم‭ ‬الشحات‮»‬‭ ‬أنشودة‭ ‬اسمها‮ ‬‮«‬شيخ‭ ‬منعم‭ ‬الشحات‮»‬‮ ‬والغريب‭ ‬أن‭ ‬‮«‬أبو‭ ‬عمار‮»‬‭ ‬اعتمد‭ ‬على‭ ‬النطق‭ ‬العامي‭ ‬لاسم‭ ‬‮«‬عبد‭ ‬المنعم‮»‬‭ ‬ليتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬منعم‮»‬‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الفتاوى‭ ‬الصارمة‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬الأسماء‭ ‬المعبّدة‭ ‬وعدم‭ ‬نسبتها‭ ‬لغير‭ ‬الله‭ ‬وهي‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الشرك،‭ ‬لكن‭ ‬الدخول‭ ‬إلى‭ ‬المجال‭ ‬العام‭ ‬أفقد‭ ‬هذه‭ ‬الجماعات‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬جذرية‭ ‬خطابها‭ ‬المسلح،‭ ‬وكل‭ ‬أدواته‭.‬

بل‭ ‬إن‭ ‬‮«‬أبو‭ ‬عمار‮»‬‭ ‬نفسه‭ ‬قد‭ ‬كرس‭ ‬لمانيفسو‭ ‬سياسي‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أناشيده‭ ‬وهي‮ ‬‮«‬إخواني‭ ‬أنا‭ ‬سلفي،‭ ‬سلفي‭ ‬أنا‭ ‬إخوان‮»‬‮ ‬نحن‭ ‬هنا‭ ‬أمام‭ ‬تحوّل‭ ‬براغماتي‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬مفردات‭ ‬الدعوة‭ ‬السلفية‭ ‬ممثلة‭ ‬في‭ ‬حزبها‭ ‬وأفراده،‭ ‬فالدخول‭ ‬إلى‭ ‬المعترك‭ ‬السياسي‭ ‬جعلها‭ ‬تغير‭ ‬من‭ ‬أولوياتها‭ ‬بعد‭ ‬العداوة‭ ‬الحادة‭ ‬مع‭ ‬جماعة‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬ثمانينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬وتسعيناته،‭ ‬يأتي‭ ‬دور‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬المصالح،‭ ‬وبالتأكيد‭ ‬فإن‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬حزبين‭ ‬بصبغة‭ ‬إسلامية‭ ‬أعلى‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬غيرهما‭ ‬‭-‬هذا‭ ‬بالطبع‭ ‬بخلاف‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬الكواليس‭ ‬من‭ ‬تفاهمات‭ ‬بين‭ ‬الدعوة‭ ‬السلفية‭ ‬والدولة‭ ‬القديمة‭-‬‭ ‬فالحديث‭ ‬عن‭ ‬بنية‭ ‬خطابية‭ ‬تشترك‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬عناصرهما‭.‬

لوحة: حسين جمعان

قبل‭ ‬داعش‭ ‬وبعده

ورث‭ ‬داعش‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬تنظيم‭ ‬القاعدة‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬ولكن‭ ‬تنظيميا‭ ‬كذلك،‭ ‬فكما‭ ‬هو‭ ‬معروف‭ ‬فإن‭ ‬داعش‭ ‬هو‭ ‬ابن‭ ‬التحرك‭ ‬المسلح‭ ‬الذي‭ ‬قاده‭ ‬أبو‭ ‬مصعب‭ ‬الزرقاوي‭ ‬في‭ ‬بدايات‭ ‬الألفية‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬استقراره‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬جعله‭ ‬يحيد‭ ‬قليلا‭ ‬عن‭ ‬الدور‭ ‬القاعدي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

القاعدة‭ ‬نظام‭ ‬خلوي،‭ ‬وإن‭ ‬استقر‭ ‬قادته‭ ‬في‭ ‬جبال‭ ‬أفغانستان،‭ ‬فإنهم‭ ‬لم‭ ‬يجنحوا‭ ‬لتأسيس‭ ‬‮«‬دولة‮»‬،‭ ‬ونشاطاتهم‭ ‬عابرة‭ ‬للدول،‭ ‬القاعدة‭ ‬هي‭ ‬التنظيم‭ ‬المتجاوز‭ ‬للتيارات‭ ‬الجهادية‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية،‭ ‬ومتجاوز‭ ‬لفكرة‭ ‬الدولة‭ ‬ذاتها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الهيمنة‭ ‬الكبرى‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

القاعدة‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬بنت‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬الإسلامية‭ ‬فإن‭ ‬حركيتها‭ ‬ونشاطاتها‭ ‬ربما‭ ‬تتجاوز‭ ‬العقائدي،‭ ‬ونعود‭ ‬لكلام‭ ‬جان‭ ‬بودريار‭ ‬في‭ ‬‮«‬روح‭ ‬الإرهاب‮»‬‭ ‬في‭ ‬محاولته‭ ‬لفهم‭ ‬الفئة‭ ‬التي‭ ‬دمرت‭ ‬برجي‭ ‬مركز‭ ‬التجارة،‭ ‬إذ‭ ‬يخلص‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬كلما‭ ‬تصاعدت‭ ‬قوة‭ ‬القوة‭ ‬العظمى‭ ‬تصاعدت‭ ‬إرادة‭ ‬التدمير‭ ‬لديها،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تصبح‭ ‬مشاركة‭ ‬في‭ ‬تدمير‭ ‬ذاتها‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يصاب‭ ‬المرء‭ ‬بانطباع‭ ‬غريب‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬انهيار‭ ‬البرج‭ ‬التوأم‭ ‬جاء‭ ‬استجابة‭ ‬لانتحار‭ ‬الطائرتين‭ ‬اللتين‭ ‬أغارتا‭ ‬عليه‭. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الغرب‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬هو‭ ‬المعادل‭ ‬الموضوعي‭ ‬لله‭ ‬قد‭ ‬أعلن‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬ذاته‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬نشأ‭ ‬مبدأ‭ ‬جديد‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬أيّ‭ ‬نظام‭ ‬يكون‭ ‬مماثلاً‭ ‬لله‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬هو‭ ‬مطلق‭ ‬فإنه‭ ‬يكون‭ ‬قابلاً‭ ‬للسقوط‭ ‬والانهيار،‭ ‬أو‭ ‬بالأدق‭ ‬يكون‭ ‬قابلاً‭ ‬للانتحار‭. ‬ويخلص‭ ‬بودريار‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الإرهاب‭ ‬مثل‭ ‬الفيروس‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الانتشار‭ ‬كوكبياً‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬نظام‭ ‬يتصف‭ ‬بالهيمنة‭ ‬وكأن‭ ‬الإرهاب‭ ‬هو‭ ‬مجرد‭ ‬ظلّ‭ ‬لأيّ‭ ‬قوة‭ ‬عظمى‭.‬

انطلاقا‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬التحليل،‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬القاعدة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لها‭ ‬منتجها‭ ‬الفني‭ ‬الخاص‭ ‬بها،‭ ‬فهي‭ ‬‭-‬بنيويا‭-‬‭ ‬ليست‭ ‬جماعة‭ ‬أو‭ ‬طائفة،‭ ‬إنما‭ ‬هي‭ ‬ردة‭ ‬فعل‭ ‬على‭ ‬سياق‭ ‬أكبر‭.‬

حتى‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬الأناشيد‭ ‬التي‭ ‬خرجت‭ ‬في‮ ‬رثاء أسامة‭ ‬بن‭ ‬لادن،‭ ‬لم‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬منظّمين‭ ‬قاعديا،‭ ‬بل‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬متعاطفين‭ ‬مع‭ ‬رمزية‭ ‬التنظيم‭ ‬وأيقنة‭ ‬بن‭ ‬لادن‭ ‬نفسه‭. ‬يشبه‭ ‬كثيرا‭ ‬‭-‬وبقليل‭ ‬من‭ ‬التجريد‭-‬‭ ‬التعاطف‭ ‬العالمي‭ ‬مع‭ ‬تشي‭ ‬غيفارا‭ ‬كرمز‭ ‬للمقاومة‭: ‬الفرد‭ ‬الرمز‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬إرباك‭ ‬قوة‭ ‬عظمى‭ ‬مهيمنة‭.‬

لكن‭ ‬مع‭ ‬داعش‭ ‬فالأمر‭ ‬يختلف‭ ‬كثيرا،‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬تبرؤ‭ ‬القاعدة‭ ‬من‭ ‬داعش‭ ‬والعكس،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬أبناء‭ ‬الزرقاوي‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬حولوا‭ ‬فعل‭ ‬‮«‬المقاومة‮»‬‭ ‬الخلوية‭ ‬إلى‭ ‬صراع‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬وإنشاء‭ ‬خلافة‭ ‬ودولة،‭ ‬ولما‭ ‬ترسمت‭ ‬حدودها‭ ‬وصارت‭ ‬لها‭ ‬قوانينها‭ ‬وأعرافها،‭ ‬صار‭ ‬لها‭ ‬منتجها‭ ‬الفني‭.‬

أناشيد‭ ‬داعش

قبل‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬صليل‭ ‬الصوارم‭ ‬إلى‭ ‬حمّى‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬فالغزارة‭ ‬في‭ ‬الحصيلة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬الداعشية‭ ‬تجاوزت‭ ‬كل‭ ‬التراث‭ ‬الإخواني‭ ‬والسلفي،‭ ‬لتقدم‭ ‬أناشيد‭ ‬جهادية‭ ‬وطريفة،‭ ‬عامية‭ ‬وفصحى‭. ‬باختصار‭ ‬هي‭ ‬منتج‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للفصيل‭ ‬‮«‬المتدوّل‮»‬،‭ ‬ليتخطى‭ ‬مجرد‭ ‬الحماسة‭ ‬القتالية‭ ‬إلى‭ ‬الاحتفاء‭ ‬باسم‭ ‬الخليفة‭ ‬الأول،‭ ‬مثل‭ ‬النشيد‭ ‬‭-‬باللهجة‭ ‬العراقية‭-‬‮ ‬‮«‬بوبكر‭ ‬يا‭ ‬بغدادي‭ ‬يا‭ ‬مرهب‭ ‬الأعادي‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬نشيد‮ ‬‮«‬رصوا‭ ‬الصفوف‭ ‬وبايعوا‭ ‬البغدادي‮»‬‭. ‬وهذا‭ ‬الأخير‭ ‬تحديدا‭ ‬يشابه‭ ‬كثيرا‭ ‬الأغاني‭ ‬العربية‭ ‬المنادية‭ ‬بأسماء‭ ‬الزعماء،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬مونتاجها‭ ‬تضمن‭ ‬كلمات‭ ‬الخليفة‭ ‬في‭ ‬بدايته‭.‬

ولأن‭ ‬الدعوة‭ ‬‭-‬والطموح‭-‬‭ ‬الداعشي‭ ‬عالمية‭ ‬فهناك‭ ‬أناشيد‭ ‬تمت‭ ‬ترجمتها،‭ ‬مثل‮ ‬‮«‬أمتي‭ ‬قد‭ ‬لاح‭ ‬فجر‮»‬،‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬ابن‭ ‬اليومي،‭ ‬مثل‭ ‬نشيد‮ ‬‮«‬ياعاصب‭ ‬الرأس‭ ‬وينك‮»‬،‮ ‬ونبصر‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬مسلحي‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬جلسة‭ ‬وهم‭ ‬ينشدونه‭ ‬معا‭. ‬وتعددت‭ ‬القنوات‭ ‬الخاصة‭ ‬على‭ ‬يوتيوب‭ ‬وساوند‭ ‬كلاود‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬الأناشيد‭ ‬الداعشية،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬الأناشيد،‭ ‬قد‭ ‬تخففت‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬فتوى‭ ‬ابن‭ ‬عثيمين،‭ ‬لتستخدم‭ ‬بعض‭ ‬التقنيات‭ ‬الصوتية‭ ‬لتنفيذها،‭ ‬مثل‭ ‬نشيد‮ ‬‮«‬أرى‭ ‬الأحبة‭ ‬قد‭ ‬رحلوا‮»‬‭.‬

على‭ ‬مستوى‭ ‬البنية‭ ‬الموسيقية،‭ ‬فإن‭ ‬الأناشيد‭ ‬هي‭ ‬الصورة‭ ‬الإسلامية‭ ‬من‭ ‬الأكابيلا،‭ ‬وهي‭ ‬اللون‭ ‬الموسيقي‭ ‬الذي‭ ‬يستعين‭ ‬بالصوت‭ ‬البشري‭ ‬كبديل‭ ‬للآلات‭ ‬الموسيقية،‭ ‬ظهرت‭ ‬بداية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬في‭ ‬إيطاليا‭ ‬كشكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الموسيقى‭ ‬الدينية‭ ‬تكتب‭ ‬للأصوات‭ ‬البشرية‭ ‬وحدها‭ ‬بدون‭ ‬استخدام‭ ‬آلات‭ ‬وتغنّيها‭ ‬المجموعة،‭ ‬أما‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬لحنها‭ ‬فكان‭ ‬الإيطالي‭ ‬بيير‭ ‬لويجي‭ ‬بالسترينا‭ ‬‭(‬1526‭ ‬–‭ ‬1594‭)‬‭ ‬والذي‭ ‬قضى‭ ‬حياته‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬الكنيسة‭ ‬في‭ ‬تأليف‭ ‬الموسيقى‭ ‬الدينية‭. ‬ثم‭ ‬ظهرت‭ ‬المدرسة‭ ‬الفلمنكية‭ ‬التي‭ ‬وضعت‭ ‬نصب‭ ‬أعينها‭ ‬تهذيب‭ ‬هذا‭ ‬اللون‭ ‬ونقاوته‭ ‬من‭ ‬الحذلقة‭ ‬والإغراق‭ ‬في‭ ‬استعمال‭ ‬الخطوط‭ ‬الموسيقية‭ ‬الإضافية‭ ‬‭(‬الهارموني‭)‬‭ ‬و‭(‬الكونتربوينت‭)‬‭ ‬واهتمت‭ ‬بالصوت‭ ‬البشرى‭ ‬فقط،‭ ‬فجعلت‭ ‬منه‭ ‬أداة‭ ‬للتعبير‭ ‬الكامل،‭ ‬وأصبحت‭ ‬أكابيلا‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الهارموني‭ ‬المدروس‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬وجود‭ ‬أصوات‭ ‬متوافقة‭ ‬بالصدفة‭. ‬واللافت‭ ‬أن‭ ‬استخدام‭ ‬الأكابيلا‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬المسيحية‭ ‬واليهودية‭ ‬والإسلام،‭ ‬وكلها‭ ‬لمناسبات‭ ‬أو‭ ‬لظروف‭ ‬دينية‭.‬

اللافت‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬حكم‭ ‬شيوخ‭ ‬السلفيين‭ ‬في‭ ‬الأكابيلا‭ ‬واستخدام‭ ‬تقنيات‭ ‬الصوت‭ ‬فيها‭ ‬تفصيل،‭ ‬السؤال‭ ‬واقع‭ ‬عن‭ ‬استخدام‭ ‬الصوت‭ ‬البشري‭ ‬بدون‭ ‬تدخل‭ ‬تحسين‭ ‬آلي‭ ‬عليه‭ ‬بواسطة‭ ‬أجهزة‭ ‬الحاسوب،‭ ‬وغيرها؛‭ ‬فإن‭ ‬الصوت‭ ‬الناشئ‭ ‬عنها‭ ‬سوف‭ ‬يكون‭ ‬صوت‭ ‬آلة‭ ‬له‭ ‬نفس‭ ‬حكم‭ ‬المعازف‭.‬

أما‭ ‬مجرد‭ ‬محاكاة‭ ‬الإنسان‭ ‬لصوت‭ ‬المعازف‭ ‬والموسيقى،‭ ‬فهذا‭ ‬ينبني‭ ‬الكلام‭ ‬عليه‭ ‬على‭ ‬عدة‭ ‬أمور‭:‬

أ‭-‬‭ ‬هل‭ ‬يُقاس‭ ‬هذا‭ ‬الصوت‭ ‬المحاكي‭ ‬لآلة‭ ‬العزف‭ ‬على‭ ‬الصفير؛‭ ‬فيأخذ‭ ‬حكمه‭ ‬‮«‬وهو‭ ‬حرام‮»‬؟

ب‭-‬‭ ‬هل‭ ‬تدخل‭ ‬هذه‭ ‬المحاكاة‭ ‬تحت‭ ‬باب‭ ‬التشبه،‭ ‬فتكون‭ ‬المحاكاة‭ ‬للمحرّم‭ ‬محرّمة،‭ ‬وللمباح‭ ‬مباحة؟

ج‭-‬‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬إلى‭ ‬النشوة‭ ‬والطرب‭ ‬الحاصلين‭ ‬للسامع‭ ‬من‭ ‬جراء‭ ‬سماع‭ ‬الصوت‭ ‬البشري‭ ‬المحاكي‭ ‬للمعازف،‭ ‬وأن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يختلف‭ ‬عمّا‭ ‬لو‭ ‬سمع‭ ‬صوت‭ ‬آلات‭ ‬المعازف،‭ ‬وهل‭ ‬هذا‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬أم‭ ‬لا‭.‬

تتغاضى‭ ‬الدولة‭ ‬الداعشية‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الحكم،‭ ‬لضرورات‭ ‬العيش‭ ‬اليومي،‭ ‬رغم‭ ‬حرصها‭ ‬على‭ ‬التطبيق‭ ‬الحرفي‭ ‬للنصوص‭ ‬الإسلامية،‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬نستشف‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬مازالت‭ ‬سابقة‭ ‬على‭ ‬الحكم‭ ‬الفقهي،‭ ‬والمصلحة‭ ‬السياسية‭ ‬مقدمة‭ ‬على‭ ‬الفتوى‭ ‬الشرعية‭. ‬ولعل‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬دلالات‭ ‬عديدة‭ ‬لنتجاوز‭ ‬هذا‭ ‬الكيان‭ ‬الشيطاني‭ ‬من‭ ‬شيطنته‭ ‬إلى‭ ‬فهمه‭.‬


كاتب من مصر