الرواية‭ ‬المغايرة الرواية‭ ‬الواعية‭ ‬بذاتها

‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬يتناول‭ ‬الناقد‭ ‬العراقي‭ ‬المقيم‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬علامات‭ ‬روائية‭ ‬عربية‭ ‬برزت‭ ‬مؤخرا‭ ‬ليستدل‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬على‭ ‬تطورات‭ ‬في‭ ‬فن‭ ‬الرواية‭ ‬واضعا‭ ‬يده‭ ‬على‭ ‬المشترك‭ ‬والمختلف‭ ‬بين‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الروايات‭ ‬بما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينتج‭ ‬وعيا‭ ‬قرائيا‭ ‬جديدا‭ ‬يتعلق‭ ‬بالمنجز‭ ‬الروائي‭ ‬العربي‭.‬ في‭ ‬هذا‭ ‬النص‭ ‬النقدي‭ ‬يقرأ‭ ‬الموسوي‭ ‬رويات‭ ‬لروائيين‭ ‬ينتمون‭ ‬جغرافيات‭ ‬ومرجعيات‭ ‬أدبية‭ ‬مختلفة‭ ‬هم‭: ‬الياس‭ ‬خوري،‭ ‬ربعي‭ ‬المدهون،‭ ‬سنان‭ ‬أنطون،‭ ‬محمد‭ ‬ربيع،‭ ‬محمد‭ ‬حياوي‭.‬ ‮«‬الجديد‮»‬‭ ‬تترك‭ ‬الباب‭ ‬مفتوحا‭ ‬للتشاكل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬القراءة‭ ‬كما‭ ‬تفعل،‭ ‬باستمرار،‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬قراءة‭ ‬أخرى‭ ‬أدبية‭ ‬أو‭ ‬فكرية‭ ‬تنشرها،‭ ‬لما‭ ‬في‭ ‬الحوار‭ ‬الفكري‭ ‬والأدبي،‭ ‬بداهة،‭ ‬من‭ ‬اهمية‭ ‬استثنائية،‭ ‬لاسيما‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تقهقر‭ ‬الحوار‭ ‬ونكوصه‭ ‬بفعل‭ ‬نزعات‭ ‬التطرف‭ ‬والاعتصام‭ ‬في‭ ‬قلاع‭ ‬الفكرة‭ ‬السائدة‭ ‬والتصورات‭ ‬الخالصة‭.‬

الجديد  محسن جاسم الموسوي [نُشر في 01/10/2016، العدد: 21، ص(38)]

لوحة: حسين جمعان
“أولاد‭ ‬الغيتو‭: ‬اسمي‭ ‬آدم”..‬إلياس‭ ‬خوري

تشتبك “أولاد‭ ‬الغيتو”‭ ‬مع‭ ‬كتابات‭ ‬آخرين‭ ‬كغسان‭ ‬كنفاني‭ ‬وأميل‭ ‬حبيبي،‭ ‬وجبرا‭ ‬إبراهيم‭ ‬جبرا‭ ‬وغيرها،‭ ‬وأولها‭ ‬نص‭ ‬المؤلف‭ ‬الآخر،‭ ‬‮«‬باب‭ ‬الشمس‮»‬‭ ‬بشخوصه‭ ‬الذين‭ ‬يظهر‭ ‬بعضهم‭ ‬ثانية‭ ‬لاستكمال‭ ‬وتصحيح‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يكتمل‭ ‬من‭ ‬قبل‭. ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬تشتبك‭ ‬مع‭ ‬‮«‬رجال‭ ‬في‭ ‬الشمس‮»‬،‭ ‬لا‭ ‬كأشخاص،‭ ‬ولكن‭ ‬كمجتمع‭ ‬يغلق‭ ‬أذنيه‭ ‬وأسماعه‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬الطرق‭ ‬على‭ ‬جدران‭ ‬خزان‭ ‬الموت‭. ‬أما‭ ‬البقية‭ ‬من‭ ‬الروايات‭ ‬والسير‭ ‬التي‭ ‬يذكرها‭ ‬مغلف‭ ‬آدم‭ ‬دنّون‭ ‬ومعها‭ ‬الإحالات‭ ‬على‭ ‬أفلام‭ ‬تنحرف‭ ‬بشكل‭ ‬ما‭ ‬عن‭ ‬أصولها‭ ‬والمحاضرات‭ ‬المزعومة‭ ‬والأبحاث‭ ‬الفعلية‭ ‬عن‭ ‬مجازر‭ ‬اللدّ‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭ ‬وبعدها‭ ‬بعقود‭ ‬صبرا‭ ‬وشاتيلا‭ ‬فكلها‭ ‬تمر‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭-‬الجرح‭ ‬التي‭ ‬يحتويها‭ ‬هذا‭ ‬المغلف،‭ ‬أي‭ ‬الرواية‭ ‬المغايرة،‭ ‬أو‭ ‬الحكاية‭-‬السيرة‭.‬

يقول‭ ‬آدم‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الاشتباكات‭ ‬مصححاً‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬جبرا‭ ‬في‭ ‬‭(‬السفينة‭)‬‭ ‬“لا‭ ‬الذاكرة‭ ‬جرح‭ ‬في‭ ‬الروح‭ ‬لا‭ ‬يندمل،‭ ‬عليك‭ ‬التأقلم‭ ‬مع‭ ‬صديده‭ ‬الذي‭ ‬ينزّ‭ ‬من‭ ‬شقوقه‭ ‬المفتوحة”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭.‬

ربما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬إلياس‭ ‬خوري‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬قرابة‭ ‬سبعين‭ ‬صفحة‭ ‬لعرض‭ ‬ما‭ ‬ذكره‭ ‬صاحب‭ ‬الأغاني‭ ‬وابن‭ ‬الجوزي‭ ‬في‭ ‬المنتظم‭ ‬عن‭ ‬“وضاح‭ ‬اليمن”،‭ ‬وقصة‭ ‬موته‭ ‬في‭ ‬صندوق‭ ‬الصمت‭ ‬لكي‭ ‬يطأ‭ ‬“الصمت”‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬حياته‭ ‬وحبه‭ ‬مأساة،‭ ‬كما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬موت‭ ‬منكوبي‭ ‬‮«‬رجال‭ ‬في‭ ‬الشمس‮»‬‭ ‬كذلك،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬بلوغ‭ ‬الصمت‭ ‬الذي‭ ‬أحاط‭ ‬بمحرقة‭ ‬‭(‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬اللد‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬مدن‭ ‬وقرى‭ ‬فلسطين‭ ‬وبمقتله،‭ ‬جامع‭/‬مسجد‭ ‬دهمش‭ ‬ص‭ ‬ص‭ ‬‮«»»‬‭-‬‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭ ‬‭(‬يوم‭ ‬الحشر‭ ‬اللدّاوي‭ ‬‭-‬‮»»»‬‭)‬‭. ‬لكنه‭ ‬فعل‭ ‬ذلك‭. ‬“وضاح‭ ‬اليمن”‭ ‬كرواية‭ ‬لم‭ ‬تنجز‭ ‬تطالب‭ ‬بتفسير‭ ‬ما‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬حالها‭ ‬الآن‭ ‬توطئة‭ ‬جعلها‭ ‬آدم‭ ‬دَنّون‭ ‬مقدمة‭ ‬لروايته،‭ ‬الرواية‭-‬الناجية‭ ‬من‭ ‬حريق‭ ‬الانتحار‭ ‬الذي‭ ‬طاله‭ ‬ومحتويات‭ ‬سكنه‭ ‬باستثناء‭ ‬المخطوط‭ ‬الناجي‭ ‬كنجاة‭ ‬مأمون‭ ‬الأعمى‭ ‬كشاهد‭ ‬وحيد‭ ‬على‭ ‬قصة‭ ‬طفل‭ ‬ملقى‭ ‬تحت‭ ‬شجرة‭ ‬الزيتون،‭ ‬ليسميه‭ ‬“الناجي”،‭ ‬ويسميه‭ ‬الأهالي‭ ‬“آدم”،وتسميه‭ ‬أمه‭ ‬بالتبني‭ ‬“حسن”‭ ‬تيمناً‭ ‬بزوجها‭ ‬الشهيد‭ ‬بعد‭ ‬حين‭. ‬أما‭ ‬التبرير‭ ‬فيشغل‭ ‬عدة‭ ‬أسطر‭ ‬ليجعل‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحكاية‭ ‬أساسية‭ ‬لغيرها،‭ ‬وبضمنها‭ ‬صوت‭ ‬إدريس‭ ‬خوري‭ ‬أستاذاً‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬نيويورك‭ ‬تأتيه‭ ‬طالبته‭ ‬الكورية‭ ‬المفضلة‭ ‬بما‭ ‬خلّفه‭ ‬الحريق‭ ‬الذي‭ ‬يحاكي‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬للشاعر‭ ‬راشد‭ ‬حسين‭ ‬في‭ ‬نيويورك‭ ‬فعلاً‭. ‬ليست‭ ‬هذه‭ ‬نية‭ ‬أبي‭ ‬حيان‭ ‬التوحيدي‭ ‬عند‭ ‬حرق‭ ‬كتبه‭. ‬لأن‭ ‬التوحيدي‭ ‬أتاح‭ ‬انتحار‭ ‬بعض‭ ‬منه‭: ‬لا‭ ‬جسده‭ ‬وكيانه‭ ‬المعنوي‭. ‬يقول‭ ‬آدم‭ ‬دنّون‭ ‬“لماذا‭ ‬صمت‭ ‬الوضاح‭ ‬في‭ ‬الصندوق،‭ ‬ولم‭ ‬يصرخ‭ ‬طالباً‭ ‬الرحمة؟‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»‬‭)‬؛‭ ‬وهو‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يخص‭ ‬به‭ ‬رواية‭ ‬غسان‭ ‬كنفاني‭ ‬ولكن‭ ‬بطريقة‭ ‬أخرى‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»‬‭)‬‭ ‬ويأتي‭ ‬الجواب‭ ‬تبريراً‭ ‬للرواية‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬خرق‭ ‬للصمت‭ ‬“روايتي‭ ‬سوف‭ ‬تقود‭ ‬إلى‭ ‬الصندوق”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»‬‭)‬‭. ‬أما‭ ‬سؤاله،‭ ‬فيختلف‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬انتهت‭ ‬إليه‭ ‬“رجال‭ ‬في‭ ‬الشمس‮»‬،‭ ‬لأنه‭ ‬يسأل‭ ‬من‭ ‬‭(‬“عتمة‭ ‬الداخل،‭ ‬حيث‭ ‬يختلط‭ ‬ظلام‭ ‬الروح‭ ‬بظلام‭ ‬العالم”‭. ‬هنا‭ ‬تقوم‭ ‬الحكاية‭ ‬بتفكيك‭ ‬عناصرها‭ ‬لتعيدنا‭ ‬إلى‭ ‬الراوي،‭ ‬بائع‭ ‬سندويشات‭ ‬الفلافل‭ ‬على‭ ‬مقربة‭ ‬من‭ ‬الجامعة‭ ‬الذي‭ ‬أحبته‭ ‬الطالبة‭ ‬الكورية‭. ‬أراد‭ ‬آدم،‭ ‬أي‭ ‬البائع‭ ‬القارئ‭-‬المتعلم‭ ‬،‭ ‬السماح‭ ‬للالتباس‭ ‬في‭ ‬هويته‭: ‬فهو‭ ‬اسرائيلي‭ ‬عند‭ ‬زبائنه‭ ‬وفلسطيني‭ ‬مع‭ ‬نفسه‭ ‬يحتج‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬قيل‭ ‬وكتب‭ ‬عن‭ ‬‮«»»»‬‭ ‬لأن‭ ‬ما‭ ‬كتب‭ ‬لم‭ ‬يبلغ‭ ‬ما‭ ‬رآه‭ ‬وخبره‭ ‬وسمعه‭ ‬من‭ ‬مأمون‭ ‬الذي‭ ‬يعمل‭ ‬أستاذا‭ ‬الآن‭ ‬ويحاضر‭ ‬عن‭ ‬التاريخ‭ ‬وعن‭ ‬محمود‭ ‬درويش؛‭ ‬وكذلك‭ ‬من‭ ‬أمّه‭ ‬بالتبني‭. ‬ليس‭ ‬هذا‭ ‬فقط‭ ‬لأن‭ ‬السرد‭ ‬الذي‭ ‬في‭ ‬متناوله‭ ‬ذكر‭ ‬أمراً‭ ‬وتناسى‭ ‬أمراً‭ ‬آخر‭ ‬هو‭ ‬‮«‬ترسيمة‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الأخرس‮»‬‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭ ‬في‭ ‬نص‭ ‬الروائي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬س‭. ‬يزهار‭ ‬المعنون‭ ‬“خربة‭ ‬خزعة”‭ ‬المنشور‭ ‬سنة‭ ‬‮«»»»‬‭ ‬عندما‭ ‬لم‭ ‬يزل‭ ‬كاتبها‭ ‬“ضابط‭ ‬استخبارات‭ ‬الكتيبة‭ ‬التي‭ ‬نفذت‭ ‬مجموعة‭ ‬الهجمات‭ ‬على‭ ‬القرى‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بين‭ ‬المجدل‭ ‬وبيت‭ ‬حانون‭ ‬وتطهيرها‭ ‬من‭ ‬سكانها”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭ ‬فجر‭ ‬‮«»‬‭ ‬تشرين‭ ‬الثاني‭ ‬‮«»»»‬‭.‬

تلك‭ ‬الرواية،‭ ‬بترجمتها‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬مجلة‭ ‬شؤون‭ ‬فلسطينية‭ ‬المكرس‭ ‬لعام‭ ‬‮«»»»‬،‭ ‬ستكون‭ ‬النص‭ ‬التحتي‭/‬الفرعي‭ ‬لـ”أولاد‭ ‬الغيتو”‭ ‬لأنها‭ ‬تأتي‭ ‬بتلك‭ ‬الترسيمة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تعدو‭ ‬أن‭ ‬تستعيد‭ ‬مشهداً‭ ‬توراتياً‭ ‬لليهود‭ ‬الغابرين‭ ‬وتسقطه‭ ‬على‭ ‬الفلسطيني‭ ‬القتيل‭ ‬والمقهور‭ ‬والمطرود‭ ‬“كل‭ ‬أولئك‭ ‬العميان‭ ‬والعرجان‭ ‬والعجزة‭ ‬والأطفال‭ ‬سويّة،‭ ‬كانوا‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنهم‭ ‬يطلعون‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬التوراة”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬،‭ ‬هكذا‭ ‬يكتب‭ ‬يزهار‭ ‬وهو‭ ‬يستغرب‭ ‬غياب‭ ‬إرميا‭ ‬واحد‭ ‬“كنت‭ ‬أبحث‭ ‬عما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬بين‭ ‬كل‭ ‬هؤلاء‭ ‬إرميا‭ ‬واحداً‭ ‬أيضاً،‭ ‬غاضب‭ ‬ومتقد،‭ ‬يطرق‭ ‬في‭ ‬القلب‭ ‬غضباً،‭ ‬وينادي‭ ‬الإله‭ ‬العجوز‭ ‬اختناقاً،‭ ‬من‭ ‬فوق‭ ‬قاطرات‭ ‬المنفى”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭. ‬كان‭ ‬يزهار‭ ‬يستعيد‭ ‬مقتلة‭ ‬مسجد‭ ‬دهمش‭ ‬عندما‭ ‬“داهمتنا‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬امرأة‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬حضنها‭ ‬طفلة‭ ‬رضيعة‭ ‬وهزيلة‮…‬‭ ‬تابعت‭ ‬ترقيص‭ ‬ذلك‭ ‬المخلوق‭ ‬التعس‭ ‬المقمط‭ ‬بأسمال‭ ‬ملطخة‭ ‬بالخراء”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭. ‬أما‭ ‬آدم‭ ‬دَنّون‭ ‬فيقول‭ ‬“ماذا‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أكتب‭ ‬فوق‭ ‬نصّه؟‭ ‬أنا‭ ‬أعرف‭ ‬اسم‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬رقصت‭ ‬ورقّصت‭ ‬ابنتها‭ ‬مّرتين‭ ‬في‭ ‬غيتو‭ ‬اللّد”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭. ‬والمهم‭ ‬للروائي‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬يهدم‭ ‬الصمت،‭ ‬فإذا‭ ‬لزم‭ ‬إنشاء‭ ‬الدولة‭ ‬الصهيونية‭ ‬اختراع‭ ‬شعب‭ ‬بديل،‭ ‬أوروبي‭ ‬الخصائص‭ ‬على‭ ‬أنقاض‭ ‬الصورة‭ ‬التوراتية‭ ‬لليهودي‭ ‬الطريد،‭ ‬فلتُسقط‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬الفلسطيني‭ ‬“يزهار‭ ‬أعلننا‭ ‬يهوداً‭ ‬ليهود‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وهذه‭ ‬كانت‭ ‬رسالة‭ ‬روايته”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭.‬

مثل‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬“خربة‭ ‬خزعة”‭ ‬وغيرها‭ ‬تحضر‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬“أولاد‭ ‬الغيتو”‭ ‬كنصوص‭ ‬تحتية‭/‬جانبية،‭ ‬لكنها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أيضاً‭ ‬لأنها‭ ‬تثير‭ ‬الذاكرة‭ ‬مرة‭ ‬وتستهوي‭ ‬التخييل‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭. ‬هذا‭ ‬سر‭ ‬إعجابه‭ ‬بأنطون‭ ‬شماس‭ ‬في‭ ‬“أرابيسك”،‭ ‬وهو‭ ‬إعجاب‭ ‬لا‭ ‬يخفيه‭ ‬المؤلف‭ ‬لأن‭ ‬شماس‭ ‬“ترك‭ ‬الذاكرة‭ ‬تتنامى‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أوصلته‭ ‬إلى‭ ‬قمة‭ ‬التخييل”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭. ‬ولتبرير‭ ‬حضور‭ ‬وضاح‭ ‬اليمن‭ ‬الذي‭ ‬شغل‭ ‬قرابة‭ ‬سبعين‭ ‬صفحة‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬غيابه‭ ‬عن‭ ‬النص‭ ‬ألقى‭ ‬اللوم‭ ‬على‭ ‬الذاكرة‭ ‬التي‭ ‬استدعاها‭ ‬“صمت”‭ ‬وضاح‭ ‬في‭ ‬الصندوق،‭ ‬وصمت‭ ‬الفلسطيني‭ ‬أو‭ ‬صمت‭ ‬الآخرين‭ ‬عما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬خزان‭ ‬“رجال‭ ‬في‭ ‬الشمس‮»‬‭. ‬يبرر‭ ‬بديل‭ ‬الروائي‭ ‬الذاكرة‭ ‬والتخييل‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬الرواية‭ ‬المغايرة‭ ‬وتعايشها‭ ‬مع‭ ‬النصوص‭ ‬التحتية‭ ‬كما‭ ‬يلي‭ ‬“الروائيون‭ ‬حين‭ ‬يبدأون‭ ‬كتابة‭ ‬عمل‭ ‬جديد،‭ ‬يكونون‭ ‬على‭ ‬قناعة‭ ‬تامة‭ ‬بأنهم‭ ‬يصنعون‭ ‬الحكاية‭ ‬من‭ ‬الخيال،‭ ‬لكنهم‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬يجدون‭ ‬أنفسهم‭ ‬أمام‭ ‬انفجار‭ ‬ذاكرتهم‮…‬‭ ‬فــ‮…‬‭ ‬يذيبون‭ ‬الذاكرة‭ ‬في‭ ‬الخيال”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭. ‬هكذا‭ ‬يرى‭ ‬“جوهر‭ ‬لعبة‭ ‬إميل‭ ‬حبيبي‭ ‬كلّها،‭ ‬فالرجل‭ ‬لم‭ ‬يكتب‭ ‬سوى‭ ‬ذاكرته‭ ‬بعدما‭ ‬قام‭ ‬بتقطيعها‭ ‬إلى‭ ‬فلذات‭ ‬صغيرة،‭ ‬استخدمها‭ ‬كما‭ ‬يستخدم‭ ‬الميكانيكي‭ ‬قطع‭ ‬غيار‭ ‬قديمة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إصلاح‭ ‬محرِّك‭ ‬سيارة‭ ‬معَطل”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭.‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬الاشتغال‭ ‬في‭ ‬“أولاد‭ ‬الغيتو‭: ‬اسمي‭ ‬آدم”‭ ‬كرواية‭ ‬واعية‭ ‬بذاتها‭. ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬ضرورة‭ ‬لادعاء‭ ‬الابتكار‭ ‬والكشف‭ ‬والإلهام،‭ ‬فصنعة‭ ‬السرد‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬تقارب‭ ‬صنعة‭ ‬الميكانيكي‭ ‬مع‭ ‬فارق‭ ‬واحد،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تترك‭ ‬للذاكرة‭ ‬أن‭ ‬تستجمع‭ ‬ما‭ ‬تشاء‭ ‬وتخلطه‭ ‬بالتخييل‭. ‬ولهذا‭ ‬يقول‭ ‬آدم‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬“كبائع‭ ‬فلافل‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يكتب‭ ‬رواية‭ ‬عن‭ ‬شاعر‭ ‬مغمور‭ ‬لفَّه‭ ‬الصمت”‭ ‬ما‭ ‬يلي‭ ‬“قادتني‭ ‬الكتابة‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬تشاء،‭ ‬ووجدت‭ ‬نفسي‭ ‬أخرج‭ ‬من‭ ‬صندوق‭ ‬وضاح‭ ‬اليمن‭ ‬كي‭ ‬أدخل‭ ‬في‭ ‬صندوق‭ ‬حكايتي”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬تتخذ‭ ‬من‭ ‬سيرة‭ ‬طفل‭ ‬متروك‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمسين‭ ‬ألف‭ ‬عائلة‭ ‬طريدة‭ ‬من‭ ‬اللدّ‭ ‬بدايتها‭ ‬والتباسها،‭ ‬لأنه‭ ‬آدم‭ ‬وناجي‭ ‬وحسن،‭ ‬ولأنه‭ ‬“الروائي”‭ ‬الذي‭ ‬يكتب‭ ‬الآن‭ ‬نصاً‭ ‬“رواية‭ ‬لا‭ ‬تشبه‭ ‬الروايات،‭ ‬لأنها‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬جنس‭ ‬أدبي‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬له‭ ‬اسما،‭ ‬ولست‭ ‬متأكداً‭ ‬من‭ ‬وجوده‭ ‬أصلاً”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭. ‬هذا‭ ‬الجنس‭ ‬المغاير‭ ‬هو‭ ‬الرواية‭ ‬الواعية‭ ‬بذاتها،‭ ‬الرواية‭ ‬المغايرة؛‭ ‬فهو‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬مقتلة‭ ‬مسجد‭ ‬دهمش‭ ‬الرهيبة‭ ‬التي‭ ‬تفتح‭ ‬فيها‭ ‬فرق‭ ‬الهاغاناه‭ ‬والبالماح‭ ‬النار‭ ‬على‭ ‬المتجمهرين‭ ‬ليموت‭ ‬الجميع‭ ‬ويُجبر‭ ‬المتبقون‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬داخل‭ ‬غيتو‭ ‬الأسلاك‭ ‬الشائكة‭ ‬‭(‬ص‭ ‬ص‭ ‬‮«»»‬‭-‬‮»»»‬‭)‬‭ ‬أو‭ ‬الفرار‭ ‬‭(‬ص‮»»»‬‭. ‬ص‮»»»‬‭. ‬ص‮»»»‬‭. ‬ص‮»»»‬‭. ‬ص‮»»»‬‭. ‬ص‮»»»‬‭. ‬ص‮»»»‬‭. ‬ص‮»»»‬‭)‬‭ ‬لا‭ ‬يختلف‭ ‬على‭ ‬طبيعة‭ ‬المقتلة،‭ ‬ولكن‭ ‬تفاصيل‭ ‬مقتل‭ ‬هذا‭ ‬الفرد‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬التي‭ ‬ينقلها‭ ‬جريح‭ ‬لم‭ ‬يرصد‭ ‬تحت‭ ‬أكوام‭ ‬الجثث‭ ‬هو‭ ‬الخاضع‭ ‬لوهم‭ ‬البصر‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭.‬

تتفق‭ ‬الروايات‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬قاد‭ ‬مذبحة‭ ‬اللدّ‭ ‬أو‭ ‬أمر‭ ‬بها‭ ‬هو‭ ‬قائد‭ ‬اللواء‭ ‬الثالث‭ ‬للبالماح‭ ‬شموئيل‭ ‬كوهين‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭. ‬وكان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬لمثل‭ ‬هذا‭ ‬الابتداء‭ ‬وتعزيزه‭ ‬بالمتوفر‭ ‬من‭ ‬الكتابات‭ ‬والشهادات‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭. ‬ص‭ ‬‮«»»‬‭. ‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭ ‬لتكسب‭ ‬الرواية‭ ‬الواعية‭ ‬بذاتها‭ ‬قدرة‭ ‬التوصيل‭ ‬بمراوغاتها‭ ‬الكثيرة‭. ‬لكن‭ ‬“ترسيمة‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الأخرس‮»‬‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬الراوي‭ ‬من‭ ‬س‭. ‬يزهار،‭ ‬كما‭ ‬يقول،‭ ‬أسقطت‭ ‬على‭ ‬حكاية‭ ‬وضاح‭ ‬اليمن‭ ‬وصندوق‭ ‬الموت‭ ‬حيث‭ ‬لفّه‭ ‬الصمت‭ ‬وتواطأ‭ ‬عليه‭ ‬الضحية‭ ‬والخليفة‭ ‬القاتل‭. ‬هذا‭ ‬الإسقاط‭ ‬وراء‭ ‬تأويل‭ ‬“رجال‭ ‬في‭ ‬الشمس‮»‬‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬أيضاً‭ ‬مقروءة‭ ‬بشكل‭ ‬معكوس،‭ ‬فلماذا‭ ‬يصمت‭ ‬العالم‭ ‬إزاء‭ ‬هذا‭ ‬السجن،‭ ‬الغيتو،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الخزان‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬التابوت‭ ‬والقبر‭ ‬أو‭ ‬بين‭ ‬أسلاك‭ ‬‮«»»»‬‭ ‬التي‭ ‬تحيط‭ ‬بالمتبقين‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬البلاد‭.‬

الترسيمة‭ ‬المذكورة‭ ‬هي‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للرواية‭ ‬داخل‭ ‬الرواية‭ ‬ضمن‭ ‬عملية‭ ‬ترقيع‭ ‬واسعة‭ ‬يظهر‭ ‬فيها‭ ‬الروائي‭ ‬الفاعل‭ ‬متواطئاً‭ ‬مع‭ ‬الروائي‭ ‬الأستاذ،‭ ‬مختلفاً‭ ‬معه،‭ ‬متنازعاً،‭ ‬ونسخةً‭ ‬عن‭ ‬الشاعر‭ ‬راشد‭ ‬حسين‭ ‬وانتحاره‭ ‬في‭ ‬نيويورك‭. ‬ولهذا‭ ‬تأتي‭ ‬تساؤلات‭ ‬بديل‭ ‬الروائي،‭ ‬بائع‭ ‬الفلافل‭ ‬في‭ ‬نيويورك‭ ‬آدم‭ ‬دنّون،‭ ‬محض‭ ‬تبريرات‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬آت،‭ ‬لما‭ ‬حفزته‭ ‬“خربة‭ ‬خزعة”‭. ‬صمت‭ ‬وضاح‭ ‬حفزه‭ ‬“إلى‭ ‬تحويل‭ ‬هذا‭ ‬المخطط‭ ‬إلى‭ ‬عمل‭ ‬روائي‭. ‬روايتي‭ ‬سوف‭ ‬تقود‭ ‬إلى‭ ‬الصندوق‭. ‬وهي‭ ‬تشبه‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬رواية‭ ‬غسان‭ ‬كنفاني‭ ‬‘رجال‭ ‬تحت‭ ‬الشمس’،‭ ‬التي‭ ‬أوصلت‭ ‬أبطالها‭ ‬إلى‭ ‬خزّان‭ ‬صهريج‭ ‬الماء‭ ‬كي‭ ‬تطرح‭ ‬عليهم‭ ‬سؤال‭ ‬اللماذا‭. ‬سؤال‭ ‬كنفاني‭ ‬جاء‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬الخزان،‭ ‬أما‭ ‬سؤالي‭ ‬فسيكون‭ ‬من‭ ‬عتمة‭ ‬الداخل”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»‬‭)‬‭. ‬الناجون‭ ‬من‭ ‬مذبحة‭ ‬اللدّ‭ ‬‭(‬‮«»»‬‭-‬‮»»»‬‭)‬‭ ‬أمثال‭ ‬د‭. ‬ميخائيل‭ ‬قلة،‭ ‬لأن‭ ‬الفرقة‭ ‬‮«»‬‭ ‬التي‭ ‬قادها‭ ‬موشيه‭ ‬دايان‭ ‬أنهت‭ ‬مذبحتها‭ ‬في‭ ‬ساعة‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭. ‬ولم‭ ‬يتبق‭ ‬غير‭ ‬أنفار‭ ‬منهم‭ ‬الطفل‭ ‬آدم‭ ‬“ابن‭ ‬المدينة‭ ‬الذبيح”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭. ‬الذي‭ ‬سمع‭ ‬روايات‭ ‬المذبحة‭ ‬من‭ ‬الآخرين،‭ ‬ومن‭ ‬أمه‭ ‬بالتبني‭. ‬أما‭ ‬الغائب‭ ‬من‭ ‬المروي‭ ‬والذاكرة‭ ‬المثقوبة‭ ‬فهو‭ ‬ما‭ ‬يحتم‭ ‬التنقيب‭ ‬لمعرفة‭ ‬“لوثة‭ ‬الدم”‭ ‬التي‭ ‬جاء‭ ‬بها‭ ‬منفذو‭ ‬المذبحة‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬لزوم‭ ‬اتخاذ‭ ‬“موقف‭ ‬المتفرج”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬أبو‭ ‬تمام‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬،‭ ‬سيعلن‭ ‬آدم‭ ‬“حكايات‭ ‬الغيتو‭ ‬لا‭ ‬تنتهي”،‭ ‬لا‭ ‬لأنها‭ ‬“تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬آلاف‭ ‬الصفحات”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬،‭ ‬ولكن‭ ‬لأن‭ ‬الحكاية‭ ‬“هي‭ ‬الحياة‭ ‬نفسها”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬،‭ ‬ولأنه‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬“مجرد‭ ‬راوٍ”‭ ‬لما‭ ‬شاهد‭ ‬وعاش‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭.‬

‭ ‬رواية‭ ‬“أولاد‭ ‬الغيتو”‭ ‬تلعب‭ ‬بامتياز‭ ‬لعبة‭ ‬الروي‭ ‬أو‭ ‬الواعي‭ ‬بنفسه،‭ ‬وتعتمد‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬النصوص‭ ‬والمحكيات‭ ‬والذكريات‭ ‬والتقارير،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬النتيجة‭ ‬خرقت‭ ‬الصمت‭ ‬وبعثت‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬صفحات‭ ‬أريد‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تطمس‭ ‬مع‭ ‬الذاكرة‭ ‬الواهنة‭ ‬لجيل‭ ‬أخذ‭ ‬بالانقراض‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬أرشفة‭ ‬المحرقة‭ ‬النازية‭ ‬اليوم‭ ‬هي‭ ‬الشغل‭ ‬الشاغل‭ ‬الذي‭ ‬تعتمده‭ ‬الصهيونية‭ ‬لغلق‭ ‬باب‭ ‬التساؤلات‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬ويجري‭ ‬منذ‭ ‬‮«»»»‬،‭ ‬فإن‭ ‬“خربة‭ ‬خزعة”‭ ‬وأعداد‭ ‬مجلة‭ ‬“شؤون‭ ‬فلسطينية”‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬نصوص‭ ‬وروايات،‭ ‬تجعل”‭ ‬أولاد‭ ‬الغيتو”‭ ‬على‭ ‬عتبة‭ ‬الخرق،‭ ‬خرق‭ ‬الصمت‭ ‬واستنطاقه‭.‬

مصائر..ربعي‭ ‬المدهون

يفترض ‬هذا‭ ‬العنوان‭ ‬أن‭ ‬التدفق‭ ‬السردي‭ ‬العربي‭ ‬الهائل‭ ‬في‭ ‬الألفية‭ ‬الثالثة‭ ‬حتمته‭ ‬ظروف‭ ‬موضوعية‭ ‬وأخرى‭ ‬طارئة‭ ‬أو‭ ‬مؤقتة،‭ ‬فالظرف‭ ‬الموضوعي‭ ‬يقارب‭ ‬ما‭ ‬يعنيه‭ ‬‭(‬كانت‭)‬‭ ‬وبعده‭ ‬ميشيل‭ ‬فوكو‭ ‬بـ”حالة‭ ‬الإمكان”‭ ‬و”التحقق”‭. ‬وهو‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬محصلة‭ ‬التغيرات‭ ‬الشديدة‭ ‬التي‭ ‬تهز‭ ‬المجتمعات‭ ‬وتربك‭ ‬بنيتها‭ ‬وتلغي‭ ‬كثافتها‭ ‬السكانية‭ ‬وتحتم‭ ‬الهجرات‭ ‬الكبرى‭. ‬وأسبابها‭ ‬تتفاوت‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الغزو‭ ‬الخارجي‭ ‬والاحتراب‭ ‬الداخلي‭ ‬والتعامل‭ ‬الوثيق‭ ‬مع‭ ‬الرساميل‭ ‬العالمية‭ ‬وغياب‭ ‬داعي‭ ‬الوحدات‭ ‬القومية‭ ‬وظهور‭ ‬الفضائيات‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬أو‭ ‬تعارض‭ ‬الأوضاع‭ ‬المذكورة‭ ‬وشيوع‭ ‬وسائل‭ ‬الاتصال‭ ‬والتواصل‭ ‬الاجتماعي‭. ‬أما‭ ‬الطارئ‭ ‬فهو‭ ‬التشجيع‭ ‬والدعم‭ ‬والتظاهر‭ ‬الإعلامي‭. ‬ولا‭ ‬يقلل‭ ‬العامل‭ ‬المؤقت‭ ‬من‭ ‬قيمته‭ ‬معرفياً‭ ‬وثقافياً،‭ ‬فهو‭ ‬دافع‭ ‬ومحرك‭.‬

لكنني‭ ‬معنيٌّ‭ ‬هنا‭ ‬بأمر‭ ‬آخر‭ ‬لافت‭ ‬للإنتباه‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بالرواية‭ ‬الفائزة‭ ‬بجائزة‭ ‬بوكر‭ ‬لهذا‭ ‬العام،‭ ‬أي‭ ‬“مصائر”‭ ‬لربعي‭ ‬المدهون،‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬ب”مصائر”‭ ‬و‭ ‬“أولاد‭ ‬الغيتو”‭ ‬من‭ ‬روايات‭ ‬“النص”،‭ ‬أو‭ ‬“ما‭ ‬وراء‭ ‬الرواية”،‭ ‬أو‭ ‬الرواية‭ ‬المغايرة‭ ‬“الرواية‭ ‬داخل‭ ‬رواية”،‭ ‬أي‭ ‬الرواية‭ ‬الواعية‭ ‬بذاتها‭. ‬وكنت‭ ‬قد‭ ‬تعاملت‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬سنة‭ ‬‮«»»»‬،‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬ظهر‭ ‬فيه‭ ‬كتاب‭ ‬Patricia‭ ‬Waugh‭ ‬؛‭ ‬وتوسعت‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬كتابي‭ ‬“ثارات‭ ‬شهرزاد‭ : ‬فن‭ ‬السرد‭ ‬العربي‭ ‬الحديث”‭ ‬‭(‬دار‭ ‬الآداب‭ ‬‮«»»»‬‭)‬‭. ‬وتناول‭ ‬الفصل‭ ‬السادس‭ ‬“مخلوقات”‭ ‬فاضل‭ ‬العزاوي‭ ‬الجميلة،‭ ‬و”لعبة‭ ‬النسيان”‭ ‬لمحمد‭ ‬برادة،‭ ‬و”القصر‭ ‬المسحور”‭ ‬لطه‭ ‬حسين‭ ‬وتوفيق‭ ‬الحكيم،‭ ‬و”عالم‭ ‬بلا‭ ‬خرائط”‭ ‬لجبرا‭ ‬ابراهيم‭ ‬جبرا‭ ‬وعبدالرحمن‭ ‬منيف،‭ ‬و”التجليات”‭ ‬لجمال‭ ‬الغيطاني،‭ ‬و”صراخ‭ ‬في‭ ‬ليل‭ ‬طويل”‭ ‬لجبرا‭ ‬و”الحرب‭ ‬في‭ ‬برّ‭ ‬مصر”‭ ‬ليوسف‭ ‬القعيد‭ ‬و”شرق‭ ‬المتوسط”‭ ‬لعبدالرحمن‭ ‬منيف‭.‬

والرواية‭ ‬الواعية‭ ‬بذاتها‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تستدعي‭ ‬النصوص‭ ‬الأخرى،‭ ‬وبينها‭ ‬نصوص‭ ‬المؤلف،‭ ‬الذي‭ ‬يمكّن‭ ‬شخصياته‭ ‬لتناقش‭ ‬أمراً‭ ‬وتختلف‭ ‬مع‭ ‬المؤلف‭ ‬وغيره‭. ‬ويكون‭ ‬النص‭ ‬الفرعي‭ ‬“التحتي”‭ ‬هو‭ ‬الغالب،‭ ‬بينما‭ ‬يتوارى‭ ‬الروائي‭ ‬وهو‭ ‬يحرك‭ ‬شخوصه‭. ‬وما‭ ‬حضوره‭ ‬هنا‭ ‬وهناك‭ ‬إلاّ‭ ‬بقصد‭ ‬إذكاء‭ ‬“صنعة”‭ ‬الروي،‭ ‬واللعب‭ ‬على‭ ‬المعيش‭ ‬والمتخيل؛‭ ‬وهو‭ ‬بحضوره‭ ‬الطارئ‭ ‬أو‭ ‬المعلن‭ ‬يتعمد‭ ‬الانزواء‭ ‬مرة‭ ‬والتباهي‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬فهو‭ ‬المغبون‭ ‬أو‭ ‬المتسلط‭. ‬والقصد‭ ‬أن‭ ‬ظاهرة‭ ‬الرواية‭ ‬المغايرة‭ ‬“رواية‭ ‬النص،‭ ‬أو‭ ‬الواعية‭ ‬بذاتها”‭ ‬ليست‭ ‬جديدة‭. ‬لكن‭ ‬الجديد‭ ‬هو‭ ‬خروجها‭ ‬على‭ ‬الصمت،‭ ‬فالرواية‭ ‬الواعية‭ ‬بذاتها‭ ‬تأخذ‭ ‬أحياناً‭ ‬دور‭ ‬الناقد‭ ‬والقارئ‭. ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬تعتمد‭ ‬الأصوات‭ ‬والحوار‭ ‬للتساؤل‭ ‬في‭ ‬أمور‭ ‬فنية‭ ‬وأخرى‭ ‬حياتية‭ ‬ووجدانية‭ ‬وتسحب‭ ‬البساط‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬أقدام‭ ‬الساسة‭ ‬والمنظّرين‭ ‬لتتساءل‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬والمفاهيم‭ ‬والأحداث‭. ‬وهي‭ ‬وإن‭ ‬بدت‭ ‬في‭ ‬ظاهرها‭ ‬من‭ ‬ملامح‭ ‬“ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة”‭ ‬في‭ ‬ظهورها‭ ‬الغربي،‭ ‬إلاّ‭ ‬أنها‭ ‬تسلك‭ ‬ذلك‭ ‬لتسفيه‭ ‬بَطر‭ ‬“ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة”‭ ‬وتغنّيها‭ ‬بموت‭ ‬السرديات‭ ‬الكبرى‭. ‬وعندما‭ ‬يكون‭ ‬الموضوع‭ ‬بجسامة‭ ‬الصمت‭ ‬المطبق‭ ‬الذي‭ ‬رافق‭ ‬‮«»»»‬‭ ‬وحوّلها‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬تعريف‭ ‬فحسب،‭ ‬نكبة،‭ ‬فإن‭ ‬خرق‭ ‬جدار‭ ‬الصمت‭ ‬وتملّي‭ ‬بعض‭ ‬ثنايا‭ ‬الخراب‭ ‬العظيم‭ ‬الذي‭ ‬طال‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الضحايا‭ ‬في‭ ‬“مقتلة”‭ ‬بعد‭ ‬أخرى‭ ‬وشمل‭ ‬القرى‭ ‬والأحياء‭ ‬وجغرافية‭ ‬بلاد‭ ‬شاملة‭ ‬ليس‭ ‬أمراً‭ ‬اعتيادياً‭. ‬هنا‭ ‬تأتي‭ ‬أهمية‭ ‬الرواية‭ ‬الواعية‭ ‬بذاتها‭ ‬لأنها‭ ‬ستضع‭ ‬التاريخ‭ ‬أمام‭ ‬نفسه‭.‬

ولكاتب‭ ‬الرواية‭ ‬الواعية‭ ‬بذاتها‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬ما‭ ‬يريد‭ ‬متسللاً‭ ‬مرة‭ ‬وصريحاً‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬ليخبرنا‭ ‬عبر‭ ‬الصوت‭ ‬والنظرة‭ ‬والمقابلة‭ ‬بين‭ ‬الساكن‭ ‬الجديد‭ ‬والمالك‭ ‬السابق،‭ ‬المهاجر‭ ‬والمواطن‭ ‬الأصلي،‭ ‬بقصة‭ ‬أخرى‭ ‬طالها‭ ‬الصمت،‭ ‬وتواطأ‭ ‬عليه‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬وحتى‭ ‬المحلي،‭ ‬بينما‭ ‬أخرجه‭ ‬“المستوطن”‭ ‬من‭ ‬حساباته‭ ‬ضمن‭ ‬أسطورة‭ ‬وطن‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬ألفي‭ ‬عام،‭ ‬أرض‭ ‬الميعاد،‭ ‬فالرواية‭ ‬المغايرة‭ ‬“الواعية‭ ‬بذاتها”‭ ‬تحفر‭ ‬بين‭ ‬طيّات‭ ‬الصمت‭ ‬وجعجعة‭ ‬الخطاب‭ ‬البائر‭.‬

‭ ‬لم‭ ‬يغب‭ ‬المؤلف‭ ‬ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يغيب‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الكتابة‭ ‬“مصائر”‭ ‬مثلاً‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تعدو‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬رواية‭ ‬في‭ ‬داخل‭ ‬رواية،‭ ‬أو‭ ‬شراكة‭ ‬سردية‭ ‬بين‭ ‬الشخوص،‭ ‬بصفتهم‭ ‬كتابا‭ ‬أيضاً،‭ ‬أي‭ ‬مدونين‭ ‬لما‭ ‬يرون‭ ‬ويسمعون‭ ‬ويشهدون‭: ‬وليد‭ ‬نازحاً‭ ‬محظوظاً‭ ‬‭(‬‭ ‬في‭ ‬لندن‭)‬‭ ‬وجنين‭ ‬مقيمة‭ ‬تكتب‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬مساءلة‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬الوطن،‭ ‬شأن‭ ‬بطل‭ ‬الشخصية‭ ‬الكاتبة‭ ‬جنين‭ ‬“باقي‭ ‬هناك”‭ ‬في‭ ‬حكايتها‭ ‬“فلسطيني‭ ‬تيس‮»‬‭ ‬‭(‬‭ ‬ص‭ ‬ص‭ ‬‮«»»‬‭-‬‮»»»‬‭)‬‭. ‬وبهذا‭ ‬التقابل‭ ‬بين‭ ‬نازحٍ‭ ‬وباقٍ‭ ‬يُريد‭ ‬المدهون‭ ‬أن‭ ‬يتقصى‭ ‬خطابي‭ ‬النكبة،‭ ‬مهمشاً‭ ‬المحنة‭ ‬الكبرى،‭ ‬المقتلة‭ ‬في‭ ‬تعبير‭ ‬آدم‭ ‬في‭ ‬“أولاد‭ ‬الغيتو”‭ ‬عندما‭ ‬حلّت‭ ‬المجازر‭ ‬العظمى‭ ‬والدفن‭ ‬الجماعي‭ ‬للآلاف‭ ‬من‭ ‬الفلسطينيين‭. ‬تستمد‭ ‬رواية‭ ‬“مصائر”‭ ‬أثرها‭ ‬كسردٍ‭ ‬واعٍ‭ ‬بذاته‭ ‬من‭ ‬ثنائيات‭ ‬التقابل‭ ‬وتداخلها‭ ‬لتقدم‭ ‬لنا‭ ‬مشهد‭ ‬الخراب‭ ‬كما‭ ‬يبلغه‭ ‬الخطاب‭ ‬المزدوج‭. ‬مشهد‭ ‬الخراب‭ ‬يستدعي‭ ‬المزيد‭ ‬الذي‭ ‬عرفه‭ ‬وخبره‭ ‬الناجون‭ ‬من‭ ‬المجزرة‭-‬المقتلة‭. ‬وبينما‭ ‬يحرصُ‭ ‬المستوطنون‭ ‬القادمون‭ ‬من‭ ‬أوروبا‭ ‬وبعض‭ ‬أنحاء‭ ‬البلاد‭ ‬المجاورة‭ ‬على‭ ‬بيع‭ ‬مأساتهم‭ ‬لحكومتهم‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭ ‬لكسب‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الامتيازات،‭ ‬يتشرد‭ ‬أهالي‭ ‬البلاد‭ ‬وتؤول‭ ‬“حقيقة‭ ‬فلسطين‭ ‬مدفونة‭ ‬تحت‭ ‬ركام‭ ‬من‭ ‬الظلم”‭ ‬‭(‬ص‮»»»‬‭)‬‭. ‬هناك‭ ‬إحالات‭ ‬طفيفة‭ ‬إلى‭ ‬رواية‭ ‬أهداف‭ ‬سويفIn‭ ‬the‭ ‬Eye‭ ‬of‭ ‬the‭ ‬Sun؛‭ ‬ويَبقى‭ ‬الجانب‭ ‬الأهم‭ ‬في‭ ‬“مصائر”‭ ‬يتعلق‭ ‬بالجغرافيا‭ ‬الفلسطينية‭ ‬إزاء‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬عليه‭ ‬الآن،‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬ما‭ ‬تعكسه‭ ‬التغييرات‭ ‬من‭ ‬إبدالات‭ ‬سياسية‭-‬ثقافية‭-‬عرقية‭-‬دينية،‭ ‬ولكن‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬وضع‭ ‬تأريخ‭ ‬للجغرافية‭ ‬الملغاة‭ ‬‭(‬كسقوط‭ ‬عكا‭-‬‭ ‬‮«»‬‭-‬‭ ‬مايو،‭ ‬‮«»»»‬‭)‬،‭ ‬وسقوط‭ ‬‭(‬المجدل‭ ‬عسقلان،‭ ‬‮«‬‭ ‬نوفمبر‭-‬‭ ‬‮«»»»‬‭)‬،‭ ‬وهكذا‭ ‬نرى‭ ‬ما‭ ‬نرى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬شخوص‭ ‬مصنوعين‭ ‬سرداً‭ ‬وهم‭ ‬يتفرجون‭ ‬على‭ ‬منازلهم‭ ‬عند‭ ‬غيرهم‭ ‬ممن‭ ‬يشرح‭ ‬لهم‭ ‬بشكل‭ ‬مضحك‭ ‬ما‭ ‬ألفوه‭ ‬وعرفوه‭ ‬ملكاً‭ ‬لآبائهم‭ ‬وهويةً‭ ‬وعدةَ‭ ‬أداء‭ ‬وفعل،‭ ‬كالرحا‭ ‬مثلاً‭ ‬“تفرجنا‭ ‬على‭ ‬أنفسنا”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»‬‭)‬‭. ‬عينُ‭ ‬النازح‭-‬المتفرج‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬ماضٍ‭ ‬وتتواطأ‭ ‬صمتاً‭ ‬عن‭ ‬حاضر‭ ‬يطردهم‭ ‬ولا‭ ‬يتعامل‭ ‬معهم‭ ‬حتى‭ ‬كأنصاف‭ ‬مواطنين‭. ‬وبين‭ ‬الماضي‭ ‬والحاضر‭ ‬تلتبس‭ ‬الهويات؛‭ ‬وتبرر‭ ‬الرواية‭ ‬الواعية‭ ‬بذاتها‭ ‬ذلك‭ ‬ضمناً‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬تحصيل‭ ‬حاصل‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭. ‬لا‭ ‬أدري‭ ‬لماذا‭ ‬جئ‭ ‬بغسالة‭ ‬‭(‬الشرف‭ ‬القبلي‭)‬‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الميدان‭ ‬بعدما‭ ‬بدت‭ ‬التساؤلات‭ ‬الأساس‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬الالتباس،‭ ‬فهل‭ ‬بمقدور‭ ‬أحد‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬البقاء‭ ‬والصمود؟‭ ‬ومواجهة‭ ‬أبشع‭ ‬أنواع‭ ‬البطش‭ ‬والتمييز؟‭ ‬هل‭ ‬الهرب‭ ‬والنزوح‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬‭(‬لكم‭)‬؟‭ ‬هل‭ ‬أصبح‭ ‬الفلسطيني‭ ‬ضحية‭ ‬الضحية‭ ‬التي‭ ‬استيقظت‭ ‬على‭ ‬الدمار‭ ‬الذي‭ ‬طالها‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬لتزرعه‭ ‬أينما‭ ‬حلّت‭ ‬في‭ ‬“أرض‭ ‬الميعاد”؟‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هذه‭ ‬معادلة‭ ‬“مصائر”،‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭ ‬فالمأزق‭ ‬جرح‭ ‬ينزف،‭ ‬ومعه‭ ‬تنزف‭ ‬الذاكرة‭ ‬الباحثة‭ ‬عبثاً‭ ‬عن‭ ‬بديل،‭ ‬لكنها‭ ‬تعترف‭ ‬ضمناً‭ ‬للباقين‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬بإرادة‭ ‬تبدو‭ ‬عبثاً‭ ‬و‭(‬تياسة‭)‬‭ ‬للنازحين‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭ ‬أو‭ ‬ممن‭ ‬يفكرون‭ ‬بذلك‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬المعاملة‭ ‬وسوئها‭.‬

‭ ‬تعرض‭ ‬“مصائر”‭ ‬عبرَ‭ ‬أصواتها‭ ‬لواقع‭ ‬مفروض،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬ترتق‭ ‬إلى‭ ‬“المأساة”،‭ ‬مأساة‭ ‬“المقتلة”‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬الآخرين،‭ ‬وبقيت‭ ‬أرشيفاً‭ ‬غائراً‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬“منكوب”‭. ‬ولهذا‭ ‬تجئ‭ ‬“أولاد‭ ‬الغيتو”‭ ‬متممة‭ ‬ومصححة،‭ ‬واضعة‭ ‬الأمور‭ ‬في‭ ‬“نصاب”‭ ‬ما‭ ‬يهدم‭ ‬جدران‭ ‬الصمت‭ ‬عبرَ‭ ‬مراوغات‭ ‬سردية‭ ‬تميزها‭ ‬كرواية‭ ‬واعية‭ ‬بذاتها‭ ‬‭(‬أي‭ ‬رواية‭ ‬مغايرة‭)‬‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬“مصائر”رتحيل‭ ‬على‭ ‬نص‭ ‬داخلي،‭ ‬أي‭ ‬رواية‭ ‬مزعومة،‭ ‬فإن‭ ‬النص‭ ‬التحتي‭ ‬يتشكل‭ ‬من‭ ‬كتابات‭ ‬آخرين‭ ‬كغسان‭ ‬كنفاني‭ ‬وأميل‭ ‬حبيبي،‭ ‬وجبرا‭ ‬إبراهيم‭ ‬جبرا،‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬المشاهدات‭ ‬والمرويات‭ ‬والمسموعات‭.‬

فهرس..سنان‭ ‬أنطون

لا ‭ ‬أدري‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬المصادفة‭ ‬وحدها‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬أستاذين‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬نيويورك‭ ‬ليعقدا‭ ‬مباراة‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬“الرواية‭ ‬المغايرة”،‭ ‬أو‭ ‬الواعية‭ ‬بذاتها،‭ ‬لكني‭ ‬وجدت‭ ‬أصداءً‭ ‬في‭ ‬العملين‭ ‬تخص‭ ‬“المخطوط”‭ ‬و”الذاكرة”‭ ‬والحياة‭ ‬والروي‭ ‬والتماهيات‭ ‬بين‭ ‬المؤلف‭ ‬وشخصيته‭ ‬الظل‭ ‬أو‭ ‬بديل‭ ‬المؤلف‭ ‬وصوته،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬حال‭ ‬نمير‭ ‬البغدادي‭ ‬في‭ ‬“فهرس‮»‬‭ ‬سنان‭ ‬أنطون‭. ‬يستعيد‭ ‬نمير‭ ‬البغدادي‭ ‬سيرة‭ ‬ذاتية‭ ‬للمؤلف،‭ ‬دراسته‭ ‬في‭ ‬هارفرد،‭ ‬تعيينه‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬دارتموث‭ ‬النخبوية،‭ ‬ثم‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬نيويورك‭. ‬وهو‭ ‬كذلك‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬التنويه‭ ‬بمشروعه‭ ‬السردي‭ ‬عن‭ ‬“المغيسل”‭ ‬الذي‭ ‬ظهر‭ ‬في‭ ‬روايته‭ ‬“يا‭ ‬مريم‮…‬”‭ ‬والتي‭ ‬قام‭ ‬بترجمتها‭ ‬إلى‭ ‬الإنكليزية‭ ‬بعنوان‭ ‬“مغسلجي”،‭ ‬أو‭ ‬“غاسل‭ ‬الجثامين”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬ص‮»»‬‭.‬‮»»‬‭)‬‭. ‬وهو‭ ‬المؤلف‭ ‬أيضاً‭ ‬عندما‭ ‬يحيل‭ ‬إلى‭ ‬الفلم‭ ‬الوثائقي‭ ‬البكر‭ ‬الذي‭ ‬أعده‭ ‬عن‭ ‬الاحتلال‭ ‬ودمار‭ ‬المكتبات‭ ‬‭(‬ص‭ ‬ص‭ ‬‮«»‬‭-‬‮»»‬‭)‬‭. ‬وهو‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الأستاذ‭ ‬العراقي‭ ‬المحبوب‭ ‬صاحب‭ ‬الولع‭ ‬بالمخطوطات‭ ‬والنوادر،‭ ‬محمد‭ ‬باقر‭ ‬علوان‭ ‬‭(‬ص‭ ‬ص‭ ‬‮«»‬‭-‬‮»»‬‭)‬‭. ‬ويظهر‭ ‬المؤلف‭ ‬كثيراً‭ ‬في‭ ‬الاقتباسات‭ ‬الشعرية‭ ‬الأثيرة‭ ‬لديه‭ ‬عن‭ ‬أبي‭ ‬نواس،‭ ‬كما‭ ‬أكثر‭ ‬إلياس‭ ‬خوري‭ ‬من‭ ‬الأخذ‭ ‬عن‭ ‬أبي‭ ‬تمام‭ ‬ووضاح‭ ‬اليمن‭ ‬وآخرين‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬إلياس‭ ‬خوري‭ ‬قد‭ ‬اتخذ‭ ‬من‭ ‬“خربة‭ ‬خزعة”‭ ‬نصاً‭ ‬تحتياً‭ ‬لأرشيفه‭ ‬الذي‭ ‬يردم‭ ‬ثغرات‭ ‬روايته‭ ‬“باب‭ ‬الشمس‮»‬،‭ ‬فإن‭ ‬“فهرس‮»‬‭ ‬هي‭ ‬ترميم‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬آخر‭. ‬فهي‭ ‬أصداء‭ ‬سيرة‭ ‬ذاتية‭ ‬يريد‭ ‬المؤلف‭ ‬الخلاص‭ ‬منها‭ ‬ووضعها‭ ‬في‭ ‬“فهرس‮»‬‭ ‬ودود،‭ ‬شذراته‭ ‬واقتباساته‭ ‬وإحالاته،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬نصوص‭ ‬التوحيدي‭ ‬الذائعة‭ ‬في‭ ‬الغربة‭ ‬والغريب‭ ‬وقصة‭ ‬حرقه‭ ‬لكتبه‭ ‬كما‭ ‬رواها‭ ‬في‭ ‬رسالة‭ ‬له‭ ‬بهذا‭ ‬الشأن‭. ‬حضر‭ ‬النصّان‭ ‬في‭ ‬“فهرس‮»‬‭ ‬بتمامهما‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬بائع‭ ‬الفلافل‭ ‬آدم‭ ‬دنّون‭ ‬يتباعد‭ ‬كثيراً‭ ‬عن‭ ‬المؤلف،‭ ‬فهو‭ ‬أيضاً‭ ‬القارئ‭ ‬والناقد‭ ‬والكاتب‭ ‬الذي‭ ‬يماطل‭ ‬داعي‭ ‬الرواية‭ ‬ويقرر‭ ‬التساؤل‭ ‬في‭ ‬متنه‭ ‬السردي‭ ‬وفي‭ ‬النقد‭ ‬الدارج‭ ‬عن‭ ‬الكتابة‭ ‬والذاكرة‭ ‬وشعرية‭ ‬محمود‭ ‬درويش‭. ‬وكذلك‭ ‬حال‭ ‬منير‭ ‬البغدادي‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬يستعيد‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬للمؤلف‭ ‬ويضعها‭ ‬عند‭ ‬تقاطعات‭ ‬لم‭ ‬تزل‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬أجوبة‭ ‬نهائية‭. ‬فأيهما‭ ‬يستحق‭ ‬الأولوية‭ ‬في‭ ‬سلم‭ ‬الاهتمامات،‭ ‬الكتابة‭ ‬أم‭ ‬الدرس‭ ‬والبحث‭ ‬الأكاديمي؟‭ ‬وأين‭ ‬يقف‭ ‬المؤلف‭ ‬إزاء‭ ‬القضايا‭ ‬الشائكة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العصر؟‭ ‬وإذ‭ ‬يكون‭ ‬موضوع‭ ‬إلياس‭ ‬خوري‭ ‬الأثير‭ ‬هو‭ ‬عام‭ ‬‮«»»»‬‭ ‬والصمت‭ ‬الذي‭ ‬يحيطه،‭ ‬فإن‭ ‬موضوع‭ ‬سنان‭ ‬أنطون‭ ‬الأثير‭ ‬هو‭ ‬العراق‭ ‬الذي‭ ‬شغله‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬رواياته‭ ‬وأشعاره،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬ابن‭ ‬العراق‭ ‬البار‭ ‬وأحد‭ ‬مثقفيه‭ ‬الشباب‭ ‬المبرزين‭. ‬لكن‭ ‬“فهرس‮»‬‭ ‬رواية‭ ‬واعية‭ ‬بذاتها‭ ‬لأسباب‭ ‬أخرى‭ ‬غير‭ ‬التلاقي‭ ‬والافتراق‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬نيويورك‭ ‬ودروب‭ ‬منطقتها‭ ‬ومقاهيها‭ ‬وباراتها،‭ ‬وأهم‭ ‬هذه‭ ‬الأسباب‭ ‬ذلك‭ ‬التماهي‭ ‬المرسوم‭ ‬عن‭ ‬قصد‭ ‬بين‭ ‬بائع‭ ‬الكتب‭ ‬ودود‭ ‬عبدالكريم‭ ‬وبين‭ ‬نمير‭ ‬بغدادي‭ ‬بصفته‭ ‬“بديل”‭ ‬سنان‭ ‬أنطون‭ ‬سارداً‭ ‬بلسانه‭ ‬وصوته‭. ‬فليس‭ ‬مشروع‭ ‬ودود‭ ‬لوضع‭ ‬فهرس‭ ‬اللحظات‭ ‬والدقائق‭ ‬وحده‭ ‬الذي‭ ‬يراد‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يشكل‭ ‬إطار‭ ‬المؤلف‭ ‬‭(‬المرجعي‭-‬‭ ‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭ ‬“سألت‭ ‬نفسي‮…‬‭ ‬إنْ‭ ‬كان‭ ‬هوسي‭ ‬بودود‭ ‬وبمخطوطته‭ ‬يتحكم‭ ‬بأولوياتي‭ ‬ويحدد‭ ‬لي‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬انتباهي‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬نيويورك”‭. ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬يحتفظ‭ ‬“دائماً‭ ‬بقصاصات‭ ‬من‭ ‬الجرائد‭ ‬أو‭ ‬المجلات”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»‬‭)‬،‭ ‬ليصاب‭ ‬“بعدوى‭ ‬الأرشفة”،‭ ‬ويقوم‭ ‬بتدوين‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬“كنت‭ ‬أُدوّن‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭ ‬وبوده‭ ‬منذ‭ ‬سن‭ ‬العاشرة‭ ‬لو‭ ‬“يقرأ‭ ‬الجميع‭ ‬ما‭ ‬أكتبه”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭. ‬وبلغ‭ ‬التماهي‭ ‬مبلغاً‭ ‬حتى‭ ‬رأى‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الأحلام‭ ‬والكوابيس‭ ‬“أننا‭ ‬كنّا‭ ‬شخصاً‭ ‬واحداً‭. ‬تجمعنا‭ ‬أنا‭ ‬واحدة”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭. ‬ويضيف‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭ ‬“أقلّب‭ ‬الدفتر‭ ‬وأكتشف‭ ‬أن‭ ‬كلماتي‭ ‬صارت‭ ‬تشبه‭ ‬كلمات‭ ‬ودود‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المواضيع‮»‬‭. ‬أما‭ ‬ودود‭ ‬فقد‭ ‬خصه‭ ‬بملاحظة‭ ‬تقول‭ ‬“لا‭ ‬توجد‭ ‬نهايات‭ ‬حقيقية،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬بدايات‭ ‬حقيقية‭. ‬إنْ‭ ‬هي‭ ‬إلاّ‭ ‬حدود‭ ‬وهمية‭ ‬وإشارات‭ ‬وعلامات‭ ‬نضعها‭ ‬نحن‭ ‬لننظم‭ ‬ضياعنا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الوجود‭ ‬العشوائي،‭ ‬نُلبسه‭ ‬زي‭ ‬المعنى‭ ‬لنغطي‭ ‬عريه”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭. ‬أما‭ ‬النتيجة‭ ‬فهي‭ ‬“فهرس‮»‬‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أنها‭ ‬رواية‭ ‬عن‭ ‬ودود‭ ‬عبدالكريم،‭ ‬الكتبي‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬المتنبي،‭ ‬الذي‭ ‬سيرحل‭ ‬في‭ ‬انفجار‭ ‬دمّر‭ ‬الأخضر‭ ‬واليابس‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬المتنبي،‭ ‬المكتبات‭ ‬والكتب‭ ‬وباعتها‭ ‬“وخطرت‭ ‬لي‭ ‬فكرة‭ ‬كتابة‭ ‬رواية‭ ‬عن‭ ‬ودود‭ ‬وعن‭ ‬مشروعه‭. ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬تناص‭ ‬مع‭ ‬فهرسه‭ ‬واقتباس‭ ‬لمقاطع‭ ‬منه”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»‬‭)‬‭.‬

لم‭ ‬تكتمل‭ ‬حياة‭ ‬ودود‭ ‬عبدالكريم‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬رسالته‭ ‬وشذراته‭ ‬لا‭ ‬تشكل‭ ‬رواية‭ ‬بالمعنى‭ ‬المتعارف‭ ‬عليه‭ ‬قبل‭ ‬الموجة‭ ‬‭(‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭)‬‭. ‬ولولا‭ ‬تداخله‭ ‬مع‭ ‬سيرة‭ ‬منير‭ ‬البغدادي‭ ‬لبدا‭ ‬ترقيعات‭ ‬متقطعة‭ ‬تصلح‭ ‬في‭ ‬نصوص‭ ‬شعرية‭ ‬فلا‭ ‬علاجه‭ ‬النفسي‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬حل‭ ‬بعائلته‭ ‬ولا‭ ‬تماهيه‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬مع‭ ‬الكاتب‭ ‬‭(‬ص‭ ‬ص‭ ‬‮«»»‬‭-‬‮»»»‬‭)‬‭ ‬يتيح‭ ‬للسرد‭ ‬أن‭ ‬يستجمع‭ ‬بعضه‭ ‬بصفة‭ ‬أو‭ ‬بأخرى‭. ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬افترضنا‭ ‬“الرواية‭ ‬المغايرة”‭ ‬تأسيساً‭ ‬نصياً‭ ‬على‭ ‬سابق‭ ‬أو‭ ‬نص‭ ‬تحتي،‭ ‬كغربة‭ ‬أبي‭ ‬حيان‭ ‬التوحيدي‭ ‬أو‭ ‬حرقه‭ ‬كتبه‭ ‬مثلاً‭ ‬والتي‭ ‬جاءت‭ ‬بكاملها‭ ‬نصوصاً‭ ‬منقولة،‭ ‬لكان‭ ‬من‭ ‬المجدي‭ ‬عقد‭ ‬مقاربات‭ ‬أوسع‭ ‬بين‭ ‬حياة‭ ‬ودود‭ ‬وحاضره‭ ‬كتبياً‭ ‬إذ‭ ‬تبقى‭ ‬السيرة‭ ‬الشخصية‭ ‬للمؤلف‭ ‬السارد‭ ‬مهيمنة‭ ‬تهضم‭ ‬ما‭ ‬غيرها‭ ‬وتحتويه‭ ‬سرداً‭ ‬وكأنها‭ ‬تخشى‭ ‬غلبة‭ ‬الآخر‭ ‬الذي‭ ‬أفصحت‭ ‬عن‭ ‬تماه‭ ‬كلي‭ ‬به‭. ‬وعندما‭ ‬نقرأ‭ ‬لودود‭ ‬ما‭ ‬يلي‭ ‬لا‭ ‬يتبين‭ ‬لنا‭ ‬كثيراً‭ ‬أنه‭ ‬يقدم‭ ‬حياة‭ ‬غنية‭ ‬تماماً‭ ‬“لا‭ ‬أخفيك‭ ‬سراً‭ ‬أنني‭ ‬شعرت‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬الزهو‭. ‬فلطالما‭ ‬فكّرت‭ ‬أن‭ ‬حياتي،‭ ‬ما‭ ‬مضى‭ ‬وما‭ ‬تبقى‭ ‬منها،‭ ‬جديرة‭ ‬بأن‭ ‬تكون‭ ‬رواية‭ ‬رائعة،‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬فلماً‭ ‬سينمائياً‭ ‬مبهراً”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»‬‭)‬‭.‬

لكنه‭ ‬ينتهي‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬“نحن‭ ‬مخطوطات‭ ‬ومسودات‭ ‬كتب‭ ‬ولكن،‭ ‬لكي‭ ‬نكتمل‭ ‬ونقرأ،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نموت”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»‬‭)‬‭. ‬ولو‭ ‬جرى‭ ‬تمكين‭ ‬القارئ‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬دواخل‭ ‬ودود‭ ‬والتمعن‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬تكوينه‭ ‬النفسي‭ ‬والمعرفي‭ ‬والحياتي‭ ‬معادلاً‭ ‬للسارد‭ ‬لبدت‭ ‬محمولات‭ ‬التصريح‭ ‬المذكور‭ ‬أكثر‭ ‬تحققاً‭ ‬داخل‭ ‬هذا‭ ‬“الفهرس‮»‬‭. ‬وكان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬ينتهي‭ ‬القارئ،‭ ‬كما‭ ‬ينتهي‭ ‬ودود،‭ ‬إلى‭ ‬“منذ‭ ‬سنوات‭ ‬وأنا‭ ‬أبحث‭ ‬عنّي‭ ‬فيّ‭ ‬ولا‭ ‬أعثر،‭ ‬بل‭ ‬أتبعثر‭ ‬وأتبعثر”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»‬‭)‬‭.‬

“فهرس‮»‬‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬“التبعثر”‭ ‬و”الترقيع‮»‬‭. ‬وتتسامى‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬أسلوبية‭ ‬عالية‭ ‬تتيحها‭ ‬دربة‭ ‬المؤلف‭ ‬وسعة‭ ‬اطلاعه‭ ‬على‭ ‬الموروث‭. ‬ولو‭ ‬أن‭ ‬الناشر‭ ‬أطلق‭ ‬عليها‭ ‬تسمية‭ ‬“رواية‭ ‬غريبة”،‭ ‬أو‭ ‬“مغايرة”،‭ ‬أو‭ ‬ميتارواية‭ ‬لَسهُلَ‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬القارئ‭ ‬لمعرفة‭ ‬أنه‭ ‬إزاء‭ ‬تداخل‭ ‬نصيّ‭ ‬تلتقي‭ ‬فيه‭ ‬المشاهدات،‭ ‬كتلك‭ ‬التي‭ ‬تخص‭ ‬“المشرد‭ ‬النخبوي”‭(‬‭ ‬ص‮»»‬،‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭ ‬والرحلة‭ ‬إلى‭ ‬بغداد،‭ ‬والجولات‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬نيويورك‭ ‬وداخلها،‭ ‬والقراءات‭ ‬والاقتباسات‭ ‬عن‭ ‬الكتاب‭ ‬الأثيرين‭ ‬كالتوحيدي‭ ‬وأبي‭ ‬نواس‭ ‬وآخرين‭.‬

“فهرس‮»‬‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬المحصلة‭ ‬سيرة‭ ‬ذاتية‭ ‬تهضم‭ ‬ما‭ ‬غيرها،‭ ‬كما‭ ‬يهضم‭ ‬صاحبها‭ ‬القراءات‭ ‬والمشاهدات‭ ‬ويصقلها‭ ‬بدراية‭ ‬أسلوبية‭ ‬متميزة‭ ‬تعززها‭ ‬“قفشاته”‭ ‬العامية‭ ‬وهو‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يفصح‭ ‬عن‭ ‬“داء‭ ‬الفهرس‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬سيجعله‭ ‬باحثاً‭ ‬ومنقباً‭ ‬ومؤرشفاً‭ ‬باستمرار،‭ ‬فلا‭ ‬يبدو‭ ‬“الفهرس‮»‬‭ ‬مكتملاً‭ ‬ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬له‭ ‬والمؤلف‭ ‬في‭ ‬مهمته‭ ‬الشائكة‭ ‬تلك‭.‬

عطارد..محمد‭ ‬ربيع‭ ‬

يشكل إغراء‭ ‬“الرواية‭ ‬المغايرة”‭ ‬أو‭ ‬“الواعية‭ ‬بذاتها”‭ ‬دافعاً‭ ‬قوياً‭ ‬لتكراره‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر‭. ‬لكنه‭ ‬تنويع‭ ‬واحد‭ ‬تتفاوت‭ ‬فيه‭ ‬التطبيقات‭ ‬والأساليب‭. ‬وما‭ ‬يصدق‭ ‬على‭ ‬“توالدات”‭ ‬الرواية‭ ‬المذكورة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يلاحظ‭ ‬في‭ ‬تنويع‭ ‬آخر،‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬البنية‭ ‬الفنية‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬النص‭ ‬التحتي‭ ‬الذي‭ ‬يزيح‭ ‬غيره‭ ‬في‭ ‬النتيجة،‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬توالدات‭ ‬الشخوص‭ ‬داخل‭ ‬الماكنة‭ ‬الضاربة‭ ‬لأمن‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الحروب‭ ‬والغزوات‭ ‬الصغرى،‭ ‬أي‭ ‬حروب‭ ‬الإنابة‭. ‬فالقمع‭ ‬“الوطني”‭ ‬يولّد‭ ‬محترفين‭ ‬وقتلة‭ ‬ومرتزقة‭ ‬يحترفون‭ ‬المهنة‭ ‬دون‭ ‬تساؤلات‭ ‬في‭ ‬موضوع‭ ‬الحق‭ ‬والباطل،‭ ‬الصواب‭ ‬والخطأ‭. ‬الاحتراف‭ ‬خطوة‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬“الارتزاق”،‭ ‬والمحترف‭ ‬يكرر‭ ‬نفسه‭ ‬ويتوالد‭ ‬عبر‭ ‬ماكنات‭ ‬القمع‭ ‬ليكون‭ ‬في‭ ‬النتيجة‭ ‬حلقة‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬“قيام‭ ‬الساعة”‭. ‬ليس‭ ‬التوالد‭ ‬الأسلوبي‭ ‬هو‭ ‬المهم‭ ‬هنا‭ ‬وإنما‭ ‬التوالد‭ ‬بين‭ ‬الفواعل،‭ ‬فثمة‭ ‬تنويع‭ ‬آخر‭ ‬على‭ ‬“الولادة”‭ ‬السردية،‭ ‬ميدانها‭ ‬الفاعل‭ ‬الذي‭ ‬يحصر‭ ‬بصوته‭ ‬وتكوينه‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬تمعن‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬الدم‭ ‬وشهده‭ ‬كتقديم‭ ‬تتخذه‭ ‬الذاكرة‭ ‬تكويناً‭ ‬سيميائياً‭ ‬من‭ ‬الدم‭ ‬وفقدان‭ ‬الأمل‭. ‬لكن‭ ‬الأهم‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬محمد‭ ‬ربيع‭ ‬“عُطارد”‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬شخصها‭ ‬القناص،‭ ‬ابن‭ ‬الشرطة‭ ‬منذ‭ ‬يناير‭ ‬‮«»»»‬،‭ ‬والقتل‭ ‬العشوائي‭ ‬للمتظاهرين،‭ ‬شخصها‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬ابن‭ ‬الماكنة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تسحرها‭ ‬الخطابات‭ ‬الرنانة‭ ‬و”المقاومة”‭ ‬بعدما‭ ‬احترفت‭ ‬القنص‭ ‬ورأته‭ ‬مزاملة‭ ‬اعتيادية‭ ‬تبرر‭ ‬المهارة‭ ‬الفنية‭ ‬للقناص‭. ‬قلب‭ ‬محمد‭ ‬ربيع‭ ‬الخطاب‭ ‬المثالي‭ ‬للدولة‭ ‬القومية‭ ‬ووعوده‭ ‬الخلابة‭ ‬وتصريحاته‭ ‬المتواصلة‭ ‬عن‭ ‬“الجماهير”،‭ ‬ليأتي‭ ‬بما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يؤول‭ ‬إليه‭ ‬“القمع‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬قمع،‭ ‬كتوليد‭ ‬للاحتراف،‭ ‬وتجريد‭ ‬للمرء‭ ‬من‭ ‬“الإنسانية”‭ ‬ومعايير‭ ‬العدل‭ ‬والأحقية‭. ‬انقلب‭ ‬سحر‭ ‬الخطاب‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬تجسد‭ ‬في‭ ‬قنص‭ ‬عشوائي‭. ‬وما‭ ‬الأفواج‭ ‬المدربة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الميدان‭ ‬إلا‭ ‬قطيع،‭ ‬ماكنة‭ ‬مدربة‭ ‬يأتيها‭ ‬“Drone”‭ ‬وآخر‭ ‬برسالة‭ ‬متغيرة‭ ‬لتحويل‭ ‬الأهداف،‭ ‬توسيعها،‭ ‬تحديدها،‭ ‬أو‭ ‬تركها‭ ‬مطلقة‭ ‬ليأتي‭ ‬“القنص”‭ ‬مجازاً‭ ‬للقتل‭ ‬العشوائي‭. ‬لم‭ ‬يجرد‭ ‬محمد‭ ‬ربيع‭ ‬ذلك‭ ‬الكابوس‭ ‬من‭ ‬“مثالية”‭ ‬المقاومة‭ ‬الوطنية‭ ‬للاحتلال‭ ‬الافتراضي‭ ‬لجمهورية‭ ‬فرسان‭ ‬مالطا،‭ ‬والمرتزقة‭ ‬المدربين‭ ‬على‭ ‬الاحتلال‭ ‬بمهارة‭ ‬المرتزق‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬أرض‭ ‬له‭ ‬غير‭ ‬مهماته‭ ‬في‭ ‬حروب‭ ‬الإنابة‭ ‬الدولية‭ ‬الجارية‭ ‬اليوم‭. ‬هكذا‭ ‬يأتينا‭ ‬محمد‭ ‬ربيع‭ ‬بـ”بطله”‭ ‬المفترض‭ ‬الضابط‭ ‬السابق،‭ ‬أحمد‭ ‬عُطارد،‭ ‬الذي‭ ‬يتلبس‭ ‬من‭ ‬الكوكب‭ ‬جحيمه‭ ‬كلما‭ ‬يسرت‭ ‬له‭ ‬الفرصة‭ ‬للتصرف‭ ‬بحرية‭ ‬في‭ ‬“القنص”‭. ‬يصف‭ ‬عُطارد‭ ‬دوره‭ ‬ودور‭ ‬صحبه‭ ‬بأنهم‭ ‬“ملائكة‭ ‬موت”،‭ ‬يواجهون‭ ‬المحتل‭ ‬الآن،‭ ‬لكنهم‭ ‬لا‭ ‬يتورعون‭ ‬عن‭ ‬القتل‭ ‬العشوائي‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»‬‭)‬‭. ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬يتم‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬توليد‭ ‬الفوضى‭ ‬أولاً،‭ ‬وإتاحة‭ ‬الفرصة‭ ‬للعصابات‭ ‬والقتلة‭ ‬لاستكمال‭ ‬المهمة،‭ ‬تمهيداً‭ ‬لتمرد،‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬بعد‭. ‬تماهى‭ ‬خطاب‭ ‬أحمد‭ ‬عُطارد‭ ‬بخطاب‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬رأت‭ ‬“الفوضى‭ ‬الخلاقة”‭ ‬أساسية‭ ‬للبلدان‭ ‬لتبني‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬الحطام‭.‬

رواية‭ ‬محمد‭ ‬ربيع‭ ‬“عُطارد”‭ ‬تضع‭ ‬“التوليد”‭ ‬القمعي‭ ‬في‭ ‬دورته،‭ ‬لأن‭ ‬الماكنة‭ ‬تخلق‭ ‬“فرانكنشتاين”‭ ‬بعدة‭ ‬نسخ،‭ ‬وهي‭ ‬نسخ‭ ‬لا‭ ‬تتفاوت‭ ‬كثيراً‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الانهماك‭ ‬الكلي‭ ‬في‭ ‬“القنص”‭ ‬وسرعة‭ ‬الأداء‭ ‬وطيشه‭. ‬لكن‭ ‬قوة‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬موضوعها،‭ ‬أي‭ ‬تخيلها‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬ماكنة‭ ‬القمع،‭ ‬حيث‭ ‬تقوم‭ ‬قيامة‭ ‬الدنيا‭. ‬تكمن‭ ‬قوتها‭ ‬في‭ ‬بلوغ‭ ‬داخل‭ ‬الشخصية‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬غريبة‭. ‬فأحمد‭ ‬عُطارد‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬غريباً‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬قائم،‭ ‬كسقوط‭ ‬الماكنة‭ ‬ومعها‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬أيدي‭ ‬المرتزقة‭ ‬الغرباء‭. ‬إنه‭ ‬بانهماكه‭ ‬ودقته‭ ‬وولعه‭ ‬بأسلحة‭ ‬القنص‭ ‬واعتلائه‭ ‬أعلى‭ ‬برج‭ ‬القاهرة‭ ‬حيث‭ ‬مقره‭ ‬ومجموعته‭ ‬بدا‭ ‬عميقاً‭ ‬مكتملاً‭ ‬شخصاً‭. ‬وزاد‭ ‬صوته‭ ‬متكلماً‭ ‬وصراحته‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬حرفته‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الاكتمال‭ ‬والمصداقية‭. ‬كما‭ ‬زادت‭ ‬تفاصيل‭ ‬يناير‭ ‬‮«»»»‬‭ ‬وما‭ ‬تلاها‭ ‬من‭ ‬تصفيات‭ ‬مشابهة‭ ‬للخصوم‭ ‬السياسيين‭ ‬وغيرهم‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المصداقية‭. ‬هنا،‭ ‬تجاور‭ ‬الرواية‭ ‬أنماط‭ ‬“الرواية‭ ‬العلمية”‭ ‬الجيدة،‭ ‬لكنها‭ ‬تتجاوز‭ ‬ذلك‭ ‬عندما‭ ‬تضع‭ ‬كل‭ ‬أمر‭ ‬في‭ ‬مكانه‭ ‬وكأنه‭ ‬بمنتهى‭ ‬الواقعية‭ ‬اللازمة‭ ‬لتصديقه‭. ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أنها‭ ‬تشتغل‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬الاحتمالات‭ ‬التي‭ ‬تفتحها‭ ‬ماكنات‭ ‬القمع‭ ‬الهوجاء‭ ‬وتربيتها‭ ‬للجريمة‭ ‬داخل‭ ‬أجهزتها‭ ‬تحت‭ ‬عذر‭ ‬“الأمن”‭ ‬و”الاحتراز‮»‬‭ ‬والمواجهة‭ ‬و”العدو‭ ‬الخارجي”‭. ‬وتظهر‭ ‬تصريحات‭ ‬المسؤولين‭ ‬لضباطهم‭ ‬الآن‭ ‬عند‭ ‬استرجاع‭ ‬يناير‭ ‬‮«»»»‬‭ ‬وأغسطس‭ ‬‮«»»»‬،‭ ‬ومعها‭ ‬تكهنات‭ ‬بمثيلات‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬بمثابة‭ ‬الخطاب‭ ‬الرسمي‭ ‬الداخلي‭ ‬الذي‭ ‬يبرر‭ ‬أقصى‭ ‬العنف‭ ‬ويسوقه‭ ‬بمباركة‭ ‬الأجهزة‭ ‬القضائية‭ ‬و‭ ‬“الشعب‭ ‬والنيابة”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»‬‭)‬‭.‬

ويمنح‭ ‬محمد‭ ‬ربيع‭ ‬قنّاصه‭ ‬ازدواجية‭ ‬اختيارية،‭ ‬فهو‭ ‬الذي‭ ‬يختار‭ ‬قناع‭ ‬بوذا،‭ ‬لكنه‭ ‬يعيد‭ ‬تحويله‭ ‬إلى‭ ‬قناع‭ ‬في‭ ‬الجحيم‭ ‬حيث‭ ‬تختلط‭ ‬الأدوار‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»‬‭)‬،‭ ‬ويأخذ‭ ‬من‭ ‬الإرث‭ ‬المسرحي‭ ‬القديم‭ ‬ما‭ ‬يريد‭ ‬ومن‭ ‬الإغريق‭ ‬والرومان‭ ‬ما‭ ‬يشتهي‭ ‬ليبصر‭ ‬نفسه‭ ‬“إلهاً‭ ‬إغريقياً‭ ‬يقتل‭ ‬من‭ ‬يشاء”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»‬‭-‬‮»»‬‭)‬‭. ‬أما‭ ‬فعل‭ ‬الكربون‭ ‬فهو‭ ‬مرحلي،‭ ‬سبات‭ ‬وظلام،‭ ‬لأن‭ ‬اليقظة‭ ‬تستقدم‭ ‬القنص‭ ‬بصوره‭ ‬المختلفة‭. ‬والفريد‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬“عُطارد”‭ ‬أن‭ ‬أحمد‭ ‬عطارد‭ ‬يمنح‭ ‬صوته‭ ‬تلقائية‭ ‬استثنائية‭ ‬تمر‭ ‬على‭ ‬“رجل‭ ‬الزبالة”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭/‬‮»»»‬‭)‬‭ ‬وعلى‭ ‬فريدة‭ ‬وأنسال‭ ‬وزهرة‭ ‬التي‭ ‬تفقد‭ ‬ملامح‭ ‬وجهها‭ ‬كأنها‭ ‬صور‭ ‬اعتيادية‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬الحاضر‭ ‬هو‭ ‬الجحيم‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬“السخرية”‭ ‬تلامس‭ ‬هذا‭ ‬السرد‭ ‬من‭ ‬بعيد،‭ ‬فإنها‭ ‬تتوالد‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬ذهن‭ ‬القارئ،‭ ‬أما‭ ‬عُطارد‭ ‬فيدرج‭ ‬كل‭ ‬أمر‭ ‬من‭ ‬أحاديث‭ ‬“الجلاء”‭ ‬و”الاحتلال”‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تعيينات‭ ‬رؤوس‭ ‬المقاومة‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭ ‬في‭ ‬الوزارة‭ ‬الجديدة‭ ‬وكذلك‭ ‬القتل‭ ‬العشوائي‭ ‬“إرسال‭ ‬الناس‭ ‬إلى‭ ‬الجنة”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭ ‬باعتيادية‭. ‬تتصاعد‭ ‬تلك‭ ‬السخرية‭ ‬وتهجر‭ ‬الهامش‭ ‬نحو‭ ‬المتن‭ ‬في‭ ‬مقطع‭ ‬من‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬لأحمد‭ ‬عطارد‭ ‬عندما‭ ‬تصل‭ ‬هذا‭ ‬المفصل‭ ‬أي‭ ‬الجلاء،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬“الحكم‭ ‬الوطني”،‭ ‬والجنرال‭ ‬المصري‭ ‬المجهول‭ ‬الذي‭ ‬تأتيه‭ ‬الرتب‭ ‬تباعاً‭ ‬فيكون‭ ‬رئيساً‭ ‬يقبله‭ ‬ويصفق‭ ‬له‭ ‬الجميع،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬بدا‭ ‬قصيراً‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭. ‬تكون‭ ‬الطفلة‭ ‬زهرة،‭ ‬المهجورة‭ ‬التي‭ ‬راح‭ ‬أهلها‭ ‬بين‭ ‬ضحايا‭ ‬الضرب‭ ‬العشوائي‭ ‬هي‭ ‬الرمز‭ ‬للمشهد‭ ‬الجديد،‭ ‬فانغلاق‭ ‬حواسها‭ ‬كاملة‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭ ‬له‭ ‬فعل‭ ‬الكربون‭. ‬كلاهما‭ ‬يحيلان‭ ‬إلى‭ ‬ظلام‭ ‬وبلادة‭ ‬حواس‭ ‬حيث‭ ‬المتع‭ ‬الزائفة‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭. ‬أما‭ ‬التساؤلات‭ ‬في‭ ‬الحاضر‭ ‬والمستقبل‭ ‬والدولة‭ ‬بعد‭ ‬مبارك‭ ‬‭(‬ص‭ ‬ص‭ ‬‮«»»‬‭-‬‮»»»‬‭)‬‭ ‬فتنتهي‭ ‬بقدوم‭ ‬فرسان‭ ‬مالطا‭ ‬الذين‭ ‬ينسحبون‭ ‬عند‭ ‬الضرورة‭ ‬لوضع‭ ‬المراد‭ ‬في‭ ‬نصابه‭.‬

سيرة‭ ‬أحمد‭ ‬عطارد‭ ‬الذاتية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكتمل،‭ ‬فابتداؤها‭ ‬عند‭ ‬مشاهد‭ ‬القصابين‭ ‬وانخراطها‭ ‬في‭ ‬القتل‭ ‬والقنص‭ ‬و”المقاومة”‭ ‬يعني‭ ‬وضع‭ ‬صاحبها‭ ‬وأمثاله‭ ‬في‭ ‬دوامة‭ ‬ماكنة‭ ‬الموت‭. ‬يختفي‭ ‬القانون‭ ‬ومعه‭ ‬مفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬الطوباوية،‭ ‬ويكون‭ ‬المشهد‭ ‬محض‭ ‬تنويعات‭ ‬على‭ ‬الجحيم‭ ‬الذي‭ ‬حلّ‭ ‬الآن‭.‬

هنالك‭ ‬دربة‭ ‬ودراية‭ ‬معرفية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرواية،‭ ‬وفي‭ ‬تنويعها‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬“النمط”‭ ‬من‭ ‬البطولة‭ ‬أي‭ ‬فرانكنشتاين‭ ‬“الدولة”‭ ‬؛‭ ‬وهي‭ ‬تضيف‭ ‬بعداً‭ ‬مهما‭ ‬لما‭ ‬بدأه‭ ‬العراقي‭ ‬أحمد‭ ‬سعداوي‭ ‬في‭ ‬“فرنكشتاين‭ ‬في‭ ‬بغداد”‭. ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يأت‭ ‬المؤلف‭ ‬إلى‭ ‬الكتابة‭ ‬بدون‭ ‬عدة‭ ‬معرفية‭ ‬لها‭ ‬ميزة‭ ‬الوعي‭ ‬السياسي،‭ ‬والبحث‭ ‬التدقيقي‭ ‬في‭ ‬“القنص”‭ ‬والسلاح‭ ‬وجغرافية‭ ‬القاهرة‭ ‬والفئات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المختلفة‭ ‬التي‭ ‬تتساوى‭ ‬في‭ ‬الجحيم‭ ‬الحالي‭ ‬أمام‭ ‬فوهات‭ ‬الأسلحة‭ ‬التي‭ ‬يتقنها‭ ‬القناص‭ ‬ويخبرها‭ ‬آخرون‭. ‬وعندما‭ ‬تشيع‭ ‬“المعارك‭ ‬الجماعية‭ ‬والفردية”‭ ‬بين‭ ‬هؤلاء‭ ‬‭(‬ص‭ ‬ص‭ ‬‮«»»‬‭ ‬و‮»»»‬‭)‬‭ ‬يكون‭ ‬الجحيم‭ ‬قد‭ ‬أطبق‭ ‬تماماً‭ ‬مادام‭ ‬هناك‭ ‬سدنة‭ ‬وراء‭ ‬ذلك‭ ‬يظهرون‭ ‬بأقنعة‭ ‬مختلفة‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭.‬‮»»»‬‭.‬‮»»»‬‭)‬؛‭ ‬بينما‭ ‬ظهر‭ ‬فيها‭ ‬قناع‭ ‬بوذا‭ ‬محض‭ ‬صورة‭ ‬مفارقةٍ‭ ‬ساخرة‭ ‬تبطن‭ ‬ما‭ ‬تُبطن‭. ‬هذه‭ ‬رواية‭ ‬نقلت‭ ‬السرد‭ ‬العربي‭ ‬إلى‭ ‬المواجهة،‭ ‬مواجهة‭ ‬الجحيم‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يتورع‭ ‬صحبه‭ ‬عن‭ ‬وضع‭ ‬لمسات‭ ‬المثالية‭ ‬عليه‭.‬

خان‭ ‬الشابندر..محمد‭ ‬حياوي

إذا كانت‭ ‬ثمة‭ ‬إحالة‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬محمد‭ ‬حيّاوي‭ ‬الرابعة‭ ‬“خان‭ ‬الشابندر”‭ ‬فإنها‭ ‬تحيل‭ ‬إلى‭ ‬رواية‭ ‬الاحتلال‭ ‬التي‭ ‬تميز‭ ‬الكتابة‭ ‬العراقية‭ ‬منذ‭ ‬‮«»»»‬،‭ ‬لكنها‭ ‬تستذكر‭ ‬ما‭ ‬كتبه‭ ‬عبدالستار‭ ‬الناصر‭ ‬في‭ ‬قصة‭ ‬قصيرة‭ ‬ذكية‭ ‬تلتقط‭ ‬أشباح‭ ‬ضحايا‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬إيران‭. ‬إذ‭ ‬تعنى‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬بالأشباح،‭ ‬الأشباح‭ ‬الذين‭ ‬يملأون‭ ‬الفضاء‭ ‬الخرب‭ ‬والأنقاض‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الميدان،‭ ‬فالشوارع‭ ‬والمنازل‭ ‬المتآكلة‭ ‬استحالت‭ ‬إلى‭ ‬ركام‭ ‬يلتقط‭ ‬الحي‭ ‬أنفاسه‭ ‬بينه‭ ‬على‭ ‬مضض‭ ‬بينما‭ ‬تنزوي‭ ‬بائعات‭ ‬الهوى‭ ‬بين‭ ‬هذا‭ ‬الخراب‭ ‬في‭ ‬غرف‭ ‬لم‭ ‬تزل‭ ‬قابلة‭ ‬للسكنى‭. ‬لا‭ ‬يجول‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الخراب‭ ‬ويصول‭ ‬غير‭ ‬“الميليشيات”‭ ‬المتقاتلة‭ ‬على‭ ‬حصة‭ ‬ما‭ ‬داخل‭ ‬هذا‭ ‬الخراب‭. ‬لكنها،‭ ‬أي‭ ‬“خان‭ ‬الشابندر”‭ ‬تأتي‭ ‬دون‭ ‬تخطيط‭ ‬كاستجابة‭ ‬لما‭ ‬كتبه‭ ‬محمد‭ ‬ربيع‭ ‬في‭ ‬“عُطارد”،‭ ‬فهي‭ ‬النتيجة‭ ‬الحتمية‭ ‬لشغلة‭ ‬القنص،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تمارسها‭ ‬الميليشيات‭ ‬بعدما‭ ‬نزع‭ ‬الاحتلال‭ ‬الغطاء‭ ‬عن‭ ‬الدولة،‭ ‬غطاءها‭ ‬الأمين‭ ‬وتركها‭ ‬ساحة‭ ‬يصول‭ ‬فيها‭ ‬ويجول‭ ‬من‭ ‬يريد‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬اختلاط‭ ‬اسم‭ ‬الشبح‭ ‬الأول‭ ‬“سالم”‭ ‬و”حاكم”،‭(‬ص‭ ‬‮«»‬‭.‬‮»»‬‭)‬‭ ‬في‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬القاص‭ ‬حاكم‭ ‬الذي‭ ‬هرب‭ ‬من‭ ‬الجيش‭ ‬وأعدم‭ ‬سنة‭ ‬‮«»»»‬،‭ ‬فإنه‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الآلاف‭ ‬الذين‭ ‬يراهم‭ ‬السارد‭ ‬العائد‭ ‬لتوه‭ ‬صحفياً‭ ‬عراقياً‭ ‬مقيماً‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬علامات‭ ‬ما‭ ‬شدته‭ ‬إلى‭ ‬بغداد‭ ‬القديمة‭ ‬“صرت‭ ‬أرى‭ ‬أشباحاً‭ ‬يمرّون،‭ ‬وما‭ ‬فتئت‭ ‬أصوات‭ ‬خفق‭ ‬الأجنحة‭ ‬الكبيرة‭ ‬تتردد‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬المنزل‭.. ‬المنزل‭ ‬الآيل‭ ‬للسقوط”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»‬‭)‬‭. ‬وشأن‭ ‬صاحب‭ ‬السرد‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬علي‭ ‬بدر‭ ‬“حارس‭ ‬التبغ”،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬“نيفين”‭ ‬يشتغل‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬جريدة،‭ ‬أو‭ ‬وكالة‭ ‬صحفية‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬جولة‭ ‬بغدادية،‭ ‬تتخذ‭ ‬من‭ ‬الطفلة‭ ‬بائعة‭ ‬الكعك‭ ‬زينب‭ ‬دليلاً‭ ‬لاقتفاء‭ ‬التضاريس‭ ‬المندثرة‭ ‬لبغداد‭ ‬”‭ ‬من‭ ‬الصدرية‭ ‬حيث‭ ‬البيوت‭ ‬الفقيرة‭ ‬مروراً‭ ‬بمنطقة‭ ‬الفضل‭ ‬ثم‭ ‬الشورجة‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬شارع‭ ‬المتنبي”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»‬‭)‬‭.‬

‭ ‬تلجأ‭ ‬رواية‭ ‬“خان‭ ‬الشابندر”‭ ‬إلى‭ ‬تصعيد‭ ‬توترها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التقابل‭ ‬بين‭ ‬نفوس‭ ‬تتآكل‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬كالمنازل‭ ‬والشوارع‭ ‬وبين‭ ‬الأشباح،‭ ‬أما‭ ‬ساحة‭ ‬الحركة‭ ‬فهي‭ ‬المهددة‭ ‬دائماً‭ ‬والتي‭ ‬تضيف‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬القدوم‭ ‬إلى‭ ‬هناك‭ ‬بعداً‭ ‬آخر‭ ‬هو‭ ‬بُعد‭ ‬الخطر؛‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الأشباح‭ ‬يهددون‭ ‬أحداً‭. ‬إنهم‭ ‬يطلبون‭ ‬الرحمة‭ ‬الآن‭. ‬فهم‭ ‬ليسوا‭ ‬متوالدين‭ ‬عن‭ ‬بطل‭ ‬أحمد‭ ‬سعداوي،‭ ‬أي‭ ‬منتوج‭ ‬هادي‭ ‬العتاك،‭ ‬فرنكشتاين‭. ‬لآ‭. ‬الخطر‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬“لوثة”‭ ‬الدم‭ ‬التي‭ ‬تصبح‭ ‬حرفة‭ ‬لها‭ ‬منظماتها‭ ‬وقراراتها‭ ‬حسب‭ ‬ما‭ ‬أراد‭ ‬له‭ ‬الاحتلال‭ ‬القابع‭ ‬منعزلاً‭ ‬يتفرج‭ ‬على‭ ‬المشهد‭ ‬بارتياح‭. ‬هذا‭ ‬التقابل‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬وبروز‭ ‬العصابات‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬هو‭ ‬سمة‭ ‬“خان‭ ‬الشابندر”‭. ‬أما‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬ما،‭ ‬فهم‭ ‬ينازعون‭ ‬في‭ ‬رمقهم‭ ‬الأخير‭ ‬شأن‭ ‬المصري‭ ‬المقيم‭ ‬“أبو‭ ‬حسنين”‭ ‬الذي‭ ‬ينهمك‭ ‬بإصلاح‭ ‬الفوانيس‭ ‬والمدافئ‭ ‬التي‭ ‬عادت‭ ‬لتطل‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أربعين‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬الغياب‭ ‬“فالمدينة‭ ‬تملأها‭ ‬الملائكة‭ ‬وأرواحهم‭ ‬الهائمة‭ ‬يجلبها‭ ‬النور”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»‬‭)‬‭. ‬وعندما‭ ‬تغيب‭ ‬الكهرباء‭ ‬،‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬الكلام‭ ‬مفهوماً‭.‬

ويجعل‭ ‬المؤلف‭ ‬من‭ ‬شخصياته‭ ‬الأخرى‭ ‬ذات‭ ‬صدارة‭ ‬ما‭ ‬وهو‭ ‬يمنح‭ ‬“لوصة”‭ ‬‭(‬أي‭ ‬إخلاص‭)‬‭ ‬و”هند”‭ ‬و”أم‭ ‬صبيح”‭ ‬و”ضوية”‭ ‬مساحة‭ ‬سردية‭ ‬واسعة‭ ‬لتحكي‭ ‬الواحدة‭ ‬منهن‭ ‬قصتها‭ ‬من‭ ‬العذاب‭ ‬والشقاء‭ ‬واحتراف‭ ‬الدعارة‭ ‬باباً‭ ‬وحيداً‭ ‬للحياة‭ ‬تتحقق‭ ‬فيه‭ ‬ذواتهن‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر‭.‬‭ ‬لكن‭ ‬نجاح‭ ‬“خان‭ ‬الشابندر”‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الشخصية‭ ‬الشبحية‭ ‬أولاً‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬مشهد‭ ‬الدمار‭ ‬الذي‭ ‬طال‭ ‬بيت‭ ‬المومسات‭ ‬عَلق‭ ‬منفذ‭ ‬الهروب‭ ‬الوحيد‭ ‬داخل‭ ‬حائط‭ ‬خرب‭ ‬مثيراً‭ ‬تفصيلاً‭ ‬حيث‭ ‬وضع‭ ‬فيه‭ ‬الروائي‭ ‬الغرافيكي‭ ‬طاقته‭ ‬التصويرية‭ ‬والتخطيطية‭ ‬‭(‬‭ ‬ص‭ ‬ص‭ ‬‮«»‬‭-‬‮»»‬‭)‬،‭ ‬فإن‭ ‬الشخصية‭ ‬الشبحية‭ ‬التي‭ ‬يمنحها‭ ‬صاحب‭ ‬الغرافيك‭ ‬شكلاً‭ ‬هي‭ ‬شخصية‭ ‬“مجر‭ ‬عمارة”‭ ‬التي‭ ‬تتآخى‭ ‬مع‭ ‬“هادي‭ ‬العتاك”‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬أحمد‭ ‬سعداوي‭. ‬هنا‭ ‬يظهر‭ ‬السارد‭ ‬باسمه‭ ‬“علي”‭ ‬ومهنته‭ ‬“صحفياً”،‭ ‬لاستدراج‭ ‬مجر‭ ‬عمارة‭ ‬للكلام‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»‬‭)‬‭ ‬”‭ ‬كانت‭ ‬طريقته‭ ‬الباردة‭ ‬في‭ ‬ردّ‭ ‬التحية‭ ‬لا‭ ‬تشجع‭ ‬البتة‭ ‬على‭ ‬المضيّ‭ ‬في‭ ‬الحوار‭ ‬معه”‭.‬

يقول‭ ‬في‭ ‬وصفه‭ ‬“كان‭ ‬منظره‭ ‬غريباً‭ ‬بعض‭ ‬الشيء،‭ ‬إذ‭ ‬عصب‭ ‬رأسه‭ ‬بعصابة‭ ‬حمراء‭ ‬مرقطة‭ ‬على‭ ‬طريقة‭ ‬القراصنة”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»‬‭)‬‭. ‬تاجر‭ ‬العتيق‭ ‬هذا‭ ‬يحاكي‭ ‬“هادي‭ ‬العتاك”‭ ‬عند‭ ‬أحمد‭ ‬سعداوي،‭ ‬لكنه‭ ‬الآن‭ ‬شبح‭ ‬يتلبس‭ ‬شكلاً‭ ‬يتواصل‭ ‬معه‭ ‬الآخرون‭. ‬مجر‭ ‬عمارة‭ ‬هو‭ ‬الوسيط‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬أشباح‭ ‬يردّ‭ ‬عليهم‭ ‬التحية‭ ‬بثقة‭ ‬العارف‭ ‬بهم‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»‬‭)‬‭. ‬عالمه‭ ‬العتيق‭ ‬هو‭ ‬وحده‭ ‬الحي‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬الخراب‭.‬

تستكمل‭ ‬رواية‭ ‬“خان‭ ‬الشابندر”‭ ‬حلقات‭ ‬الخراب‭ ‬الذي‭ ‬يسعى‭ ‬الروائيون‭ ‬والشعراء‭ ‬إلى‭ ‬بلوغه‭ ‬بطريقة‭ ‬أو‭ ‬بأخرى،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عينه‭ ‬المنظمة‭ ‬للأشكال‭ ‬والأماكن‭ ‬يمنح‭ ‬هذا‭ ‬الخراب‭ ‬وجوداً‭ ‬تنزوي‭ ‬أمامه‭ ‬الموجودات‭ ‬الأخرى‭ ‬وبضمنها‭ ‬ساكنه‭ ‬البشري‭. ‬فعندما‭ ‬يكون‭ ‬“الدمار”‭ ‬بهذه‭ ‬السعة‭ ‬و”الموت”‭ ‬ضارباً‭ ‬بلا‭ ‬رحمة‭. ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬رسم‭ ‬“الأشخاص”‭ ‬كفواعل‭ ‬سردية‭ ‬ممكناً‭ ‬أو‭ ‬محتملاً‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬حركة‭ ‬السرد‭ ‬توتره،‭ ‬تسرقها‭ ‬عاصفة‭ ‬القصف‭ ‬الهمجي‭ ‬التي‭ ‬تعلو‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬حركة‭ ‬أخرى‭. ‬ولم‭ ‬يتبق‭ ‬من‭ ‬“التجربة”‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬يخوضها‭ ‬السارد‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الموت‭ ‬والحياة،‭ ‬متسائلاً‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬عما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬رأى‭ ‬ما‭ ‬رأى‭ ‬من‭ ‬خراب،‭ ‬وبضمنه‭ ‬ذلك‭ ‬الضوء‭ ‬الذي‭ ‬يشير‭ ‬إليه‭ ‬“أبو‭ ‬حسنين”‭ ‬ويفترض‭ ‬رؤيته‭ ‬مع‭ ‬مجر‭ ‬عمارة‭ ‬فوق‭ ‬سطح‭ ‬مفترض‭ ‬حيث‭ ‬يشعل‭ ‬مجر‭ ‬“كانونه”‭ ‬بجمره‭ ‬ووهجه،‭ ‬بينما‭ ‬راح‭ ‬مجر‭ ‬عمارة‭ ‬يهمس‭ ‬بلغة‭ ‬“ملائكة‭ ‬الضياء”‭ ‬وهي‭ ‬“تُسبّح‭ ‬لملك‭ ‬النور”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭. ‬لم‭ ‬ير‭ ‬الصحفي‭ ‬أيّ‭ ‬ملائكة‭ ‬“لم‭ ‬أر‭ ‬سوى‭ ‬الظلام‭ ‬المطبق‭ ‬على‭ ‬سطوح‭ ‬الخرائب‭ ‬المُهدَّمة”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭. ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬شراكة‭ ‬محمد‭ ‬حياوي‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬الاحتلال،‭ ‬حيث‭ ‬تنتهي‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬مجر‭ ‬“الحيرة‭ ‬خفق‭ ‬الروح‭ ‬الملتاعة‭ ‬لتعْرف‮…‬‭ ‬لكن‭ ‬الخوف‭ ‬قلة‭ ‬إيمان”‭ ‬‭(‬ص‭ ‬‮«»»‬‭)‬‭. ‬هذه‭ ‬الدورة‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬بها‭ ‬السرديات‭ ‬بتنويعاتها‭ ‬وتوالداتها‭ ‬تتسع‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬والكتّاب‭ ‬يسعون‭ ‬إلى‭ ‬إسقاط‭ ‬شكل‭ ‬ما‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يتخيله‭ ‬عقل‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬عندما‭ ‬ظنوا‭ ‬أن‭ ‬“الدولة‭ ‬الحديثة”‭ ‬تمضي‭ ‬قدماً‭ ‬ضرورةً،‭ ‬وما‭ ‬العثرات‭ ‬إلاّ‭ ‬محض‭ ‬محطات‭ ‬في‭ ‬التجربة‭. ‬أما‭ ‬البعد‭ ‬الآخر‭ ‬لغياب‭ ‬العقل‭ ‬فلا‭ ‬يجد‭ ‬غير‭ ‬الخراب‭ ‬تمثيلاً،‭ ‬وهو‭ ‬التمثيل‭ ‬الذي‭ ‬تختفي‭ ‬عنده‭ ‬البطولات‭ ‬التي‭ ‬ميزت‭ ‬الرواية‭ ‬“ملحمة‭ ‬بورجوازية”‭ ‬من‭ ‬قبل‭.‬


‬أستاذ‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬والمقارن،‭ ‬جامعة‭ ‬كولمبيا،‭ ‬نيويورك