نهاية‭ ‬الدين‭ ‬أم‭ ‬عودة‭ ‬الديني

الجديد  أبو بكر العيادي [نُشر في 01/10/2016، العدد: 21، ص(157)]

لوحة: عمر إبراهيم
‎منذ‭ ‬أشهر‭ ‬والجدل‭ ‬قائم‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬الفكرية‭ ‬بفرنسا‭ ‬حول‭ ‬تنامي‭ ‬الراديكالية‭: ‬هل‭ ‬ما‭ ‬نشهده‭ ‬هو‭ ‬راديكالية‭ ‬الإسلام‭ ‬أم‭ ‬أسلمة‭ ‬الراديكالية؟‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬نزوع‭ ‬الإسلام‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬التنظير‭ ‬والمِراس‭ ‬نحو‭ ‬راديكالية‭ ‬ذات‭ ‬صلة‭ ‬بتاريخه،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬جيل‭ ‬كيبل،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الجهاديين‭ ‬“نيهيليون”‭ ‬انخرطوا‭ ‬في‭ ‬راديكالية‭ ‬سياسية‭ ‬طبعوها‭ ‬تجوّزًا‭ ‬بطابع‭ ‬الإسلام؟‭ ‬ومع‭ ‬تصاعد‭ ‬النبرة‭ ‬الهووية‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬السياسيين‭ ‬للتشديد‭ ‬على‭ ‬الجذور‭ ‬المسيحية‭ ‬لفرنسا،‭ ‬برز‭ ‬جدل‭ ‬آخر‭ ‬حول‭ ‬حضور‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬علماني‭ ‬فصَل‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬والدولة‭: ‬هل‭ ‬يمثل‭ ‬ذلك‭ ‬عودة‭ ‬الديني‭ ‬أم‭ ‬توسلا‭ ‬بالديني‭ ‬لأغراض‭ ‬سياسية؟‭‬
فيما‭ ‬يرى‭ ‬آخرون‭ ‬أن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬عودة‭ ‬الأديان‭ ‬لا‭ ‬يصحّ،‭ ‬لأن‭ ‬الأديان‭ ‬لم‭ ‬تزُل،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬الغربية‭ ‬المتقدمة،‭ ‬فرغم‭ ‬“قتل‭ ‬الرب”،‭ ‬لم‭ ‬يزَل‭ ‬هذا‭ ‬الرّب‭ ‬حاضرا‭ ‬ولو‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الفردي،‭ ‬ولم‭ ‬يفتأ‭ ‬الدين‭ ‬على‭ ‬مرّ‭ ‬الأحقاب‭ ‬يؤدي‭ ‬وظائف‭ ‬اجتماعية‭ ‬تعجز‭ ‬المؤسسات‭ ‬الحديثة‭ ‬عن‭ ‬النهوض‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬الوجه‭ ‬المرضي،‭ ‬بل‭ ‬ثمّة‭ ‬من‭ ‬يعتبر‭ ‬العلمانية‭ ‬ديانة‭ ‬هي‭ ‬أيضا،‭ ‬فيما‭ ‬يذهب‭ ‬غيره‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬من ‭ ‬القائلين‭ ‬بالخروج‭ ‬من‭ ‬الدّيني‭ ‬الفيلسوف‭ ‬والمؤرخ‭ ‬الفرنسي‭ ‬مارسيل‭ ‬غوشيه،‭ ‬ففي‭ ‬رأيه‭ ‬أن‭ ‬الدين‭ ‬نظّم‭ ‬على‭ ‬مرّ‭ ‬العصور‭ ‬حياة‭ ‬المجتمعات،‭ ‬ثم‭ ‬جاءت‭ ‬الحداثة‭ ‬لتبتكر‭ ‬أنساقا‭ ‬فكرية‭ ‬ومعرفية‭ ‬وتقنية‭ ‬تنوب‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬المجتمع،‭ ‬وتمهّد‭ ‬شيئا‭ ‬فشيئا‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬الديني‭.
والخروج‭ ‬من‭ ‬الديني‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬المجتمعات‭ ‬الغربية‭ ‬وحدها‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬العالم‭ ‬كله،‭ ‬فهو‭ ‬المقصد‭ ‬النهائي‭ ‬للعولمة،‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬في‭ ‬نظره‭ ‬تغريبا‭ ‬ثقافيا‭ ‬للعالم‭ ‬تحت‭ ‬ملامح‭ ‬علمية‭ ‬وتقنية‭ ‬واقتصادية،‭ ‬ناتجة‭ ‬بدورها‭ ‬عن‭ ‬خروج‭ ‬الغرب‭ ‬من‭ ‬الدين،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬انتشارها‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬كافة‭ ‬المجتمعات‭ ‬قطيعة‭ ‬مع‭ ‬التنظيم‭ ‬الديني‭ ‬للعالم‭. ‬ولا‭ ‬نستغرب،‭ ‬يقول‭ ‬غوشيه،‭ ‬أن‭ ‬تعاش‭ ‬الحداثة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الظروف‭ ‬كعدوان‭ ‬ثقافي‭ ‬يثير‭ ‬ردة‭ ‬فعل‭ ‬عنيفة‭ ‬لرصيد‭ ‬ديني‭ ‬بصدد‭ ‬التفتت،‭ ‬ولكنه‭ ‬حاضر‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬لإعادة‭ ‬لملمته‭ ‬وحشده،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي،‭ ‬حيث‭ ‬توجد‭ ‬ضغينة‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الجمعي‭ ‬تجاه‭ ‬وضعية‭ ‬ملتبسة‭.

فالإسلام‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬معتنقيه‭ ‬هو‭ ‬الأفضل‭ ‬والأسمى‭ ‬ولكنهم‭ ‬خضعوا‭ ‬للغرب‭ ‬عبر‭ ‬الاستعمار،‭ ‬ولا‭ ‬يزالون‭ ‬يخضعون‭ ‬له‭ ‬اقتصاديا‭. ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يطابق‭ ‬الوعي‭ ‬الديني‭ ‬الذي‭ ‬يحمله‭ ‬المسلمون‭ ‬عن‭ ‬موقعهم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬المقدّس،‭ ‬ومن‭ ‬ثَمّ‭ ‬كانت‭ ‬غاية‭ ‬الأصولية‭ ‬الإسلامية‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الدين‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬أسباب‭ ‬قوة‭ ‬تمكّنهم‭ ‬من‭ ‬الصمود‭ ‬أمام‭ ‬الغرب‭ ‬ولمَ‭ ‬لا‭ ‬قهره‭. ‬أما‭ ‬المجتمعات‭ ‬الأوروبية‭ ‬فتقع،‭ ‬لأسباب‭ ‬تاريخية،‭ ‬في‭ ‬طليعة‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الدّين،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬الأَوْلى‭ ‬بالتألّم‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النقص،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الفردي،‭ ‬ولكنّ‭ ‬المساعي‭ ‬الذاتية‭ ‬ذات‭ ‬الطابع‭ ‬الروحي‭ ‬لا‭ ‬تأخذ‭ ‬بتاتًا‭ ‬شكل‭ ‬حركة‭ ‬سياسية‭.

أما‭ ‬الأصولية‭ ‬فهي‭ ‬مشروع‭ ‬سياسي‭ ‬ذو‭ ‬منطلقات‭ ‬ثورية،‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تنصيب‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬السلطة،‭ ‬وتنظيم‭ ‬حياة‭ ‬الناس،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الشأن‭ ‬في‭ ‬الإسلام،‭ ‬الذي‭ ‬تمثّله‭ ‬رمزيا‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الشريعة،‭ ‬كقانون‭ ‬يشمل‭ ‬مختلف‭ ‬نواحي‭ ‬الحياة‭ ‬المشتركة‭.

فنسان دولاكروا

فهو‭ ‬إذن‭ ‬مشروع‭ ‬مجتمعي‭ ‬راديكالي،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬التوتاليتارية‭ ‬كما‭ ‬عرفها‭ ‬القرن‭ ‬العشرون،‭ ‬ولكنه‭ ‬مشروع‭ ‬محكوم‭ ‬عليه‭ ‬بالفشل،‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬بديلا‭ ‬للحداثة،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬سيدخل‭ ‬فيها‭ ‬رغما‭ ‬عنه‭ ‬ولو‭ ‬على‭ ‬أعقابه‭.‬‎أما‭ ‬الهندي‭ ‬سنجاي‭ ‬سوبراهمانيام،‭ ‬أستاذ‭ ‬التاريخ‭ ‬الشامل‭ ‬بالكوليج‭ ‬دو‭ ‬فرانس،‭ ‬فله‭ ‬رأي‭ ‬آخر‭.‬

‎أولا،‭ ‬أن‭ ‬مسألة‭ ‬“عودة‭ ‬الديني”‭ ‬التي‭ ‬تثار‭ ‬منذ‭ ‬عشرين‭ ‬سنة‭ ‬يقصد‭ ‬بها‭ ‬الإسلام‭ ‬أساسا،‭ ‬ولا‭ ‬تجادل‭ ‬بمثل‭ ‬هذه‭ ‬الحدة‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭. ‬ففي‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬لا‭ ‬يكاد‭ ‬يوجد‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬ممارسة‭ ‬المسلمين‭ ‬شعائرهم،‭ ‬برغم‭ ‬بعض‭ ‬الأحداث‭ ‬العنيفة،‭ ‬وما‭ ‬يشغل‭ ‬الأميركان‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬هو‭ ‬عداء‭ ‬الإسلاميين‭ ‬وبعض‭ ‬الدول‭ ‬الإسلامية‭ ‬لبلادهم‭ ‬وتهديدهم‭ ‬لمصالحها،‭ ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يستلزم‭ ‬منهم‭ ‬غير‭ ‬ردّ‭ ‬سياسي‭ ‬قبل‭ ‬شيء‭.

أمّا‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬فالموقف‭ ‬من‭ ‬الإسلام‭ ‬يختلف‭ ‬من‭ ‬بلد‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭. ‬ففي‭ ‬فرنسا،‭ ‬تعكس‭ ‬ردود‭ ‬الأفعال‭ ‬المعادية‭ ‬للإسلام‭ ‬خوفا‭ ‬من‭ ‬المستعمَرين‭ ‬القدامى،‭ ‬الذين‭ ‬يقال‭ ‬إنهم‭ ‬يهددون‭ ‬القيم‭ ‬الوطنية،‭ ‬ما‭ ‬يعيد‭ ‬إلى‭ ‬الواقع‭ ‬الصراع‭ ‬السابق‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬شمال‭ ‬أفريقيا‭. ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الشعور‭ ‬موجود‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬بريطانيا،‭ ‬ولكن‭ ‬معالجته‭ ‬يسَّرها‭ ‬البعد‭ ‬الجغرافي‭ ‬للمستعمَرات‭ ‬القديمة،‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬للأجانب‭ ‬أن‭ ‬يجهروا‭ ‬باختلافهم‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬الثقافة‭ ‬واللباس‭ ‬والتقاليد،‭ ‬والترقّي‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لا‭ ‬يأخذ‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬ذلك‭ ‬التميز‭ ‬البادي‭ ‬في‭ ‬العرق‭ ‬والهيئة‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬الفرد‭ ‬يحترم‭ ‬المؤسسات‭ ‬وطرق‭ ‬اشتغالها‭.

حسبه‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬محايدا‭ ‬ثقافيا‭ ‬ودينيا‭ ‬كي‭ ‬يتمتع‭ ‬بالمصعد‭ ‬الاجتماعي‭. ‬بينما‭ ‬ظلت‭ ‬العلمانية‭ ‬على‭ ‬الطريقة‭ ‬الفرنسية،‭ ‬بجعلها‭ ‬الدين‭ ‬محصورا‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الفردي،‭ ‬تعيش‭ ‬على‭ ‬الشك،‭ ‬إذ‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬الأجنبي‭ ‬حصان‭ ‬طروادة،‭ ‬وفي‭ ‬المهاجرين‭ ‬تهديدا‭ ‬أصوليا‭ ‬ظلاميا‭.‬

‎ثانيا،‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬الأميركي‭ ‬الذي‭ ‬يدين‭ ‬بما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬دستور‭ ‬الآباء‭ ‬المؤسسين‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬أمّة‭ ‬بروتستانتية،‭ ‬يشهد‭ ‬ظهور‭ ‬ديانات‭ ‬جديدة‭ ‬أهمهما‭ ‬الديانة‭ ‬الكاثوليكية‭ ‬للشعوب‭ ‬ذات‭ ‬اللغة‭ ‬الأسبانية،‭ ‬المتحدرين‭ ‬من‭ ‬أميركا‭ ‬الوسطى‭ ‬ومن‭ ‬أميركا‭ ‬الجنوبية،‭ ‬وهي‭ ‬شعوب‭ ‬عميقة‭ ‬الإيمان‭ ‬في‭ ‬عمومها،‭ ‬متمسكة‭ ‬بإقامة‭ ‬شعائرها،‭ ‬ولا‭ ‬تساورها‭ ‬فكره‭ ‬ترك‭ ‬الدين‭ ‬أو‭ ‬الخروج‭ ‬منه‭.‬

‎ثالثا،‭ ‬أن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬المسألة‭ ‬الدينية‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية‭ ‬يكاد‭ ‬لا‭ ‬ينطبق‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬أوروبا،‭ ‬فلكي‭ ‬يقع‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬الكنائس‭ ‬والدولة،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬ثمة‭ ‬كنيسة‭ ‬وأن‭ ‬تتشكل‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬ضوئها،‭ ‬والعكس‭ ‬صحيح‭. ‬ولكن‭ ‬الهندوسية‭ ‬مثلا‭ ‬ليست‭ ‬لها‭ ‬كنيسة،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬الهند‭ ‬تعيش‭ ‬داخل‭ ‬الدين‭ ‬وخارجه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬مع‭ ‬الحرص‭ ‬الدائم‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬المسافة‭ ‬بينهما‭. ‬فكيف‭ ‬يمكن‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬الاختلال،‭ ‬يقول‭ ‬مؤرخ‭ ‬الثقافات‭ ‬الهندي،‭ ‬أن‭ ‬تُدار‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الجاليات‭ ‬المختلفة‭ ‬في‭ ‬الهند،‭ ‬ويُحترم‭ ‬الفصل‭ ‬الضروري‭ ‬بين‭ ‬المدني‭ ‬والديني؟‭ ‬وفي‭ ‬رأيه‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يقترحه‭ ‬غوشيه‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬مسلك‭ ‬خاص‭ ‬بالمغامرة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬الغرب‭.‬

‎حتى‭ ‬هذا‭ ‬المسلك‭ ‬يضعه‭ ‬الفيلسوف‭ ‬فنسان‭ ‬دولوكروا،‮ ‬الأستاذ‭ ‬المحاضر‭ ‬بالمعهد‭ ‬التطبيقي‭ ‬للدراسات‭ ‬العليا‭ ‬بباريس‭ ‬والمتخصص‭ ‬في‭ ‬كيركيغارد،‭ ‬موضع‭ ‬مساءلة،‭ ‬فهو‭ ‬يستغرب‭ ‬من‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬“عودة‭ ‬الديني”‭ ‬والحال‭ ‬أن‭ ‬الديمقراطيات‭ ‬المعاصرة‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ ‬مفاهيمه‭. ‬ويستشهد‭ ‬بمقولة‭ ‬نيتشه،‭ ‬مستكشف‭ ‬“الإلحاد‭ ‬غير‭ ‬الأمين”‭ ‬والقائل‭ ‬بموت‭ ‬الرب‭ ‬“ألا‭ ‬يزال‭ ‬يجري‭ ‬دم‭ ‬رجل‭ ‬دين‭ ‬في‭ ‬عروقنا؟”،‭ ‬والسبب‭ ‬في‭ ‬رأيه‭ ‬تصوران‭ ‬مرتبطان‭ ‬ببعضهما‭ ‬بعضا‭ ‬وإن‭ ‬كانا‭ ‬غير‭ ‬متماثلين‭.

مارسيل غوشيه

باسم‭ ‬الأول‭ ‬ننزعج‭ ‬من‭ ‬انتهاكات‭ ‬الديني‭ ‬للحقل‭ ‬السياسي،‭ ‬والحنين‭ ‬الفقهي‭ ‬السياسي‭ ‬والمطالبة‭ ‬الثيوقراطية‭ ‬العنيفة‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬استقلالية‭ ‬الوعي،‭ ‬وحرية‭ ‬التفكير،‭ ‬والأنوار،‭ ‬ونهاية‭ ‬الوصاية‭ ‬التيولوجية،‭ ‬واستقلال‭ ‬السياسي،‭ ‬وكل‭ ‬تلك‭ ‬الأشياء‭ ‬المكتسبة‭ ‬بعسر،‭ ‬تجعلنا‭ ‬جافلين‭ ‬نافرين‭. ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الفكر‭ ‬الفلسفي،‭ ‬كان‭ ‬يلزم‭ ‬جهد‭ ‬كبير‭ ‬لمرافقة‭ ‬النكوص‭ ‬التاريخي‭ ‬للمؤسسة‭ ‬الدينية‭ ‬وتراجعها‭ ‬الاجتماعي‭ ‬البطيء‭ ‬لبلوغ‭ ‬المعجزة‭ ‬غير‭ ‬المكتملة‭ ‬للمجتمع‭ ‬الحديث‭. ‬وباسم‭ ‬الثاني،‭ ‬نتساءل‭ ‬عما‭ ‬يتيح‭ ‬هذه‭ ‬العودة‭ ‬المزعومة،‭ ‬إصرار‭ ‬الأشكال‭ ‬الدينية‭ ‬القديمة،‭ ‬أو‭ ‬بروز‭ ‬أشكال‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬بعضها‭ ‬غريب‭ ‬عن‭ ‬تشكل‭ ‬الغرب،‭ ‬ولكن‭ ‬قوّته‭ ‬تسائل‭ ‬المجتمعات‭ ‬الغربية‭ ‬بعمق‭. ‬وهي‭ ‬ظاهرة‭ ‬تكذّب‭ ‬الأفكار‭ ‬المسبقة‭ ‬التي‭ ‬ترتكز‭ ‬عليها‭ ‬السردية‭ ‬السيرذاتية‭ ‬الكبرى‭ ‬للحداثة‭. ‬هذه‭ ‬السردية‭ ‬التي‭ ‬وصفها‭ ‬الفيلسوف‭ ‬تشارلز‭ ‬تايلور‭ ‬في‭ ‬“العصر‭ ‬العلماني”‭ ‬بكونها‭ ‬تاريخا‭ ‬بالطرح،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الحداثة‭ ‬تتنامى‭ ‬والدين‭ ‬ينحسر،‭ ‬فإن‭ ‬تبقّى‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬الدين‭ ‬فمعناه‭ ‬أننا‭ ‬لسنا‭ ‬حداثيين‭ ‬حقّا،‭ ‬أو‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬فعلا‭ ‬كذلك‭.‬

‎بقيت‭ ‬اللائكية،‭ ‬هذه‭ ‬التي‭ ‬تخاض‭ ‬حولها‭ ‬الآن‭ ‬حروب‭ ‬أيديولوجية‭ ‬حامية‭ ‬الوطيس،‭ ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬وُضعت‭ ‬أساسا‭ ‬لتأمين‭ ‬حرية‭ ‬الضمير،‭ ‬صارت‭ ‬تهدد‭ ‬بأن‭ ‬تنقلب‭ ‬سلاحا‭ ‬لحسم‭ ‬الجدل،‭ ‬وحتى‭ ‬حظره‭. ‬لقد‭ ‬ألغى‭ ‬قانون‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬والدولة‭ ‬عند‭ ‬إقراره‭ ‬في‭ ‬9‭ ‬ديسمبر‭ ‬1905‭ ‬الاتفاقية‭ ‬‭(‬كونكوردا‭)‬‭ ‬التي‭ ‬ضمنت‭ ‬البعض‭ ‬من‭ ‬الحقوق‭ ‬للكاثوليكيين،‭ ‬ووضعَ‭ ‬حدّا‭ ‬لعداء‭ ‬الدولة‭ ‬للكنيسة،‭ ‬مع‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬“حرية‭ ‬المعتقد”‭ ‬و”حق‭ ‬ممارسة‭ ‬الشعائر”‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬“نظام‭ ‬عام”‭ ‬ديمقراطي،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتضمن‭ ‬عبارة‭ ‬“لائكية”،‭ ‬ولكنه‭ ‬اتخذ‭ ‬على‭ ‬مرّ‭ ‬السنين‭ ‬وجهة‭ ‬أخرى،‭ ‬فجرى‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬“الجمهورية‭ ‬اللائكية”‭ ‬وجذورها‭ ‬المسيحية،‭ ‬وكاثوليكية‭ ‬ثقافية‭ ‬منزوعة‭ ‬من‭ ‬بعدها‭ ‬الإيماني‭ ‬كعنصر‭ ‬أساس‭ ‬للهوية‭ ‬الفرنسية‭.

‬مثلما‭ ‬كانت‭ ‬حركة‭ ‬العمل‭ ‬الفرنسي‭ ‬اليمنية‭ ‬تجعل‭ ‬المسيحية‭ ‬الهووية‭ ‬مرجعيتها‭ ‬وجدارها‭ ‬الرمزي‭ ‬ضد‭ ‬مواطنين‭ ‬أقلّ‭ ‬فرنسية‭ ‬من‭ ‬سواهم‭ ‬فيما‭ ‬تزعم،‭ ‬أي‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬أخذ‭ ‬المسلمون‭ ‬اليوم‭ ‬مكانهم‭. ‬وتعددت‭ ‬تأويلات‭ ‬العلمانية‭ ‬بين‭ ‬خطاب‭ ‬اليسار،‭ ‬وخطاب‭ ‬اليمين‭ ‬“غير‭ ‬المعقد”‭ ‬بعبارة‭ ‬ساركوزي،‭ ‬واليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬بقيادة‭ ‬مارين‭ ‬لوبان،‭ ‬حتى‭ ‬باتت‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬بعضهم‭ ‬تتعارض‭ ‬مع‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬‭(‬كما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬لفرنسوا‭ ‬باروان‭ ‬أحد‭ ‬وزراء‭ ‬جاك‭ ‬شيراك‭ ‬بعنوان‭ ‬“من‭ ‬أجل‭ ‬لائكية‭ ‬جديدة”‭ ‬عام‭ ‬2003‭)‬‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬العلمانية‭ ‬الآن‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬ترفع‭ ‬ضد‭ ‬الكاثوليكية‭ ‬بل‭ ‬ضد‭ ‬الإسلام،‭ ‬بمناسبة‭ ‬وبغير‭ ‬مناسبة،‭ ‬حتى‭ ‬ليخال‭ ‬المرء‭ ‬أنها‭ ‬ديانة‭ ‬تخشى‭ ‬المزاحمة‭.‬

‎وصفوة‭ ‬القول‭ ‬أن‭ ‬الدين‭ ‬سواء‭ ‬عاد‭ ‬أو‭ ‬لم‭ ‬يعد،‭ ‬فإن‭ ‬اتخاذه‭ ‬علاجا‭ ‬هو‭ ‬أشدّ‭ ‬من‭ ‬الدّاء،‭ ‬والذين‭ ‬يستعملونه‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬ما‭ ‬يصنعون‭. ‬فالدين‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬“أفيون‭ ‬الشعوب”‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬ماركس،‭ ‬يمكن‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬يعبّر‭ ‬“عن‭ ‬احتجاج‭ ‬ضد‭ ‬البؤس‭ ‬الواقعي”‭ ‬حسب‭ ‬عبارة‭ ‬ميشيل‭ ‬فوكو،‭ ‬و”روح‭ ‬عالم‭ ‬بلا‭ ‬قلب”،‭ ‬كما‭ ‬استخلص‭ ‬من‭ ‬الثورة‭ ‬الإيرانية،‭ ‬وكما‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬واقع‭ ‬الجاليات‭ ‬المسلمة‭ ‬في‭ ‬فرنسا،‭ ‬ولكن‭ ‬توسّله‭ ‬بالعنف‭ ‬ينقله‭ ‬إلى‭ ‬مجال‭ ‬السياسة‭. ‬يقول‭ ‬عالم‭ ‬الأديان‭ ‬الألماني‭ ‬يان‭ ‬أسمان‭ ‬“العنف‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬حقل‭ ‬السياسة،‭ ‬لا‭ ‬الدين،‭ ‬والديانة‭ ‬التي‭ ‬تتخذ‭ ‬العنف‭ ‬تبقى‭ ‬جامدة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬المجال‭ ‬السياسي،‭ ‬وتخطئ‭ ‬وظيفتها‭ ‬الحقّ.


كاتب من تونس مقيم في باريس

مقالات أخرى للكاتب:

  • كوميكس فرنسي
  • خارج‭ ‬الجنة‭ ‬الفرنكفونية
  • ماذا يتبقى من مايو 68؟
  • فرنسا ووهم الحصن المنيع
  • تاريخ الآخر كوسيلة للهيمنة الغربية
  • البحث عن الحقيقة في زمن الـ\'فيك نيوز\'
  • العرب في الثقافة الفرنسية
  • ماذا يتبقى من ثورة أكتوبر
  • علة العالم الجديدة
  • شجرة الزّقّوم
  • جذور الإرهاب في الشرق الأوسط
  • ماكرون ومعلّمه ريكور
  • المرأة هوس المخيال العربي الإسلامي
  • ثالثية ماكرون وما بعد السياسة
  • نظريات المؤامرة والجهل الإرادي
  • أهي‭ ‬نهاية‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار
  • سبل‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬عصر‭ ‬الارتداد
  • الشعب والشعبوية
  • انتصار العنصرية في بلد حقوق الإنسان
  • أمراض‭ ‬اليسار
  • سلافوي جيجك وتناقضاته العجيبة
  • الدّينُ‭ ‬هُويةً‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬العلمانية
  • بوب‭ ‬ديلان‭ ‬الكذبة‭ ‬الكبرى
  • نهاية المثقفين الفرنسيين
  • هل‭ ‬تشهد‭ ‬فرنسا‭ ‬انتصار‭ ‬الرجعية
  • كيف‭ ‬تنشأ‭ ‬ثقافة‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬الشبيبة‭ ‬المهاجرة
  • العلمانية‭ ‬والاستشراق‭ ‬ومركّب‭ ‬النقص
  • نهاري الأول في المدرسة
  • فرنسا نحو حرب أهلية أم حرب تطهير
  • ثورة‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية
  • الهويات‭ ‬المنغلقة
  • التطرف‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية
  • ماركس والتوتاليتارية الشيوعية
  • التفكير‭ ‬النهضوي‭ ‬العربي بين‭ ‬الأمل‭ ‬والوهم
  • علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬وتهمة‭ ‬ثقافة‭ ‬الأعذار
  • طاحونة‭ ‬الشيء‭ ‬المعتاد
  • هموم‭ ‬الفرد‭ ‬وهموم‭ ‬الأوطان
  • أسلمة الراديكالية
  • مراد وهبة والتعميم المخل بالحقيقة
  • دعوة إلى عقد اجتماعي للوفاق مع الإسلام
  • رهان‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬تأليف‭ ‬أم‭ ‬تفرقة
  • نيتشه المناهض للمنظومة
  • الطوباوية‭ ‬والجريمة‬‬
  • ميشيل‭ ‬فوكو ‬وعلاقته‭ ‬بالليبرالية‭ ‬الجديدة‭ ‬واليسار
  • العرب وانتكاس الوعي النقدي
  • الشعب والدولة والتباساتهما
  • النخبة‭ ‬والنخبوية