الخريف‭ ‬العاري

الجديد  رفقة شقور [نُشر في 01/10/2016، العدد: 21، ص(36)]

لوحة: حسين جمعان
‬تزامنت عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬أدوار‭ ‬المثقفين‭ ‬والمستنيرين‭ ‬والفلاسفة‭ ‬مع‭ ‬الحراك‭ ‬السياسي‭ ‬والمجتمعي،‭ ‬فكانت‭ ‬أدوارهم‭ ‬هي‭ ‬أدوار‭ ‬مساندة‭ ‬ومكملة‭ ‬وناقدة‭ ‬ودافعة‭ ‬لعجلة‭ ‬التاريخ،‭ ‬وكانت‭ ‬اﻷفكار‭ ‬الفلسفية‭ ‬لبنات‭ ‬النظم‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬تتغذى‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬على‭ ‬الثغرات‭ ‬في‭ ‬البناء‭ ‬الواقعي‭ ‬لها،‭ ‬فتراجع‭ ‬وتتراجع،‭ ‬أو‭ ‬تتقدم‭ ‬كلتاهما‭ ‬وفقا‭ ‬لما‭ ‬تستحدثه‭ ‬المشكلات‭ ‬الطارئة‭. ‬هذه‭ ‬الحركة‭ ‬لطالما‭ ‬بدت‭ ‬طبيعية‭ ‬في‭ ‬ملازمتها‭ ‬للنهوض‭ ‬الفكري‭ ‬والحضاري،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬اعتراف‭ ‬فعليّ‭ ‬بضرورة‭ ‬الأدوار‭ ‬التي‭ ‬يؤديها‭ ‬المثقفون‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬أحوال‭ ‬بيئاتهم‭ ‬والبيئات‭ ‬التي‭ ‬تستهويهم‭ ‬ضمن‭ ‬مجال‭ ‬التأثر‭ ‬والتأثير‭.‬

في‭ ‬ظل‭ ‬التقلبات‭ ‬السياسية‭ ‬الفلكية‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬منذ‭ ‬انطلاق‭ ‬شرارة‭ ‬التغيير‭ ‬اﻷولى‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬تسارعت‭ ‬وتائر‭ ‬الجدال‭ ‬حول‭ ‬أدوار‭ ‬المثقفين‭ ‬والمستنيرين‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬مشهد‭ ‬ضبابي‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬سيكون‭ ‬محطّ‭ ‬تلاعب‭ ‬اﻷمم‭ ‬جميعا‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬الهيمنة‭ ‬على‭ ‬مصائر‭ ‬شعوب‭ ‬المنطقة‭.‬

نتيجة‭ ‬ذلك‭ ‬رأينا‭ ‬حالة‭ ‬انقسام‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬المثقفين‭ ‬العرب‭. ‬فقسم‭ ‬منهم‭ ‬أنكر‭ ‬حالة‭ ‬الصمت‭ ‬وراح‭ ‬يكتب‭ ‬ويتفاعل‭ ‬ويجذّر‭ ‬ويؤصل‭ ‬أسباب‭ ‬المأساة،‭ ‬في‭ ‬بادرة‭ ‬فهم‭ ‬وإجلاء‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬السوداوية‭ ‬التي‭ ‬تسكن‭ ‬مشهد‭ ‬الزلزال‭ ‬العنيف‭ ‬الذي‭ ‬ضرب‭ ‬أركان‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬وشرعت‭ ‬تردداته‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬ملامحها‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬

في‭ ‬هذه‭ ‬اﻷثناء‭ ‬صوّب‭ ‬القسم‭ ‬الثاني‭ ‬حراب‭ ‬النقد‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬بادروا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المحاولات‭ ‬ووصموهم‭ ‬بأشد‭ ‬الصفات‭ ‬وأنكروا‭ ‬عليهم‭ ‬جهودهم‭ ‬بذريعة‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬طرحه‭ ‬على‭ ‬مائدة‭ ‬الثقافة‭ ‬واﻷدب‭ ‬واعتبروها‭ ‬حرباً‭ ‬أدبية‭ ‬وثقافية‭ ‬استباقية‭ ‬على‭ ‬اﻷشكال‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يفرزها‭ ‬مشهد‭ ‬المخاض‭.‬

وهنالك‭ ‬قسم‭ ‬ثالث‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إنكاره‭ ‬وهم‭ ‬المثقفون‭ ‬العدميون‭ ‬الذين‭ ‬راحوا‭ ‬يعتزلون‭ ‬مشهد‭ ‬الثقافة‭ ‬واﻷدب‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬ما‭ ‬يجري،‭ ‬ويعزلون،‭ ‬بالضرورة،‭ ‬أنفسهم‭ ‬فكريا‭ ‬وثقافيا‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬ويستحثون‭ ‬محاولات‭ ‬البقاء‭ ‬والتعايش‭ ‬مع‭ ‬المعطيات‭ ‬القائمة‭ ‬وقد‭ ‬داهمتهم‭ ‬الوقائع‭ ‬العنيفة‭ ‬حد‭ ‬الصدمة‭ ‬تلك‭ ‬فسكتت‭ ‬أقلامهم‭ ‬واكتفوا‭ ‬بمراقبة‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬بذهول‭ ‬كوني‭ ‬وعجز‭ ‬أبجدي‭.‬

احتدمت‭ ‬الصراعات‭ ‬على‭ ‬اﻷرض‭ ‬وصار‭ ‬العبث‭ ‬يطارد‭ ‬أدوار‭ ‬المثقفين‭ ‬ممن‭ ‬اختاروا‭ ‬عدم‭ ‬الصمت‭ ‬فيغلبهم‭ ‬ويغلبونه‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬أقلامهم‭ ‬ظلت‭ ‬تكتب‭ ‬وتؤرخ‭ ‬للمأساة‭ ‬كل‭ ‬في‭ ‬حقله،‭ ‬فكان‭ ‬خيار‭ ‬البقاء‭ ‬والاستمرار‭ ‬استحقاقا‭ ‬في‭ ‬أعناقهم‭ ‬إيمانا‭ ‬منهم‭ ‬بعدالة‭ ‬تطلعات‭ ‬من‭ ‬سقطوا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الصراعات‭ ‬ووفاء‭ ‬لتضحياتهم،‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬النتائج‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬مخيبة‭ ‬للآمال‭.‬

إن‭ ‬نظرة‭ ‬متفحصة‭ ‬في‭ ‬نموذج‭ ‬من‭ ‬مثقفي‭ ‬فلسطين‭ ‬وسوريا‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬بؤس‭ ‬حالة‭ ‬الذهول‭ ‬التي‭ ‬أصابت‭ ‬هؤلاء‭. ‬وهكذا‭ ‬رأينا‭ ‬من‭ ‬أخذ‭ ‬يلوذ‭ ‬بالدكتاتور‭ ‬ويمعن‭ ‬في‭ ‬تمجيد‭ ‬أفعاله‭ ‬ومواقفه‭ ‬كلما‭ ‬أمعن‭ ‬ذاك‭ ‬في‭ ‬جريمته،‭ ‬خالعا‭ ‬عليه‭ ‬صفات‭ ‬الزعيم‭ ‬القومي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ما‭ ‬استحقاق‭ ‬أخلاقي‭. ‬وبنظرة‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬النتاجات‭ ‬اﻷدبية‭ ‬والثقافية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬نراها‭ ‬تعكس‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬اﻹفلاس‭ ‬الرؤيوي،‭ ‬نصوص‭ ‬التزلف‭ ‬تغص‭ ‬بها‭ ‬المكتبات،‭ ‬ونصوص‭ ‬التضليل‭ ‬أيضا،‭ ‬فكان‭ ‬من‭ ‬الشعراء،‭ ‬والكتاب‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الفريق،‭ ‬من‭ ‬كلل‭ ‬مسيرته‭ ‬بعرفان‭ ‬للدكتاتور‭. ‬ربما‭ ‬ﻷن‭ ‬أحدا‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬البطرياركيين‭ ‬لم‭ ‬يعترف‭ ‬به‭ ‬بطرياركا،‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬وجوده‭ ‬الأدبي،‭ ‬فجنح‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬جنحوا‭ ‬إعجاباً‭ ‬وتضليلاً‭ ‬وتسويغا‭ ‬لسفك‭ ‬الدماء‭ ‬في‭ ‬حسم‭ ‬المصائر‭.‬

وهكذا‭ ‬صار‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬فرصة‭ ‬ومرآة‭ ‬للمثقفين‭ ‬والقراء‭ ‬والجماهير‭ ‬كي‭ ‬يتعرف‭ ‬كل‭ ‬منهم‭ ‬على‭ ‬اﻵخر‭ ‬وأين‭ ‬يقف‭ ‬من‭ ‬مسؤولياته‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬التغيير‭ ‬التي‭ ‬حملها‭ ‬لهم‭ ‬التاريخ‭. ‬فإذا‭ ‬بهذا‭ ‬الربيع‭ ‬يحمل‭ ‬معه‭ ‬مرآة‭ ‬جلية‭ ‬رأت‭ ‬فيها‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬خريفها‭ ‬العاري،‭ ‬ورأى‭ ‬الشارع‭ ‬وجوها‭ ‬ممن‭ ‬كانوا‭ ‬يعدّون‭ ‬أعلام‭ ‬الفكر‭ ‬والفن‭ ‬والأدب‭ ‬يلبسون‭ ‬أزياء‭ ‬القتلة‭ ‬ويصطفون‭ ‬في‭ ‬صفوفهم‭ ‬ويعملون‭ ‬منظرين‭ ‬ﻷفكار‭ ‬اﻹقصاء‭ ‬واﻹذلال‭ ‬التي‭ ‬سادت‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬لنصف‭ ‬قرن‭ ‬مضى‭.‬

على‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬اﻷمر‭ ‬يندرج‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬الضارات‭ ‬النافعات،‭ ‬فقد‭ ‬أصبح‭ ‬الفرز‭ ‬على‭ ‬أشده،‭ ‬وانجلت‭ ‬ثلوج‭ ‬المزايدات‭ ‬النظرية،‭ ‬وبانت‭ ‬الحقائق‭ ‬ومعها‭ ‬حقيقة‭ ‬المشروع‭ ‬الثقافي‭ ‬الذي‭ ‬يؤسس‭ ‬له‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬البطاركة،‭ ‬بينما‭ ‬القارئ‭ ‬النبيه‭ ‬يقلب‭ ‬فكره‭ ‬في‭ ‬كتبه‭ ‬وخياراته‭ ‬الثقافية‭ ‬مسائلا‭ ‬الكتبَ‭ ‬عما‭ ‬كتب‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬زيف‭ ‬أو‭ ‬حقائق‭. ‬بعد‭ ‬أنهار‭ ‬الدم،‭ ‬والمآسي‭ ‬الكبرى‭ ‬لن‭ ‬يبقى‭ ‬القارئ‭ ‬العربي‭ ‬كسولاً‭.‬

أخيرا،‭ ‬إن‭ ‬اﻷدوار‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬مفصل‭ ‬التحولات‭ ‬الحالية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعتبر‭ ‬أدواراً‭ ‬هامشية‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬أعطاها‭ ‬حملتها‭ ‬هذا‭ ‬الطابع،‭ ‬فتظل‭ ‬أدوار‭ ‬المثقفين‭ ‬أدوارا‭ ‬سباقة‭ ‬وخلاقة‭ ‬يعكس‭ ‬رديئها‭ ‬وجه‭ ‬حامله‭ ‬وبيئاته‭ ‬السياسية‭ ‬وخارطته‭ ‬النفسية،‭ ‬ويستأثر‭ ‬الجديّ‭ ‬منها‭ ‬بانتباه‭ ‬التاريخ‭ ‬وانتباه‭ ‬من‭ ‬يخوضون‭ ‬معركة‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الواقع‭ ‬والمستقبل‭.‬

ولو‭ ‬ذهبنا‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬صور‭ ‬الواقع‭ ‬العربي،‭ ‬فثمة‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬الانتباه‭ ‬ويستدعي‭ ‬التساؤل‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬معاً‭ ‬ممثلاً‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬أصوات‭ ‬مثقفي‭ ‬الحرية‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬اختفاء‭ ‬أبناء‭ ‬الديمقراطيات‭ ‬العريقة‭ ‬في‭ ‬الغرب‭. ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬وقفوا‭ ‬على‭ ‬الضفة‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬صراخ‭ ‬أهل‭ ‬الشرق‭ ‬المتطلعين‭ ‬إلى‭ ‬الحرية‭. ‬حتى‭ ‬ليخيّل‭ ‬إلينا‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬واحد‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬عالمين‭ ‬مختلفين،‭ ‬عالم‭ ‬العبيد،‭ ‬وعالم‭ ‬الأحرار‭. ‬وما‭ ‬تلك‭ ‬الديمقراطيات‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬على‭ ‬إرث‭ ‬ثقافي‭ ‬وُلِدَ‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬تاريخية‭ ‬خاصة،‭ ‬بعد‭ ‬ممازجة‭ ‬حضارات‭ ‬عديدة‭ ‬ومتنوعة،‭ ‬سوى‭ ‬ديمقراطيات‭ ‬خاصة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تعميمها‭ ‬أبداً‭!‬


كاتبة من فلسطين مقيمة في بلجيكا