العلمانية‭ ‬والاستشراق‭ ‬ومركّب‭ ‬النقص

شمل‭ ‬الحوار‭ ‬الذي‭ ‬أجرته‭ ‬‮«‬الجديد‮»‬‭ ‬في‭ ‬عددها‭ ‬الأخير‭ ‬مع‭ ‬الفيلسوف‭ ‬السوري‭ ‬صادق‭ ‬جلال‭ ‬العظم،‭ ‬صاحب‭ ‬‮«‬نقد‭ ‬الفكر‭ ‬الديني‮»‬،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مسألة‭ ‬خلافيّة‭ ‬سنحاول‭ ‬مناقشتها‭ ‬أدناه،‭ ‬كالعلمانية‭ ‬والاستشراق‭ ‬وتصور‭ ‬الشرق‭ ‬للغرب‭ ‬–‭ ‬أو‭ ‬الاستشراق‭ ‬معكوسا،‭ ‬وهو‭ ‬عنوان‭ ‬أحد‭ ‬مؤلفاته‭ ‬–‭ ‬ووجود‭ ‬أم‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬فلسفة‭ ‬عربية‭ ‬معاصرة‭ ‬واللغة‭ ‬العربية‭ ‬والجوائز‭ ‬التي‭ ‬تسندها‭ ‬المؤسسات‭ ‬الغربية‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬العرب،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مسائل‭ ‬أخرى‭ ‬محسومة‭ ‬قد‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬التذكير‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬حاجتنا‭ ‬إلى‭ ‬تفصيل‭ ‬القول‭ ‬فيها‭.‬

الجديد  أبو بكر العيادي [نُشر في 01/10/2016، العدد: 21، ص(62)]

لوحة: تانيا الكيالي
مسائل‭ ‬محسومة

من‭ ‬تلك‭ ‬المسائل‭ ‬المحسومة،‭ ‬وصف‭ ‬ما‭ ‬حاق‭ ‬بالجيوش‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬حزيران‭ ‬1967‭ ‬بالنكسة،‭ ‬والنكسة‭ ‬كما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬اللسان‭ ‬هي‭ ‬معاودة‭ ‬العلّة‭ ‬بعد‭ ‬النّقَه،‭ ‬ولا‭ ‬ندري‭ ‬أيّ‭ ‬نقَهٍ‭ ‬أنعش‭ ‬الجسد‭ ‬العربي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تعاوده‭ ‬العلّة،‭ ‬فقد‭ ‬ظل‭ ‬يرزح،‭ ‬قبل‭ ‬الفاجعة‭ ‬وبعدها،‭ ‬تحت‭ ‬حكم‭ ‬شمولي‭ ‬مطلق‭ ‬فشل‭ ‬في‭ ‬إرساء‭ ‬دعائم‭ ‬دولة‭ ‬ديمقراطية،‭ ‬تحترم‭ ‬الحقوق‭ ‬والحريات،‭ ‬ويحتكم‭ ‬فيها‭ ‬المواطن‭ ‬إلى‭ ‬القانون‭. ‬وما‭ ‬حدث‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬هزيمة‭ ‬مدوّية‭ ‬مُنيت‭ ‬بها‭ ‬ثلاث‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬في‭ ‬ستّة‭ ‬أيام،‭ ‬وسُحقت‭ ‬جيوشها،‭ ‬واحتُلّت‭ ‬مساحات‭ ‬شاسعة‭ ‬من‭ ‬أراضيها‭ ‬‭(‬سيناء‭ ‬وقطاع‭ ‬غزة‭ ‬والضفة‭ ‬الغربية‭ ‬والجولان‭)‬،‭ ‬ثم‭ ‬سعت‭ ‬أنظمتها‭ ‬إلى‭ ‬استغباء‭ ‬شعوبها‭ ‬بمثل‭ ‬تلك‭ ‬المصطلحات‭. ‬كذلك‭ ‬الشأن‭ ‬في‭ ‬نعت‭ ‬هزيمة‭ ‬1948‭ ‬بالنكبة،‭ ‬ولو‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬العبارة‭ ‬ألصَقُ‭ ‬بمُصاب‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬أرواحهم‭ ‬وديارهم‭ ‬ووطنهم‭. ‬هذا‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬خلاف‭ ‬فيه،‭ ‬وإن‭ ‬أبدينا‭ ‬بعض‭ ‬احتراز‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬ذهب‭ ‬إليه‭ ‬العظم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬السبب‭ ‬الرئيس‭ ‬لهزائمنا‭ ‬المتتالية‭ ‬هو‭ ‬‮«‬حالة‭ ‬الإنكار‭ ‬المكرّسة‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الذات‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬نفسها‮»‬،‭ ‬ويقصد‭ ‬هنا‭ ‬إنكارنا،‭ ‬نحن‭ ‬العرب‭ ‬كافة،‭ ‬لإسرائيل‭ ‬التي‭ ‬درجنا‭ ‬على‭ ‬تسميتها‭ ‬بالكيان‭ ‬الصهيوني‭. ‬فالتسمية،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬دالة‭ ‬على‭ ‬العدو،‭ ‬فيها‭ ‬اعتراف‭ ‬ضمني‭ ‬بوجوده‭ ‬كقوة‭ ‬احتلال‭ ‬غاصبة،‭ ‬استولت‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬حتى‭ ‬التراث‭ ‬الفلسطيني‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يرفضه‭ ‬العرب،‭ ‬عدا‭ ‬دعاة‭ ‬التطبيع‭ ‬مع‭ ‬العدو‭. ‬ومع‭ ‬احترامنا‭ ‬لتجربة‭ ‬العظم‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬الأبحاث‭ ‬التابع‭ ‬لمنظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬لا‭ ‬نعتقد‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬سبب‭ ‬هزائمنا،‭ ‬بل‭ ‬غياب‭ ‬التخطيط‭ ‬العقلاني‭ ‬المحكم‭ ‬لمواجهة‭ ‬العدو‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج،‭ ‬والإحاطة‭ ‬بنقاط‭ ‬قوته‭ ‬وضعفه‭ ‬لتهيئة‭ ‬شروط‭ ‬دحره،‭ ‬وهذا‭ ‬من‭ ‬مهمة‭ ‬القادة‭ ‬السياسيين‭ ‬والعسكريين‭ ‬ومستشاريهم،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬الإنكار‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬حالة‭ ‬عامة،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬الإذاعة‭ ‬المصرية‭ ‬مثلا‭ ‬تبث‭ ‬برامج‭ ‬يومية‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬‮«‬اعرف‭ ‬عدوّك‮»‬‭ ‬و‮»‬من‭ ‬قلب‭ ‬إسرائيل‮»…‬‮ ‬‭ ‬وحسبنا‭ ‬أن‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬كتابات‭ ‬من‭ ‬عاشوا‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬المسؤولية،‭ ‬كمحمد‭ ‬حسنين‭ ‬هيكل‭ ‬والفريق‭ ‬أول‭ ‬محمد‭ ‬فوزي‭ ‬والفريق‭ ‬سعد‭ ‬الدين‭ ‬الشاذلي،‭ ‬لنتبين‭ ‬أسباب‭ ‬الهزيمة‭.‬

من‭ ‬المسائل‭ ‬المحسومة‭ ‬أيضا‭ ‬الصدمة‭ ‬التي‭ ‬أحدثتها‭ ‬هزيمة‭ ‬67‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬العرب‭ ‬أجمعين،‭ ‬نخبة‭ ‬وعوامَّ،‭ ‬فقد‭ ‬فتحت‭ ‬أعينهم‭ ‬على‭ ‬البون‭ ‬الشاسع‭ ‬الذي‭ ‬يفصلهم‭ ‬عن‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬بعامة،‭ ‬وإسرائيل‭ ‬بخاصة،‭ ‬وفضحت‭ ‬تهافت‭ ‬أنظمة‭ ‬كانت‭ ‬تبشر‭ ‬بمشاريع‭ ‬لم‭ ‬تغادر‭ ‬طور‭ ‬الوعود،‭ ‬وتتوسل‭ ‬بخطاب‭ ‬تقدمي‭ ‬عن‭ ‬الاشتراكية‭ ‬والمساواة‭ ‬والعدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ظل‭ ‬على‭ ‬مرّ‭ ‬الأعوام‭ ‬مجرد‭ ‬شعارات‭. ‬كان‭ ‬وقع‭ ‬تلك‭ ‬الهزيمة‭ ‬أشبه‭ ‬بالصدمة‭ ‬التي‭ ‬أصابت‭ ‬العرب‭ ‬عند‭ ‬حملة‭ ‬نابليون‭ ‬على‭ ‬مصر‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر،‭ ‬ولكن‭ ‬خلافا‭ ‬للوعي‭ ‬بحقيقة‭ ‬تخلفهم‭ ‬عن‭ ‬ركب‭ ‬الحضارة‭ ‬الذي‭ ‬نما‭ ‬وقتئذ،‭ ‬ويقينهم‭ ‬بضرورة‭ ‬الاحتذاء‭ ‬بالغالب‭ ‬في‭ ‬الأخذ‭ ‬بأسباب‭ ‬القوة‭ ‬والمعارف،‭ ‬دخلنا‭ ‬منذ‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬في‭ ‬نفق‭ ‬يسلم‭ ‬إلى‭ ‬نفق،‭ ‬ولم‭ ‬نغادر‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬اجترار‭ ‬خيباتنا،‭ ‬وتكرار‭ ‬أخطائنا،‭ ‬والإمعان‭ ‬في‭ ‬جلد‭ ‬ذواتنا،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تلوح‭ ‬لأنفاقنا‭ ‬نهاية‭.‬

من‭ ‬المسائل‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬نقاش‭ ‬أيضا‭ ‬خضوع‭ ‬المؤسسة‭ ‬الدينية‭ ‬الرسمية‭ ‬لأهواء‭ ‬الحاكم،‭ ‬فإن‭ ‬سطّح‭ ‬الأرض‭ ‬سطّحته،‭ ‬وإن‭ ‬كوّرها‭ ‬كوّرته‭.‬‭ ‬وقد‭ ‬ساق‭ ‬العظم‭ ‬مثال‭ ‬المفتي‭ ‬السعودي‭ ‬الأسبق‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬بن‭ ‬باز‭ ‬الذي‭ ‬ينعته‭ ‬فقهاء‭ ‬السلفية‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬إمام‭ ‬العصر‮»‬‭ ‬و‮»‬‭ ‬مجدد‭ ‬القرن‮»‬‭ ‬والرجل‭ ‬كان‭ ‬حتى‭ ‬وفاته‭ ‬يكفّر‭ ‬من‭ ‬يقول‭ ‬بكروية‭ ‬الأرض‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬قرن‭ ‬العلم‭ ‬والمعرفة‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬ويذكرنا‭ ‬بما‭ ‬أشار‭ ‬إليه‭ ‬سلامة‭ ‬موسى‭ ‬من‭ ‬فتاوى‭ ‬غريبة‭ ‬كانت‭ ‬تصدر‭ ‬في‭ ‬عصور‭ ‬الانحطاط‭ ‬لإجازة‭ ‬شرب‭ ‬القهوة‭ ‬مثلا‭ ‬واعتبارها‭ ‬خمر‭ ‬الصالحين،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬محرمة‭ ‬بفتوى‭ ‬أيضا‭ ‬يقام‭ ‬الحدّ‭ ‬على‭ ‬شاربها‭ ‬وحاملها‭ ‬وجالسها،‭ ‬كما‭ ‬يقام‭ ‬على‭ ‬شارب‭ ‬الخمر‭. ‬وفي‭ ‬السياق‭ ‬ذاته‭ ‬لمّح‭ ‬العظم‭ ‬إلى‭ ‬مشايخ‭ ‬الأزهر‭ ‬الذين‭ ‬يدينون‭ ‬بالولاء‭ ‬والطاعة‭ ‬للمؤسسة‭ ‬العسكرية،‭ ‬صاحبة‭ ‬الفضل‭ ‬في‭ ‬تعيينهم‭ ‬وترقيتهم‭ ‬في‭ ‬وظائفهم،‭ ‬وكان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يضيف‭ ‬أئمة‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدينية‭ ‬في‭ ‬سائر‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية،‭ ‬فوجودهم‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬تلك‭ ‬المؤسسات‭ ‬يكاد‭ ‬ينحصر‭ ‬في‭ ‬إضفاء‭ ‬شرعية‭ ‬دينية‭ ‬على‭ ‬خيارات‭ ‬الساسة،‭ ‬وتأويلها‭ ‬تأويلا‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬الشريعة،‭ ‬وإن‭ ‬لوى‭ ‬عنقها‭ ‬ليّا،‭ ‬كما‭ ‬حصل‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬بورقيبة‭ ‬في‭ ‬مسألتي‭ ‬الصوم‭ ‬وتعدد‭ ‬الزوجات،‭ ‬وكما‭ ‬يحصل‭ ‬الآن‭ ‬مع‭ ‬فتاوى‭ ‬يوسف‭ ‬القرضاوي‭ ‬التي‭ ‬تفسر‭ ‬بمفردها‭ ‬سياسة‭ ‬قطر‭.‬‮ ‬‭ ‬فالإفتاء‭ ‬الذي‭ ‬ظهر‭ ‬في‭ ‬العهد‭ ‬الأموي،‭ ‬عندما‭ ‬صار‭ ‬المسلمون‭ ‬يلجؤون‭ ‬إلى‭ ‬أهل‭ ‬الحديث‭ ‬لتفسير‭ ‬ما‭ ‬يلتبس‭ ‬على‭ ‬الفهم‭ ‬من‭ ‬أمور‭ ‬دينهم‭ ‬ودنياهم،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬فقدوا‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬طبقة‭ ‬حاكمة‭ ‬اتسم‭ ‬عهدها‭ ‬بالتفسخ‭ ‬والفساد‭ ‬الإداري،‭ ‬تحوّل‭ ‬تدريجيا‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬بيد‭ ‬السلطة‭ ‬تشرّع‭ ‬به‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يصدم‭ ‬إيمان‭ ‬المؤمنين،‭ ‬مع‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬الغلو‭ ‬في‭ ‬مخالفة‭ ‬التقاليد‭ ‬والأعراف‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المجتمعات‭ ‬المتزمتة‭.‬

أما‭ ‬المسائل‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬وردت‭ ‬في‭ ‬حديث‭ ‬العظم،‭ ‬والتي‭ ‬أوردناها‭ ‬أعلاه،‭ ‬ففيها‭ ‬نظر‭.‬

فيما‭ ‬يخص‭ ‬‮«‬الاستشراق‮»‬،‭ ‬بدت‭ ‬إجابة‭ ‬العظم‭ ‬مشوشة،‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬يقرّ‭ ‬بالغلط‭ ‬الذي‭ ‬وقع‭ ‬فيه‭ ‬المستشرقون‭ ‬في‭ ‬تصورهم‭ ‬للشرق،‭ ‬ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ ‬يعترض‭ ‬على‭ ‬الموقف‭ ‬نفسه‭ ‬حين‭ ‬يصدر‭ ‬عن‭ ‬سعيد

الدين‭ ‬للناس‭ ‬وليس‭ ‬للدولة

استوقفنا‭ ‬عنوان‭ ‬المحاضرة‭ ‬التي‭ ‬ألقاها‭ ‬العظم،‭ ‬‮«‬ليس‭ ‬للدولة‭ ‬دين،‭ ‬الدين‭ ‬للناس،‭ ‬لكون‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬نظره‭ ‬يسكن‭ ‬كائنا‭ ‬ذا‭ ‬عواطف‭ ‬وأحاسيس،‭ ‬فيما‭ ‬الدولة‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬مؤسسات‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬الأحاسيس‭ ‬الضرورية‭ ‬للوازع‭ ‬الديني،‭ ‬وهذا‭ ‬في‭ ‬المطلق‭ ‬لا‭ ‬جدال‭ ‬فيه،‭ ‬ولكن‭ ‬الواقع‭ ‬يخالف‭ ‬النظرية‭. ‬ولنأخذ‭ ‬مثلا‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬ألقيت‭ ‬فيه‭ ‬المحاضرة،‭ ‬مدينة‭ ‬فايمر‭ ‬بألمانيا‭. ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬الذي‭ ‬يُعدّ‭ ‬مركز‭ ‬الثقل‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬وأكثر‭ ‬أعضائه‭ ‬انفتاحا‭ ‬وتسامحا،‭ ‬لا‭ ‬يستجيب‭ ‬لأهم‭ ‬مبدأ‭ ‬من‭ ‬مبادئ‭ ‬العَلمانية،‭ ‬ونعني‭ ‬به‭ ‬فصل‭ ‬الدين‭ ‬عن‭ ‬الدولة،‭ ‬وإن‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬الدستور‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1949،‭ ‬فالعنصر‭ ‬الديني‭ ‬حاضر‭ ‬منذ‭ ‬الديباجة‭: ‬‮«‬إن‭ ‬الشعب‭ ‬الألماني،‭ ‬خلال‭ ‬ممارسته‭ ‬لسلطته‭ ‬التأسيسية،‭ ‬إذ‭ ‬يدرك‭ ‬مسؤوليته‭ ‬أمام‭ ‬الله‭ ‬والبشر‮…‬إلخ‮»‬،‭ ‬والفصل‭ ‬بين‭ ‬الفضاء‭ ‬المدني‭ ‬والفضاء‭ ‬الديني‭ ‬هو‭ ‬مجرد‭ ‬فصلٍ‭ ‬شكليّ،‭ ‬فالكنائس‭ ‬المسيحية‭ ‬‭(‬بروتستانتية‭ ‬بنسبة‭ ‬ثلاثة‭ ‬أرباع‭)‬‭ ‬هي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬مؤسسات‭ ‬لخدمة‭ ‬الصالح‭ ‬العام،‭ ‬تمارس‭ ‬السياسة،‭ ‬وتنشئ‭ ‬المدارس‭ ‬الخاصة‭ ‬والمستشفيات‭ ‬ومراكز‭ ‬تكوين‭ ‬رجال‭ ‬الأمن،‭ ‬وتفرض‭ ‬ضرائب‭ ‬على‭ ‬دخل‭ ‬أتباعها‭ ‬تبلغ‭ ‬عُشر‭ ‬أجورهم،‭ ‬وتوجه‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬إعلامها،‭ ‬وتتدخل‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬البلاد‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬سياستها‭ ‬الخارجية‭.‬‮ ‬‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الكنيسة‭ ‬الإنجيلية،‭ ‬بما‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬مالية،‭ ‬تعتبر‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬أرباب‭ ‬العمل،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬القادة،‭ ‬من‭ ‬رئيس‭ ‬الدولة،‭ ‬إلى‭ ‬المستشارة‭ ‬أنجيلا‭ ‬ميركل،‭ ‬لا‭ ‬يخفون‭ ‬تديّنهم‭. ‬ورغم‭ ‬ذلك،‭ ‬استطاعت‭ ‬ألمانيا‭ ‬أن‭ ‬تضمن‭ ‬المبادئ‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬الدولة‭ ‬ديمقراطية‭ ‬إلا‭ ‬بها،‭ ‬أي‭ ‬حرية‭ ‬الضمير‭ ‬والمعتقد،‭ ‬وحرية‭ ‬التعبير،‭ ‬ومساواة‭ ‬الأفراد‭ ‬أمام‭ ‬القانون‭ ‬أيّا‭ ‬ما‭ ‬تكن‭ ‬معتقداتهم‭ ‬وقناعاتهم،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬التعددية‭ ‬والتداول‭ ‬على‭ ‬السلطة‭. ‬وقس‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬دولا‭ ‬أوروبية‭ ‬عديدة،‭ ‬لاتينية‭ ‬كإيطاليا‭ ‬وإسبانيا‭ ‬والبرتغال،‭ ‬وإسكندنافية‭ ‬كالسويد‭ ‬والدانمارك‭ ‬والنرويج‭ ‬‭(‬التي‭ ‬كانت‭ ‬حتى‭ ‬وقت‭ ‬قريب‭ ‬تشترط‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬نصف‭ ‬الحكومة‭ ‬من‭ ‬اللوثريين‭)‬،‭ ‬وأنغليكانية‭ ‬كبريطانيا‭ ‬العظمى،‭ ‬فالدين‭ ‬حاضر‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة،‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬السلطة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬شؤون‭ ‬المجتمع‭ ‬‭(‬كالحالة‭ ‬المدنية‭ ‬مثلا‭)‬،‭ ‬فيما‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الكليروسية‭ ‬مهيمنة‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬أوروبية‭ ‬أخرى‭ ‬كاليونان‭ ‬وإيرلندة‭ ‬ومالطا‭ ‬وبولندة‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬البلد‭ ‬الأكثر‭ ‬علمانية،‭ ‬ونعني‭ ‬به‭ ‬فرنسا،‭ ‬يخرق‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬مبدأ‭ ‬من‭ ‬مبادئ‭ ‬فصل‭ ‬الدين‭ ‬عن‭ ‬الدولة،‭ ‬الذي‭ ‬أقره‭ ‬عام‭ ‬1905،‭ ‬وهو‭ ‬حياد‭ ‬الدولة‭ ‬وعدم‭ ‬تدخلها‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬الجمعيات‭ ‬الدينية‭ ‬ولا‭ ‬تمويلها‭.‬

ولا‭ ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬أننا‭ ‬ضدّ‭ ‬فصل‭ ‬الدين‭ ‬عن‭ ‬الدولة،‭ ‬وإنما‭ ‬نذكّر‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬الفصل‭ ‬يصعب‭ ‬تطبيقه‭ ‬بحذافيره‭ ‬في‭ ‬مجتمعات‭ ‬ذات‭ ‬جذور‭ ‬دينية‭ ‬ضاربة‭ ‬في‭ ‬القدم‭. ‬والتاريخ‭ ‬حافل‭ ‬بالصدام‭ ‬بين‭ ‬اللائكي‭ ‬laikos‭ ‬والديني‭ ‬klerikos‭ ‬منذ‭ ‬الإمبراطور‭ ‬الروماني‭ ‬ماركوس‭ ‬أوريليوس‭ ‬والمسيحيين‭ ‬الأوائل‭ ‬الذين‭ ‬رضوا‭ ‬بحكمه‭ ‬واعترضوا‭ ‬عليه‭ ‬خليفة‭ ‬للرب‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬ثم‭ ‬البروتستانت‭ ‬خلال‭ ‬الحروب‭ ‬الدينية‭ ‬وقد‭ ‬نادوا‭ ‬بحقهم‭ ‬في‭ ‬اعتناق‭ ‬ديانة‭ ‬غير‭ ‬دين‭ ‬الملك‭. ‬وأخيرا‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية،‭ ‬التي‭ ‬اعتبر‭ ‬بعض‭ ‬المؤرخين‭ ‬دعوتها‭ ‬إلى‭ ‬اللائكية‭ ‬حربا‭ ‬موجهة‭ ‬بالأساس‭ ‬ضد‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭. ‬ورغم‭ ‬التنظيرات‭ ‬المتعددة،‭ ‬منذ‭ ‬جون‭ ‬لوك‭ ‬وديدرو‭ ‬وفولتير‭ ‬ومن‭ ‬حذا‭ ‬حذوهم،‭ ‬لم‭ ‬تفلح‭ ‬سوى‭ ‬فرنسا‭ ‬في‭ ‬جعل‭ ‬العلمانية‭ ‬أمرا‭ ‬قائما‭: ‬ما‭ ‬لله‭ ‬لله‭ ‬وما‭ ‬لقيصر‭ ‬لقيصر‭.‬‮ ‬‭ ‬فالغاية‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬هي‭ ‬ألا‭ ‬تحتكم‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬تشريعاتها‭ ‬أو‭ ‬إصدار‭ ‬أحكامها‭ ‬إلى‭ ‬مرجعية‭ ‬دينية،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬قوانين‭ ‬وضعية‭ ‬تناسب‭ ‬مجتمعاتها‭ ‬وتستجيب‭ ‬لمقتضيات‭ ‬العصر‭. ‬والخطر‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬أقطارنا،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬أن‭ ‬الدين‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬أيديولوجيا،‭ ‬يحكمها‭ ‬منطق‭ ‬القوة‭ ‬والغلبة‭.‬

الحق‭ ‬أن‭ ‬الاستشراق،‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬علم‭ ‬الشرق‭ ‬بجغرافيته‭ ‬وتاريخه‭ ‬وثقافته‭ ‬وحضارته،‭ ‬ظل‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬اتخذ‭ ‬صبغة‭ ‬علمية‭ ‬محلّ‭ ‬مساجلات‭ ‬لا‭ ‬تنتهي،‭ ‬بين‭ ‬مناهضين‭ ‬أبرزهم‭ ‬أحمد‭ ‬فارس‭ ‬الشدياق‭ ‬وشكيب‭ ‬أرسلان‭ ‬وعبد‭ ‬القادر‭ ‬يوسف‭ ‬ومحسن‭ ‬جمال‭ ‬ومالك‭ ‬بن‭ ‬نبي

الاستشراق‭ ‬والشرق‭ ‬الغائب

في‭ ‬ردّه‭ ‬على‭ ‬سؤال‭ ‬عن‭ ‬أوجه‭ ‬الاختلاف‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬الراحل‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬‮«‬الاستشراق‮»‬،‭ ‬بدت‭ ‬إجابة‭ ‬العظم‭ ‬مشوشة،‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬يقرّ‭ ‬بالغلط‭ ‬الذي‭ ‬وقع‭ ‬فيه‭ ‬المستشرقون‭ ‬في‭ ‬تصورهم‭ ‬للشرق،‭ ‬ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ ‬يعترض‭ ‬على‭ ‬الموقف‭ ‬نفسه‭ ‬حين‭ ‬يصدر‭ ‬عن‭ ‬سعيد‭.‬‮ ‬‭ ‬فالاستشراق‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬سعيد‭ ‬يطرح‭ ‬عموميات،‭ ‬ويطور‭ ‬مفهوما‭ ‬كتلويا،‭ ‬جامدا،‭ ‬جوهريا‭ ‬ومثاليا‭ ‬عن‭ ‬الشرق،‭ ‬ولا‭ ‬يدرج‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬يدرسها‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬نمو‭ ‬ديناميّ‭ ‬أو‭ ‬استمرارية‭ ‬تاريخية‭. ‬وتحليل‭ ‬الاستشراق‭ ‬كمنظومة‭ ‬تفكير‭ ‬وتمثل‭ ‬تشهد‭ ‬على‭ ‬الكيفية‭ ‬التي‭ ‬قارب‭ ‬بها‭ ‬الغرب‭ ‬الآخر‭ ‬وعامله‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ،‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬سعيد‭ ‬مفرط‭ ‬في‭ ‬الذاتية،‭ ‬ما‭ ‬يطرح‭ ‬التساؤل‭ ‬عن‭ ‬صواب‭ ‬تقسيم‭ ‬الواقع‭ ‬إلى‭ ‬كتل‭ ‬متباينة،‭ ‬متنافرة‭ ‬بالضرورة‭. ‬يقول‭ ‬سعيد‭: ‬‮«‬الاستشراق‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬المظهر‭ ‬الخارجي،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬المستشرق،‭ ‬شاعرا‭ ‬أو‭ ‬باحثا،‭ ‬يُنطق‭ ‬الشرق‭ ‬ويصفه‭ ‬ويضيء‭ ‬ألغازه‭ ‬للغرب‮…‬‭ ‬فهو‭ ‬خارج‭ ‬الشرق،‭ ‬كحقيقة‭ ‬وجودية‭ ‬وأخلاقية‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‮»‬‭. ‬فالشرق‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬وكذا‭ ‬الغرب،‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬له‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬أذهان‭ ‬من‭ ‬يتخيله‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الشاكلة‭ ‬أو‭ ‬تلك‭. ‬وسعيد‭ ‬يعترف،‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬طبعة‭ ‬كتابه‭ ‬الفرنسية‭ ‬لعام‭ ‬2003،‭ ‬بأنه‭ ‬لا‭ ‬يدافع‭ ‬عن‭ ‬شرق‭ ‬محدّد‭ ‬الملامح،‭ ‬لأن‭ ‬الشرق،‭ ‬كالغرب،‭ ‬معقّد،‭ ‬دائم‭ ‬التحول،‭ ‬عصيّ‭ ‬عن‭ ‬الإدراك،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬بالتالي‭ ‬وضعه‭ ‬في‭ ‬قوالب‭ ‬جامدة‭. ‬ولكنّ‭ ‬للمستشرق‭ ‬رأيا‭ ‬آخر،‭ ‬فهو‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬القوة‭ ‬والمعرفة،‭ ‬وكلتاهما‭ ‬تخوّل‭ ‬له‭ ‬فرض‭ ‬رؤيته‭ ‬للآخر‭ ‬كحقيقة‭ ‬صارمة‭. ‬عن‭ ‬علاقة‭ ‬الخطاب‭ ‬عن‭ ‬الآخر‭ ‬والنفوذ،‭ ‬يقول‭ ‬تودوروف‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬‮«‬الاستشراق‮»‬‭: ‬‮«‬أن‭ ‬تفهم‭ ‬معناه‭ ‬أن‭ ‬تؤول‭ ‬وتُضمّن‭: ‬وأيّا‭ ‬يكن‭ ‬شكل‭ ‬المعرفة،‭ ‬في‭ ‬وضعها‭ ‬السلبي‭ ‬‭(‬الفهم‭)‬‭ ‬أو‭ ‬الإيجابي‭ ‬‭(‬التمثل‭)‬‭ ‬فإنها‭ ‬تتيح‭ ‬دائما‭ ‬لمن‭ ‬يملكها‭ ‬التلاعب‭ ‬بالآخر؛‭ ‬فيغدو‭ ‬سيّد‭ ‬الخطاب‭ ‬هو‭ ‬السيّد‭ ‬ببساطة‮»‬‭. ‬فالاستشراق‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى‭ ‬هو‭ ‬ملمح‭ ‬من‭ ‬الاستعمار‭ ‬والإمبريالية‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭. ‬هو‭ ‬خطاب،‭ ‬وطريقة‭ ‬تأثير‭ ‬على‭ ‬الشرق،‭ ‬وحتى‭ ‬خلقه‭. ‬‮«‬العلم‭ ‬بالشرق،‭ ‬لكونه‭ ‬نتج‭ ‬عن‭ ‬القوة،‭ ‬يخلق‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬من‭ ‬الوجوه‭ ‬الشرق،‭ ‬والشرقي‭ ‬وعالمه‭.‬‮»‬‮ ‬‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الغرب‭ ‬يملك‭ ‬النفوذ‭ ‬مثلما‭ ‬يملك‭ ‬المعرفة،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الربط‭ ‬بينهما‭ ‬سلاحا‭ ‬قويا‭ ‬يفرض‭ ‬سلطانا‭ ‬كان‭ ‬فوكو‭ ‬أشار‭ ‬إليه‭ ‬بمصطلح‭ ‬‮«‬رابط‭ ‬المعرفة‭ ‬والنفوذ‮»‬‭.‬

والحق‭ ‬أن‭ ‬الاستشراق،‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬علم‭ ‬الشرق‭ ‬بجغرافيته‭ ‬وتاريخه‭ ‬وثقافته‭ ‬وحضارته،‭ ‬ظل‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬اتخذ‭ ‬صبغة‭ ‬علمية‭ ‬محلّ‭ ‬مساجلات‭ ‬لا‭ ‬تنتهي،‭ ‬بين‭ ‬مناهضين‭ ‬أبرزهم‭ ‬أحمد‭ ‬فارس‭ ‬الشدياق‭ ‬وشكيب‭ ‬أرسلان‭ ‬وعبد‭ ‬القادر‭ ‬يوسف‭ ‬ومحسن‭ ‬جمال‭ ‬ومالك‭ ‬بن‭ ‬نبي،‭ ‬أعربوا‭ ‬عن‭ ‬الغيرة‭ ‬التي‭ ‬يبديها‭ ‬المسلم‭ ‬حيال‭ ‬تراثه،‭ ‬لا‭ ‬سيّما‭ ‬أن‭ ‬الظاهرة‭ ‬الاستشراقيّة‭ ‬تزامنت‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬والنصف‭ ‬الأوّل‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬مع‭ ‬الحركة‭ ‬الاستعماريّة‭ ‬والتبشيريّة،‭ ‬وارتبطت‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬غير‭ ‬قليلة‭. ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة‭ ‬المنهج‭ ‬الاستشراقي‭ ‬في‭ ‬مقاربة‭ ‬التراث‭ ‬الإسلامي‭ ‬وخاصّة‭ ‬النصّ‭ ‬الديني،‭ ‬وهو‭ ‬منهج‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬معالجة‭ ‬فيلولوجيّة‭ ‬ولسانيّة‭ ‬وأنتروبولوجيّة‭ ‬وتاريخيّة‭ ‬لا‭ ‬تبالي‭ ‬بقداسة‭ ‬النصوص،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تبحث‭ ‬في‭ ‬نشأتها‭ ‬وطرق‭ ‬انتقالها‭.‬‭ ‬وبين‭ ‬منافحين‭ ‬أمثال‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬وزكي‭ ‬مبارك‭ ‬وبنت‭ ‬الشاطئ‭ ‬وعبد‭ ‬الرحمن‭ ‬بدوي‭ ‬ومحمد‭ ‬كرد‭ ‬علي‭ ‬ونجيب‭ ‬العقيقي‭ ‬ومحمّد‭ ‬عوني‭ ‬عبد‭ ‬الرؤوف،‭ ‬نظروا‭ ‬إلى‭ ‬الاستشراق‭ ‬بعين‭ ‬موضوعية،‭ ‬واعترفوا‭ ‬بدور‭ ‬المستشرقين‭ ‬في‭ ‬ترجمة‭ ‬أمّهات‭ ‬كتب‭ ‬التراث‭ ‬وتحقيقها،‭ ‬وفضلهم‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬اكتشاف‭ ‬المفكرين‭ ‬العرب،‭ ‬وكذا‭ ‬في‭ ‬الاكتشافات‭ ‬الأثريّة،‭ ‬وبعث‭ ‬المتاحف‭ ‬الشرقيّة،‭ ‬ووضع‭ ‬‮«‬دائرة‭ ‬المعارف‭ ‬الإسلامية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬بالألمانية‭ ‬والفرنسية‭ ‬والإنكليزية‭ ‬قبل‭ ‬ترجمتها‭ ‬إلى‭ ‬العربية‭.‬

وحتى‭ ‬وقت‭ ‬قريب،‭ ‬ظل‭ ‬الخطاب‭ ‬عن‭ ‬الشرق‭ ‬حكرا‭ ‬على‭ ‬الباحثين‭ ‬الغربيين،‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬وأمريكا‭. ‬ولم‭ ‬ينهض‭ ‬من‭ ‬العرب‭ ‬من‭ ‬يعيد‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬ماهية‭ ‬الاستشراق‭ ‬وغاياته،‭ ‬بعد‭ ‬تحرر‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬الاستعمار،‭ ‬ودخولها‭ ‬منعرجا‭ ‬جديدا‭. ‬فمحد‭ ‬أركون‭ ‬ومحمد‭ ‬الطالبي‭ ‬وجمال‭ ‬الدين‭ ‬بن‭ ‬الشيخ،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬الذكر‭ ‬لا‭ ‬الحصر،‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬تلاميذ‭ ‬نجباء‭ ‬للمستشرقين‭ ‬في‭ ‬معهد‭ ‬الدراسات‭ ‬الإسلامية‭ ‬بباريس‭ ‬حيث‭ ‬أنجزوا‭ ‬أطروحاتهم‭ ‬وترسّموا‭ ‬مناهجهم‭ ‬في‭ ‬الدراسة‭ ‬والتحقيق،‭ ‬وانتظروا‭ ‬زمنا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يناقشوا،‭ ‬من‭ ‬الداخل،‭ ‬مسلمات‭ ‬الاستشراق‭ ‬الفيلولوجي،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يجرؤوا‭ ‬على‭ ‬مراجعة‭ ‬التقليد‭ ‬الاستشراقي‭ ‬القديم‭ ‬مراجعة‭ ‬جذرية،‭ ‬بل‭ ‬إنهم‭ ‬ساهموا‭ ‬في‭ ‬تطويره‭ ‬بتجديد‭ ‬آفاقه‭ ‬وغاياته‭ ‬ومناهجه‭. ‬بخلاف‭ ‬أنور‭ ‬عبد‭ ‬الملك‭ ‬الذي‭ ‬خرج‭ ‬عما‭ ‬درج‭ ‬عليه‭ ‬الاستشراق‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬الفرنسي‭ ‬خلال‭ ‬ستينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬وسبعيناته،‭ ‬ولو‭ ‬أن‭ ‬مقالته‭ ‬‮«‬الاستشراق‭ ‬في‭ ‬أزمة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬أزمة‭ ‬الاستشراق‮»‬‭ ‬كانت‭ ‬ذات‭ ‬صبغة‭ ‬أيديولوجية‭. ‬وفي‭ ‬سياقه،‭ ‬جاء‭ ‬كتاب‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬كتحليل‭ ‬جينالوجي‭ ‬للخطاب‭ ‬الاستشراقي،‭ ‬وكان‭ ‬غرضه‭ ‬‮«‬إنقاذ‮»‬‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬الاستشراق‭ ‬العلمي‭ ‬من‭ ‬هيمنة‭ ‬دراسات‭ ‬المناطق‭ ‬Area‭ ‬Studies‭ ‬‭(‬دراسات‭ ‬تتناول‭ ‬مناطق‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬عبر‭ ‬حقول‭ ‬معرفية‭ ‬متنوعة‭)‬،‭ ‬هيمنة‭ ‬تحوّل‭ ‬فيها‭ ‬الباحثون،‭ ‬باسم‭ ‬الكفاءة‭ ‬العلمية،‭ ‬إلى‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬خبراء‭ ‬مرجعيين‭ ‬شأن‭ ‬برنارد‭ ‬لويس‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬نقده‭ ‬لكبار‭ ‬المستشرقين،‭ ‬من‭ ‬ماسينيون‭ ‬إلى‭ ‬غولدتسيهر،‭ ‬استهانة‭ ‬بعملهم‭ ‬بل‭ ‬وضع‭ ‬الإصبع‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الإشكاليات‭ ‬التي‭ ‬شابت‭ ‬أعمالهم‭.‬‮ ‬‭ ‬ومن‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬يجادلهم‭ ‬بأدواتهم‭ ‬المعرفية‭ ‬التي‭ ‬أخذها‭ ‬عنهم،‭ ‬وبلسانهم‭ ‬الذي‭ ‬تعلّمه‭ ‬منهم‭.‬

كان‭ ‬بإمكان‭ ‬العظم‭ ‬أن‭ ‬ينتقد‭ ‬مثلا‭ ‬نعت‭ ‬سعيد‭ ‬كتابه‭ ‬بـ‮»‬مقاربة‭ ‬غربية‭ ‬للشرق‮»‬،‭ ‬والحال‭ ‬أنه‭ ‬اكتفى‭ ‬بالمقاربات‭ ‬الفرنسية‭ ‬والبريطانية‭ ‬عن‭ ‬المسلمين‭ ‬العرب‭ ‬وغفل‭ ‬عن‭ ‬الألمان‭ ‬والروس‭ ‬والطليان،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬عمله‭ ‬انحصر‭ ‬في‭ ‬مسلمي‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الناطقين‭ ‬بالعربية،‭ ‬فيما‭ ‬مصطلح‭ ‬الاستشراق‭ ‬لدى‭ ‬البريطانيين‭ ‬يحيل‭ ‬على‭ ‬فضاء‭ ‬أوسع،‭ ‬يمتد‭ ‬من‭ ‬السنغال‭ ‬إلى‭ ‬اليابان‭. ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يعيب‭ ‬على‭ ‬سعيد‭ ‬انتقاده‭ ‬استنادَ‭ ‬المستشرقين‭ ‬إلى‭ ‬النصوص‭ ‬وحدَها،‭ ‬والحال‭ ‬أن‭ ‬عمله‭ ‬هو‭ ‬أيضا‭ ‬نصيّ‭ ‬صرف،‭ ‬يجادل‭ ‬مواقف‭ ‬ويستشهد‭ ‬بمقولات‭ ‬لمفكرين‭ ‬ومستشرقين‭ ‬من‭ ‬الغرب‭. ‬ولكنه،‭ ‬في‭ ‬رأينا،‭ ‬لم‭ ‬يتقصد‭ ‬تقديم‭ ‬صورة‭ ‬مشوهة‭ ‬عن‭ ‬الغرب،‭ ‬أو‭ ‬تحريض‭ ‬العرب‭ ‬على‭ ‬كرهه‭.‬‮ ‬

تصور‭ ‬الشرق‭ ‬للغرب‭ ‬ومركّب‭ ‬النقص

عطفا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تقدم‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬جوابه‭ ‬عن‭ ‬السؤال‭ ‬نفسه،‭ ‬يقول‭ ‬العظم‭ ‬إن‭ ‬‮«‬الشرق‭ ‬يحاول‭ ‬صنع‭ ‬صورة‭ ‬حول‭ ‬الغرب‭ ‬ويشوّهها‮»‬،‭ ‬ويضيف‭: ‬‮«‬هذا‭ ‬الصورة‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬رغبة‭ ‬وميول‭ ‬عاطفية‭ ‬يحاول‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬الشرقي‭ ‬إرضاء‭ ‬رغباته‭ ‬كما‭ ‬يتمناها‭ ‬ويحلم‭ ‬بها‭.‬‮»‬‭ ‬ويعزو‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬مركّب‭ ‬نقص‭ ‬يتلبّس‭ ‬بالشرقي،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬الزعيم‭ ‬التركي‭ ‬مصطفى‭ ‬كمال‭ ‬أتاتورك‭ ‬الذي‭ ‬‮«‬حاول‭ ‬بدافع‭ ‬مركّب‭ ‬نقص‭ ‬محاكاة‭ ‬النمط‭ ‬الغربي‭ ‬بكل‭ ‬مواصفاته‮»‬،‭ ‬فيخيل‭ ‬إلينا‭ ‬هنا‭ ‬أننا‭ ‬إزاء‭ ‬الطرح‭ ‬الخلدوني‭ ‬لمبدأ‭ ‬تشبه‭ ‬المغلوب‭ ‬بالغالب‭. ‬جاء‭ ‬في‭ ‬الفصل‭ ‬الثالث‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬المقدّمة‭ ‬وعنوانه‭ ‬‮«‬في‭ ‬أن‭ ‬المغلوب‭ ‬مولع‭ ‬أبداً‭ ‬بالاقتداء‭ ‬بالغالب‭ ‬في‭ ‬شعاره‭ ‬وزيّه‭ ‬ونحلته‭ ‬وسائر‭ ‬أحواله‭ ‬وعوائده‮»‬‭ ‬قوله‭: ‬‮«‬والسبب‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬النفس‭ ‬أبداً‭ ‬تعتقد‭ ‬الكمال‭ ‬في‭ ‬من‭ ‬غلبها‭ ‬و‭ ‬انقادت‭ ‬إليه‭ ‬إما‭ ‬لنظره‭ ‬بالكمال‭ ‬بما‭ ‬وقر‭ ‬عندها‭ ‬من‭ ‬تعظيمه‭ ‬أو‭ ‬لما‭ ‬تغالط‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬انقيادها‭ ‬ليس‭ ‬لغلب‭ ‬طبيعي‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬لكمال‭ ‬الغالب‭ ‬فإذا‭ ‬غالطت‭ ‬بذلك‭ ‬واتصل‭ ‬لها‭ ‬اعتقاداً‭ ‬فانتحلت‭ ‬جميع‭ ‬مذاهب‭ ‬الغالب‭ ‬وتشبهت‭ ‬به‭ ‬وذلك‭ ‬هو‭ ‬الاقتداء‭.‬‮»‬‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬العظم‭ ‬يختم‭ ‬بقوله‭ ‬إن‭ ‬‮«‬الكثير‭ ‬مما‭ ‬يقال‭ ‬حول‭ ‬الغرب‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬هو‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬القدح‭ ‬والتهجم‭ ‬والذم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬المعرفة‭ ‬الجدية‭ ‬الموضوعية‮»‬،‭ ‬فنحار‭ ‬عندئذ‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للشرقي‭ ‬‭(‬المغلوب‭)‬‭ ‬أن‭ ‬يقتدي‭ ‬بالغربي‭ ‬‭(‬الغالب‭)‬‭ ‬وهو‭ ‬يقدحه‭ ‬ويذمه‭ ‬ويتهجّم‭ ‬عليه،‭ ‬والشرط‭ ‬في‭ ‬المقتدي‭ ‬انبهاره‭ ‬بالمقتدى‭ ‬به‭ ‬كنموذج‭ ‬يود‭ ‬التشبه‭ ‬به،‭ ‬وأغلب‭ ‬الظن‭ ‬أن‭ ‬العظم‭ ‬خانته‭ ‬العبارة،‭ ‬فلعله‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يصف‭ ‬فصاما‭ ‬يعاني‭ ‬منه‭ ‬الشرقي،‭ ‬فيحقد‭ ‬على‭ ‬الغرب‭ ‬لأنه‭ ‬حقق‭ ‬جنة‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬وحرمه‭ ‬الحلم‭ ‬بها،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬ينبهر‭ ‬به‭ ‬ويروم‭ ‬تقليده‭ ‬في‭ ‬نمط‭ ‬حياته‭.‬‮ ‬

من‭ ‬جهة‭ ‬ثانية‭ ‬لا‭ ‬نجاري‭ ‬العظم‭ ‬في‭ ‬اعتبار‭ ‬النزوع‭ ‬إلى‭ ‬تقليد‭ ‬الغالب‭ ‬صادرا‭ ‬عن‭ ‬عقدة‭ ‬نقص،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬سيرورة‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬بحثه‭ ‬عن‭ ‬التقدم‭ ‬والترقي،‭ ‬فقد‭ ‬قلّدَنا‭ ‬الغربُ‭ ‬في‭ ‬القرون‭ ‬الوسطى،‭ ‬مثلما‭ ‬قلدت‭ ‬اليابان‭ ‬الغربَ‭ ‬حين‭ ‬قررت‭ ‬إبّان‭ ‬عصر‭ ‬الميجي،‭ ‬الاِنفتاح‭ ‬عليه‭ ‬والأخذ‭ ‬بأسباب‭ ‬نهضته،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أدرك‭ ‬قادتها‭ ‬أن‭ ‬ينابيع‭ ‬التقليد‭ ‬جفّت،‭ ‬وما‭ ‬عادت‭ ‬تسمح‭ ‬لها‭ ‬بالدخول‭ ‬إلى‭ ‬حضارة‭ ‬العصر‭. ‬بل‭ ‬يحدث‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬يتشبه‭ ‬الغالب‭ ‬بالمغلوب،‭ ‬شأن‭ ‬العرب‭ ‬بعد‭ ‬انتصارهم‭ ‬على‭ ‬الفرس‭ ‬والروم‭ ‬البيزنطيين‭. ‬‮ ‬

والمفارقة‭ ‬أن‭ ‬يقرّ‭ ‬العظم‭ ‬بذلك،‭ ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬عزا‭ ‬اعتناق‭ ‬أتاتورك‭ ‬النموذج‭ ‬الغربي‭ ‬إلى‭ ‬عقدة‭ ‬نقص‭ ‬تسكن‭ ‬الإنسان‭ ‬الشرقي،‭ ‬عاد،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬آخر،‭ ‬ليصفه‭ ‬بالبطل‭. ‬جاء‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬ردّه‭ ‬عن‭ ‬تهافت‭ ‬الفكر‭ ‬الديني‭ ‬قوله‭: ‬‮«‬‭ ‬لنأخذ‭ ‬مصطفى‭ ‬كمال‭ ‬أتاتورك‭ ‬ودوره‭ ‬كبطلأنقذ‭ ‬تركيا‭ ‬من‭ ‬السيطرة‭ ‬الاستعمارية،‭ ‬‮ ‬فهو‭ ‬قد‭ ‬تمكن‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬ويفتح‭ ‬سيرورات‭ ‬مستمرة‭ ‬منذ‭ ‬ثمانين‭ ‬سنة‭ ‬إلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا،‭ ‬‮ ‬وعمله‭ ‬هذاحفر‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬الثقافة‭ ‬والمجتمع‭ ‬التركي‭ ‬الإسلامي‭ ‬المهيمن‭ ‬منذ‭ ‬قرون‭. ‬فقد‭ ‬استطاع‭ ‬هذا‭ ‬القائد‭ ‬أن‭ ‬يغير‭ ‬من‭ ‬مسار‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع‭ ‬بقوةالإرادة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬تبنّاها‭.‬‮»‬

‬يقول‭ ‬العظم‭ ‬إن‭ ‬‮«‬الشرق‭ ‬يحاول‭ ‬صنع‭ ‬صورة‭ ‬حول‭ ‬الغرب‭ ‬ويشوّهها‮»‬،‭ ‬ويضيف‭: ‬‮«‬هذا‭ ‬الصورة‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬رغبة‭ ‬وميول‭ ‬عاطفية‭ ‬يحاول‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬الشرقي‭ ‬إرضاء‭ ‬رغباته‭ ‬كما‭ ‬يتمناها‭ ‬ويحلم‭ ‬بها‭.‬‮»‬‭ ‬ويعزو‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬مركّب‭ ‬نقص‭ ‬يتلبّس‭ ‬بالشرقي

الفلسفة‭ ‬والرواية‭ ‬وجوائز‭ ‬الغرب

يؤكد‭ ‬العظم،‭ ‬في‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬المواربة‭ ‬المفضوحة،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الجائزة‭ ‬التي‭ ‬منحها‭ ‬إياه‭ ‬معهد‭ ‬غوته‭ ‬الألماني‭ ‬مؤخرا‭ ‬إنما‭ ‬هي‭ ‬تقدير‭ ‬لعطائه‭ ‬وإسهامه‭ ‬في‭ ‬إثراء‭ ‬الفكر‭ ‬الإنساني،‭ ‬ولا‭ ‬تعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬تطور‭ ‬الفكر‭ ‬الفلسفي‭ ‬عند‭ ‬العرب،‭ ‬فهو‭ ‬يميز‭ ‬بين‭ ‬‮«‬تكريم‭ ‬الشخص‭ ‬وتكريم‭ ‬الإطار‭ ‬الفكري‭ ‬الذي‭ ‬تنتمي‭ ‬إليه‭ ‬الشخصية‭ ‬المكرَّمة‮»‬،‭ ‬بما‭ ‬يعني‭ ‬تفوقه‭ ‬على‭ ‬نظرائه‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يبلغون‭ ‬مبلغه،‭ ‬ويستشهد‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬المقارنة‭ ‬بفوز‭ ‬نجيب‭ ‬محفوظ‭ ‬بجائزة‭ ‬نوبل،‭ ‬قائلا‭ ‬إن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬‮«‬أن‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬الأدب‭ ‬العالمي‮»‬،‮ ‬‭ ‬مضيفا‭ ‬في‭ ‬مقام‭ ‬آخر‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬إنتاج‭ ‬فلسفي‭ ‬عربي‭ ‬معاصر‭ ‬وراهن‭ ‬أعتقد‭ ‬أنه‭ ‬مبالغ‭ ‬فيه‭ ‬كثيرا‮»‬‭. ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬لم‭ ‬تنجب‭ ‬سوى‭ ‬عبقريين‭ ‬اثنين‭ ‬هو‭ ‬ونجيب‭ ‬محفوظ‭ ‬لمجرد‭ ‬أنهما‭ ‬حظيا‭ ‬من‭ ‬الغرب‭ ‬بتكريم،‭ ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬غمط‭ ‬كبير‭ ‬لجهود‭ ‬أدباء‭ ‬ومفكرين‭ ‬أثروا‭ ‬الساحة‭ ‬العربية،‭ ‬ولم‭ ‬يلتفت‭ ‬إليهم‭ ‬الغرب‭ ‬إلا‭ ‬لماما،‭ ‬لأسباب‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬خافية‭. ‬و‭ ‬العظم،‭ ‬الذي‭ ‬درَس‭ ‬ودرّس‭ ‬وأقام‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬يعرف‭ ‬الدوافع‭ ‬الخلفية‭ ‬لإسناد‭ ‬تلك‭ ‬الجوائز،‭ ‬فمحفوظ‭ ‬مثلا،‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬ليحوز‭ ‬نوبل‭ ‬–‭ ‬وهو‭ ‬يستحقها‭ ‬عن‭ ‬جدارة‭ ‬–‮ ‬‭ ‬لولا‭ ‬موقفه‭ ‬من‭ ‬إسرائيل،‭ ‬ولا‭ ‬سيّما‭ ‬في‭ ‬ظرف‭ ‬سعت‭ ‬فيه‭ ‬الأكاديمية‭ ‬السويدية‭ ‬إلى‭ ‬تصحيح‭ ‬عالمية‭ ‬الجائزة،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬صارت‭ ‬حكرا‭ ‬على‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية‭ ‬وأمريكا‭. ‬إن‭ ‬مقارنة‭ ‬بسيطة‭ ‬بين‭ ‬أعلامنا‭ ‬وبعض‭ ‬من‭ ‬فازوا‭ ‬بها‭ ‬تبين‭ ‬مدى‭ ‬انحياز‭ ‬المؤسسات‭ ‬الغربية‭. ‬أين‭ ‬وولي‭ ‬سوينكا‭ ‬من‭ ‬سعد‭ ‬الله‭ ‬ونوس؟‭ ‬وأين‭ ‬جوزيف‭ ‬برودسكي‭ ‬من‭ ‬محمود‭ ‬درويش؟‭ ‬وأين‭ ‬غاو‭ ‬شينغجيان‭ ‬من‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬منيف؟‭ ‬وأين‭ ‬باتريك‭ ‬موديانو‭ ‬من‭ ‬إلياس‭ ‬خوري؟‭ ‬ولكن‭ ‬للغرب‭ ‬أحكامه‭ ‬–‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬يملك‭ ‬النفوذ‭ ‬والمعرفة‭ ‬كما‭ ‬أسلفنا‭ ‬–‮ ‬‭ ‬وإلا‭ ‬بماذا‭ ‬نفسر‭ ‬منح‭ ‬جائزة‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬للفكر‭ ‬الحر‭ ‬لعام‭ ‬2014‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬الألمانية‭ ‬لرئيس‭ ‬حزب‭ ‬حركة‭ ‬النهضة‭ ‬الإسلامية‭ ‬التونسية‭ ‬راشد‭ ‬الغنوشي،‭ ‬الذي‭ ‬من‭ ‬مآثره‭ ‬قوله‭: ‬‮«‬ماذا‭ ‬يهمّنا‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬موقف‭ ‬المعتزلة‭ ‬من‭ ‬صفات‭ ‬الله،‭ ‬وموقف‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬من‭ ‬الكون‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬قديم‭ ‬أم‭ ‬مُحدَث،‭ ‬ورأي‭ ‬ابن‭ ‬سينا‭ ‬في‭ ‬النفس‭ ‬وخلودها،‭ ‬وموقف‭ ‬الأشعري‭ ‬من‭ ‬الكسب‭ ‬والقضاء‭ ‬والقدر‭ ‬وقضية‭ ‬القرآن‭ ‬قديم‭ ‬أو‭ ‬محدث‮…‬‭ ‬ألم‭ ‬يأت‭ ‬الإسلام‭ ‬ليقدّم‭ ‬للناس‭ ‬حلولا‭ ‬عملية‭ ‬؟‮»‬،‭ ‬واعتباره‭ ‬‮ ‬المرأة‭ ‬كائنا‭ ‬تناسليا‭ ‬ما‭ ‬وجد‭ ‬إلا‭ ‬لإشباع‭ ‬رغبة‭ ‬الرجل‭ ‬في‭ ‬الجماع‭ ‬والتكاثر،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬تدميره‭ ‬الاقتصاد‭ ‬التونسي‭ ‬بعد‭ ‬الثورة،‭ ‬وتواطُئِه‭ ‬مع‭ ‬الإرهاب،‭ ‬ودفعه‭ ‬الشباب‭ ‬إلى‭ ‬الجهاد‭ ‬في‭ ‬سوريا؟

فيما‭ ‬يخص‭ ‬الفلسفة،‭ ‬صحيح‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تزدهر‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬نهضة‭ ‬علمية‭ ‬شاملة،‭ ‬ومناخ‭ ‬تسوده‭ ‬الحرية،‭ ‬وحق‭ ‬الاختلاف‭ ‬بمعناه‭ ‬الأنطولوجي،‭ ‬وارتباطها‭ ‬بمحيط‭ ‬ثقافي‭ ‬غير‭ ‬خاضع‭ ‬للوصاية‭ ‬الثيولوجية‭ ‬التي‭ ‬تكاد‭ ‬تهيمن‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬والعقول،‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أنها‭ ‬غائبة‭ ‬كما‭ ‬ذكر‭ ‬العظم،‭ ‬ولنا‭ ‬في‭ ‬إسهامات‭ ‬ثلة‭ ‬من‭ ‬المفكرين‭ ‬أمثال‭ ‬طيب‭ ‬تيزيني‭ ‬وعبد‭ ‬الله‭ ‬العروي‭ ‬وهشام‭ ‬جعيط‭ ‬وفتحي‭ ‬التريكي‭ ‬وحسين‭ ‬مروة‭ ‬وزكي‭ ‬نجيب‭ ‬محمود‭ ‬وفؤاد‭ ‬زكريا‭ ‬وآخرين‭ ‬خير‭ ‬مثال‭. ‬

وعودة‭ ‬إلى‭ ‬الجوائز‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلينا‭ ‬أي‭ ‬شيء،‭ ‬عربية‭ ‬كانت‭ ‬أم‭ ‬أجنبية،‭ ‬نذكّر‭ ‬بما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬كلمة‭ ‬كان‭ ‬ألقاها‭ ‬خوان‭ ‬غويتيسولو‭ ‬بمناسبة‭ ‬منحه‭ ‬جائزة‭ ‬ثيربانتس،‭ ‬نوبل‭ ‬الآداب‭ ‬الإسبانية‭: ‬‮«‬أن‭ ‬أكون‭ ‬محلّ‭ ‬تبجيل‭ ‬من‭ ‬المؤسسة‭ ‬الأدبية‭ ‬يدفعني‭ ‬إلى‭ ‬الشك‭ ‬في‭ ‬نفسي،‭ ‬ولكن‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬في‭ ‬نظرها‭ ‬شخصا‭ ‬غير‭ ‬مرغوب‭ ‬فيه،‭ ‬فهذا‭ ‬يؤكد‭ ‬وجاهة‭ ‬موقفي‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬السيرة‭ ‬والعمل‭.‬‮ ‬‭ ‬من‭ ‬علياء‭ ‬شيخوختي،‭ ‬أحس‭ ‬قبول‭ ‬هذا‭ ‬التكريم‭ ‬كضربة‭ ‬سيف‭ ‬في‭ ‬الماء،‭ ‬كاحتفال‭ ‬لا‭ ‬فائدة‭ ‬من‭ ‬ورائه‭.‬‮»‬

وصم‭ ‬العربية‭ ‬بما‭ ‬ليس‭ ‬فيها

ساءنا‭ ‬من‭ ‬العظم‭ ‬قوله‭ ‬‮«‬التعبيرات‭ ‬المطاطة‭ ‬التي‭ ‬اشتهرت‭ ‬بها‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‮»‬،‭ ‬فالعربية‭ ‬لا‭ ‬تؤخذ‭ ‬بجريرة‭ ‬من‭ ‬يرسل‭ ‬الكلام‭ ‬عل‭ ‬عواهنه،‭ ‬إما‭ ‬سفاهة‭ ‬كما‭ ‬يفعل‭ ‬الساسة،‭ ‬أو‭ ‬تدجيلا‭ ‬كما‭ ‬يفعل‭ ‬الوعاظ،‭ ‬أو‭ ‬هذرا‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬المعلقين‭ ‬الرياضيين‭. ‬فاللغة،‭ ‬أي‭ ‬لغة،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬فضفاضة‭ ‬تدمدم‭ ‬كطبل‭ ‬أجوف،‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬دقيقة‭ ‬تحلّ‭ ‬كل‭ ‬كلمة‭ ‬موضعها،‭ ‬وإنما‭ ‬العهدة‭ ‬على‭ ‬قائلها‭.‬‮ ‬‭ ‬يقول‭ ‬العرب‭: ‬خيرُ‭ ‬الكلامِ‭ ‬ما‭ ‬قلّ‭ ‬ودلّ‭. ‬فالبلاغةُ‭ ‬عندهم‭ ‬في‭ ‬إيجاز‭ ‬القول‭ ‬وشحنه‭ ‬بالدلالات‭ ‬المفيدة،‭ ‬والمعاني‭ ‬البليغة‭. ‬ومن‭ ‬الأمثلة‭ ‬على‭ ‬الإيجاز‭ ‬البليغ‭ ‬أن‭ ‬يحيى‭ ‬بنَ‭ ‬خال‭ ‬قال‭ ‬لشُريْك‭: ‬علّمْنا‭ ‬مِمّا‭ ‬علّمكَ‭ ‬الله‭. ‬فقال‭: ‬إذا‭ ‬عمِلتُم‭ ‬بما‭ ‬تعلَمون،‭ ‬علّمناكم‭ ‬ما‭ ‬تجهَلون‭. ‬وقالت‭ ‬زوجة‭ ‬يحيى‭ ‬بن‭ ‬طلْحة‭ ‬لزوجها‭: ‬ما‭ ‬رأيتُ‭ ‬ألْاَمَ‭ ‬من‭ ‬أصحابك،‭ ‬إذا‭ ‬استغنيْتَ‭ ‬لَزِموك،‭ ‬وإذا‭ ‬أعسَرْتَ‭ ‬تركوك‭. ‬فقال‭ ‬لها‭: ‬هذا‭ ‬من‭ ‬كرَم‭ ‬أخلاقهم،‭ ‬يأتوننا‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬القوّة‭ ‬منّا‭ ‬عليهم،‭ ‬ويُفارقوننا‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬الضَّعْف‭ ‬منّا‭ ‬عنهم‭.‬‮ ‬‭ ‬وقيل‭ ‬للخليل‭ ‬بن‭ ‬أحمد،‭ ‬واضع‭ ‬علم‭ ‬العروض‭: ‬ما‭ ‬لك‭ ‬تروي‭ ‬الشعر‭ ‬ولا‭ ‬تقوله؟‭ ‬فقال‭: ‬لأني‭ ‬كالْمِسَنّ،‭ ‬أشحَذُ‭ ‬ولا‭ ‬أقطَع‭. ‬ويروى‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬الخليفةَ‭ ‬المنصور‭ ‬كتب‭ ‬إلى‭ ‬جعفر‭ ‬الصادق‭ ‬يقول‭ ‬له‭: ‬لِمَ‭ ‬لا‭ ‬تغْشانا‭ ‬كما‭ ‬يَغْشانا‭ ‬الناس؟‭ ‬فقال‭: ‬ليس‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬الدنيا‭ ‬ما‭ ‬نَخافُكَ‭ ‬عليه،‭ ‬ولا‭ ‬عندك‭ ‬من‭ ‬الآخرة‭ ‬ما‭ ‬نرجوكَ‭ ‬له‭. ‬فالعيب‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬اللغة،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬من‭ ‬يستعملها‭.‬


كاتب من تونس مقيم في باريس

مقالات أخرى للكاتب:

  • فرنسا ووهم الحصن المنيع
  • تاريخ الآخر كوسيلة للهيمنة الغربية
  • البحث عن الحقيقة في زمن الـ\'فيك نيوز\'
  • العرب في الثقافة الفرنسية
  • ماذا يتبقى من ثورة أكتوبر
  • علة العالم الجديدة
  • شجرة الزّقّوم
  • جذور الإرهاب في الشرق الأوسط
  • ماكرون ومعلّمه ريكور
  • المرأة هوس المخيال العربي الإسلامي
  • ثالثية ماكرون وما بعد السياسة
  • نظريات المؤامرة والجهل الإرادي
  • أهي‭ ‬نهاية‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار
  • سبل‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬عصر‭ ‬الارتداد
  • الشعب والشعبوية
  • انتصار العنصرية في بلد حقوق الإنسان
  • أمراض‭ ‬اليسار
  • سلافوي جيجك وتناقضاته العجيبة
  • الدّينُ‭ ‬هُويةً‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬العلمانية
  • بوب‭ ‬ديلان‭ ‬الكذبة‭ ‬الكبرى
  • نهاية المثقفين الفرنسيين
  • هل‭ ‬تشهد‭ ‬فرنسا‭ ‬انتصار‭ ‬الرجعية
  • كيف‭ ‬تنشأ‭ ‬ثقافة‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬الشبيبة‭ ‬المهاجرة
  • نهاية‭ ‬الدين‭ ‬أم‭ ‬عودة‭ ‬الديني
  • نهاري الأول في المدرسة
  • فرنسا نحو حرب أهلية أم حرب تطهير
  • ثورة‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية
  • الهويات‭ ‬المنغلقة
  • التطرف‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية
  • ماركس والتوتاليتارية الشيوعية
  • التفكير‭ ‬النهضوي‭ ‬العربي بين‭ ‬الأمل‭ ‬والوهم
  • علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬وتهمة‭ ‬ثقافة‭ ‬الأعذار
  • طاحونة‭ ‬الشيء‭ ‬المعتاد
  • هموم‭ ‬الفرد‭ ‬وهموم‭ ‬الأوطان
  • أسلمة الراديكالية
  • مراد وهبة والتعميم المخل بالحقيقة
  • دعوة إلى عقد اجتماعي للوفاق مع الإسلام
  • رهان‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬تأليف‭ ‬أم‭ ‬تفرقة
  • نيتشه المناهض للمنظومة
  • الطوباوية‭ ‬والجريمة‬‬
  • ميشيل‭ ‬فوكو ‬وعلاقته‭ ‬بالليبرالية‭ ‬الجديدة‭ ‬واليسار
  • العرب وانتكاس الوعي النقدي
  • الشعب والدولة والتباساتهما
  • النخبة‭ ‬والنخبوية