قطيع‭ ‬يقوده‭ ‬رجل‭ ‬دين

التعليم‭ ‬والأصولية‭ ‬وتفريخ‭ ‬العنف‮

الجديد  سامية شرف الدين [نُشر في 01/11/2016، العدد: 22، ص(58)]

لوحة: ياسر صافي
قال‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬وزير‭ ‬المعارف‭ ‬العمومية‭ ‬في‭ ‬البهو‭ ‬الكبير‭ ‬بجامعة‭ ‬الإسكندرية‭ ‬يوم‭ ‬افتتاحها‭ ‬إن‭ ‬‮«‬التعليم‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬حق‭ ‬للجميع‭ ‬فهو‭ ‬كالماء‭ ‬والهواء‭ ‬منحة‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬لكل‭ ‬الناس‭ ‬بلا‭ ‬تفريق‮»‬‭. ‬هذا‭ ‬الحق،‭ ‬الذي‭ ‬يوازي‭ ‬الماء‭ ‬والهواء‭ ‬قيمة،‭ ‬لم‭ ‬يرتق‭ ‬بثقافة‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬العربية‭ ‬رغم‭ ‬مرور‭ ‬عقود‭ ‬طويلة‭. ‬بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المقولة،‭ ‬أصدر‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬تحذيرا‭ ‬يقول‭ ‬فيه‭ ‬بأن‭ ‬نظام‭ ‬التعليم‭ ‬العربي‭ ‬يحتاج‭ ‬‮«‬إلى‭ ‬إصلاحات‭ ‬عاجلة‭ ‬لمواجهة‭ ‬مشكلة‭ ‬البطالة‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬التحديات‭ ‬الاقتصادية‮»‬‭ ‬وبأن‭ ‬‮«‬أحد‭ ‬أسباب‭ ‬ضعف‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬التعليم‭ ‬وضعف‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬هو‭ ‬انخفاض‭ ‬مستوى‭ ‬التعليم‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‮»‬‭.‬

موضوع ‭ ‬التعليم‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬موضوع‭ ‬شائك‭ ‬ومُلِحّ‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬عدة‭ ‬نقائص‭ ‬قاتلة‭ ‬يجب‭ ‬البحث‭ ‬فيها‭ ‬وإيجاد‭ ‬حلول‭ ‬جذرية‭ ‬لها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الارتقاء‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬المستوى‭ ‬الضحل‭ ‬الذي‭ ‬انحدر‭ ‬إليه‭ ‬إذا‭ ‬توفّرت‭ ‬لدى‭ ‬أصحاب‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬بلداننا‭ ‬ولدى‭ ‬منظمات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬رغبة‭ ‬جادة‭ ‬في‭ ‬الإصلاح‭ ‬والصعود‭ ‬بشعوبنا‭ ‬نحو‭ ‬مصاف‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬سبيل‭ ‬إلى‭ ‬أيّ‭ ‬تغيير‭ ‬دون‭ ‬العمل‭ ‬الجاد‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬العنصر‭ ‬الحيوي‭ ‬والأساسي‭ ‬في‭ ‬تقدم‭ ‬الشعوب‭.‬

كشفت‭ ‬الفوضى‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والفكرية‭ ‬العارمة‭ ‬التي‭ ‬تلت‭ ‬ثورات‭ ‬الربيع‭ ‬العربي،‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬ومصر‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬عيوب‭ ‬هذا‭ ‬المستوى‭ ‬المتدني‭ ‬عبر‭ ‬ما‭ ‬أُتيح‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬النظامين‭ ‬الدكتاتوريين‭ ‬من‭ ‬شفافية‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬القضايا‭ ‬الكبرى‭. ‬من‭ ‬بين‭ ‬نتائج‭ ‬الفساد‭ ‬التعليمي،‭ ‬التدهور‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬الأخلاق‭ ‬الجمعية‭ ‬اليومية‭ ‬المتمثلة،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لا‭ ‬الحصر،‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬نسب‭ ‬التحرش‭ ‬واستمرار‭ ‬استشراء‭ ‬الفساد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والسياسي،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تصاعد‭ ‬الفكر‭ ‬التكفيري‭ ‬وتجنيد‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬يُزَج‭ ‬بهم‭ ‬في‭ ‬أتون‭ ‬العمليات‭ ‬الانتحارية‭ ‬داخل‭ ‬أقطارهم‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬وليبيا‭ ‬والدول‭ ‬الأوروبية‭.‬

لا‭ ‬تزال‭ ‬جماهيرنا‭ ‬العربية‭ ‬تُشحَن‭ ‬وتُوَجّه‭ ‬عبر‭ ‬الخطابات‭ ‬الحماسية‭ ‬والوعود‭ ‬الكاذبة‭ ‬والإغراءات‭ ‬واستغلال‭ ‬المعتقد‭ ‬وعبر‭ ‬الإعلام‭ ‬والمنظومات‭ ‬التعليمية‭ ‬المعاصرة‭.‬

رغم‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬نظرة‭ ‬جوستاف‭ ‬لوبون‭ ‬من‭ ‬سلبية‭ ‬في‭ ‬التقييم‭ ‬إلّا‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬يفرض‭ ‬التسليم‭ ‬برؤيته،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تشهد‭ ‬ثورات‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬بقية‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بـ‮»‬ثورات‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‮»‬،‭ ‬حين‭ ‬يقول‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬سيكولوجيا‭ ‬الجماهير‭ ‬‮«‬،‭ ‬‮«‬من‭ ‬الصعب‭ ‬فهم‭ ‬تاريخ‭ ‬الثورات‭ ‬الشعبية‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تجاهلنا‭ ‬غرائز‭ ‬الجماهير‭ ‬المحافظة‭ ‬جداً‭. ‬صحيح‭ ‬أنها‭ ‬تريد‭ ‬تغيير‭ ‬أسماء‭ ‬مؤسساتها‭ ‬وتقوم‭ ‬أحيانا‭ ‬بثورات‭ ‬عنيفة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬هذه‭ ‬المتغيرات‭. ‬ولكن‭ ‬عمق‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬ومضمونها‭ ‬يبقى‭ ‬معبرا‭ ‬عن‭ ‬الحاجيات‭ ‬الوراثية‭ ‬للعرق‭ ‬وبالتالي‭ ‬فهي‭ ‬تعود‭ ‬إليه‭ ‬دائما‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭. ‬فحركيّتها‭ ‬لا‭ ‬تخص‭ ‬إلّا‭ ‬الأشياء‭ ‬السطحية‭. ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬إنها‭ ‬تمتلك‭ ‬غرائز‭ ‬محافظة‭ ‬نهائية‭. ‬وكجميع‭ ‬الناس‭ ‬البدائيين‭ ‬فإنها‭ ‬تشعر‭ ‬باحترام‭ ‬وثنيّ‭ ‬تجاه‭ ‬التقاليد‭ ‬وبهلع‭ ‬لا‭ ‬واعٍ‭ ‬تجاه‭ ‬البِدَع‭ ‬المستجدة‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬تعديل‭ ‬الظروف‭ ‬الحقيقية‭ ‬لوجودها‮»‬‭.‬

على‭ ‬ضوء‭ ‬رأيه‭ ‬هذا‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نتساءل‭ ‬عمّا‭ ‬تغير‭ ‬في‭ ‬وعيِ‭ ‬شعبَيْ‭ ‬تونس‭ ‬ومصر‭ ‬وشعوب‭ ‬بقية‭ ‬المنطقة‭ ‬بواقعها‭ ‬الموضوعي‭ ‬وبنقائصه‭ ‬رغم‭ ‬مرور‭ ‬السنين‭ ‬وتغير‭ ‬متطلبات‭ ‬العصر‭ ‬والتقدم‭ ‬التكنولوجي‭ ‬والنانوتكنولوجي‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬حولنا‭ ‬وكيف‭ ‬مثلت‭ ‬المنظومات‭ ‬التعليمية‭ ‬فيها‭ ‬وسيلة‭ ‬للتخريب‭ ‬لا‭ ‬للبناء؟

لم‭ ‬يتغير‭ ‬شيء‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تَقُم‭ ‬فيها‭ ‬ثورات‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬ذات‭ ‬النمط‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬وبالتالي‭ ‬ذات‭ ‬أولوياته،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬وتونس‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬ثوراتها‭ ‬فكرية‭ ‬بنيوية‭ ‬بل‭ ‬مجرد‭ ‬انتفاضات‭ ‬ضد‭ ‬استبداد‭ ‬سياسي‭ ‬تغيرت‭ ‬فيه‭ ‬الواجهات‭ ‬ليحتل‭ ‬مكانها‭ ‬ساسة‭ ‬لا‭ ‬يقلون‭ ‬فساداً‭ ‬وإفساداً‭.‬

يجب‭ ‬الاعتراف‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬لن‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬تجاوز‭ ‬أزماتها‭ ‬الراهنة‭ ‬أو‭ ‬القيام‭ ‬بثورات‭ ‬حقيقية‭ ‬تبني‭ ‬مستقبلا‭ ‬أفضل‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬تطوير‭ ‬المنظومات‭ ‬التعليمية‭ ‬التي‭ ‬احتوت‭ ‬من‭ ‬الخلل‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬كافيا‭ ‬لانتشار‭ ‬ثقافة‭ ‬العنف‭ ‬والتطرف‭ ‬ورفض‭ ‬قيم‭ ‬العصر‭ ‬والنكوص‭ ‬نحو‭ ‬ثقافة‭ ‬التوهّم‭ ‬واستعادة‭ ‬الماضي‭ ‬وشيوع‭ ‬ثقافة‭ ‬الموت‭ ‬والانتحار‭ ‬بين‭ ‬الشباب‭.‬

رغم‭ ‬العدد‭ ‬الكبير‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬الشهائد‭ ‬والديبلومات‭ ‬إلّا‭ ‬أن‭ ‬تكوينهم‭ ‬التعليمي‭ ‬طغى‭ ‬عليه‭ ‬البحث‭ ‬النظري‭ ‬ولم‭ ‬تمثل‭ ‬مسيرتهم‭ ‬التعليمية‭ ‬سوى‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬للارتقاء‭ ‬من‭ ‬فصل‭ ‬إلى‭ ‬الفصل‭ ‬الموالي‭ ‬والنجاح‭ ‬في‭ ‬الامتحانات‭ ‬دون‭ ‬تقييم‭ ‬حقيقي‭ ‬للمستوى‭ ‬المعرفي‭ ‬وتعميق‭ ‬فهم‭ ‬وإدراك‭ ‬المعارف‭ ‬وصقل‭ ‬الكفاءات‭ ‬وتطوير‭ ‬المهارات‭. ‬لهؤلاء‭ ‬الأفراد‭ ‬تكوين‭ ‬علمي‭ ‬لكن‭ ‬ليس‭ ‬لهم‭ ‬إدراك‭ ‬وثقافة‭ ‬أدبية‭ ‬وتاريخية‭ ‬ومدنية‭ ‬تُنَمّي‭ ‬لديهم‭ ‬حس‭ ‬الانتماء‭ ‬للوطن‭ ‬وحبه‭ ‬وثقافة‭ ‬نقدية‭ ‬تُنمّي‭ ‬الحس‭ ‬النقدي‭ ‬والقراءة‭ ‬الموضوعية‭ ‬للظواهر‭ ‬المختلفة‭ ‬وثقافة‭ ‬فنية‭ ‬تُنمّي‭ ‬الحس‭ ‬الجمالي‭ ‬وحب‭ ‬الحياة‭ ‬والجمال‭.‬

ما‭ ‬نلاحظه‭ ‬اليوم‭ ‬بعد‭ ‬ثورات‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬البثور‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعالَج‭ ‬بمراهم‭ ‬تُخفي‭ ‬الدُمَّل‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نبلغ‭ ‬مكامنه‭ ‬قد‭ ‬تفتقت‭ ‬على‭ ‬تقيّح‭ ‬عطِن‭ ‬يزكم‭ ‬الأنوف،‭ ‬إذ‭ ‬غاب‭ ‬الأمن‭ ‬وعمَّت‭ ‬الفوضى‭ ‬وتبدّى‭ ‬الوجه‭ ‬المشوَّه‭ ‬للوطن‭ ‬والذي‭ ‬يستبيح‭ ‬فيه‭ ‬الأخ‭ ‬دم‭ ‬ابن‭ ‬أمه‭ ‬ويحرمه‭ ‬من‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬المواطنة‭ ‬وتقرير‭ ‬المصير‭.‬

لا‭ ‬تزال‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬تندفع‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬الذي‭ ‬يقودها‭ ‬إليه‭ ‬رجل‭ ‬الدين‭ ‬الذي‭ ‬تتبع‭ ‬مذهبه‭ ‬أو‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬فصيله‭. ‬حكوماتها‭ ‬سواء‭ ‬القديمة‭ ‬الجديدة‭ ‬أو‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬بعد‭ ‬الثورات‭ ‬تواصل‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬العقول‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وسائل‭ ‬إعلامها‭ ‬الرسمي‭ ‬وعبر‭ ‬المنظومات‭ ‬التعليمية‭ ‬التقليدية‭ ‬ذات‭ ‬الرأي‭ ‬الواحد‭ ‬والخاضعة‭ ‬بالضرورة‭ ‬للأجندات‭ ‬السياسية‭. ‬الإعلام،‭ ‬الذي‭ ‬شهد‭ ‬طفرة‭ ‬عددية‭ ‬لا‭ ‬نوعية،‭ ‬واصل‭ ‬معظمه‭ ‬خدمة‭ ‬صاحب‭ ‬السلطة‭ ‬الدينية‭ ‬أو‭ ‬السياسية‭ ‬الذي‭ ‬يموّله‭. ‬ويقوم،‭ ‬بوعي‭ ‬أو‭ ‬طبقا‭ ‬لخطط‭ ‬معدة‭ ‬سلفا،‭ ‬بجعل‭ ‬العنف‭ ‬أمرا‭ ‬عاديا‭ ‬عبر‭ ‬تبسيطه‭ ‬‭(‬sa‭ ‬vulgarisation‭)‬‭ ‬في‭ ‬برامج‭ ‬تدعي‭ ‬الطابع‭ ‬الفكاهي‭ ‬مقللة‭ ‬من‭ ‬فداحته‭. ‬ويهمش‭ ‬قيمة‭ ‬العمل‭ ‬والجزاء‭ ‬المكافئ‭ ‬للإبداع‭ ‬عبر‭ ‬برامج‭ ‬المسابقات‭ ‬واليانصيب‭ ‬التي‭ ‬تفقد‭ ‬المال‭ ‬قيمته‭ ‬الحقيقة‭ ‬فخسارة‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬تتساوى‭ ‬مع‭ ‬خسارة‭ ‬مائة‭ ‬مليم‭ ‬مانحة‭ ‬وهم‭ ‬الإثراء‭ ‬السريع‭ ‬بدل‭ ‬الاجتهاد‭ ‬المضني‭ ‬والكسب‭ ‬المحدود‭.‬

‬لا‭ ‬يسعى‭ ‬الحكّام‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬بحال‭ ‬سعيا‭ ‬جديا‭ ‬لتغيير‭ ‬المنظومة‭ ‬التعليمية‭. ‬في‭ ‬كل‭ ‬البرامج‭ ‬الحكومية‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬للبرلمانات‭ ‬نراهم‭ ‬يسيرون‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬سلكوه‭ ‬مرارا‭ ‬وتكرارا‭ ‬موهمين‭ ‬الشعوب‭ ‬بأن‭ ‬النتائج‭ ‬ستكون‭ ‬مختلفة‭

آثار‭ ‬هذا‭ ‬الهوس‭ ‬بالربح،‭ ‬الذي‭ ‬يولد‭ ‬بالضرورة‭ ‬وسائل‭ ‬لا‭ ‬أخلاقية‭ ‬لتحقيق‭ ‬الغايات،‭ ‬تسرّب‭ ‬كسرطان‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬مكونات‭ ‬المجتمع‭. ‬أضحى‭ ‬الغش،‭ ‬والذي‭ ‬يبدأ‭ ‬اعتماده‭ ‬منذ‭ ‬الطفولة‭ ‬في‭ ‬الامتحانات‭ ‬ثم‭ ‬يتطور‭ ‬إلى‭ ‬السرقة‭ ‬فالقمار‭ ‬والسمسرة‭ ‬بكل‭ ‬شيء‭ ‬حتى‭ ‬بالوطن‭ ‬والمبادئ،‭ ‬أمرا‭ ‬عاديا‭ ‬لا‭ ‬حرج‭ ‬فيه‭.‬

في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬أي‭ ‬تأطير‭ ‬وتوعية،‭ ‬تسللت‭ ‬الوسائل‭ ‬السمعية‭ ‬البصرية‭ ‬ووسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وتطبيقات‭ ‬الجوال،‭ ‬والتي‭ ‬تلعب‭ ‬بدورها‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الساحة‭ ‬التخريبية‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬تقدمه‭ ‬من‭ ‬مادة‭ ‬استهلاكية‭ ‬سهلة‭ ‬مثل‭ ‬مظاهر‭ ‬العنف‭ ‬والانحلال‭ ‬الأخلاقي‭ ‬وضروب‭ ‬التزمّت‭ ‬والتطرف‭ ‬والانغلاق،‭ ‬إلى‭ ‬عقل‭ ‬الطفل‭ ‬والشاب‭ ‬بسبب‭ ‬الملل‭ ‬الذي‭ ‬تسببه‭ ‬مناهج‭ ‬التعليم‭ ‬العرجاء‭ ‬وسيطرت‭ ‬عليه‭. ‬هذه‭ ‬الشريحة‭ ‬من‭ ‬المجتمع،‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يمنحها‭ ‬التعليم‭ ‬ما‭ ‬يمكنها‭ ‬من‭ ‬التفرقة‭ ‬بين‭ ‬الغث‭ ‬والسمين،‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬منجرفة‭ ‬إلى‭ ‬التصادم‭ ‬ورفض‭ ‬الواقع‭ ‬المدرسي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والتطاول‭ ‬على‭ ‬وليّ‭ ‬الأمر‭ ‬المنشغل‭ ‬بتأمين‭ ‬ظروف‭ ‬أفضل‭ ‬للحياة‭ ‬اليومية‭ ‬وعلى‭ ‬الكادر‭ ‬التعليمي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬من‭ ‬مهامه‭ ‬التربية‭. ‬فصل‭ ‬التربية‭ ‬عن‭ ‬التعليم‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬اختلال‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬التعليم‭ ‬والتربية‭ ‬واستفحال‭ ‬ظاهرة‭ ‬الاعتداء‭ ‬على‭ ‬المربين‭ ‬وتدنيس‭ ‬حرمة‭ ‬المؤسسات‭ ‬التربوية‭ ‬وهذا‭ ‬العنف‭ ‬الذي‭ ‬ينتهك‭ ‬قيمة‭ ‬المعلم‭ ‬المقدسة‭ ‬والتي‭ ‬عبر‭ ‬عنها‭ ‬أمير‭ ‬الشعراء‭ ‬بقوله‭ ‬‮«‬قُــمْ‭ ‬لـلمعلّمِ‭ ‬وَفِّـهِ‭ ‬الـتبجيلا‭ ‬‭***‬‭ ‬كـادَ‭ ‬الـمعلّمُ‭ ‬أن‭ ‬يـكونَ‭ ‬رسولا‮»‬‭ ‬هو‭ ‬انتهاك‭ ‬لبقية‭ ‬المقدسات‭ ‬الواجب‭ ‬احترامها‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬روح‭ ‬الوطنية‭ ‬مما‭ ‬ينتج‭ ‬عنه‭ ‬ضياع‭ ‬الوازع‭ ‬الأخلاقي‭ ‬والقيَمي‭.‬

على‭ ‬هذا‭ ‬الأساس‭ ‬ليس‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نأمل‭ ‬خيراً‭ ‬في‭ ‬تغير‭ ‬منطلقات‭ ‬من‭ ‬يقوم‭ ‬بتشكيل‭ ‬ثقافة‭ ‬النشء‭ ‬الجديد‭ ‬طالما‭ ‬استمر‭ ‬النظام‭ ‬التعليمي‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عليه‭ ‬وتنازل‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬عن‭ ‬دوره‭ ‬الريادي‭ ‬في‭ ‬الإصلاح‭.‬

من‭ ‬المؤكد‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬منطقياً‭ ‬انتظار‭ ‬ظهور‭ ‬زعيم‭ ‬إصلاحي‭ ‬أو‭ ‬قائد‭ ‬رمز‭ ‬يغيّر‭ ‬بعصا‭ ‬سحرية‭ ‬الواقع‭ ‬لذلك‭ ‬فالمنطق‭ ‬السليم‭ ‬يجبرنا‭ ‬على‭ ‬النظر‭ ‬ملياً‭ ‬في‭ ‬الخشبة‭ ‬التي‭ ‬في‭ ‬عيوننا‭ ‬وانتزاعها‭ ‬مهما‭ ‬سبب‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬ألم‭ ‬وتضحيات‭.‬

لئن‭ ‬تتحمل‭ ‬النظم‭ ‬الدكتاتورية‭ ‬العربية‭ ‬المسؤولية‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬فهل‭ ‬منظمات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬والمثقفين‭ ‬في‭ ‬حلّ‭ ‬من‭ ‬الأمر؟‭ ‬ما‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬يقومون‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬وما‭ ‬مدى‭ ‬جديتهم‭ ‬إن‭ ‬توفرت‭ ‬لديهم‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬التغيير‭ ‬في‭ ‬تحقق‭ ‬إصلاح‭ ‬جذري‭ ‬وبنيوي؟

الساسة‭ ‬كانوا‭ ‬دوما‭ ‬ولا‭ ‬يزالون‭ ‬راقصين‭ ‬ماهرين‭ ‬على‭ ‬الوجع‭ ‬الإنساني‭ ‬يهمهم‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭ ‬منصبهم‭ ‬السيادي‭ ‬والمنافع‭ ‬التي‭ ‬يضمنها‭. ‬تراهم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬تشكيل‭ ‬حكومي‭ ‬جديد‭ ‬يتبارزون‭ ‬ويتنازعون‭ ‬سلطتي‭ ‬الدفاع‭ ‬والخارجية‭ ‬مهملين‭ ‬تماماً‭ ‬حقيبة‭ ‬وزارة‭ ‬التعليم‭ ‬والضرورة‭ ‬الحتمية‭ ‬للإصلاح‭ ‬التعليمي‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي‭.‬

غياب‭ ‬الإرادة‭ ‬السياسية‭ ‬لديهم‭ ‬يمكن‭ ‬تفسيره‭ ‬برغبتهم‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬ذات‭ ‬نسق‭ ‬المنتج‭ ‬التعليمي‭ ‬الواحد‭ ‬الذي‭ ‬أثبت‭ ‬جدارته‭ ‬في‭ ‬الخضوع‭ ‬للحاكم‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬الحكم‭ ‬السابقة‭. ‬هذا‭ ‬المنتج‭ ‬من‭ ‬المنظومة‭ ‬التعليمية‭ ‬القديمة‭ ‬آمن‭ ‬وسيؤمن‭ ‬دوما‭ ‬بالرأي‭ ‬الواحد‭ ‬مما‭ ‬يضمن‭ ‬استمرار‭ ‬الخضوع‭ ‬للدكتاتور‭ ‬وسياساته‭ ‬مهما‭ ‬تكن‭ ‬جائرة‭.‬

هذه‭ ‬السياسة‭ ‬تؤدي‭ ‬حتماً‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬نمط‭ ‬من‭ ‬التكوين‭ ‬الفكري‭ ‬الدغمائي‭ ‬وترصف‭ ‬الكل‭ ‬في‭ ‬قطيع‭ ‬منساق‭ ‬يرفض‭ ‬الرأي‭ ‬الآخر‭ ‬المخالف‭ ‬لرأي‭ ‬الفقيه‭ ‬أو‭ ‬الحاكم‭ ‬كما‭ ‬يعجز‭ ‬عن‭ ‬محاكمة‭ ‬الآراء‭ ‬التي‭ ‬تسوَّق‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬طرفهما‭ ‬بل‭ ‬يتقبّلها‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬مقتنعاً‭ ‬بصحتها‭ ‬مهما‭ ‬تكن‭ ‬منافية‭ ‬للمنطق‭ ‬السليم‭ ‬لهذا‭ ‬لا‭ ‬يناقش‭ ‬نقدياً‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬أو‭ ‬يأمره‭ ‬به‭ ‬الرئيس‭ ‬أو‭ ‬الملك‭ ‬أو‭ ‬أمير‭ ‬الجماعة‭ ‬الدينية‭ ‬المتطرفة‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬تفسّر‭ ‬الميل‭ ‬إلى‭ ‬التشدد‭ ‬الديني‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬فيها‭ ‬الثورات‭ ‬بعد‭ ‬إسقاط‭ ‬الدكتاتورية‭.‬

لهذا‭ ‬لا‭ ‬يسعى‭ ‬الحكّام‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬بحال‭ ‬سعيا‭ ‬جديا‭ ‬لتغيير‭ ‬المنظومة‭ ‬التعليمية‭. ‬في‭ ‬كل‭ ‬البرامج‭ ‬الحكومية‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬للبرلمانات‭ ‬نراهم‭ ‬يسيرون‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬سلكوه‭ ‬مرارا‭ ‬وتكرارا‭ ‬موهمين‭ ‬الشعوب‭ ‬بأن‭ ‬النتائج‭ ‬ستكون‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬مرة‭. ‬يعيِّنون‭ ‬رؤساء‭ ‬الإدارات‭ ‬التعليمية‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬المتخصصين‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬التعليمي‭ ‬وينتدبون‭ ‬ذات‭ ‬واضعي‭ ‬البرامج‭ ‬التي‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬الخراب‭ ‬التعليمي‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬للعمل‭ ‬على‭ ‬التجديد‭ ‬والإصلاح‭ ‬ويُعيدون‭ ‬إمضاء‭ ‬الخطط‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬ذاتها‭.‬

تقوم‭ ‬كل‭ ‬وزارة‭ ‬بصورة‭ ‬مستقلة‭ ‬بالبحث‭ ‬في‭ ‬مشاكل‭ ‬هذه‭ ‬الخطط‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬واقتراح‭ ‬حلول‭ ‬لها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬تطبيقها‭ ‬لأنه‭ ‬كلما‭ ‬أتى‭ ‬وزير‭ ‬جديد‭ ‬رمى‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬أنجزه‭ ‬سلفه‭ ‬وبدأ‭ ‬من‭ ‬النقطة‭ ‬الصفر،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬العملية‭ ‬الإصلاحية‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬التعليمي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتم‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬رئاسة‭ ‬الحكومة‭ ‬وتشرف‭ ‬عليها‭ ‬لجنة‭ ‬تستمر‭ ‬في‭ ‬البناء‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬وتقرر‭ ‬مع‭ ‬الوزير‭ ‬السابق‭. ‬يجب‭ ‬إسناد‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬الحيوي‭ ‬والمصيري‭ ‬لا‭ ‬لمن‭ ‬ساهموا‭ ‬في‭ ‬خرابه‭ ‬لعقود‭ ‬بل‭ ‬لأناس‭ ‬أكفاء‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬إطارات‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭ ‬الممارسين‭ ‬للمهنة‭ ‬والقادرين‭ ‬على‭ ‬بثّ‭ ‬روح‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬المناهج‭ ‬والمدركين‭ ‬لاحتياجات‭ ‬الطلاب‭ ‬في‭ ‬الكتب‭ ‬والمنهج‭ ‬التربوي‭ ‬والنفسي‭.‬

يعود‭ ‬تقصير‭ ‬الحكومات‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الإصلاح‭ ‬التعليمي‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬إرضاء‭ ‬أهل‭ ‬الله‭ ‬الضامنين‭ ‬الأمثل‭ ‬لكسب‭ ‬دعم‭ ‬الجماهير‭ ‬بإبقاء‭ ‬التعليم‭ ‬الديني‭ ‬الموازي‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عليه،‭ ‬إلى‭ ‬خلل‭ ‬هيكلي‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬سوء‭ ‬تحديد‭ ‬الخيارات‭ ‬الكبرى‭ ‬للدولة

لئن‭ ‬كانت‭ ‬المواد‭ ‬غير‭ ‬المحمّلة‭ ‬ثقافيا‭ ‬‭(‬كالرياضيات‭)‬‭ ‬لا‭ ‬تثير‭ ‬إشكالا‭ ‬كبيرا،‭ ‬ففي‭ ‬مناهج‭ ‬المواد‭ ‬غير‭ ‬المحايدة‭ ‬والخاضعة‭ ‬للفكر‭ ‬الواحد‭ ‬يقومون‭ ‬بالتسييس‭ ‬والدمغجة‭ ‬عبر‭ ‬مغالطات‭ ‬‭(‬كتب‭ ‬التاريخ‭ ‬والتربية‭ ‬الوطنية‭ ‬والدين‭ ‬والثقافة‭ ‬العربية‭ ‬أنموذجاً‭)‬‭ ‬كشف‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬والأفكار‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الإنترنت‭ ‬زيفها‭ ‬أو‭ ‬المبالغات‭ ‬التي‭ ‬تتخلّلها‭. ‬تتمثل‭ ‬هذه‭ ‬المغالطات‭ ‬في‭ ‬تأكيد‭ ‬عروبة‭ ‬الدولة‭ ‬وأنّ‭ ‬لها‭ ‬دينا‭ ‬رسمياً‭ ‬واحداً‭ ‬وهذا‭ ‬يتنافى‭ ‬أولا‭ ‬مع‭ ‬الحق‭ ‬الطبيعي‭ ‬للأقليات‭ ‬في‭ ‬وطنهم‭ ‬وحقهم‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬مصيره‭ ‬ويرسّخ‭ ‬ثانياً‭ ‬لأفكار‭ ‬ترفض‭ ‬الآخر‭ ‬وتحتقره‭ ‬وتنتقص‭ ‬من‭ ‬إنسانيته‭ ‬مُعْلية‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬العرب‭ ‬المسلمين‭ ‬على‭ ‬سائر‭ ‬الشعوب‭ ‬فيُعَلَّمُ‭ ‬الأطفال‭ ‬بالضرورة‭ ‬مبادئ‭ ‬تشجع‭ ‬على‭ ‬العنف‭ ‬ضد‭ ‬المختلف،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تُجهّز‭ ‬الشاب‭ ‬للانخراط‭ ‬في‭ ‬مسلسل‭ ‬الإرهاب‭ ‬خالقةً‭ ‬عداوات‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬الوطن‭ ‬وفي‭ ‬حالات‭ ‬الفوضى‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬أعمال‭ ‬تخريبية‭ ‬وإرهابية‭ ‬داخل‭ ‬الوطن‭ ‬ذاته‭ ‬تطال‭ ‬المستضعفين‭ ‬من‭ ‬أبنائه‭.‬

في‭ ‬حين‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الأجدر‭ ‬تجريد‭ ‬المواد‭ ‬الدراسية‭ ‬المحملة‭ ‬ثقافيا‭ ‬من‭ ‬النزعة‭ ‬التي‭ ‬تنتمي‭ ‬إليها‭ ‬بتعديلات‭ ‬جذرية‭ ‬تترك‭ ‬مساحة‭ ‬لتقبّل‭ ‬الاختلاف‭ ‬والاعتراف‭ ‬بحقّ‭ ‬كل‭ ‬أبناء‭ ‬الشعب‭ ‬في‭ ‬وطنهم‭ ‬وتؤسّس‭ ‬للتفكير‭ ‬والتطوير‭ ‬مما‭ ‬يُمكِّن‭ ‬التلاميذ‭ ‬من‭ ‬آليات‭ ‬النقد‭ ‬والبحث‭ ‬دون‭ ‬إلزامهم‭ ‬بإجابات‭ ‬جاهزة‭ ‬ومُتفّق‭ ‬عليها‭ ‬منذ‭ ‬عصور‭ ‬خلت‭ ‬مما‭ ‬يطور‭ ‬مَلَكة‭ ‬الإبداع‭ ‬والخَلق‭ ‬ويضمن‭ ‬مستقبلا‭ ‬أكثر‭ ‬أمنا‭ ‬واستقرار‭.‬

يجب‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬الديني‭ ‬الموازي‭ ‬‭(‬الأزهر‭ ‬أنموذجاً‭)‬‭ ‬الذي‭ ‬يدافع‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬عن‭ ‬استمراره‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬حيف‭ ‬ضد‭ ‬المختلفين‭ ‬والأقليات‭. ‬فعلى‭ ‬المدرّس‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مُدركا‭ ‬لنوعية‭ ‬القضية‭ ‬التي‭ ‬يتناولها‭ ‬بالدرس‭ ‬وعمق‭ ‬الإشكاليات‭ ‬التي‭ ‬تطرحها‭ ‬كما‭ ‬يفترض‭ ‬عليه‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬كونها‭ ‬خلافية‭ ‬وتقديم‭ ‬وجهات‭ ‬النظر‭ ‬المختلفة‭ ‬حولها‭ ‬مشيرا‭ ‬لأن‭ ‬‮«‬في‭ ‬اختلافهم‭ ‬رحمة‮»‬‭ ‬دون‭ ‬تشدد‭ ‬وتأييد‭ ‬لفكرة‭ ‬واحدة‭ ‬تنفي‭ ‬سواها‭ ‬حتى‭ ‬نتمكن‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬أجيال‭ ‬قادمة‭ ‬متفتحة‭ ‬الذهن‭ ‬تتقبل‭ ‬الاختلاف‭ ‬والمختلف‭. ‬دون‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬أمل‭ ‬في‭ ‬الخلاص‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬الموت‭ ‬التي‭ ‬تهدّد‭ ‬الأمن‭ ‬الداخلي‭ ‬بالأساس‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تُصدَّر‭ ‬لمناطق‭ ‬الصراع‭ ‬الساخنة‭. ‬فالتطرف‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬الشباب‭ ‬ليس‭ ‬وليد‭ ‬لحظته‭ ‬بل‭ ‬يمرّ‭ ‬منذ‭ ‬الطفولة‭ ‬الأولى‭ ‬عبر‭ ‬مراحل‭ ‬متعددة‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬البدء‭ ‬في‭ ‬العنف‭ ‬الأسري‭ ‬والمدرسي‭ ‬ثم‭ ‬الشارع‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬فورة‭ ‬الشباب‭ ‬الناقم‭ ‬بسبب‭ ‬العجز‭ ‬عن‭ ‬التحصيل‭ ‬العلمي‭ ‬أو‭ ‬البطالة‭ ‬والفقر‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬استهلاكي‭ ‬بامتياز‭ ‬ممّا‭ ‬يسهل‭ ‬عملية‭ ‬الاستقطاب‭ ‬عبر‭ ‬شبكات‭ ‬متخصصة‭ ‬وطرق‭ ‬مدروسة‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬لاحقة‭ ‬تحول‭ ‬الشاب‭ ‬إلى‭ ‬آلة‭ ‬بهيمية‭ ‬للقتل‭ ‬‭(‬brute‭)‬‭ ‬لا‭ ‬تفكر‭ ‬ولا‭ ‬تعي‭ ‬تطبق‭ ‬ما‭ ‬يقال‭ ‬لها‭ ‬حرفيا‭ ‬لأنه‭ ‬تم‭ ‬حشو‭ ‬دماغها‭ ‬بوهم‭ ‬‘الفوز‭ ‬بالنعيم‮»‬‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الموت‭ ‬حيث‭ ‬العذارى‭ ‬الحسان‭ ‬وأنهار‭ ‬العسل‭ ‬والخمر‭ ‬واللبن،‭ ‬عاكسة‭ ‬رغبته‭ ‬المكبوتة‭ ‬في‭ ‬التدمير‭ ‬انتقاما‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬لما‭ ‬طاله‭ ‬من‭ ‬حيف‭ ‬وحرمان‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬الحياة‭.‬

يعود‭ ‬تقصير‭ ‬الحكومات‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الإصلاح‭ ‬التعليمي‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬إرضاء‭ ‬أهل‭ ‬الله‭ ‬الضامنين‭ ‬الأمثل‭ ‬لكسب‭ ‬دعم‭ ‬الجماهير‭ ‬بإبقاء‭ ‬التعليم‭ ‬الديني‭ ‬الموازي‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عليه،‭ ‬إلى‭ ‬خلل‭ ‬هيكلي‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬سوء‭ ‬تحديد‭ ‬الخيارات‭ ‬الكبرى‭ ‬للدولة‭. ‬بدل‭ ‬منح‭ ‬التعليم‭ ‬والثقافة‭ ‬المكانة‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتمتعا‭ ‬بها‭ ‬باعتبارهما‭ ‬الضامن‭ ‬الأساسي‭ ‬لمستقبل‭ ‬أفضل‭ ‬للشعب‭ ‬يضمن‭ ‬مستوى‭ ‬راقيا‭ ‬فكريا‭ ‬وثقافيا‭ ‬ويمنح‭ ‬رخاء‭ ‬معيشيا،‭ ‬تكتفي‭ ‬باستيراد‭ ‬برامج‭ ‬وحلول‭ ‬جاهزة‭ ‬لا‭ ‬تتفق‭ ‬مع‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬والاحتياجات‭ ‬الموضوعية‭. ‬وهي‭ ‬كذلك‭ ‬تخصص‭ ‬نسبة‭ ‬إنفاق‭ ‬متدنية‭ ‬جدا‭ ‬لحقيبتي‭ ‬التعليم‭ ‬والثقافة‭ ‬محوّلة‭ ‬المؤسسات‭ ‬التربوية‭ ‬إلى‭ ‬مداجن‭ ‬لاحتضان‭ ‬الناشئة‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تتسبب‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬مشاكل‭ ‬تؤرق‭ ‬أمن‭ ‬الحكومات‭ ‬والقائمين‭ ‬عليها،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تشب‭ ‬وتلتهمها‭ ‬عجلة‭ ‬الحياة‭ ‬العملية‭.‬

في‭ ‬ظل‭ ‬انعدام‭ ‬الفعالية‭ ‬اللازمة‭ ‬لتطوير‭ ‬القطاع‭ ‬وغياب‭ ‬البحوث‭ ‬التنموية‭ ‬والتطوير‭ ‬التكنولوجي‭ ‬والتجديد‭ ‬وغياب‭ ‬رؤية‭ ‬مستدامة‭ ‬ومخططات‭ ‬استراتيجية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬إضافة‭ ‬للأولويات‭ ‬غير‭ ‬الواضحة‭ ‬والهادفة‭ ‬أضحى‭ ‬التعليم‭ ‬مجرّد‭ ‬حلقات‭ ‬تكوينية‭ ‬نظرية‭ ‬بامتياز‭ ‬وإن‭ ‬تغير‭ ‬شكلها‭ ‬عديد‭ ‬المرات‭ ‬وفي‭ ‬عالم‭ ‬ينبني‭ ‬على‭ ‬السوق‭ ‬الحر‭ ‬والتجارة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬حتى‭ ‬بالبشر‭ ‬ويسعى‭ ‬فيه‭ ‬الأفراد‭ ‬لتوسيع‭ ‬ثوراتهم‭ ‬والشركات‭ ‬العملاقة‭ ‬إلى‭ ‬الإثراء‭ ‬والاستيلاء‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬مضارب‭ ‬الأرض‭ ‬وبشتى‭ ‬الطرق‭.‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬مشاريع‭ ‬حضارية‭ ‬طموحة‭ ‬للتصنيع‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي‭ ‬وعدم‭ ‬امتلاك‭ ‬ناصية‭ ‬العلوم‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬داخل‭ ‬الوطن‭ ‬واللذين‭ ‬يؤديان‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬أسواق‭ ‬لتشغيل‭ ‬ذوي‭ ‬المهارات‭ ‬والكفاءات‭ ‬الحقيقية‭ ‬فَقَدَ‭ ‬التعليم‭ ‬دوره‭ ‬كسُلَّم‭ ‬للارتقاء‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬النجاح‭ ‬في‭ ‬الدراسة‭ ‬وسيلة‭ ‬للنجاح‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬وصار‭ ‬أصحاب‭ ‬الشهائد‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬البطالة‭ ‬ومن‭ ‬التهميش‭ ‬مع‭ ‬عجز‭ ‬فكري‭ ‬ونقدي‭ ‬على‭ ‬تناول‭ ‬الأفكار‭ ‬والمواقف‭ ‬بالدرس‭ ‬قبل‭ ‬التسليم‭ ‬بها‭ ‬كلها‭ ‬أو‭ ‬رفضها‭ ‬جملة‭ ‬وتفصيلا،‭ ‬مما‭ ‬يولد‭ ‬لدى‭ ‬الشاب‭ ‬الإحباط‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬والسياسي‭ ‬وبالتالي‭ ‬النقمة‭ ‬على‭ ‬الأوضاع‭ ‬السائدة‭ ‬ويسهل‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬نشاط‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬احتواء‭ ‬وتصعيد‭ ‬العنف‭ ‬الكامن‭ ‬في‭ ‬النفس‭.‬

والعنف‭ ‬لدى‭ ‬الطفل‭ ‬له‭ ‬أسباب‭ ‬ومظاهر‭ ‬متنوعة‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تعالج‭ ‬منذ‭ ‬البدء‭ ‬ستتطور‭ ‬مع‭ ‬العمر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يغدو‭ ‬الشاب‭ ‬لغما‭ ‬قابلا‭ ‬للانفجار‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬وقت‭ ‬وأيّ‭ ‬مكان،‭ ‬تبدأ‭ ‬مع‭ ‬العنف‭ ‬الأسري‭ ‬عبر‭ ‬السلطة‭ ‬الأبوية‭ ‬المستبدة‭ ‬فالمدرسي‭ ‬عبر‭ ‬السخرية‭ ‬من‭ ‬الضعف‭ ‬التحصيلي‭ ‬للتلميذ‭ ‬والتفرقة‭ ‬والتمييز‭ ‬ممّا‭ ‬ينتج‭ ‬تشتت‭ ‬الانتباه‭ ‬والحقد‭ ‬على‭ ‬المدرسة‭ ‬والمدرّس‭ ‬ثم‭ ‬تتواصل‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬عبر‭ ‬المجموعات‭ ‬العنيفة‭ ‬وما‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬تخويف‭ ‬واعتداء‭.‬

‭ ‬يوجِّه‭ ‬الطفل‭ ‬هذا‭ ‬العنف‭ ‬نحو‭ ‬ذاته‭ ‬بميله‭ ‬للانحراف‭ ‬كالتدخين‭ ‬وتعاطي‭ ‬المخدرات‭ ‬أو‭ ‬تجاه‭ ‬الآخر‭ ‬عبر‭ ‬العنف‭ ‬اللفظي‭ ‬والإيحاءات‭ ‬الجنسية‭ ‬والسُباب‭ ‬الديني‭ ‬أو‭ ‬تجاه‭ ‬المحيط‭ ‬التعليمي‭ ‬كالكتابة‭ ‬على‭ ‬الجدران‭ ‬وتخريب‭ ‬الطاولات‭ ‬وتكسير‭ ‬الكراسي‭ ‬والسبورات‭ ‬ودورات‭ ‬المياه‭.‬

في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬مشاريع‭ ‬حضارية‭ ‬طموحة‭ ‬للتصنيع‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي‭ ‬وعدم‭ ‬امتلاك‭ ‬ناصية‭ ‬العلوم‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬داخل‭ ‬الوطن‭ ‬واللذين‭ ‬يؤديان‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬أسواق‭ ‬لتشغيل‭ ‬ذوي‭ ‬المهارات‭ ‬والكفاءات‭ ‬الحقيقية‭ ‬فَقَدَ‭ ‬التعليم‭ ‬دوره‭ ‬كسُلَّم‭ ‬للارتقاء‭

ولقد‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬تدني‭ ‬المستوى‭ ‬التعليمي،‭ ‬إضافة‭ ‬لما‭ ‬سبق‭ ‬ذكره،‭ ‬انعدام‭ ‬حرية‭ ‬الرأي‭ ‬والتعبير‭ ‬وإهمال‭ ‬التعديل‭ ‬السلوكي‭ ‬وغياب‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬جوانب‭ ‬الضعف‭ ‬عند‭ ‬الطالب‭ ‬والإكثار‭ ‬من‭ ‬انتقاده‭ ‬وغياب‭ ‬الحصص‭ ‬الحوارية‭ ‬وغياب‭ ‬الديناميكية‭ ‬وإلغاء‭ ‬مبدأ‭ ‬النجاح‭ ‬حسب‭ ‬معايير‭ ‬صارمة‭ ‬وموضوعية‭ ‬تضمن‭ ‬جودة‭ ‬وقيمة‭ ‬التعليم‭ ‬حسب‭ ‬المواصفات‭ ‬العالمية‭ ‬واعتماد‭ ‬التلقين‭ ‬المستمر‭ ‬وإهمال‭ ‬الجانب‭ ‬التطبيقي‭ ‬العملي‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إهمال‭ ‬دور‭ ‬الكتاب‭ ‬والمكتبات‭.‬

كما‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬تعميق‭ ‬هذا‭ ‬الانهيار‭ ‬تدهور‭ ‬الحالة‭ ‬المادية‭ ‬للمربّي‭ ‬نظرا‭ ‬للمتغيرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬بهذا‭ ‬الأخير‭ ‬إلى‭ ‬الطرق‭ ‬على‭ ‬الأبواب‭ ‬وأخذ‭ ‬الأجور‭ ‬من‭ ‬أولياء‭ ‬الأمور‭. ‬ففقد‭ ‬بذلك‭ ‬هيبته‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬نتج‭ ‬عنه‭ ‬نظرة‭ ‬سلبية‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬للمربي‭ ‬وانهار‭ ‬نموذجه‭ ‬كقدوة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المربّي‭ ‬والطالب‭ ‬أضحت‭ ‬حرجة‭ ‬فبالإضافة‭ ‬لتدهور‭ ‬القيمة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬صار‭ ‬المربي‭ ‬يخشى‭ ‬الطالب‭ ‬نظرا‭ ‬لتكرار‭ ‬عمليات‭ ‬الاعتداء‭ ‬اللفظي‭ ‬والجسدي‭ ‬على‭ ‬الكادر‭ ‬التعليمي‭ ‬مما‭ ‬يدفع‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬كثيرة‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬امتحانات‭ ‬سهلة‭ ‬والتساهل‭ ‬في‭ ‬التقييم‭ ‬حفاظا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬من‭ ‬كرامة‭.‬

انهيار‭ ‬المستوى‭ ‬التعليمي‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬التربوية‭ ‬العمومية‭ ‬جعل‭ ‬المدرسة‭ ‬والمعهد‭ ‬والجامعة‭ ‬لا‭ ‬توفر‭ ‬حق‭ ‬تكافؤ‭ ‬الفرص‭ ‬للجميع‭ ‬ولا‭ ‬واجب‭ ‬فرز‭ ‬الطاقات‭ ‬الذهنية‭ ‬والعقلية‭ ‬والنفسية‭ ‬وصقلها‭ ‬وتطويرها‭ ‬حسب‭ ‬أهليتها،‭ ‬فقد‭ ‬أضحى‭ ‬فرزاً‭ ‬مادياً‭ ‬للطلاب‭ ‬عبر‭ ‬أعداد‭ ‬مضخمة‭ ‬يتم‭ ‬شراؤها‭ ‬وتُقَدم‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬دروس‭ ‬خصوصية‭ ‬تقوم‭ ‬فقط‭ ‬بمعالجة‭ ‬الظواهر‭ ‬لا‭ ‬الأساس‭ ‬التعليمي‭.‬

والدروس‭ ‬الخصوصية‭ ‬هي‭ ‬تنبؤ‭ ‬بما‭ ‬سيرد‭ ‬في‭ ‬الامتحان‭ ‬والمتنبّئ‭ ‬الجيد‭ ‬يكون‭ ‬الأكثر‭ ‬شعبية‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬الطالب‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬الدفع‭ ‬المادي‭ ‬أكثر‭ ‬حظوظا‭ ‬في‭ ‬النجاح‭ ‬فصار‭ ‬التعليم‭ ‬الذي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مجانياً‭ ‬أغلى‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الأساسية‭ ‬الأخرى‭ ‬للحياة‭ ‬اليومية‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنّه‭ ‬من‭ ‬المفروض‭ ‬مجاني‭ ‬ويسهل‭ ‬استيعابه‭ ‬والتعاطي‭ ‬معه‭ ‬كالماء‭ ‬والهواء،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬حق‭ ‬للجميع‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬سواء‭ ‬تتساوى‭ ‬فيه‭ ‬فرص‭ ‬الارتقاء‭ ‬ويتم‭ ‬فيه‭ ‬اجتياز‭ ‬امتحان‭ ‬حقيقي‭ ‬يثبت‭ ‬الكفاءة‭ ‬للنجاح‭ ‬للفصل‭ ‬الموالي‭.‬

كيف‭ ‬سيمكننا‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬المأزق‭ ‬التعليمي‭ ‬وبناء‭ ‬جيل‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الارتقاء‭ ‬بمجتمعه‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬نشر‭ ‬ثقافة‭ ‬الحياة؟

يقول‭ ‬برنارد‭ ‬شو‭ ‬‮«‬يلوم‭ ‬الناس‭ ‬ظروفهم‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هم‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬حال،‭ ‬لكنني‭ ‬لا‭ ‬أؤمن‭ ‬بالظروف،‭ ‬فالناجحون‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدنيا‭ ‬أناس‭ ‬بحثوا‭ ‬عن‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬يريدونها،‭ ‬وحينما‭ ‬لم‭ ‬يجدوها‭ ‬صنعوها‭ ‬بأنفسهم‮»‬‭ ‬وبناء‭ ‬عليه‭ ‬يمكننا‭ ‬إصلاح‭ ‬منظومتنا‭ ‬التعليمية‭ ‬والتربوية‭ ‬عبر‭ ‬صناعة‭ ‬الظروف‭ ‬غير‭ ‬المتوفرة‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬ويتم‭ ‬ذلك‭ ‬عبر‭ ‬المراهنة‭ ‬على‭ ‬التنمية‭ ‬البشرية‭ ‬والتعليم‭ ‬‮«‬المادة‭ ‬الشخمة‮»‬‭ ‬‭(‬la‭ ‬matière‭ ‬grise‭)‬‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يردد‭ ‬الرئيس‭ ‬التونسي‭ ‬الراحل‭ ‬الحبيب‭ ‬بورقيبة‭ ‬ويتم‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬مستويات‭ ‬ثلاثة‭:‬

1‭-‬‭ ‬التلميذ‭ ‬وولي‭ ‬الأمر‭: ‬على‭ ‬الأسرة‭ ‬غرس‭ ‬حب‭ ‬التعلم‭ ‬وضرورة‭ ‬التحصيل‭ ‬العلمي‭ ‬والانضباط‭ ‬داخل‭ ‬الفصل‭ ‬في‭ ‬أبنائها‭ ‬واضطلاعها‭ ‬بدورها‭ ‬الفاعل‭ ‬في‭ ‬العملية‭ ‬التعليمية‭ ‬والتربوية‭ ‬عبر‭ ‬متابعتهم‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬المدرسية‭ ‬اليومية‭ ‬وتوعيتهم‭ ‬ومراقبتهم‭ ‬بشكل‭ ‬متواصل‭ ‬ودقيق‭ ‬واستغلال‭ ‬فراغ‭ ‬الزمن‭ ‬الخارجي‭ ‬للطفل‭ ‬بأنشطة‭ ‬ثقافية‭ ‬مختلفة‭ ‬تهذب‭ ‬سلوكه‭ ‬وترتقي‭ ‬بمستواه‭ ‬الفكري‭.‬

2‭-‬‭ ‬المدرس‭: ‬وذلك‭ ‬بتشديد‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬المدرسين‭ ‬وعلى‭ ‬العملية‭ ‬التربوية‭ ‬بصفة‭ ‬عامة‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬منظمات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬والحكومات‭ ‬الراغبة‭ ‬حقيقة‭ ‬في‭ ‬التغيير‭ ‬عبر‭ ‬تدريب‭ ‬مستمر‭ ‬حول‭ ‬طرق‭ ‬التدريس‭ ‬وإدارة‭ ‬الفصل‭ ‬الدراسي‭ ‬وتمكينهم‭ ‬من‭ ‬مرتّب‭ ‬يكفل‭ ‬حياة‭ ‬كريمة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬معاقبة‭ ‬المقصرين‭ ‬ومكافأة‭ ‬ذوي‭ ‬الكفاءة‭ ‬دون‭ ‬إغفال‭ ‬ضرورة‭ ‬إعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬للدور‭ ‬التربوي‭ ‬للمدرس‭ ‬في‭ ‬الفصل‭ ‬الدراسي‭ ‬والذي‭ ‬ينتج‭ ‬الاعتناء‭ ‬به‭ ‬ومنحه‭ ‬مكانته‭ ‬في‭ ‬العملية‭ ‬التعليمية‭ ‬موظفين‭ ‬ملتزمين‭ ‬وشارعاً‭ ‬منضبطاً‭.‬

3‭-‬‭ ‬تطوير‭ ‬المناهج‭: ‬أي‭ ‬المنظومة‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬التعليم‭ ‬والمتمثلة‭ ‬في‭ ‬أساليب‭ ‬التدريس‭ ‬عبر‭ ‬اتّباع‭ ‬مبدأ‭ ‬‮«‬علموا‭ ‬أطفالكم‭ ‬وهو‭ ‬يلعبون‮»‬‭ ‬ممّا‭ ‬يجعل‭ ‬المنهج‭ ‬التعليمي‭ ‬ممتعاً‭ ‬ويشد‭ ‬الطالب‭ ‬للدرس‭ ‬والمواد‭ ‬المدروسة‭ ‬وعبر‭ ‬تحسين‭ ‬أساليب‭ ‬التقويم‭ ‬والتقييم‭ ‬وعبر‭ ‬استعمال‭ ‬التقنيات‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬التدريس،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تحديد‭ ‬عدد‭ ‬الطلاب‭ ‬في‭ ‬الفصل‭ ‬الواحد‭ ‬والقضاء‭ ‬على‭ ‬الاكتظاظ‭ ‬والعناية‭ ‬بالبُنى‭ ‬التحتية‭.‬

إضافة‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المستويات‭ ‬الثلاثة‭ ‬وفي‭ ‬إطار‭ ‬إصلاح‭ ‬المناهج‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬العملية‭ ‬التعليمية‭ ‬كأجزاء‭ ‬متساوية‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬التعليم‭ ‬القاعدي،‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬الصفوف‭ ‬التعليمية‭ ‬الأولى‭ ‬أكثر‭ ‬لأنه‭ ‬إذا‭ ‬تعلم‭ ‬التلميذ‭ ‬المهارات‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الأولى‭ ‬‭(‬القراءة‭ ‬والكتابة‭ ‬والرياضيات‭)‬‭ ‬ستضمن‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬التعلم‭ ‬والنجاح‭. ‬تجب،‭ ‬أيضا،‭ ‬إعادة‭ ‬الحياة‭ ‬لدور‭ ‬الثقافة‭ ‬والشباب‭ ‬والنوادي‭ ‬المدرسية‭ ‬والأنشطة‭ ‬الثقافية‭ ‬خلال‭ ‬التعليم‭ ‬ويتعيّن‭ ‬إقامة‭ ‬ندوات‭ ‬نقاش‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬التربوية‭ ‬يتم‭ ‬خلالها‭ ‬مراجعات‭ ‬فكرية‭ ‬تحضّ‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬الحر‭ ‬والنقد‭ ‬البناء‭ ‬وتدفع‭ ‬نحو‭ ‬تقبّل‭ ‬الاختلاف‭ ‬والتخلّي‭ ‬عن‭ ‬العنف‭ ‬الذي‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يُعالَج‭ ‬وتُقلَّم‭ ‬مخالبه‭ ‬في‭ ‬المهد‭ ‬سيتطوّر‭ ‬إلى‭ ‬تخريب‭ ‬وتدمير‭ ‬سواء‭ ‬ضد‭ ‬الدولة‭ ‬أو‭ ‬الأفراد‭ ‬أو‭ ‬الجماعات‭ ‬المختلفة‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬مقاومة‭ ‬الفقر‭ ‬والاهتمام‭ ‬بالجانب‭ ‬التنموي‭ ‬وتوفير‭ ‬فرص‭ ‬للأطفال‭ ‬الفقراء‭ ‬للاستعداد‭ ‬للمدرسة‭ ‬ثم‭ ‬متابعتهم‭ ‬خلال‭ ‬تدرجهم‭ ‬الدراسي‭ ‬واجب‭ ‬حكومي‭ ‬أكيد‭ ‬يَحدّ‭ ‬من‭ ‬الانقطاع‭ ‬المبكر‭ ‬عن‭ ‬الدراسة‭ ‬ويضمن‭ ‬عدم‭ ‬التغرير‭ ‬بالشباب‭ ‬المحروم‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬التحصيل‭ ‬العلمي‭ ‬ومن‭ ‬الرخاء‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ووقوعه‭ ‬في‭ ‬براثن‭ ‬التكفيريين‭ ‬والجماعات‭ ‬الإرهابية‭.‬

لقد‭ ‬أدركنا‭ ‬الآن‭ ‬ما‭ ‬آل‭ ‬إليه‭ ‬مستوى‭ ‬التعليم‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭ ‬وقد‭ ‬أضحى‭ ‬من‭ ‬البيّن‭ ‬ضرورة‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬تحسينه،‭ ‬وعلى‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬أن‭ ‬يضطلع‭ ‬بدوره‭ ‬الريادي‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬الحلول‭ ‬الإصلاحية‭ ‬للمنظومة‭ ‬التعليمية‭ ‬ودفع‭ ‬الحكومات‭ ‬للقيام‭ ‬بالتغييرات‭ ‬الضرورية‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ترقيتها‭ ‬وتصفيتها‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتنا‭.‬


كاتبة من مصر