محمد‭ ‬نور‭ ‬الدين‭ ‬أفاية‭ ‬القرد‭ ‬العارف‬

كثرة‭ ‬كاثرة‭ ‬من‭ ‬المشتغلين‭ ‬بالفلسفة،‭ ‬مغربياً‭ ‬وعربياً،‭ ‬يقرؤون‭ ‬ويكتبون‭ ‬ويناقشون‭ ‬قضايا‭ ‬وموضوعات‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بالفلسفة؛‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الأمر،‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬د‭. ‬محمد‭ ‬نورالدين‭ ‬أفاية،‭ ‬المفكر‭ ‬والباحث‭ ‬المغربي‭ ‬المعروف،‭ ‬يسهمون‭ ‬في‭ ‬قتل‭ ‬الروح‭ ‬الفلسفية‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يعملون‭ ‬على‭ ‬تغذيتها‭ ‬والسمو‭ ‬فيها‭.‬ لكن‭ ‬هذا‭ ‬المفكر‭ ‬الذي‭ ‬فاز‭ ‬كتابه‭ ‬“في‭ ‬النقد‭ ‬الفلسفي‭ ‬المعاصر‭.. ‬مصادره‭ ‬الغربية‭ ‬وتجليّاته‭ ‬العربية”‭ ‬بجائزة‭ ‬أهم‭ ‬كتاب‭ ‬عربي‭ ‬‭(‬“مؤسسة‭ ‬الفكر‭ ‬العربي”‭ ‬–‭ ‬دورة‭ ‬2015‭)‬‭ ‬يعود‭ ‬فيستدرك‭ ‬قائلاً‭ ‬إن‭ ‬المغرب‭ ‬ومنذ‭ ‬ظهور‭ ‬كتاب‭ ‬محمد‭ ‬عزيز‭ ‬الحبابي‭:‬”من‭ ‬الكائن‭ ‬إلى‭ ‬الشخص‭.. ‬دراسات‭ ‬في‭ ‬الشخصانية‭ ‬الواقعية”‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1945،‭ ‬مدشّناً‭ ‬خلاله‭ ‬أسئلةً‭ ‬وآفاقاً‭ ‬فكرية‭ ‬متفلّسفة‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬بتوقيع‭ ‬“مثقف”‭ ‬مغربي‭ ‬شاب،‭ ‬سمحت،‭ ‬وطيلة‭ ‬العقود‭ ‬الستة‭ ‬الفائتة،‭ ‬لمسارات‭ ‬فلسفية‭ ‬مغربية‭ ‬من‭ ‬إثبات‭ ‬جدارتها‭ ‬بالسؤال‭ ‬والنقد‭ ‬والتأليف‭.‬ وأي‮ ‬‭ ‬قارىء‭ ‬للمتن‭ ‬الذي‭ ‬أنتجه‭ ‬المغاربة،‭ ‬منذ‭ ‬عملية‭ ‬الاستئناف‭ ‬هاته،‭ ‬سيلحظ‭ ‬‭(‬في‭ ‬رأي‭ ‬د‭. ‬أفاية‭)‬‭ ‬قدرة‭ ‬المشتغلين‭ ‬المغاربة‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬الفلسفة‭ ‬والعلوم‭ ‬الإنسانية،‭ ‬على‭ ‬الإنصات‭ ‬إلى‭ ‬لغات‭ ‬وأفكار‭ ‬وانفتاحات‭ ‬فلاسفة‭ ‬العالم،‭ ‬وعلى‭ ‬استلهامها‭ ‬و”تبيئتها”‭ ‬داخل‭ ‬السياق‭ ‬المغربي‭ ‬الخاص‭.‬ ويسلّط‭ ‬المفكّر‭ ‬أفاية‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة،‭ ‬فيرى‭ ‬أن‭ ‬الجميع‭ ‬فيها‭ ‬تحالف‭ ‬على‭ ‬منع‭ ‬التفكير‭ ‬الجدّي‭ ‬في‭ ‬ذواتنا،‭ ‬وفي‭ ‬تاريخنا،‭ ‬وفي‭ ‬حاضرنا،‭ ‬وفي‭ ‬جسدنا،‭ ‬وفي‭ ‬حياتنا،‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬موتنا‭. ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬سطوة‭ ‬الاستبداد‭ ‬والتديّن‭ ‬السطحي،‭ ‬حشرا‭ ‬المثقفين‭ ‬في‭ ‬زوايا‭ ‬ضيّقة‭ ‬جداً،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬التبدّلات‭ ‬التي‭ ‬طرأت‭ ‬وتطرأ‭ ‬على‭ ‬نوعية‭ ‬اللغة‭ ‬وأنماط‭ ‬التواصل‭ ‬والخطاب‭ ‬وطبيعة‭ ‬المتلقين،‭ ‬وهي‭ ‬كلها‭ ‬عوامل‭ ‬لها‭ ‬تأثيرها‭ ‬على‭ ‬الثقافة‭ ‬والسياسة‭ ‬والنص‭ ‬المقدس،‭ ‬وقد‭ ‬نجحوا‭ ‬في‭ ‬تحويله‮ ‬‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬تكئة‭ ‬لإنتاج‭ ‬القتلى‭ ‬وصناعة‭ ‬الجحيم‭. ‬أجل‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الأمكنة‭ ‬تحترق‭ ‬في‭ ‬بلداننا‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬الأزمنة‭ ‬كلها‭ ‬أيضاً‭.‬ هنا‭ ‬حوار‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬المفكّر‭ ‬المغربي‭ ‬الكبير‭ ‬بعقله‭ ‬النقدي،‭ ‬والحسّاس‭ ‬الأرقّ‭ ‬بمشاعره،‭ ‬والعالي‭ ‬الدقة‭ ‬بمنهجية‭ ‬بحثه‭ ‬العلمي،‭ ‬والبارع‭ ‬في‭ ‬ضبط‭ ‬إيقاعه‭ ‬على‭ ‬الإيقاع‭ ‬الجيوبوليتيكي‭ ‬للمنطقة،‭ ‬وعياً‭ ‬واستيعاباً،‭ ‬وعملاً‭ ‬ليل‭ ‬نهار‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬مستقبل‭ ‬مغاير‭ ‬ومتجاوز‭.‬ قلم‭ ‬التحرير

الجديد  أحمد فرحات [نُشر في 01/10/2016، العدد: 21، ص(47)]

‬ما‭ ‬هي‭ ‬باختصار‭ ‬أواليات‭ ‬الدرس‭ ‬النقدي‭ ‬الفلسفي‭ ‬الذي‭ ‬بلورته‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الجولان‭ ‬التقويمي‭ ‬للقضايا‭ ‬التي‭ ‬تناولتها‭ ‬في‭ ‬كتابك‭: ‬‮«‬في‭ ‬النقد‭ ‬الفلسفي‭ ‬المعاصر‭.. ‬مصادره‭ ‬الغربية‭ ‬وتجليّاته‭ ‬العربية‮»‬؟

أفاية‭:‬ لا‭ ‬يدّعي‭ ‬الكتاب‭ ‬تقديم‭ ‬‮«‬أواليّات‭ ‬للدرس‭ ‬النقدي‭ ‬الفلسفي‮»‬،‭ ‬وإنما‭ ‬يحاول،‭ ‬بطرق‭ ‬مختلفة،‭ ‬استحضار‭ ‬بعض‭ ‬عناصرها‭ ‬في‭ ‬فصوله‭ ‬المتفاوتة‭ ‬المنطلقات‭ ‬والاهتمامات‭. ‬أنت‭ ‬تعرف‭ ‬أن‭ ‬النقد‭ ‬قد‭ ‬مثَّل،‭ ‬تاريخيًا،‭ ‬أساسًا‭ ‬مُكونًا‭ ‬لفكر‭ ‬الأنوار‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬العقل؛‭ ‬حيث‭ ‬تمَّ‭ ‬استثماره،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬القديم‭ ‬والجديد،‭ ‬وتحوّل‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬محكمة،‭ ‬كما‭ ‬سمّاها‭ ‬كانط،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬نقد‭ ‬مراقِب‭. ‬ومنذ‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬النظرية‭ ‬التأسيسية‭ ‬جعل‭ ‬الفكر‭ ‬الحديث‭ ‬والمعاصر‭ ‬من‭ ‬النقد‭ ‬نمطًا‭ ‬من‭ ‬الفكر،‭ ‬ومن‭ ‬السلوك،‭ ‬حيث‭ ‬اكتسب‭ ‬فيها‭ ‬صفة‭ ‬التخصص‭ ‬المنتج‭ ‬لمعرفة‭ ‬يقظة‭.‬

فالفكر‭ ‬النقدي‭ ‬يستمدّ‭ ‬جدارته،‭ ‬ويستحق‭ ‬تسميته‭ ‬كلما‭ ‬انتزع‭ ‬لذاته‭ ‬فضاءً‭ ‬مناسبًا‭ ‬في‭ ‬النتاج‭ ‬الفكري‭ ‬والنظري‭ ‬والثقافي؛‭ ‬وذلك‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الوصول‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تفكير‭ ‬مُنتبه‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬الفلسفي‭ ‬والفكري،‭ ‬باعتباره‭ ‬تفكيراً‭ ‬مجادلاً،‭ ‬مساجلاً،‭ ‬برهانياً،‭ ‬باحثاً‭ ‬عن‭ ‬المعنى‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬النقد‭ ‬ذاته‭ ‬قضية‭ ‬نقدية‭ ‬لدرجة‭ ‬أن‭ ‬البعض‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬تسمية‭ ‬النقد‭ ‬تسمية‭ ‬زائدة،‭ ‬لأنه‭ ‬مقترن‭ ‬بكل‭ ‬خطاب‭ ‬يفكر‭ ‬بالفعل‭.‬

ومعروف‭ ‬أن‭ ‬تاريخ‭ ‬النقد‭ ‬توزع‭ ‬بين‭ ‬النقد‭ ‬المعياري،‭ ‬والأكاديمي،‭ ‬والإيديولوجي،‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬اعتبار‭ ‬النقد‭ ‬شرط‭ ‬إمكان‭ ‬تأسيسي‭ ‬لكل‭ ‬فكر‭ ‬عند‭ ‬كانط،‭ ‬مرورًا‭ ‬بالنقد‭ ‬الجسور‭ ‬للاقتصاد‭ ‬السياسي‭ ‬بهدف‭ ‬التغيير‭ ‬الاجتماعي‭ ‬عند‭ ‬ماركس،‭ ‬إلى‭ ‬الأشكال‭ ‬المختلفة‭ ‬للإخفاق‭ ‬الثوري‭ ‬التي‭ ‬اقتضت‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بما‭ ‬سماه‭ ‬تيودور‭ ‬أدورنو‭ ‬‮«‬بالجدل‭ ‬السلبي‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬انفتاحات‭ ‬‮«‬ديريدا‮»‬‭ ‬التفكيكية‭.‬

يدعو‭ ‬الفكر‭ ‬النقدي‭ ‬إلى‭ ‬إطلاق‭ ‬حرية‭ ‬الفكر‭ ‬والمعتقد،‭ ‬وإخضاع‭ ‬كل‭ ‬المواضيع‭ ‬لميزان‭ ‬العقل،‭ ‬والقيام‭ ‬بنقد‭ ‬شامل‭ ‬للأشياء‭ ‬والمؤسسات،‭ ‬والأفكار‭ ‬والسياسات،‭ ‬والنظر‭ ‬إلى‭ ‬عملياته‭ ‬بوصفها‭ ‬حركة‭ ‬تاريخية‭ ‬شاملة‭ ‬تتعلّق‭ ‬بالطرق‭ ‬الملائمة‭ ‬لتحرير‭ ‬الإنسان،‭ ‬ولانخراطه‭ ‬الكلي‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬حياة‭ ‬جديدة‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬مبادئ‭ ‬كبرى‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬العقلانية،‭ ‬والحرية،‭ ‬والفردانية،‭ ‬والمساواة،‭ ‬والعدالة‭.‬

وتتمثل‭ ‬‮«‬أواليات‮»‬‭ ‬الفكر‭ ‬النقدي،‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬اللازم‭ ‬استحضار‭ ‬بعض‭ ‬تجلياتها،‭ ‬في‭ ‬مساءلة‭ ‬البداهات،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬كذلك،‭ ‬و‭ ‬كشف‭ ‬مؤثرات‭ ‬‮«‬الدوكسا‮»‬‭ ‬Doxa‭ ‬السائدة،‭ ‬والكشف‭ ‬عن‭ ‬أطر‭ ‬التفكير‭ ‬والمناقشة‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬تعليب‭ ‬عقول‭ ‬الناشئة‭ ‬والناس،‭ ‬واستلاب‭ ‬الإرادات،‭ ‬والاعتداء‭ ‬على‭ ‬حرية‭ ‬الكائن،‭ ‬وإلهائه‭ ‬بمظاهر‭ ‬الأمور،‭ ‬وفضح‭ ‬إغراءات‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬ومعاندة‭ ‬الإرادات‭ ‬التي‮ ‬‭ ‬تخضع‭ ‬الإنسان‭ ‬لما‭ ‬يستنفر‭ ‬الإدراك‭ ‬والانفعال‭.‬

‬‭‬في‭ ‬الغرب‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الاختلافات‭ ‬والتفاوتات‭ ‬المعروفة،‭ ‬يجري‭ ‬نقد‭ ‬تدريس‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬المعاهد‭ ‬والجامعات،‭ ‬وأنت‭ ‬تطرقت‭ ‬إلى‭ ‬مسألة‭ ‬النقد‭ ‬هذه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة،‭ ‬وعلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مستوى؛‭ ‬فكيف‭ ‬تلخص‭ ‬أبرز‭ ‬العوائق‭ ‬التي‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬تعلّم‭ ‬فلسفي‭ ‬ناجح،‭ ‬مغربياً‭ ‬وعربياً؟‭ ‬وأساساً،‭ ‬هل‭ ‬نقبض،‭ ‬في‭ ‬رأيك،‭ ‬على‭ ‬فعل‭ ‬اكتساب‭ ‬التفلّسف‭ ‬الحقيقي،‭ ‬النابه‭ ‬والمتجاوز‭.. ‬داخل‭ ‬أسوار‭ ‬المؤسّسات‭ ‬التعليمية؟

أفاية‭:‬ عتبر‮ ‬‭ ‬جيل‭ ‬دولوز‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬نبحث‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬الفلسفة،‭ ‬هو‭ ‬صورة‭ ‬جديدة‭ ‬لفعل‭ ‬التفكير،‭ ‬ولنمط‭ ‬اشتغاله‭. ‬فنحن‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬نعيش‭ ‬على‭ ‬صورة‭ ‬ما‭ ‬للفكر‭. ‬قد‭ ‬نملك‭ ‬قبل‭ ‬التفكير‭ ‬فكرة‭ ‬غامضة‭ ‬عما‭ ‬يعنيه‭ ‬فعل‭ ‬التفكير،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬وأهداف‭. ‬ومن‭ ‬المعلوم‭ ‬أن‭ ‬للفلسفة‭ ‬أساتذة،‭ ‬ومختصون،‭ ‬ومعلمون‭. ‬لكن‭ ‬هل‭ ‬التخصص‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬مهنة،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬مادة‭ ‬تعليمية‭ ‬جامعية؟‭ ‬هذا‭ ‬سؤال‭ ‬متشعب‭ ‬ولا‭ ‬شك،‭ ‬لكن‭ ‬المرء‭ ‬مادام‭ ‬يحيا‭ ‬ويملك‭ ‬عقلاً،‭ ‬فهو‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬هاتين‭ ‬الملكتين‭ ‬أو‭ ‬القدرتين‭: ‬الحياة‭ ‬والعقل‭. ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬يقال‭ ‬إننا‭ ‬قد‭ ‬نجد‭ ‬أناسًا‭ ‬يعقلون‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتفلسفوا‭ ‬‭(‬كما‭ ‬هو‭ ‬شأن‭ ‬العلماء‭)‬،‭ ‬أو‭ ‬يحيون‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتفلسفوا‭ ‬‭(‬كما‭ ‬هو‭ ‬حال‭ ‬البلهاء‭ ‬والأغبياء،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬شغف‭ ‬جارف‭..‬‭)‬‭. ‬أن‭ ‬ينتمي‭ ‬المرء‭ ‬إلى‭ ‬حقل‭ ‬الفلسفة،‭ ‬معناه‭ ‬أن‭ ‬يفكر‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يعرف،‭ ‬وفي‭ ‬ما‭ ‬يعيش،‭ ‬وفي‭ ‬ما‭ ‬يريد‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للسياسة‭ ‬أو‭ ‬الفن‭ ‬أو‭ ‬الدين‭ ‬أن‭ ‬يعفي‭ ‬أو‭ ‬يمنع‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬الحقول‭ ‬هي،‭ ‬بدورها،‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬مساءلة‭.‬

في‭ ‬الحالة‭ ‬العربية،‭ ‬أو‭ ‬المغربية،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬المشتغلين‭ ‬بالفلسفة‭ ‬يقرؤون،‭ ‬ويكتبون،‭ ‬ويناقشون‭ ‬قضايا‭ ‬وموضوعات‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بالفلسفة،‭ ‬بالضرورة‭. ‬وباسمها‭ ‬ينشط‭ ‬فاعلون‭ ‬يدّعون‭ ‬الانتساب‭ ‬إليها‭ ‬لكنهم،‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الأمر،‭ ‬يسهمون‭ ‬في‭ ‬قتل‭ ‬الروح‭ ‬الفلسفية‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يعملون‭ ‬على‭ ‬تغذيتها‭ ‬والسموّ‭ ‬بها‭. ‬لذلك‭ ‬يعيش‭ ‬الدرس‭ ‬الفلسفي،‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬جامعيًا‭ ‬أم‭ ‬ثانويًا،‭ ‬مجموعة‭ ‬ضغوط؛‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬يتصل‭ ‬بالوضعية‭ ‬النظرية‭ ‬التي‭ ‬يتحرك‭ ‬ضمنها،‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مؤسسي،‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬رهين‭ ‬بالسياق‭ ‬المادي،‭ ‬وبالمناخ‭ ‬الثقافي‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬يتفاعل‭ ‬معه‭ ‬سلبًا‭ ‬أو‭ ‬إيجابًا‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تدهور‭ ‬العملية‭ ‬التعليمية‭ ‬عامة،‭ ‬وتأجيل‭ ‬الأسئلة‭ ‬الوجودية‭ ‬الأساسية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الفكر،‭ ‬والحقل‭ ‬الفلسفي‭ ‬بوجه‭ ‬خاص،‭ ‬فإن‭ ‬هناك‭ ‬مخاضًا‭ ‬ثقافياً‭ ‬يتساوق‭ ‬مع‭ ‬مختلف‭ ‬أشكال‭ ‬الحرائق‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬البلدان‭ ‬العربية،‭ ‬ومع‭ ‬حديث‭ ‬سياسي‭ ‬عن‭ ‬‮«‬دولة‭ ‬مدنية‮»‬،‭ ‬و‮»‬مجتمع‭ ‬مدني‮»‬‭ ‬يقول‭ ‬بالحرية‭ ‬وبالمبادرة‭ ‬والمسؤولية‭. ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬الأحوال،‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬بمجتمع‭ ‬منفتح‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تعلُّم‭ ‬ملكة‭ ‬النقد،‭ ‬وممارستها‭ ‬والتصريح‭ ‬بها؟

المهم‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الفلسفة،‭ ‬هنا‭ ‬والآن،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬العوائق،‭ ‬معناها‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ ‬عوامل‭ ‬التخلف،‭ ‬وإلى‭ ‬التنوير،‭ ‬وإلى‭ ‬قول‭ ‬الحقيقة‭ ‬وعدم‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬الحرية‭. ‬ومعناها‭ ‬كذلك‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬ميتافيزيقا‭ ‬النص‭ ‬والإنصات‭ ‬لتحوّلات‭ ‬الخطاب‭ ‬والواقع‭. ‬إن‭ ‬التفلسف‭ ‬نقد‭ ‬للمسبقات‭ ‬والأوهام،‭ ‬وللإيديولوجيات‭. ‬لذلك‭ ‬يعتبر‭ ‬التفلسف‭ ‬عملاً،‭ ‬بل‭ ‬وكفاحاً‭ ‬سلاحه‭ ‬العقل‭ ‬وأعداؤه‭ ‬تعبيرات‭ ‬البلاهة،‭ ‬والتعصب‭ ‬والانغلاق،‭ ‬وحلفاؤه‭ ‬مختلف‭ ‬العلوم،‭ ‬وهدفه‭ ‬الحكمة‭ ‬والسعادة‭. ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬آبيقور‭ ‬يعرّف‭ ‬الفلسفة‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬نشاط‭ ‬يمنحنا‭ ‬الحياة‭ ‬السعيدة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الخطاب‭ ‬والبرهنة‮»‬‭.‬

‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬المشتغلين‭ ‬بالفلسفة‭ ‬يقرؤون،‭ ‬ويكتبون،‭ ‬ويناقشون‭ ‬قضايا‭ ‬وموضوعات‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بالفلسفة،‭ ‬بالضرورة‭. ‬وباسمها‭ ‬ينشط‭ ‬فاعلون‭ ‬يدّعون‭ ‬الانتساب‭ ‬إليها‭

‬هل‭ ‬هناك‭ ‬فكر‭ ‬فلسفي‭ ‬مغربي‭ ‬حديث؟‭ ‬وعلى‭ ‬أي‭ ‬أساس‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نقارب‭ ‬تلكم‭ ‬النتاجات‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬عناوين‭ ‬وأسئلة‭ ‬فلسفية‭.. ‬أنقاربها،‭ ‬مثلاً،‭ ‬في‭ ‬نتاج‭ ‬أفراد‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬بيان‭ ‬مصنّفات‭ ‬أم‭ ‬بالإمكان‭ ‬حصرها‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬موضوعات‭ ‬وقضايا‭ ‬بعينها؟‭ ‬

أفاية‭:‬ إن‭ ‬المطّلع‭ ‬على‭ ‬تاريخ‭ ‬الأفكار‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬زمن‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬والسياق‭ ‬التاريخي‭ ‬الذي‭ ‬دشن‭ ‬فيه‭ ‬محمد‭ ‬عزيز‭ ‬الحبابي‭ ‬كتاباته‭ ‬الفلسفية‭ ‬‭(‬1954‭)‬‭ ‬مسافات‭ ‬وفوارق‭ ‬كبرى‭. ‬وتميّزت‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬الطويلة‭ ‬بحصار‭ ‬مستمر‭ ‬على‭ ‬العقل‭ ‬والتفكير،‭ ‬بسبب‭ ‬سطوة‭ ‬الدوائر‭ ‬التقليدية‭ ‬على‭ ‬تفكير‭ ‬المغاربة‭. ‬كانت‭ ‬الفلسفة‭ ‬دائماً‭ ‬ضحيّة‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬ومن‭ ‬الحرية،‭ ‬فتعرضت‭ ‬للمنع‭ ‬والتحريم‭ ‬‭(‬ولا‭ ‬نعدم‭ ‬فتاوى‭ ‬وقرارات‭ ‬في‭ ‬تاريخنا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن‭)‬؛‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أنتج‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الانفصال‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬المغاربة‭ ‬بالفكر‭ ‬الفلسفي،‭ ‬بل‭ ‬و‭ ‬بالتفكير‭ ‬عموماً‭. ‬ومعلوم‭ ‬أن‭ ‬إصدار‭ ‬محمد‭ ‬عزيز‭ ‬الحبابي‭ ‬كتابه‭: ‬‮«‬من‭ ‬الكائن‭ ‬إلى‭ ‬الشخص‭.. ‬دراسات‭ ‬في‭ ‬الشخصانية‭ ‬الواقعية‮»‬‭ ‬سنة‭ ‬1954،‭ ‬يعتبر‭ ‬أول‭ ‬نصّ‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬يوقّعه‭ ‬‮«‬مثقف‮»‬‭ ‬مغربي‭ ‬شاب‭ ‬سيدشّن‭ ‬به‭ ‬وبكتابات‭ ‬أخرى،‭ ‬آفاقا‭ ‬فكرية‭ ‬ستسمح،‭ ‬طيلة‭ ‬الستة‭ ‬عقود‭ ‬الأخيرة،‭ ‬لمسارات‭ ‬فلسفية‭ ‬مغربية‭ ‬من‭ ‬إثبات‭ ‬جدارتها‭ ‬بالسؤال‭ ‬والنقد‭ ‬والتأليف‭. ‬والقارئ‭ ‬للمتن‭ ‬الذي‭ ‬أنتجه‭ ‬المغاربة،‭ ‬منذ‭ ‬عملية‭ ‬الاستئناف‭ ‬هاته،‭ ‬سيلاحظ‭ ‬قدرة‭ ‬المشتغلين‭ ‬المغاربة‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬الفلسفة‭ ‬والعلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬على‭ ‬الإنصات‭ ‬إلى‭ ‬لغات،‭ ‬وأفكار،‭ ‬وانفتاحات‭ ‬فلاسفة‭ ‬العالم،‭ ‬وعلى‭ ‬استلهامها‭ ‬و‮»‬تبيئتها‮»‬‭ ‬داخل‭ ‬السياق‭ ‬المغربي‭ ‬الخاص‭. ‬هكذا‭ ‬نعثر‭ ‬على‭ ‬إيمانويل‭ ‬مونيي‭ ‬وهنري‭ ‬برغسون‭ ‬في‭ ‬شخصانية‭ ‬الحبابي،‭ ‬وهيغل‭ ‬وماركس،‭ ‬وفيبر،‭ ‬وكروتشي‭ ‬والتاريخانية‭ ‬في‭ ‬مؤلفات‭ ‬العروي،‭ ‬وماركس،‭ ‬وفوكو،‭ ‬وبلانشي،‭ ‬وباشلار‭ ‬وألان‭ ‬دو‭ ‬ليبيرا‭ ‬في‭ ‬كتابات‭ ‬محمد‭ ‬عابد‭ ‬الجابري،‭ ‬وسارتر‭ ‬وبارت،‭ ‬ولاكان،‭ ‬وديريدا‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬عبد‭ ‬الكبير‭ ‬الخطيبي،‭ ‬وفرويد،‭ ‬وهايدغر،‭ ‬وألتوسير‭ ‬وهابرماس‭ ‬في‭ ‬نتاج‭ ‬محمد‭ ‬سبيلا،‭ ‬وفلاسفة‭ ‬الاختلاف‭ ‬الفرنسيين‭ ‬في‭ ‬نصوص‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬بنعبد‭ ‬العالي،‭ ‬وماكيفيللي‭ ‬وفلاسفة‭ ‬الأنوار‭ ‬في‭ ‬كتابات‭ ‬كمال‭ ‬عبد‭ ‬اللطيف،‭ ‬والفلسفة‭ ‬التحليلية‭ ‬عند‭ ‬طه‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن،‭ ‬ومنظّرّي‭ ‬الإبستيمولوجيا‭ ‬في‭ ‬نتاجات‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬سالم‭ ‬يفوت‭ ‬ومحمد‭ ‬وقيدي،‭ ‬إلى‭ ‬الحضور‭ ‬البارز‭ ‬لفلاسفة‭ ‬معاصرين‭ ‬من‭ ‬أمثال‭ ‬هابرماس،‭ ‬وأكسيل‭ ‬هونيت،‭ ‬وجون‭ ‬رولز،‭ ‬وشارل‭ ‬تايلور‭ ‬ونانسي‭ ‬فرايزر‭ ‬ومرجعيات‭ ‬فلسفية‭ ‬أخرى،‭ ‬عمل‭ ‬جيل‭ ‬بأكمله‭ ‬على‭ ‬الانشغال‭ ‬بمتونهم‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬المعوّقات‭ ‬والتحدّيات‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬تفرضها‭ ‬التيارات‭ ‬المرتهنة‭ ‬للماضي‭ ‬وللتديّن‭ ‬السطحي،‭ ‬تعمل‭ ‬أنوية‭ ‬فلسفية‭ ‬في‭ ‬الجامعات،‭ ‬وفي‭ ‬فضاءات‭ ‬أخرى‭ ‬للتفكير‭ ‬والكتابة،‭ ‬على‭ ‬الاجتهاد‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬صوغ‭ ‬أسئلة‭ ‬الوجود،‭ ‬والسياسة،‭ ‬والجسد،‭ ‬والعمل،‭ ‬والقيم،‭ ‬والتراث،‭ ‬والحداثة،‭ ‬التي‭ ‬يطرحها‭ ‬المجتمع‭ ‬المغربي،‭ ‬والعربي،‭ ‬على‭ ‬نخبه‭.‬

‮‬من‭ ‬هم‭ ‬أعداء‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬المغرب؟

أفاية‭:‬ أعداء‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬وفي‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬البلدان‭ ‬العربية،‭ ‬كُثر‭. ‬ومعلوم‭ ‬أن‭ ‬المغرب،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مصر،‭ ‬وسوريا،‭ ‬و‭ ‬تونس،‭ ‬والجزائر،‭ ‬والعراق،‭ ‬–‭ ‬وهي‭ ‬بلدان‭ ‬درّست‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬مؤسساتها‭-‬‭ ‬حرصت‭ ‬نخبته‭ ‬على‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬استنبات‭ ‬مقوّمات‭ ‬التفكير‭ ‬العصري‭ ‬والثقافة‭ ‬الحديثة؛‭ ‬علماً‭ ‬بأن‭ ‬الدرس‭ ‬الفلسفي‭ ‬هاجر‭ ‬إلى‭ ‬المغرب‭ ‬وإلى‭ ‬بعض‭ ‬البلدان‭ ‬العربية،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬حاملاً‭ ‬معه‭ ‬أزمته‭ ‬الداخلية،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬حمولته‭ ‬الأيديولوجية،‭ ‬التي‭ ‬التصقت‭ ‬به‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬تمّ‭ ‬شحنه‭ ‬بـ‮»‬الإيديولوجيا‭ ‬الفرنسية‮»‬‭ ‬في‭ ‬أواسط‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭. ‬وحين‭ ‬انخرط‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬تعريب‭ ‬الفلسفة،‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬الستينيات‭ ‬وبداية‭ ‬السبعينيات،‭ ‬بهدف‭ ‬إقصاء‭ ‬عناصر‭ ‬‮«‬الإيديولوجيا‭ ‬الفرنسية‮»‬‭ ‬و‮»‬تأميم‮»‬‭ ‬الخطاب‭ ‬الفلسفي،‭ ‬بإكسابه‭ ‬أبعاداً‭ ‬عربية‭ ‬وإسلامية،‭ ‬حصل‭ ‬تصادم‭ ‬إيديولوجي‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬جديد؛‭ ‬أعطيت‭ ‬الأهمية‭ ‬لتاريخ‭ ‬الفلسفة‭ ‬وللإيديولوجيا،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬صوغ‭ ‬دروس‭ ‬استطاعت‭ ‬تقريب‭ ‬عدد‭ ‬هائل‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬والطلبة‭ ‬من‭ ‬الهمّ‭ ‬الفلسفي؛‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬لعب‭ ‬الأستاذ‭ ‬الجابري‭ ‬دوراً‭ ‬حاسماً،‭ ‬ولكن‭ ‬داخل‭ ‬سياق‭ ‬يُغيّب‭ ‬النص‭ ‬الفلسفي،‭ ‬ولا‭ ‬يستفزّ‭ ‬الروح‭ ‬الفلسفية‭.‬

الدرس‭ ‬الفلسفي‭ ‬هاجر‭ ‬إلى‭ ‬المغرب‭ ‬وإلى‭ ‬بعض‭ ‬البلدان‭ ‬العربية،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬حاملاً‭ ‬معه‭ ‬أزمته‭ ‬الداخلية،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬حمولته‭ ‬الأيديولوجية،‭ ‬التي‭ ‬التصقت‭ ‬به‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬تمّ‭ ‬شحنه‭ ‬بـ‮»‬الإيديولوجيا‭ ‬الفرنسية‮»

لم‭ ‬تكن‭ ‬تنظر‭ ‬السلطة‭ ‬السياسية‭ ‬إلى‭ ‬الفلسفة‭ ‬بعين‭ ‬الرضى،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬ما‭ ‬سمي‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬بـ‮»‬سنوات‭ ‬الرصاص‮»‬،‭ ‬موضوع‭ ‬صراع‭ ‬شديد‭ ‬بين‭ ‬نزوعات‭ ‬المحافظة‭ ‬والتقليد‭ ‬في‭ ‬الدولة،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تتهيّب‭ ‬من‭ ‬الفلسفة‭ ‬كمجال‭ ‬ينتج‭ ‬السؤال‭ ‬والنقد،‭ ‬والمعارضة‭ ‬السياسية‭ ‬بالضرورة،‭ ‬وبين‭ ‬النخب‭ ‬التحديثية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬الفلسفة‭ ‬والعلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬حقول‭ ‬يتعيّن‭ ‬إدماجها‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬والبحث‭ ‬وفي‭ ‬المؤسسات‭ ‬لبناء‭ ‬مجتمع‭ ‬عصري‭ ‬حقًّا‭. ‬وداخل‭ ‬معمعة‭ ‬هذا‭ ‬التجاذب،‭ ‬تمّ‭ ‬توظيف‭ ‬التيارات‭ ‬الإسلامية‭ ‬لمحاربة‭ ‬الفكر‭ ‬الفلسفي‭.‬

‬هل‭ ‬تلاحظ‭ ‬معي‭ ‬أن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬أشتغلوا،‭ ‬وبجدّية،‭ ‬في‭ ‬الحقل‭ ‬الفلسفي،‭ ‬وتفوقوا‭ ‬فيه،‭ ‬كانوا‭ ‬وما‭ ‬زالوا،‭ ‬لا‭ ‬يجرؤون‭ ‬على‭ ‬إعلان‭ ‬أنفسهم‭ ‬فلاسفة،‭ ‬بل‭ ‬يتركون‭ ‬التقويم‭ ‬التوصيفي‭ ‬للآخرين،‭ ‬اللهم‭ ‬إلاّ‭ ‬المصري‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬بدوي،‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬يغضب‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تناده‭ ‬بلقب‭: ‬الفيلسوف‭.. ‬وكذلك‭ ‬فيلسوف‭ ‬الشخصانية‭ ‬اللبناني‭ ‬قبله‭ ‬بعقود‭ ‬رينيه‭ ‬حبشي،‭ ‬ولا‭ ‬أعلم‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬كذلك‭ ‬نظيره‭ ‬المغربي،‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬الفلسفي‭ ‬عينه،‭ ‬محمد‭ ‬عزيز‭ ‬الحبابي‭ ‬الذي‭ ‬تكّلمت‭ ‬عن‭ ‬رمزيته‭ ‬كدور‭ ‬قبل‭ ‬قليل‭.. ‬ما‭ ‬تعليقك؟

أفاية‭:‬ يبدو‭ ‬أن‭ ‬تفادي‭ ‬إطلاق‭ ‬تسمية‭ ‬فيلسوف‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يشتغل‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬الفلسفة‭ ‬يعود،‭ ‬في‭ ‬ظنّي،‭ ‬إلى‭ ‬سببين‭ ‬اثنين؛‭ ‬الأول‭ ‬يرتبط‭ ‬بثقل‭ ‬التراث‭ ‬والنزعات‭ ‬التقليدية‭ ‬على‭ ‬تاريخ‭ ‬الأفكار‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وإلى‭ ‬معاداة‭ ‬الفلسفة‭ ‬منذ‭ ‬الغزالي‭ ‬إلى‭ ‬اليوم،‭ ‬والسبب‭ ‬الثاني‭ ‬يتعلّق‭ ‬بـ‮»‬المشروعية‮»‬‭ ‬الفكرية‭ ‬وبالموقع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للمشتغل‭ ‬بالفلسفة‭ ‬في‭ ‬‮«‬سوق‭ ‬ثقافية‮»‬‭ ‬تخاف‭ ‬السؤال‭ ‬والنقد؛‭ ‬إذ‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يسيء‭ ‬أعداء‭ ‬الفلسفة‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يشتغل‭ ‬بها‭ ‬بنعتهم‭ ‬بـ‮»‬الإلحاد‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الاستلاب‭ ‬الثقافي‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬استجلاب‭ ‬‮«‬أفكار‭ ‬دخيلة‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تنتمي،‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأحوال،‭ ‬لـ‮»‬أصالة‮»‬‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي،‭ ‬لأنها‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬‮«‬الغزو‭ ‬الثقافي‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يتعيّن‭ ‬محاربته‭ ‬بكل‭ ‬الوسائل‭. ‬ولربما‭ ‬لهذه‭ ‬الأسباب،‭ ‬أيضاً،‭ ‬يلتجئ‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬‮«‬الفلاسفة‮»‬‭ ‬العرب‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬أقرب‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ ‬هشام‭ ‬جعيط‭ ‬‮«‬فلسفة‭ ‬الثقافة‮»‬،‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬التراث،‭ ‬والهوية،‭ ‬والآخر،‭ ‬والتقدم،‭ ‬والسلطة،‭ ‬والتاريخ‮…‬إلخ،‭ ‬اللهم‭ ‬إلا‭ ‬استثناءات‭ ‬قليلة‭.‬

‬في‭ ‬ضوء‭ ‬التفلسف‭ ‬أو‭ ‬الفكر‭ ‬الفلسفي،‭ ‬أين‭ ‬تضع‭ ‬تجربة‭ ‬د‭. ‬عبدالله‭ ‬العروي،‭ ‬خصوصاً‭ ‬وأنه‭ ‬وضع‭ ‬كتباً‭ ‬مهمة‭ ‬للغاية،‭ ‬عالج‭ ‬فيها‭ ‬مفاهيم‭ ‬فلسفية‭ ‬كلاسيكية‭ ‬وأخرى‭ ‬تتصل‭ ‬بالفلسفة،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اتصالها‭ ‬بمضمار‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬مضامير‭ ‬الفكر‭ ‬‭(‬الحرية،‭ ‬الإيديولوجيا،‭ ‬الدولة،‭ ‬العقل‮…‬إلخ‭)‬،‭ ‬وكذلك‭ ‬تجربة‭ ‬عبد‭ ‬الكبير‭ ‬الخطيبي،‭ ‬صاحب‭ ‬‮«‬النقد‭ ‬المزدوج‮»‬،‭ ‬البالغ‭ ‬الفذاذة‭ ‬والعمق‭ ‬كمتفلسف‭ ‬وكعالم‭ ‬اجتماع‭ ‬وناقد‭.. ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬اللبناني‭ ‬ناصيف‭ ‬نصار،‭ ‬الذي‭ ‬رأى‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬طريق‭ ‬الاستقلال‭ ‬الفلسفي‮»‬‭ ‬منعطفاً‭ ‬وفاتحة‭ ‬لحقبة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الفلسفة‭ ‬عند‭ ‬العرب‭ ‬بعد‭ ‬ابن‭ ‬خلدون‭ ‬ومحاولات‭ ‬عصر‭ ‬النهضة‭.. ‬وتجربة‭ ‬أستاذنا‭ ‬التونسي‭ ‬الكبير‭ ‬هشام‭ ‬جعيط‭ ‬الذي‭ ‬ذكرته‭ ‬قبل‭ ‬قليل‭.. ‬والمصري‭ ‬عثمان‭ ‬أمين؟‭ ‬

أفاية‭:‬ إن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬إشكالي‭ ‬و‭ ‬يصعب‭ ‬تناول‭ ‬أبعاده‭ ‬في‭ ‬جواب‭ ‬عليه،‭ ‬مراعاة‭ ‬إكراهات‭ ‬النشر‭ ‬في‭ ‬حوار‭ ‬صحافي‭. ‬فأنا‭ ‬أعتبر‭ ‬أن‭ ‬المفكرين‭ ‬الذين‭ ‬أشرت‭ ‬إليهم‭ ‬قدموا‭ ‬اجتهادات‭ ‬يتعيّن،‭ ‬أخلاقيًا‭ ‬وفكريًا،‭ ‬الإقرار‭ ‬بأهميتها،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬الحرب‭ ‬الدائمة‭ ‬على‭ ‬العقل‭ ‬والتفكير‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭. ‬فهم‭ ‬ينتمون،‭ ‬وباقتدار،‭ ‬إلى‭ ‬الفكر‭ ‬النقدي‭ ‬الإنساني؛‭ ‬لأنهم‭ ‬بنوا‭ ‬صروحهم‭ ‬الفكرية‭ ‬في‭ ‬احتكاك‭ ‬مباشر‭ ‬بتاريخ‭ ‬الأفكار‭ ‬الفلسفية،‭ ‬والتاريخية،‭ ‬والسياسية‭ ‬الذي‭ ‬أنتجها‭ ‬الغرب،‭ ‬كما‭ ‬اطلعوا،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬عينه،‭ ‬على‭ ‬التراث‭ ‬العربي،‭ ‬وعلى‭ ‬التاريخ‭ ‬الفكري‭ ‬الوطني‭ ‬الخاص‭ ‬بكل‭ ‬مفكّر‭. ‬ولا‭ ‬نشعر‭ ‬بأي‭ ‬حرج‭ ‬لديهم‭ ‬حين‭ ‬يستلهمون‭ ‬هذا‭ ‬الفيلسوف‭ ‬أو‭ ‬المفكر‭ ‬الغربي‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭. ‬ابتداء‭ ‬من‭ ‬زكي‭ ‬نجيب‭ ‬محمود‭ ‬في‭ ‬علاقته‭ ‬بالوضعية‭ ‬المنطقية،‭ ‬أو‭ ‬حين‭ ‬يدعو‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬العروي‭ ‬إلى‭ ‬إدماج‭ ‬التاريخانية‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬العربي،‭ ‬وإقامة‭ ‬أسس‭ ‬الدولة‭ ‬العصرية،‭ ‬فإننا‭ ‬لا‭ ‬نجده‭ ‬يتردّد‭ ‬في‭ ‬استلهام‭ ‬ماركس‭ ‬الشاب،‭ ‬أو‭ ‬ماكس‭ ‬فيبر؛‭ ‬أما‭ ‬الجابري‭ ‬وأركون‭ ‬اللذان‭ ‬تكوّنا‭ ‬على‭ ‬كلاسيكيات‭ ‬الفلسفة‭ ‬الحديثة‭ ‬والإسلامية‭ ‬استطاعا،‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬بأسلوبه‭ ‬المميز،‭ ‬‮«‬تبيئة‮»‬‭ ‬ترسانة‭ ‬من‭ ‬المفاهيم‭ ‬والنصوص‭ ‬الفلسفية،‭ ‬من‭ ‬كانط،‭ ‬مرورًا‭ ‬بهيغل،‭ ‬وماركس،‭ ‬وفوكو،‭ ‬وآخرين؛‭ ‬كما‭ ‬نعثر‭ ‬على‭ ‬حضور‭ ‬كبير‭ ‬للوجودية‭ ‬والفينومينولوجية‭ ‬في‭ ‬النتاج‭ ‬الأخير‭ ‬لناصيف‭ ‬نصار؛‭ ‬أما‭ ‬الخطيبي،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬منشغلاً‭ ‬دوماً‭ ‬بقضايا‭ ‬الهامش‭ ‬والإبداع،‭ ‬فإنه‭ ‬يعلن،‭ ‬بوضوح،‭ ‬بأنه‭ ‬يفكر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عنصر‭ ‬فلسفي‭ ‬مكبوت‭ ‬فينا‭ ‬منذ‭ ‬الفلسفة‭ ‬الإغريقية‭ ‬إلى‭ ‬الآن‭. ‬ولذلك‭ ‬حاور‭ ‬وساجل‭ ‬كبار‭ ‬الفلاسفة‭ ‬والمفكرين‭ ‬من‭ ‬سارتر،‭ ‬وبارت‭ ‬إلى‭ ‬ديريدا‭.‬

غالباً‭ ‬ما‭ ‬يسيء‭ ‬أعداء‭ ‬الفلسفة‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يشتغل‭ ‬بها‭ ‬بنعتهم‭ ‬بـ‮»‬الإلحاد‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الاستلاب‭ ‬الثقافي‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬استجلاب‭ ‬‮«‬أفكار‭ ‬دخيلة‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تنتمي،‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأحوال،‭ ‬لـ‮»‬أصالة‮»‬‭ ‬التراث

‬بعضهم‭ ‬تحدث‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭ ‬بشكل‭ ‬فلسفي‭.. ‬هل‭ ‬توافق‭ ‬على‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الطرح؟‭ ‬وإذا‭ ‬كنت‭ ‬تستأنس‭ ‬به‭ ‬–‭ ‬أي‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬–‭ ‬فكيف‭ ‬تكون‭ ‬الحياة‭ ‬بشكل‭ ‬فلسفي؟

أفاية‭:‬‮ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬اتفقنا‭ ‬مع‭ ‬دولوز‭ ‬بأن‭ ‬الفلسفة‭ ‬هي‭ ‬صورة‭ ‬جديدة‭ ‬لفعل‭ ‬التفكير،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬يفترض‭ ‬العيش‭ ‬على‭ ‬صورة‭ ‬ما‭ ‬للفكر‭. ‬ولقد‭ ‬حاولت‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭ ‬طرح‭ ‬سؤال‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬القول‭ ‬بإمكانية‭ ‬العيش‭ ‬‮«‬بطريقة‭ ‬فلسفية‮»‬،‭ ‬اليوم؟‭ ‬إذ‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الفهم،‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الجهد،‭ ‬يمكن‭ ‬تحويل‭ ‬‮«‬حياة‭ ‬عادية‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬حياة‭ ‬تهتدي‭ ‬بالنهج‭ ‬الفلسفي؟‭ ‬وإذا‭ ‬سلمنا‭ ‬بأن‭ ‬العيش‭ ‬‮«‬فلسفياً‮»‬‭ ‬يفترض‭ ‬اختيار‭ ‬نمط‭ ‬حياة‭ ‬تتناغم‭ ‬أو‭ ‬تنسجم‭ ‬مع‭ ‬الفلسفة،‭ ‬أو‭ ‬مع‭ ‬فلسفة‭ ‬ما،‭ ‬فما‭ ‬هي‭ ‬هذه‭ ‬الفلسفة‭ ‬التي‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬محاولة‭ ‬ترتيب‭ ‬شؤون‭ ‬حياة‭ ‬تهتدي‭ ‬بمبادئها؟‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن،‭ ‬إذن،‭ ‬أن‭ ‬تمارس‭ ‬حياة‭ ‬مختلفة‭ ‬مُفكّر‭ ‬فيها‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬الفلسفة‭ ‬وعلى‭ ‬هدي‭ ‬منها؟

لا‭ ‬جدال‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬يفترض‭ ‬إبراز‭ ‬بعض‭ ‬المواصفات‭ ‬العامة‭ ‬التي،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تستلهم‭ ‬روح‭ ‬الفلاسفة‭ ‬القدماء،‭ ‬تسترشد‭ ‬ببعض‭ ‬نصوص‭ ‬الفلاسفة‭ ‬المحدثين‭ ‬والمعاصرين؛‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتقدم‭ ‬هذه‭ ‬الحياة،‭ ‬بلا‭ ‬شك،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬البحث‭ ‬الدائم‭ ‬عن‭ ‬تحسين‭ ‬شروطها‭ ‬وتجويدها‭ ‬بالقياس‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يتغيّاه‭ ‬الفكر‭ ‬الحي،‭ ‬اليقظ،‭ ‬الذي‭ ‬يختزن‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬التشجيع‭ ‬على‭ ‬تقوية‭ ‬الإنسان،‭ ‬وجعله‭ ‬يسمو‭ ‬على‭ ‬أشكال‭ ‬الانحطاط،‭ ‬والاستلاب،‭ ‬والاستبلاد،‭ ‬والاستعباد،‭ ‬وذلك‭ ‬بالاستحضار‭ ‬المستمر‭ ‬والملح‭ ‬للإحساس‭ ‬بمتعة‭ ‬الوجود،‭ ‬وبجماليته،،‭ ‬وفضيلة‭ ‬استقبال‭ ‬الآخر،‭ ‬واستبعاد‭ ‬المسبقات،‭ ‬واستدعاء‭ ‬الفضول‭ ‬المعرفي،‭ ‬والرؤية‭ ‬النقدية‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يتقدم‭ ‬باعتباره‭ ‬سلطة،‭ ‬واحتقار‭ ‬الدناءة‭ ‬والخسّة،‭ ‬واللاتسامح،‭ ‬والظلم،‭ ‬أي‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬إعطاء‭ ‬شكل‭ ‬أكثر‭ ‬قرباً‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬مفكّر‭ ‬فيه،‭ ‬والإلحاح‭ ‬على‭ ‬توافر‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الانسجام‭ ‬مع‭ ‬الذات‭ ‬والآخرين‭ ‬في‭ ‬الأفعال،‭ ‬وفي‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الأفكار‭ ‬والأفعال‭.‬

قد‭ ‬يبدو‭ ‬الأمر‭ ‬تجريدياً،‭ ‬أو‭ ‬مستحيلا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬بنية‭ ‬ثقافية‭ ‬محافظة،‭ ‬تقليدية،‭ ‬أو‭ ‬سجينة‭ ‬نزوعات‭ ‬قاتلة‮ ‬‭ ‬تحارب‭ ‬أي‭ ‬احتفال‭ ‬بالحياة،‭ ‬ولكن‭ ‬المتسلح‭ ‬بشروط‭ ‬التفكّر‭ ‬اليقظ،‭ ‬والمتعلق‭ ‬بالحق‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬يمكنه‭ ‬ترتيب‭ ‬وجوده‭ ‬بطرق‭ ‬لا‭ ‬تبتعد‭ ‬كثيراً‭ ‬عن‭ ‬مقتضيات‭ ‬النظر‭ ‬الفلسفي‭.‬

‮ ‬‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الفلسفة‭ ‬الحديثة‭ ‬تركّز‭ ‬على‭ ‬نظرية‭ ‬المعرفة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تركيزها‭ ‬على‭ ‬نظرية‭ ‬الوجود،‭ ‬فهل‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬أسئلة‭ ‬‮«‬الفلسفة‭ ‬أم‭ ‬العلوم‮»‬‭ ‬قد‭ ‬أفل‭ ‬نجمها‭ ‬وباتت‭ ‬نزيلة‭ ‬متحف‭ ‬تاريخ‭ ‬الأفكار؟‭ ‬

أفاية‭:‬ حاولت‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭ ‬إعادة‭ ‬طرح‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬باعتبار،‭ ‬كما‭ ‬تقول،‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬طرأت‭ ‬تحوّلات‭ ‬كبرى‭ ‬على‭ ‬تاريخ‭ ‬الفكر‭ ‬الإنساني،‭ ‬وحصلت‭ ‬قطائع‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الحقول‭ ‬المعرفية،‭ ‬وسُحبت‭ ‬من‭ ‬الفلسفة‭ ‬الموضوعات‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬توفر‭ ‬لها‭ ‬شروط‭ ‬أخذ‭ ‬الكلمة،‭ ‬وغدت،‭ ‬بالتدريج،‭ ‬بلا‭ ‬موضوع‭. ‬فالقول‭ ‬إن‭ ‬الفلسفة‭ ‬هي‭ ‬تصور‭ ‬عام‭ ‬للكون‭ ‬والمجتمع‭ ‬والإنسان،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬تحديداً‭ ‬مُقنعاً‭ ‬طالما‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬اهتمامات‭ ‬علمية‭ ‬جديدة‭ ‬تدرس‭ ‬مسائل‭ ‬الكون‭ ‬والمجتمع‭ ‬والإنسان‭.‬

ولكن‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬معرفة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬موضوع،‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬متخصص‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬هوية‭ ‬فكرية‭ ‬واضحة‭ ‬المعالم؟‭ ‬هل‭ ‬الفيلسوف‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬‮«‬القرد‭ ‬العارف‭ ‬بكل‭ ‬شيء‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يقول‭ ‬بروتاغوراس،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الفلسفة‭ ‬هي‭ ‬‮«‬التخصص‭ ‬في‭ ‬العموميات‮»‬؟‭ ‬وماذا‭ ‬بقي‭ ‬للفلسفة،‭ ‬إذن،‭ ‬بعدما‭ ‬انتزعت‭ ‬العلوم‭ ‬الدقيقة‭ ‬والإنسانية‭ ‬أهم‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬منشغلة‭ ‬بها؟‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬تصور‭ ‬دور‭ ‬ما‭ ‬للفلسفة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحوّلات‭ ‬الجارفة‭ ‬الجارية‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الدولي؟‭ ‬هل‭ ‬يحتمل‭ ‬منطق‭ ‬العولمة‭ ‬بانكساراتها‭ ‬وأزماتها،‭ ‬وحسابات‭ ‬النجاعة‭ ‬والمردودية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬إمكانية‭ ‬إدخال‭ ‬هامش‭ ‬من‭ ‬التأمل‭ ‬والتفكير؟‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬دور‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الديمقراطي،‭ ‬وفي‭ ‬سياق‭ ‬بدأت‭ ‬تتفجر‭ ‬فيه‭ ‬مظاهر‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬العنف؟

‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬معرفة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬موضوع،‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬متخصص‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬هوية‭ ‬فكرية‭ ‬واضحة‭ ‬المعالم؟‭ ‬هل‭ ‬الفيلسوف‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬‮«‬القرد‭ ‬العارف‭ ‬بكل‭ ‬شيء‮»

ففي‭ ‬زمن‭ ‬الثورة‭ ‬المعلوماتية‭ ‬وهوس‭ ‬الربح‭ ‬والتسابق‭ ‬على‭ ‬المواقع،‭ ‬لتأمين‭ ‬أكثر‭ ‬معاني‭ ‬المصلحة‭ ‬سطحية‭ ‬وتوحشًا،‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يميل‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬للفلسفة‭ ‬دوراً‭ ‬لا‭ ‬جدال‭ ‬فيه‭ ‬لسببين‭ ‬اثنين‭: ‬الأول‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬التراث‭ ‬الفلسفي‭ ‬العالمي‭ ‬يزخر‭ ‬بأدوات‭ ‬فكرية،‭ ‬لا‭ ‬حصر‭ ‬لها،‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تسعفنا‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬التحولات‭ ‬الجارية‭ ‬أمامنا‭. ‬وتمثل‭ ‬الفلسفة،‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المنظور،‭ ‬مدرسة‭ ‬حقيقية‭ ‬للحرية‭ ‬وحقلاً‭ ‬لتنشيط‭ ‬العقل‭ ‬وشحذ‭ ‬الحس‭ ‬النقدي‭. ‬وأما‭ ‬السبب‭ ‬الثاني،‭ ‬فإنه‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬الطبيعة‭ ‬التربوية‭ ‬للفلسفة،‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬أضيف،‭ ‬كما‭ ‬تمّت‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬دورها‭ ‬النافع‭ ‬في‭ ‬ترتيب‭ ‬شؤون‭ ‬العيش‭ ‬بطرق‭ ‬أكثر‭ ‬استجابة‭ ‬لانتظارات‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬الحياة‭.‬

‮ ‬هل‭ ‬هناك‭ ‬فكر‭ ‬عربي‭ ‬معاصر؟

‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬حد‭ ‬يمكننا‭ ‬القول‭ ‬بوجود‭ ‬فكر‭ ‬عربي‭ ‬معاصر؟‭ ‬وهل‭ ‬بالإمكان‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬ظهور‭ ‬تيارات‭ ‬فكرية‭ ‬منطلقة‭ ‬من‭ ‬الفكر‭ ‬النقدي‭ ‬بالذات؟

أفاية‭:‬ قد‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬تحصيل‭ ‬الحاصل‭ ‬القول‭ ‬بوجود‭ ‬فكر‭ ‬عربي‭ ‬معاصر،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬العبث‭ ‬خوض‭ ‬مناقشة،‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬طبيعتها،‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬ينكر‭ ‬وجوده‭. ‬لقد‭ ‬أقام‭ ‬المفكرون‭ ‬العرب،‭ ‬منذ‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬صروحاً‭ ‬فكرية‭ ‬تستحق‭ ‬التقدير‭ ‬والاعتراف‭. ‬فالتفكير‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬متعوّد‭ ‬على‭ ‬الأجوبة‭ ‬الجاهزة‭ ‬وعلى‭ ‬الكسل‭ ‬الفكري،‭ ‬يبدو‭ ‬نشازاً؛‭ ‬والحال‭ ‬أن‭ ‬مفكرين‭ ‬كبار‭ ‬أثروا‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬والثقافة‭ ‬في‭ ‬عمومها،‭ ‬وخاضوا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ذلك‭ ‬معارك‭ ‬سياسية‭ ‬وسجالات‭ ‬فكرية‭ ‬في‭ ‬منتهى‭ ‬العمق‭ ‬والإبداعية،‭ ‬من‭ ‬فارس‭ ‬الشدياق،‭ ‬وشبلي‭ ‬شميل،‭ ‬وفرح‭ ‬أنطون،‭ ‬ومحمد‭ ‬عبده،‭ ‬وعلي‭ ‬عبد‭ ‬الرازق،‭ ‬وسلامة‭ ‬موسى،‭ ‬وطه‭ ‬حسين،‭ ‬وأحمد‭ ‬أمين‭ ‬إلى‭ ‬أصحاب‭ ‬المشروعات‭ ‬الفكرية‭ ‬الكبرى؛‭ ‬إذ‭ ‬ابتداء‭ ‬من‭ ‬الخمسينيات،‭ ‬عمل‭ ‬مفكرون‭ ‬وباحثون‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬متون‭ ‬ترقى‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬محترمة‭ ‬في‭ ‬الاجتهاد‭ ‬النظري،‭ ‬والفكري‭. ‬لكن‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬مشكلة‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬مزدوجة،‭ ‬تتمثل،‭ ‬أولاً‭ ‬في‭ ‬محاصرته‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬مختلف‭ ‬أشكال‭ ‬الاستبداد‭ ‬السياسي‭ ‬والدوغمائية‭ ‬المذهبية‭ ‬الأصولية،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬التكفيرية،‭ ‬كما‭ ‬يعاني،‭ ‬ثانياً،‭ ‬من‭ ‬العوائق‭ ‬المجتمعية‭ ‬والثقافية‭ ‬التي‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬استنبات‭ ‬مقوماته‭ ‬وقيمه‭ ‬في‭ ‬العقول‭ ‬والمؤسسات‭.‬

‮ ‬‭ ‬وسيلاحظ‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الفكر‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬عناء‭ ‬كبير،‭ ‬خصوصاً‭ ‬إذا‭ ‬تسلح‭ ‬بما‭ ‬يلزم‭ ‬من‭ ‬شروط‭ ‬النزاهة‮ ‬‭ ‬الفكرية‭ ‬وبمقتضيات‭ ‬تقدير‭ ‬قيمة‭ ‬النظر‭ ‬والتأليف،‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الفكر‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬منطلقات‭ ‬نقدية‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬نصوصه،‭ ‬ولاسيما‭ ‬أن‭ ‬أغلب‭ ‬من‭ ‬أنتجه،‭ ‬إما‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬الإصلاح،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬التغيير،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬الأحوال‭ ‬يدعو،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مواربة،‭ ‬إلى‭ ‬تجاوز‭ ‬وضعية‭ ‬التأخر‭ ‬والانحطاط،‭ ‬والتخلّي‭ ‬عن‭ ‬منظومات‭ ‬الفكر‭ ‬الكابحة‭ ‬للتفكير‭ ‬والفعل،‭ ‬والانخراط‭ ‬في‭ ‬مسارات‭ ‬نهضوية،‭ ‬التي‭ ‬بها‭ ‬يمكن‭ ‬استعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬للوجود‭ ‬العربي‭.‬

‭ ‬هل‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬أدوات‭ ‬معرفية‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يستخدمها‭ ‬نظام‭ ‬الفهم‭ ‬السابق‭ ‬والمستمر‭ ‬بقوة،‭ ‬عربياً،‭ ‬حتى‭ ‬اليوم؟

أفاية‭:‬ نحن‭ ‬في‭ ‬أمسّ‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬أدوات‭ ‬معرفية‭ ‬مختلفة‭. ‬فبمقدار‭ ‬ما‭ ‬يحوز‭ ‬المتن‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬أنتجه‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬الحديث‭ ‬والمعاصر‭ ‬قوة‭ ‬وراهنية،‭ ‬يصعب‭ ‬التعويل‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬مقتضيات‭ ‬فهم‭ ‬الحالة‭ ‬التراجيدية‭ ‬التي‭ ‬نشهد‭ ‬فصولها،‭ ‬اليوم‭. ‬فالعالم‭ ‬تعرض،‭ ‬ويتعرّض‭ ‬لاهتزازت‭ ‬كبرى،‭ ‬يمكن‭ ‬الإشارة،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬الاقتضاب،‭ ‬إلى‭ ‬خمسة‭ ‬معاينات‭ ‬يبدو‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬استحضارها،‭ ‬بالشكل‭ ‬المطلوب،‭ ‬سنكون‭ ‬بعيدين‭ ‬عن‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬فهم‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬أمامنا،‭ ‬وغالبا‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬منّا‭.‬‮ ‬‭ ‬أول‭ ‬معاينة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالتحولات‭ ‬التي‭ ‬عرفتها،‭ ‬وما‭ ‬تزال‭ ‬تعرفها،‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬بعد‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭. ‬نشهد‭ ‬حروباً‭ ‬جديدة‭ ‬غير‭ ‬متكافئة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بعد‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬2001،‭ ‬وكانت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأميركية‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬فجّرها،‭ ‬وما‭ ‬تزال‭ ‬تصنعها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مختلف‭ ‬‮«‬الأحلاف‭ ‬التي‭ ‬تشكلها‭ ‬لمحاربة‭ ‬‮«‬عدو‮»‬‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تعمل،‭ ‬أو‭ ‬تشارك،‭ ‬هي،‭ ‬في‭ ‬إنتاجه‭. ‬تتمثل‭ ‬المعاينة‭ ‬الثانية‭ ‬في‭ ‬حركات‭ ‬العولمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتواصلية،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬التعثرات‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬بين‭ ‬الفينة‭ ‬والأخرى‭ ‬‭(‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬خريف‭ ‬2008‭ ‬وتداعياتها‭ ‬المستمرة‭ ‬إلى‭ ‬الآن‭)‬‭. ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬يتعولم،‭ ‬لدرجة‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬لم‭ ‬تعد،‭ ‬وحدها،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬احتكار‭ ‬‮«‬العنف‭ ‬الشرعي‮»‬‭.‬

هل‭ ‬الفيلسوف‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬‮«‬القرد‭ ‬العارف‭ ‬بكل‭ ‬شيء‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يقول‭ ‬بروتاغوراس،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الفلسفة‭ ‬هي‭ ‬‮«‬التخصص‭ ‬في‭ ‬العموميات‮»‬؟‭ ‬وماذا‭ ‬بقي‭ ‬للفلسفة

‮ ‬أما‭ ‬المعاينة‭ ‬الثالثة،‭ ‬فتتجلى‭ ‬في‭ ‬بروز‭ ‬أوجه‭ ‬جديدة‭ ‬للضحية،‭ ‬الفردية‭ ‬والجماعية‭. ‬وكأن‭ ‬الكل‭ ‬أصبح‭ ‬يتقدم‭ ‬إلى‭ ‬المجال‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬هيئة‭ ‬ضحية‭ ‬يفترض‭ ‬الاعتراف‭ ‬بما‭ ‬تعرض‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬اعتداء،‭ ‬أو‭ ‬ظلم،‭ ‬أو‭ ‬استبعاد‭.. ‬الخ‭. ‬صور‭ ‬الضحية‭ ‬اليوم،‭ ‬باسم‭ ‬هوية‭ ‬خاصة‭ ‬أو‭ ‬اختلاف‭ ‬خصوصي،‭ ‬أو‭ ‬تنوّع،‭ ‬لا‭ ‬يشبهه‭ ‬أحد،‭ ‬تستدعي‭ ‬تفكيراً‭ ‬جديداً‭ ‬في‭ ‬ظاهرة‭ ‬العنف،‭ ‬أو‭ ‬بالأحرى‭ ‬في‭ ‬الآليات‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬بدأ‭ ‬العنف‭ ‬يعبّر‭ ‬بها‭ ‬عن‭ ‬مضمونه‭ ‬الثقافي،‭ ‬والتالي‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬جدل‭ ‬الهوية،‭ ‬والدين،‭ ‬والسياسة‭ ‬والعلاقات‭ ‬الاجتماعية‭. ‬ترتبط‭ ‬المعاينة‭ ‬الرابعة‭ ‬بالدور‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬لوسائط‭ ‬الاتصال،‭ ‬وللموقع‭ ‬الاجتياحي‭ ‬للتلفزيون؛‭ ‬إذ‭ ‬من‭ ‬وسيلة‭ ‬اتصال‭ ‬أصبح،‭ ‬شيئاً‭ ‬فشيئاً،‭ ‬سلاحاً‭ ‬حربياً‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬التموقع‭ ‬والتأثير،‭ ‬ويهدّد‭ ‬استقرار‭ ‬البلدان‭ ‬كما‭ ‬يلاحظ‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬العربية،‮ ‬‭ ‬وتحول‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬غذّت‭ ‬التجليات‭ ‬الجديدة‭ ‬للسلطة‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬ذاتها‭ ‬بواسطة‭ ‬الصور‭ ‬والأصوات‭. ‬الأمر‭ ‬نفسه‭ ‬ينطبق،‭ ‬بطرق‭ ‬مغايرة،‭ ‬على‭ ‬الإنترنيت‭.‬

‮ ‬أما‭ ‬المعاينة‭ ‬الخامسة،‭ ‬فتتمثل‭ ‬في‭ ‬تداعيات‭ ‬الاهتزازات،‭ ‬و‭ ‬مختلف‭ ‬أشكال‭ ‬الحروب‭ ‬الأهلية‭ ‬التي‭ ‬تمخضت‭ ‬عن‭ ‬الانتفاضات‭ ‬والحركات‭ ‬الاحتجاجية‭ ‬العربية‭ ‬ضد‭ ‬الاستبداد‭ ‬وسياسات‭ ‬إذلال‭ ‬الكائن،‭ ‬وما‭ ‬تلى‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬فواجع‭ ‬وحرائق‭ ‬تستفزّ‭ ‬وجودنا‭ ‬يومياً‭.‬

تفرض‭ ‬هذه‭ ‬المعاينات‭ ‬والمعطيات‭ ‬كافة‭ ‬ذاتها‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة،‭ ‬لدرجة‭ ‬يجد‭ ‬المرء‭ ‬نفسه‭ ‬إزاءها‭ ‬أمام‭ ‬ضرورة‭ ‬استدعاء‭ ‬أنموذج‭ ‬مفهومي‭ ‬مغاير‭ ‬لتقديم‭ ‬فهم‭ ‬مناسب‭ ‬للظواهر‭ ‬التراجيدية‭ ‬الجارية‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬مقاربتها‭ ‬أو‭ ‬ادعاء‭ ‬استيعابها،‭ ‬استناداً‭ ‬إلى‭ ‬مقولات‭ ‬بدايات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭.‬

‭ ‬كيف‭ ‬تفسّر،‭ ‬وإجمالاً،‭ ‬انعدام‭ ‬التجانس‭ ‬بين‭ ‬النخب‭ ‬العربية،‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬تنهض‭ ‬بدورها‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الظروف‭ ‬الحرجة‭ ‬والمصيرية‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬بها‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬العربية؟

أفاية‭:‬ تجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الاستبداد‭ ‬السياسي،‭ ‬في‭ ‬تحالفه‭ ‬الموضوعي،‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬المعلن،‭ ‬مع‭ ‬الدوغمائيات‭ ‬المذهبية‭ ‬الدينية،‭ ‬سَحق‭ ‬وحاصر‭ ‬النخب‭ ‬الفكرية‭ ‬والإبداعية‭. ‬لا‭ ‬يتمثل‭ ‬المشكل‭ ‬في‭ ‬‮«‬انعدام‭ ‬التجانس‮»‬‭ ‬بين‭ ‬النخب‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬السياقات‭ ‬التي‭ ‬تتحرك‭ ‬داخلها‭ ‬هذه‭ ‬النخب‭. ‬إن‭ ‬سطوة‭ ‬الاستبداد‭ ‬و‭ ‬التديّن‭ ‬السطحي،‭ ‬حشرا‭ ‬المثقفين‭ ‬في‭ ‬زوايا‭ ‬ضيقة‭ ‬جداً،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬التبدّلات‭ ‬التي‭ ‬تحصل‭ ‬على‭ ‬نوعية‭ ‬اللغة،‭ ‬وأنماط‭ ‬التواصل،‭ ‬والخطاب،‭ ‬وطبيعة‭ ‬المتلقين،‭ ‬وهي‭ ‬عوامل‭ ‬لها‭ ‬تأثيرها‭ ‬على‭ ‬الثقافة‭ ‬والسياسة‭. ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬السلط‭ ‬العربية‭ ‬تخاف‭ ‬من‭ ‬الفكر،‭ ‬ومن‭ ‬الحرية،‭ ‬وتتحكّم‭ ‬في‭ ‬قنوات‭ ‬وفضاءات‭ ‬التواصل،‭ ‬فكيف‭ ‬يمكن‭ ‬للمثقف‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬بأدواره‭ ‬التثقيفية‭ ‬والتنويرية؟‭ ‬هذا‭ ‬مع‭ ‬العلم‭ ‬بأنني‭ ‬أعتبر‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬لا‭ ‬بأس‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬العرب،‭ ‬قاموا‭ ‬بما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقوموا‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬مهام‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬والإبداع‭. ‬إنني‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬فائدة‭ ‬كبرى‭ ‬في‭ ‬جلد‭ ‬المثقف‭ ‬ومطالبته‭ ‬بوظائف‭ ‬لا‭ ‬يقدر‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬للعنف‭ ‬فيه‭ ‬الكلمة‭ ‬الأولى،‭ ‬وللتكفير‭ ‬مصدر‭ ‬تهديد‭ ‬دائم‭.‬

ومن‭ ‬المؤكد،‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬قساوة‭ ‬ظروف‭ ‬التفكير‭ ‬والكتابة،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المفكر،‭ ‬أو‭ ‬المبدع‭ ‬مطالب‭ ‬بإنجاز‭ ‬ما‭ ‬يقدر‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬تفكير‭ ‬وكتابة،‭ ‬وأن‭ ‬يعبّئ‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬وسعه‭ ‬لتقديم‭ ‬فهم‭ ‬مناسب‭ ‬لما‭ ‬يجري‭ ‬أمامنا‭ ‬من‭ ‬عبث‭ ‬عصي‭ ‬عن‭ ‬الوصف‭ ‬والتسمية،‭ ‬وأن‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬إخراج‭ ‬الفكر‭ ‬والناس‭ ‬من‭ ‬الحيرة‭ ‬التي‭ ‬وضعنا‭ ‬فيها‭ ‬الجميع،‭ ‬أنظمة،‭ ‬وجماعات‭ ‬قاتلة،‭ ‬ودول‭ ‬جوار،‭ ‬وقوى‭ ‬عظمى‭.‬

‮ ‬‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬التي‭ ‬يتسلّط‭ ‬فيها‭ ‬الفوات‭ ‬الغيبي‭ ‬على‭ ‬الوعي‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬باتت‭ ‬الرعية‭ ‬تتقبّل‭ ‬موتها‭ ‬الوجودي‭ ‬وتجعله‭ ‬أسلوباً‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬وأصبح،‭ ‬حتى‭ ‬الفرد‭ ‬المختلف‭ ‬والمتمرد،‮ ‬‭ ‬نفساً‭ ‬هلامية‭ ‬ذائبة‭ ‬في‭ ‬كيان‭ ‬هلامي‭ ‬كلي‭.. ‬ما‭ ‬تعليقك؟

أفاية‭:‬ لاشك،‭ ‬كما‭ ‬يوحي‭ ‬بذلك‭ ‬سؤالك،‭ ‬في‭ ‬أننا‭ ‬كنا‭ ‬ننتظر‭ ‬‮«‬تحديثاً‮»‬‭ ‬للعقل‭ ‬العربي،‭ ‬وإذ‮ ‬‭ ‬بالتفكير‭ ‬السحري‭ ‬يستولي‭ ‬على‭ ‬عقول‭ ‬العامة،‭ ‬وحتى‭ ‬على‭ ‬النخب‭ ‬والخطباء‭ ‬وعلى‭ ‬الفاعلين‭ ‬الإيديولوجيين‭ ‬الجدد‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭. ‬إننا‭ ‬نعيش،‭ ‬حقاً،‭ ‬فترة‭ ‬مرعبة،‭ ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬فيها‭ ‬الموت‭ ‬أمراً‭ ‬معتاداً،‭ ‬وتحوّل‭ ‬القتل‭ ‬إلى‭ ‬صور‭ ‬تستهلك،‭ ‬كما‭ ‬تستهلك‭ ‬الموجودات‭ ‬التي‭ ‬لاحياة‭ ‬فيها؛‭ ‬بل‭ ‬إننا‭ ‬نشهد‭ ‬على‭ ‬أفكار‭ ‬قاتلة‭ ‬تغتال‭ ‬العقل‭ ‬والوجدان‭ ‬والخيال‭. ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بجماعات‭ ‬قاتلة،‭ ‬أو‭ ‬إرهابية،‭ ‬وإنما‭ ‬بانتشار‭ ‬أفكار‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬القتل‭ ‬شيئاً‭ ‬عادياً‭. ‬إننا‭ ‬بإزاء‭ ‬تمثلات‭ ‬تقسم‭ ‬الجماعات‭ ‬البشرية‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬‮«‬هوية‮»‬‭ ‬متوهّمة‭ ‬تحفز‭ ‬على‭ ‬المواجهة،‭ ‬واللامبالاة،‭ ‬والاحتقار،‭ ‬والقتل‭. ‬من‭ ‬هنا‭ ‬ضرورة‭ ‬استنطاق‭ ‬هذا‭ ‬الـ‮»‬النحن‮»‬‭ ‬العربي،‭ ‬وكشف‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬صحي‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬مرضي‭ ‬وتدميري‭ ‬فيه،‭ ‬لأن‭ ‬التأكيد‭ ‬المتوهم‭ ‬على‭ ‬هوية‭ ‬ثابتة،‭ ‬يعني‭ ‬ترك‭ ‬الآخرين‭ ‬في‭ ‬‮«‬خارج‮»‬‭ ‬غير‭ ‬محدد‭ ‬المعالم‭. ‬إننا‭ ‬نشهد‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ ‬‮«‬مارك‭ ‬كريبون‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬أحد‭ ‬الفلاسفة‭ ‬الفرنسيين‭ ‬الشباب،‭ ‬بـ‮»‬الموافقة‭ ‬القاتلة‮»‬؛‭ ‬إذ‭ ‬بحكم‭ ‬الاستخفاف‭ ‬الذي‭ ‬بلغته‭ ‬البشرية‭ ‬والعرب‭ ‬بالكائن،‭ ‬وباللحم‭ ‬العربي،‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وفي‭ ‬سوريا،‭ ‬ولّد،‭ ‬لاشعورياً،‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬الرضى‭ ‬أو‭ ‬التواطؤ‭ ‬أو‭ ‬المشاركة‭ ‬الجماعية‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يجري،‭ ‬إما‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬المقاومة‭ ‬والممانعة‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬مواجهة‭ ‬‮«‬التغلغل‭ ‬الإيراني‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الذود‭ ‬على‭ ‬الإسلام‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬محاربة‭ ‬الإرهاب‮»‬‭..‬إلخ‭.‬

‬يرى‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬اضطرابنا‭ ‬في‭ ‬معرفة‭ ‬الآخر‭ ‬يعكس‭ ‬اضطرابنا‭ ‬في‭ ‬معرفة‭ ‬الذات،‭ ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬الآخر‭ ‬معرفة‭ ‬حقة‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬نعرف‭ ‬ذاتنا‭ ‬حق‭ ‬المعرفة‭..‬

أفاية‭:‬ لقد‭ ‬تحالف‭ ‬الجميع‭ ‬على‭ ‬منع‭ ‬التفكير‭ ‬الجدّي‭ ‬في‭ ‬ذواتنا،‭ ‬وفي‭ ‬تاريخنا،‭ ‬وفي‭ ‬حاضرنا،‭ ‬وفي‭ ‬جسدنا،‭ ‬وفي‭ ‬حياتنا‭ ‬وفي‭ ‬موتنا‭. ‬لقد‭ ‬عمل‭ ‬الاستبداد،‭ ‬العسكري‭ ‬والتيوقراطي،‭ ‬على‭ ‬اجتياح‭ ‬مساحات‭ ‬الإحساس‭ ‬والوعي،‭ ‬وتدخلت‭ ‬الدوغمائية‭ ‬المذهبية‭ ‬للتشويش‭ ‬على‭ ‬الأفكار‭ ‬والناس،‭ ‬ونجحت‭ ‬الصهيونية‭ ‬في‭ ‬تدمير‭ ‬كل‭ ‬مصادر‭ ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬يمتلكها،‭ ‬أو‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يمتلكها‭ ‬العرب،‭ ‬بوصفها‭ ‬عامل‭ ‬تهديد‭ ‬لوجود‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬أقامتها،‭ ‬وتواطأت‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬القوى،‭ ‬بشكل‭ ‬مكشوف‭ ‬ومتغطرس،‭ ‬لأنها‭ ‬تفهم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التحالف‭ ‬الموضوعي،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬التنافر‭ ‬الظاهر‭ ‬على‭ ‬مكوناته،‭ ‬هو‭ ‬أفضل‭ ‬سيناريو‭ ‬لمنع‭ ‬أية‭ ‬نهضة‭ ‬عربية‭ ‬تهدّد‭ ‬التوازنات‭ ‬المطلوبة‭.‬

‬الاستبداد‭ ‬السياسي،‭ ‬في‭ ‬تحالفه‭ ‬الموضوعي،‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬المعلن،‭ ‬مع‭ ‬الدوغمائيات‭ ‬المذهبية‭ ‬الدينية،‭ ‬سَحق‭ ‬وحاصر‭ ‬النخب‭ ‬الفكرية‭ ‬والإبداعية

إن‭ ‬سؤال‭ ‬معرفة‭ ‬الذات‭ ‬واضطرابها،‭ ‬أو‭ ‬نقص‭ ‬المعرفة‭ ‬بالآخر‭ ‬وانعكاسها‭ ‬على‭ ‬الذات،‭ ‬سؤال‭ ‬طرح‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمسة‭ ‬عقود‭. ‬وقد‭ ‬عمل‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬العروي‭ ‬على‭ ‬صوغه،‭ ‬بوضوح‭ ‬شديد،‭ ‬في‮ ‬‭ ‬‮«‬الإيديولوجية‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرة‮»‬‭ ‬‭(‬1967‭)‬‭. ‬ولقد‭ ‬سبق‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬اعتبرت‭ ‬أن‭ ‬سؤال‭ ‬الهوية‭ ‬–‭ ‬أي‭ ‬تناول‭ ‬سؤال‭ ‬صعب‭ ‬المعالجة‭-‬‭ ‬وكأنه‭ ‬عمل‭ ‬بلاغي‭ ‬بامتياز‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬استدعاء‭ ‬ثنائيات‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬أنا‭/‬‭ ‬آخر،‭ ‬شرق‭/‬غرب،‭ ‬ماضي‭/‬‭ ‬حاضر،‭ ‬آصالة‭/‬‭ ‬حداثة،‭ ‬هوية‭/‬‭ ‬استلاب،‭ ‬يتمّ‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الخطابات‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية،‭ ‬وكأن‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬لم‭ ‬يشهد‭ ‬الاختراق‭ ‬الاستعماري،‭ ‬ولا‭ ‬صدمة‭ ‬التقنية،‭ ‬ولم‭ ‬يطّلع‭ ‬على‭ ‬كتب‭ ‬أجنبية‭ ‬أو‭ ‬ترجمات،‭ ‬بل‭ ‬وكأن‭ ‬الماضي‭ ‬لا‭ ‬يكفّ‭ ‬يحضر،‭ ‬وكأننا‭ ‬منخرطون‭ ‬في‭ ‬معارك‭ ‬لا‭ ‬حدود‭ ‬لها‭ ‬ولا‭ ‬نهاية‭. ‬وهي‭ ‬معارك‭ ‬انتقلت،‭ ‬بفعل‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬أمامنا‭ ‬من‭ ‬انتفاضات،‭ ‬وحروب‭ ‬أهلية‭ ‬جليّة‭ ‬ومقنعة،‭ ‬إلى‭ ‬معارك‭ ‬حقيقية‭ ‬استنفرت‭ ‬كل‭ ‬وسائل‭ ‬الحرب‭ ‬المادية‭ ‬والرمزية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬المرء‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬ذاته،‭ ‬أو‭ ‬قسطاً‭ ‬من‭ ‬ذاته،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تساءل‭ ‬عن‭ ‬تفاصيل‭ ‬جسده،‮ ‬‭ ‬أو‭ ‬فكّر‭ ‬في‭ ‬نظامه‭ ‬الغذائي‭ ‬والقرابي،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬نصوصه‭ ‬ومصنّفاته‭. ‬هذا‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬مسألة‭ ‬الهوية‭ ‬لا‭ ‬تستبطن‭ ‬أو‭ ‬تعاش‭ ‬بالطريقة‭ ‬نفسها‭ ‬ومن‭ ‬طرف‭ ‬كل‭ ‬الناس‭. ‬وبمقدار‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬سؤال‭ ‬الهوية‭ ‬حيوي،‭ ‬بل‭ ‬ومستفز‭ ‬أحياناً،‭ ‬يصبح‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الخطابات‭ ‬وكأنه‭ ‬مشكل‭ ‬مُزَيف‭. ‬هناك‭ ‬صيغ‭ ‬تطغى‭ ‬عليها‭ ‬النبرة‭ ‬المأسوية‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع،‭ ‬وكأن‭ ‬الأمر‭ ‬يتعلّق‭ ‬بنقص‭ ‬أو‭ ‬خصاص‭ ‬في‭ ‬الذات،‭ ‬بل‭ ‬وبفخ‭ ‬جهنمي‭ ‬تتعرض‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬جانب‭. ‬مع‭ ‬ذلك،‭ ‬وإذا‭ ‬تجاوزنا‭ ‬هذه‭ ‬الأنماط‭ ‬من‭ ‬الخطاب‭ ‬‮«‬المهووس‮»‬،‭ ‬فإنه‭ ‬من‭ ‬البديهي‭ ‬أن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬هوية‭ ‬مكتملة‭ ‬ومحددة‭ ‬بشكل‭ ‬كلي‭ ‬حديث،‭ ‬لا‭ ‬مبرر‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬المعاصر،‭ ‬ولاسيما‭ ‬فيما‭ ‬أصبحنا‭ ‬نشهده‭ ‬من‭ ‬مظاهر‭ ‬ومطالب‭ ‬هويّاتية‭ ‬بفعل‭ ‬العولمة‭ ‬الجارفة،‭ ‬وبسبب‭ ‬الارتجاجات‭ ‬التي‭ ‬تعيشها‭ ‬مجتمعات‭ ‬عربية‭ ‬عدة‭.‬

‭ ‬أجري‭ ‬الحوار‭ ‬في‭ ‬بيروت


كاتب من لبنان