مشكلة التمركز العرقي

في الدراسات الكولونيالية وما بعدها

الجديد  أزراج عمر [نُشر في 01/11/2016، العدد: 22، ص(16)]

لوحة: عمار داوود
في السنوات الأخيرة من القرن العشرين ومستهل القرن الواحد والعشرين قد تأسست أقسام الدراسات الكولونيالية ومابعد الكولونيالية في الجامعات الغربية أولا وفي بعض جامعات العالم الثالث وخاصة في آسيا وأستراليا وفي جنوب أفريقيا ثانيا لدراسة آثار الاستعمار على المجتمعات المستعمرة والمستعمرة معا ما عدا في فرنسا التي ترفض لحد الآن أن تعترف سياسيا وأكاديميا بالحقبة الاستعمارية كفعل هدام ومعاد للأعراف الأخلاقية وللوازع الإنساني المتحضر. ومما يؤسف له أن الجامعات العربية لم تبادر إلى إنشاء مثل هذه الأقسام إلى يومنا هذا علما أنها معنية بذلك تاريخيا حيث أنها عانت من ظاهرة الاستعمار الكلاسيكي وتعاني راهنا من مختلف أشكال الاستعمار الجديد. إنا هذا الحقل المعرفي ضروري جدا من الناحية الأكاديمية والتاريخية لنزع كدمات الاستعمار الثقافي والنفسي والمعرفي والاقتصادي من ذاكرتها وذلك من أجل إنشاء آليات المقاومة التعليمية في منظومة التعليم العالي.

منذ البداية ينبغي التنبيه إلى بعض المشكلات التي يثيرها مصطلح ما بعد الكولونيالي. هناك من يعتقد أن هذا المصطلح يعني بالدرجة الأولى أن الحقبة الاستعمارية التقليدية قد تم إغلاق ملفها وأصبحت جزء من الماضي فقط، ولكن الحقيقة ليست كذلك حيث أن أثار الاستعمار الكلاسيكي لا تزال قائمة سواء في شكل الدولة-الأمة المستورد من الغرب باعتباره جزءا من بقايا الظاهرة الكولونيالية، وفي المعمار، والهوية اللغوية الملوثة بلغة المستعمر سابقا فضلا عن القيم والسلوك وشتى أنماط الزي، والموسيقى وهلم جرا.

في هذا السياق تذكر الدارسة غياتري سبيفاك أن المسؤولين الأميركيين على المنظومة التعليمية الأميركية هم الذين فرضوا مصطلح الدراسات مابعد الكولونيالية في مكان الدراسات الاستعمارية المقترح من طرف عدد من النقاد الأكاديميين العاملين في الجامعات بالولايات المتحدة الأمريكية والذين ينتمون من حيث الأصول إلى الدول المستعمرة سابقا. إن اللاصقة «ما بعد» تعني في استراتيجيات هؤلاء المسؤولين الأميركيين أن الاستعمار الغربي قد انتهى. لا شك أن هناك أيضا الكثير من النقد الموجه إلى هذا الحقل الأكاديمي من الناحية النظرية حيث يحاجج بعض الدارسين النقاد أن الجهاز النظري الذي تستخدمه الدراسات مابعد الكولونيالية هو جهاز غربي تماما ويرسخ من جديد التبعية الفكرية للغرب. إن هذه القضايا جديرة فعلا بالنقاش غير أنني سأركز هنا على تحديد مفهوم الدراسات مابعد الكولونيالية ومناقشة قضية التمركز العرقي التي يدور حولها نقاش محتدم بين يشغل معظم النقاد الذين يشتغلون في هذا الحقل المعرفي.

أشرع الآن في إضاءة بعض المشكلات المتصلة بالدراسات الكولونيالية ومابعد الكولونيالية مركزا على مصطلح مابعد الكولونيالية وعلى مفهوم العرقية.

في المفهوم والتعريف

لا تزال «النظرية النقدية» تشهد الكثير من السجال بقصد تحديد أصولها ومكوّناتها وجهازها المفهومي وآليات عملها في الممارسة. في هذا السياق وجدت دراسة الناقد أبولو أموكو، التي ساهم بها في كتاب «النظرية النقدية» الذي هو من إعداد وإشراف وتحرير كل من سايمون مالباس وبول وايك، ومن منشورات دار «روتليج» البريطانية للنشر جديرة بالتقديم والمناقشة. تحمل دراسة أموكو عنوان «العرق الكولونيالية» وهي تطمح إلى معالجة ثلاثة نقاط وهي:

1 – تحديد تعريف العرق الكولونيالية؟

2 – رصد تبعات العرق الكولونيالية على شعبة الأدب الإنكليزي على التعليم العالي البريطاني.

3 – شرح أسباب عدم حدوث التغيير في شعبة الأدب الإنكليزي في عهد النقد مابعد الكولونيالي.

هناك أيضا الكثير من النقد الموجه إلى هذا الحقل الأكاديمي من الناحية النظرية حيث يحاجج بعض الدارسين النقاد أن الجهاز النظري الذي تستخدمه الدراسات مابعد الكولونيالية هو جهاز غربي تماما ويرسخ من جديد التبعية الفكرية للغرب

في البداية يلاحظ الناقد أموكو أنه في السنوات الأربعين الماضية لم تكن نظرية العرق ونظرية مابعد الكولونيالية جزء من «القاموس النقدي» أما في وقتنا الراهن فإنهما تنتشران في «جميع جوانب الدراسة الأدبية «. ففي تقديره فإنّ النقد العرقي ومابعد الكولونيالي قد أصبحا يكونان حقلين شرعيين في مجال البحث كما أنهما قد جلبا إلى شعبة الأدب أشكالا نقدية جديدة. يستنتج أموكو أنّ «الأسئلة المتعلقة بالاختلاف العرقي والتاريخ الكولونيالي تُسأل بشكل روتيني في جميع الحقول بداخل الشعبة» المدعوة «بشعبة الدراسات الأدبية ككل». ويرى أيضًا أنّ هذه النقلة الأكاديمية لها وجهان أحدهما إيجابي وثانيهما سلبي، ويلخص أماكو الوجه الإيجابي في المساعدة التي قدمتها أشكال النقد ضمن دائرتي العرق الكولونيالية «لإعادة تحديد تعريف الشعبة بواسطة تحدّي أسسها المتمركزة اثنيا»، كما أنّ النقد في إطار العرق ومابعد الكولونيالية قد مكّن من «الكشف عن الجذور الكولونيالية» لشعبة الدراسات الأدبية الكولونيالية. من الناحية السلبية فإنّ أموكو يعتقد أن النقد المنضوي تحت لواء نظرية العرق ونظرية مابعد الكولونيالية لم يحدث التغيير الجذري في هذا المجال.

وهنا ينبغي التوقف قليلا لمناقشة وتحليل فرضيات الناقد أموكو على ضوء الاختلافات التي برزت إلى السطح جرّاء انتقائه لمصطلح مابعد الكولونيالية بدلا من مصطلحات مثل الاستعمارية والرأسمالية كمقاربات للنظر في العلاقة المعقدة بين الغرب وبين العالم الثالث بشكل عام وكذلك ولدراسة ظاهرة استمرار الاستعمار بوجهيه الكلاسيكي التقليدي، والحديث الذي يتخذ أشكال الاحتلال حينا والسيطرة أو الهيمنة حينا آخر على المستويات المادية والسياسية والثقافية والمعرفية والدبلوماسية وهلم جرًّا. لقد ذهب بعض نقاد مصطلح مابعد الكولونيالية إلى القول بأن هذا المصطلح بالذات يتضمن التواطؤ وإنكار الحقائق التاريخية الراهنة على أساس أن ظاهرة الاستعمار التقليدية (الاحتلال العسكري وتبعاته) لا تزال قائمة في عالمنا المعاصر ولذلك فإنه ينبغي إزالة لاصقة «مابعد» التي توحي بانتهاء المرحلة الكولونيالية السابقة وابتداء مرحلة جديدة خالية من ظاهرة الاستعمار تختلف عن الأولى جذريا.

فالقول بـ»ما بعد الكولونيالية» يوحي معنى ومبنى بانتهاء الكولونيالية التقليدية وهو في الأساس أمر يتناقض نظريا وعمليا مع الواقع الدولي الراهن الذي يعاني من الاحتلال والهيمنة والسيطرة في كثير من بقاع المعمورة [كما في فلسطين وأفغانستان فضلا عن المناطق التي لا تزال تطالب بتقرير المصير ولم يتحقق حتى الآن]. بالنظر إلى ما تقدم فإنّ محاولات تصحيح مصطلح «مابعد» الكولونيالية قد بذلت في كثير من الجامعات الغربية وخاصة في بريطانيا، وأستراليا وأميركا حيث أسست مراكز وأقسام تحمل عنوان «الدراسات الكولونيالية ومابعد الكولونيالية» للإيحاء بأنّ عصر الاستعمار لا يزال قائما إلى جانب وجود علاقات دولية غير متزنة وغير عادلة بسبب عدم خلوها من ظاهرة و ميراث الاستعمار القديم معا.

لوحة: عمار داوود

حسب الدارس أبولو أموكو فإنّ حصر وتحديد تعريف مفهوم العرق ليس بأمر سهل وجاهز وذلك لأنه يجد نفسه في مواجهة ما يدعوه بسلسلة من التناقضات الظاهرية. إنّه يرى أن العرق قد أصبح «فكرة خاطئة» كان لها تأثير سلبي، ولا تزال تواصل تلك التأثيرات السلبية في عالمنا المعاصر حتّى بعد الاعتراف بخطئها الأساسي.

ففي تقدير الناقد أموكو فإنّ العرق والعرقية (العنصرية) «لا يزالان قوتين أساسيتين تنظمان العالم الحديث». إن هذا الدارس يعتقد في وجود هاتين القوتين في المجتمعات المعاصرة وبنسب متفاوتة لأن شرائح كثيرة في المجتمعات الغربية تتميز بالعنصرية كما نجد عددا من فضاءات العالم الثالث تشهد حروبا أهلية بسبب التمركز العرقي. وهنا نريد أن نتساءل ما هو العرق وما هي العرقية؟ يعرّف أبولو أموكو العرق هكذا «إنّه الاعتقاد بأن البشر يمكن أن يقسّموا إلى عدد محدود من أنماط التشكل»، أما العنصرية أو العرقية فيعرّفهما بأنهما «التمييز على أساس العرق».

من جهة أخرى يلاحظ هذا الدارس أن «مفهوم العرق مشكوك فيه» وأن «حدوده لا يعتمد عليها»، كما أن «أنماط هويّة العرق: أبيض، أسود، أصفر.. الخ، غير متماسكة داخليا». وينتهي الناقد أبولو أموكو إلى خلاصة حاسمة ترفض بشكل قطعي مزاعم النظريات التي تتمسك بالدعوى أنّ الهوية العرقية معطاة قبليا وثابتة عبر التاريخ. ففي رأيه فإنّنا «نعرف الآن أن العرق مبني اجتماعيا من الخارج وأنه، مثل الجنسية والوطنية والنوع (Gender)، هو اختراع حديث على نحو خاص». رغم التقدم الحاصل في المعرفة البشرية وخاصة فيما يتعلق بخريطة الجينات التي قد بيّنت بطلان «جوهرانية» العرق أي وجوده قبليا وفطريا في البنية الفيزيولوجية البشرية، بل فقد أبرز العلم المعاصر أن «الجينات» تتغير عبر التاريخ. رغم كل هذا التطور العلمي فإنّ الناس لا تزال تفكر بالمنطق التقليدي القديم والمنافي لمنطق العلم والتاريخ.

أنماط العنصرية

لكي يدعم الدارس أموكو مرافعته الفكرية فإننا نجده يستند إلى دراسة من إنجاز الفيلسوف والدارس الأدبي أنثوني كويم أبياح حول أنماط العنصرية أو العرقية التي يحددها كما يلي: فالنمط الأوّل هو العنصرية التقليدية التي لا تتحول إلى عامل نفي وتمييز عرقي، أما النمط الثاني من العنصرية فيتأسس على أيديولوجيا الناس العنصريين الذين «يصنعون التمايز الأخلاقي بين أفراد الأعراق المختلفة جراء اعتقادهم أن الجوهر العرقي يستلزم الخصائص المناسبة أخلاقيا». يوضح أنثوني كويم أبياح حسب تأويل أموكو أن هذا النمط من العرقية يرمي إلى «التمييز العنصري بين الناس». أمّا النمط الثالث من العنصرية فيحدده أنتوني أبياح في كل من يعتقد بأن «كل عرق يملك وضعا أخلاقيا مختلفا ومستقلا تقريبا ويملك الخصائص الأخلاقية التي يستلزمها جوهرها العرقي».

إنّ هذه الأنماط قد بدأت، في السنوات التي شهدت ميلاد النقد الكولونيالي، تتعرض للتفكيك النقدي على أيدي المفكرين والفلاسفة الطليعيين المعادين لكافة أشكال التمييز العرقي الذي يطال المجالات الثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والنوع الإنساني.

وهكذا يمكن القول بأن النظرية النقدية المعاصرة قد شرعت، بواسطة تأسيس الوعي النقدي العلمي، في دكَ حصون الأفكار والممارسات المتمركزة عرقيا والبرهنة علميا على تهافتها وهي الأفكار والممارسات التي نظر لها وبررها جوزيف آرثر غوبينو في كتابه عن «عدم تساوي الأعراق البشرية»، وغوستاف لوبون في كتابه» القوانين السيكولوجية لتطور البشر» وهتلر في كتابه «كفاحي». وأكثر من ذلك فإن تجارب العلاقات المعاصرة والحديثة المؤسسة والناتجة على نحو متزامن أو متواتر عن «الهجنة» تنسف دفعة واحدة أسطورة النقاء العرقي التي رفع شعارها من طرف هذا الدارس أو المنظَر كما نجد الهجرات في العصور القديمة والوسطى والحديثة ليست مجرد انتقال شكلي للبشر من جغرافية إلى أخرى وإنما هي ظاهرة تاريخية وهي قد أنتجت ولا تزال تنتج شتى أشكال التناص الثقافي واللغوي والحضاري أيضا.


شاعر من الجزائر