جذور‭ ‬العنف‮‬

لا‭ ‬يمكن‭ ‬تصور‭ ‬العنف‭ ‬مفصولا‭ ‬عن‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬لذلك‭ ‬يعرف‭ ‬الفيلسوف‭ ‬بلاندين‭ ‬كريغل‭ ‬العنف‭ ‬بأنه‭ ‬”‭ ‬القوة‭ ‬غير‭ ‬السوية‭ ‬التي‭ ‬تمس‭ ‬بالسلامة‭ ‬الجسدية‭ ‬أو‭ ‬النفسية‭ ‬للفرد‭ ‬والتي‭ ‬ترمي‭ ‬إلى‭ ‬إلغاء‭ ‬إنسانيته‭ ‬بغرض‭ ‬السيطرة‭ ‬عليه‭ ‬أو‭ ‬تدميره”‭. ‬يظهر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التعريف‭ ‬أن‭ ‬العنف‭ ‬لا‭ ‬ينحصر‭ ‬في‭ ‬الأذى‭ ‬الجسدي،‭ ‬بل‭ ‬يتجلّى‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬الإضرار‭ ‬النفسي،‭ ‬وبأنه‭ ‬ليس‭ ‬غاية‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته،‭ ‬بل‭ ‬وسيلة‭ ‬ترمي‭ ‬إلى‭ ‬سيطرة‭ ‬إنسان‭ ‬على‭ ‬آخر‭ ‬أو‭ ‬القضاء‭ ‬عليه‭. ‬العنف‭ ‬إذن‭ ‬ظاهرة‭ ‬بشرية،‭ ‬وهي‭ ‬ظاهرة‭ ‬قديمة‭ ‬قدم‭ ‬المجتمعات‭ ‬الإنسانية‭. ‬وقد‭ ‬كانت‭ ‬القوة‭ ‬واستخداماتها‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬تمحور‭ ‬حولها‭ ‬الفكر‭ ‬اليوناني‭ ‬القديم،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬عند‭ ‬السفسطائيين‭ ‬الذين‭ ‬جعلوا‭ ‬منها‭ ‬المصدر‭ ‬الطبيعي‭ ‬لكل‭ ‬الحقوق‭ ‬معتبرين‭ ‬الأخلاق‭ ‬والقوانين‭ ‬مجرّد‭ ‬حيلة‭ ‬ابتدعها‭ ‬الضعفاء‭ ‬لحرمان‭ ‬الأقوياء‭ ‬من‭ ‬الامتيازات‭ ‬الطبيعية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بامتلاكهم‭ ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬وهبتهم‭ ‬إياها‭ ‬الطبيعة‭. ‬وهي‭ ‬الفكرة‭ ‬التي‭ ‬قال‭ ‬بها‭ ‬الفيلسوف‭ ‬نيتشه‭ ‬بعدهم‭. ‬ومبدأ‭ ‬القوة‭ ‬والغلبة‭ ‬وما‭ ‬يرتبط‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬عنف‭ ‬ظاهرة‭ ‬ملازمة‭ ‬للتاريخ‭ ‬البشري،‭ ‬كما‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬الحروب‭ ‬وتعاقب‭ ‬أنظمة‭ ‬اجتماعية‭ ‬تميزت‭ ‬دائما‭ ‬بوجود‭ ‬فئة‭ ‬مسيطرة‭ ‬وأخرى‭ ‬مسيطر‭ ‬عليها،‭ ‬يعني‭ ‬أنظمة‭ ‬اجتماعية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬طبقات‭ ‬يحكم‭ ‬بعضها‭ ‬بعضا‭ ‬وفق‭ ‬منطق‭ ‬السيطرة‭ ‬‭(‬النظام‭ ‬العبودي،‭ ‬النظام‭ ‬الإقطاعي،‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي‭..‬‭)‬‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬البشري‭ ‬في‭ ‬بعد‭ ‬أساسي‭ ‬منه‭ ‬تاريخ‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬والإنسان،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬منطق‭ ‬القوة‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬العنف‭ ‬وهذا‭ ‬الأخير‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬عنف‭ ‬مضاد‭ ‬و‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬مضادة‭. ‬والمعروف‭ ‬أن‭ ‬الفيلسوف‭ ‬هوبز‭ ‬صاحب‭ ‬مقولة‭ ‬“الإنسان‭ ‬ذئب‭ ‬لأخيه‭ ‬الإنسان”‭ ‬يجعل‭ ‬العنف‭ ‬ظاهرة‭ ‬طبيعية‭ ‬في‭ ‬الإنسان،‭ ‬مثل‭ ‬فرويد‭ ‬الذي‭ ‬يتحدث‭ ‬بهذا‭ ‬الصدد‭ ‬عن‭ ‬غريزة‭ ‬الهدم‭ ‬في‭ ‬الكائن‭ ‬البشري‭. ‬وقد‭ ‬قال‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الألماني‭ ‬هيغل‭ ‬ما‭ ‬معناه‭ ‬أن‭ ‬التاريخ‭ ‬لا‭ ‬يتقدم‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬سحق‭ ‬الأزهار،‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬عنف‭. ‬ويمكن‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬تأسست‭ ‬في‭ ‬سبيله‭ ‬المذاهب‭ ‬الفلسفية‭ ‬والأخلاق‭ ‬والديانات‭ ‬والقوانين‭ ‬هو‭ ‬الحد‭ ‬أو‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬‭(‬الفردية،‭ ‬العسكرية،‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أو‭ ‬الجماعية‭..‬‭)‬‭ ‬كسلطة‭ ‬تستمد‭ ‬شرعيتها‭ ‬من‭ ‬نفسها،‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬القهر‭ ‬والغلبة‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬جانبا‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬الشرور‭ ‬والآلام‭ ‬والمظالم‭ ‬التي‭ ‬يعاني‭ ‬منها‭ ‬الإنسان‭ ‬والبشر‭ ‬عموما‭ ‬مردها‭ ‬إلى‭ ‬التفاوت‭ ‬في‭ ‬القوة‭ ‬بمعناها‭ ‬الواسع‭ ‬بين‭ ‬البشر،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يفتح‭ ‬المجال‭ ‬لتغوّل‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬أخيه‭ ‬الإنسان‭.‬

الجديد  إبراهيم سعدي [نُشر في 01/11/2016، العدد: 22، ص(64)]

لوحة: ياسر صافي
ولأن ‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬بعد‭ ‬أساسي‭ ‬منها‭ ‬تمثل‭ ‬أكبر‭ ‬قوة‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬وبالتالي‭ ‬أكبر‭ ‬سلطة،‭ ‬أي‭ ‬المبدأ‭ ‬المؤسس‭ ‬لانقسام‭ ‬الناس‭ ‬إلى‭ ‬حكام‭ ‬ومحكومين،‭ ‬فقد‭ ‬سعى‭ ‬الفكر‭ ‬البشري‭ ‬منذ‭ ‬القدم،‭ ‬وبالخصوص‭ ‬مع‭ ‬ظهور‭ ‬الفلسفة‭ ‬عند‭ ‬اليونان،‭ ‬إلى‭ ‬جعل‭ ‬هذه‭ ‬القوة‭ ‬الجبارة‭ ‬بما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬جند‭ ‬ومال‭ ‬وسلطة‭ ‬تتصرف‭ ‬ليس‭ ‬بالرجوع‭ ‬إلى‭ ‬قوتها‭ ‬الذاتية‭ ‬بل‭ ‬وفق‭ ‬قوانين‭ ‬وتشريعات‭ ‬وقيم‭ ‬تعلو‭ ‬عليها‭ ‬وتخضع‭ ‬لها‭. ‬كذلك‭ ‬جاء‭ ‬الدين‭ ‬أيضا،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬الدين‭ ‬الإسلامي،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬جعل‭ ‬سلطة‭ ‬الدولة‭ ‬تابعة‭ ‬لسلطة‭ ‬أكبر‭ ‬منها‭ ‬هي‭ ‬سلطة‭ ‬الله،‭ ‬تفاديا‭ ‬لتغوّلها‭ ‬وتجبّرها‭ ‬على‭ ‬البشر‭ ‬الواقعين‭ ‬تحت‭ ‬سلطانها‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬القوانين‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬يصنعها‭ ‬الأقوياء‭ ‬أو‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬تصنع‭ ‬لصالحهم،‭ ‬مثلما‭ ‬أن‭ ‬الديانات‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬تُختطف‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬البشر‭ ‬وتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬يشرّع‭ ‬البطش‭ ‬والقتل،‭ ‬بل‭ ‬نجد‭ ‬فلسفات‭ ‬تجعل‭ ‬القوة‭ ‬المصدر‭ ‬الطبيعي‭ ‬الأول‭ ‬للحقوق‭ ‬والامتيازات،‭ ‬كما‭ ‬فعلت‭ ‬مثلا‭ ‬فئة‭ ‬من‭ ‬الفلاسفة‭ ‬السفسطائيين‭ ‬عند‭ ‬اليونان،‭ ‬كما‭ ‬ذكرنا،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬ميكيافيلي‭ ‬حين‭ ‬فصل‭ ‬السياسة‭ ‬عن‭ ‬الأخلاق‭.‬

واللغة‭ ‬التي‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬توصف‭ ‬بأنها‭ ‬أداة‭ ‬تواصل‭ ‬بين‭ ‬البشر،‭ ‬هي‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬أداة‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬العنف‭ ‬والفتك‭ ‬والحرب‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬اللغة‭ ‬تتيح‭ ‬رمزيا‭ ‬‮«‬إلغاء‭ ‬إنسانية”‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬توفره‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬إلى‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭ ‬يمسخ‭ ‬آدميته‭ ‬بما‭ ‬يسوّغ‭ ‬قتله‭ ‬أو‭ ‬يشرعنه‭ ‬أو‭ ‬يبخسه،‭ ‬وذلك‭ ‬بواسطة‭ ‬أدوات‭ ‬لغوية‭ ‬كالتصوير‭ ‬والتشبيه‭ ‬والحط‭ ‬والشيطنة‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭. ‬نتذكر‭ ‬بهذا‭ ‬الصدد‭ ‬صفة‭ ‬‮«‬الجرذان”‭ ‬التي‭ ‬أطلقها‭ ‬‮«‬زعيم”‭ ‬ليبيا‭ ‬السابق‭ ‬على‭ ‬المتظاهرين‭ ‬المطالبين‭ ‬برحيله،‭ ‬موضحا‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬سيبيدهم‭ ‬زنقة‭ ‬زنقة”‭ ‬باعتبار‭ ‬أنهم،‭ ‬بحكم‭ ‬تلك‭ ‬الصفة،‭ ‬ليسوا‭ ‬من‭ ‬البشر،‭ ‬حتى‭ ‬يتم‭ ‬توصيف‭ ‬القضاء‭ ‬عليهم‭ ‬بالجريمة‭ ‬أو‭ ‬نحو‭ ‬ذلك،‭ ‬فقتل‭ ‬هذه‭ ‬الكائنات‭ ‬الضارة‭ ‬لا‭ ‬يعدّ‭ ‬جريمة‭. ‬من‭ ‬هذا‭ ‬القبيل‭ ‬أيضا،‭ ‬وفي‭ ‬ظروف‭ ‬مشابهة،‭ ‬إطلاق‭ ‬عبارة‭ ‬‮«‬القضاء‭ ‬على‭ ‬الجراثيم”‭ ‬على‭ ‬عملية‭ ‬أمنية‭ ‬رامية‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬المتظاهرين‭ ‬المطالبين‭ ‬بالإصلاح‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬عربي‭ ‬آخر،‭ ‬فالأمر‭ ‬هنا‭ ‬كذلك‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بمجرد‭ ‬تشبيه‭ ‬لغوي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬صورة‭ ‬الضحية‭ ‬في‭ ‬ذهن‭ ‬الجلاد‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع،‭ ‬أي‭ ‬المعروف‭ ‬باسم‭ ‬المستبدّ‭. ‬إن‭ ‬الجلاد‭ ‬هنا،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬المدافع‭ ‬عن‭ ‬مشروع‭ ‬جريمته،‭ ‬لا‭ ‬يواجه‭ ‬بشرا‭ ‬بل‭ ‬جراثيم،‭ ‬حسب‭ ‬اعتقاده‭. ‬وتشبه‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬اللغوية‭ ‬التحويلية‭ ‬عملية‭ ‬التسامي‭ ‬ذات‭ ‬الطابع‭ ‬التحليلي‭ ‬النفسي‭ ‬لدى‭ ‬فرويد،‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬تحويل‭ ‬الرغبات‭ ‬اللاشعورية‭ ‬المنبوذة‭ ‬أخلاقيا‭ ‬واجتماعيا‭ ‬إلى‭ ‬صور‭ ‬تحظى‭ ‬بالقبول‭ ‬والتقدير‭. ‬من‭ ‬هنا‭ ‬يظهر‭ ‬عدم‭ ‬شعور‭ ‬الجلاد،‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬القبيل،‭ ‬بأيّ‭ ‬شعور‭ ‬بالذنب‭. ‬إن‭ ‬نزع‭ ‬صفة‭ ‬الإنسان‭ ‬عن‭ ‬الضحية‭ ‬هو‭ ‬إذن‭ ‬مقدمة‭ ‬لنفي‭ ‬صفة‭ ‬الجريمة‭ ‬على‭ ‬قتله‭ ‬والقضاء‭ ‬عليه‭. ‬لهذا‭ ‬نلاحظ‭ ‬أن‭ ‬المستعمِرين‭ ‬وصفوا‭ ‬الشعوب‭ ‬التي‭ ‬استعبدوها‭ ‬ودمروها‭ ‬بالمتوحشين،‭ ‬ليس‭ ‬بمعنى‭ ‬عدم‭ ‬التحضر،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الشعوب‭ ‬حيوانات‭ ‬ضارة،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬نفي‭ ‬صفة‭ ‬الجريمة‭ ‬عن‭ ‬استعبادها‭ ‬أو‭ ‬القضاء‭ ‬عليها‭. ‬فأول‭ ‬الجريمة‭ ‬السياسية‭ ‬أو‭ ‬العقائدية‭ ‬أو‭ ‬العنصرية‭ ‬لها‭ ‬دائما‭ ‬مظهر‭ ‬أو‭ ‬شكل‭ ‬لغوي،‭ ‬يتم‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬نزع‭ ‬صفة‭ ‬الإنسانية‭ ‬عن‭ ‬الضحية،‭ ‬أي‭ ‬تحويله‭ ‬بواسطة‭ ‬اللغة‭ ‬إلى‭ ‬حيوان‭ ‬أو‭ ‬نحوه،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬القضاء‭ ‬عليه‭ ‬مفهوم‭ ‬الجريمة‭.‬

على‭ ‬أن‭ ‬التاريخ‭ ‬البشري‭ ‬هو‭ ‬أيضا‭ ‬تاريخ‭ ‬صراع‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬أشكال‭ ‬الاضطهاد‭ ‬والقهر‭ ‬الناجمين‭ ‬عن‭ ‬مبدأ‭ ‬القوة‭ ‬كيفما‭ ‬كان‭ ‬شكله،‭ ‬سياسيا‭ ‬كان،‭ ‬أو‭ ‬دينيا،‭ ‬أو‭ ‬اقتصاديا‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭. ‬ولعل‭ ‬الفكر‭ ‬الاشتراكي‭ ‬والتجارب‭ ‬الاشتراكية‭ ‬التي‭ ‬عرفها‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬ليست‭ ‬غير‭ ‬حلقة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحلقات‭ ‬المعبرة‭ ‬عن‭ ‬جهد‭ ‬البشرية‭ ‬المتواصل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التأسيس‭ ‬لمجتمع‭ ‬إنساني‭ ‬لا‭ ‬يسود‭ ‬فيه‭ ‬قانون‭ ‬الغاب‭ ‬ولا‭ ‬استغلال‭ ‬الإنسان‭ ‬لأخيه‭ ‬الإنسان‭. ‬على‭ ‬أن‭ ‬خطاب‭ ‬الخلاص‭ ‬ومشاريع‭ ‬الخلاص‭ ‬والتحرر‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬بدورها‭ ‬من‭ ‬عنف‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬مدمرا،‭ ‬كما‭ ‬أظهر‭ ‬التاريخ‭ ‬ذلك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭.‬

إن‭ ‬أصحاب‭ ‬خطاب‭ ‬الخلاص‭ ‬الجماعي‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬يذهب‭ ‬بهم‭ ‬النبل‭ ‬المفترض‭ ‬لقضيتهم‭ ‬إلى‭ ‬ارتكاب‭ ‬مجازر‭ ‬معتقدين‭ ‬أنهم‭ ‬يقتلون‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬ما‭ ‬يعتبرونه‭ ‬الخير‭ ‬العام‭. ‬فالملايين‭ ‬من‭ ‬الفلاحين‭ ‬قتلوا‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬ستالين‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الاشتراكية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تسقط‭ ‬في‭ ‬الأخير‭ ‬بعد‭ ‬بضع‭ ‬عشرات‭ ‬السنين‭ ‬سقوط‭ ‬أوراق‭ ‬الخريف‭. ‬كما‭ ‬تذكر‭ ‬بعض‭ ‬الكتابات‭ ‬التاريخية‭ ‬بأن‭ ‬ماو‭ ‬تسي‭ ‬تونغ‭ ‬أيضا‭ ‬ضحّى‭ ‬بالملايين‭ ‬من‭ ‬الفلاحين‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬تحقيق‭ ‬حلم‭ ‬الاشتراكية،‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬نهضت‭ ‬به‭ ‬الرأسمالية‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭. ‬إن‭ ‬النبل‭ ‬المفترض‭ ‬لقضية‭ ‬لا‭ ‬يبرر‭ ‬استخدام‭ ‬وسائل‭ ‬لاإنسانية‭. ‬كل‭ ‬قضية‭ ‬معرّضة‭ ‬لأن‭ ‬تبدو‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الأمر‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬وهم‭. ‬وعليه‭ ‬فإن‭ ‬نبل‭ ‬القضية‭ ‬يتأتى‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬نبل‭ ‬وسائل‭ ‬تحقيقها‭.‬

إن‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬لم‭ ‬تحتك‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬أمرها‭ ‬بالحداثة‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬صورتها‭ ‬الكولونيالية‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬بالإمكان‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إحداث‭ ‬قطيعة‭ ‬مع‭ ‬البنيات‭ ‬التقليدية‭ ‬للمجتمعات‭ ‬المستعمَرة

النظام‭ ‬السياسي‭ ‬العربي‭ ‬والعنف

‭ ‬لئن‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬هدف‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬أشكال‭ ‬الاضطهاد‭ ‬والقهر،‭ ‬فإن‭ ‬المجتمعات‭ ‬البشرية‭ ‬الأكثر‭ ‬تقدما‭ ‬قد‭ ‬أمكنها‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬دولة‭ ‬خاضعة‭ ‬لإرادة‭ ‬مجتمعها‭ ‬وإلى‭ ‬إقامة‭ ‬مجتمع‭ ‬يحكمه‭ ‬القانون،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬بقدر‭ ‬لا‭ ‬نجده‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬المتخلفة،‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬السيادة‭ ‬للقانون،‭ ‬يسود‭ ‬قانون‭ ‬القوة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬قانون‭ ‬الغاب،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬بهذا‭ ‬القدر‭ ‬أو‭ ‬ذاك؛‭ ‬وحيث‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬رخاء‭ ‬وتقدم‭ ‬يوجد‭ ‬العنف،‭ ‬السلبي‭ ‬منه،‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬البطالة‭ ‬والعوز،‭ ‬مثلا،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬رد‭ ‬الفعل،‭ ‬بأشكاله‭ ‬المختلفة‭. ‬لكنّ‭ ‬العنف‭ ‬يوجد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مجتمع،‭ ‬وأسبابه‭ ‬وجذوره‭ ‬تختلف‭ ‬من‭ ‬مجتمع‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭. ‬ولذلك‭ ‬ليس‭ ‬تاريخ‭ ‬العنف‭ ‬واحدا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬المجتمعات‭ ‬البشرية،‭ ‬فوراء‭ ‬العنف‭ ‬السائد‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬مجتمع‭ ‬توجد‭ ‬عوامل‭ ‬تحيل‭ ‬إلى‭ ‬تاريخ‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع‭ ‬وإلى‭ ‬ثقافته‭ ‬وإلى‭ ‬الدين‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والسياسة‭ ‬وإلى‭ ‬الاستعداد‭ ‬البشري،‭ ‬وهلمّ‭ ‬جرا‭. ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬يختلف‭ ‬اثنان‭ ‬بأن‭ ‬منطقة‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬تمثل‭ ‬اليوم‭ ‬المنطقة‭ ‬الأكثر‭ ‬عنفا‭ ‬ودموية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬فما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬بلدان‭ ‬المنطقة‭ ‬‭(‬سوريا،‭ ‬العراق،‭ ‬مصر،‭ ‬ليبيا‭ ‬أو‭ ‬اليمن‭..‬‭)‬‭ ‬يختصر‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬معتبرة‭ ‬مشهد‭ ‬العنف‭ ‬القائم‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬وحتى‭ ‬ما‭ ‬نشهده‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬مناطق‭ ‬العالم‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬عنف‭ ‬وقتل‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬صلة‭ ‬بما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬أقطار‭ ‬العرب‭. ‬ليس‭ ‬هذا‭ ‬فحسب،‭ ‬فحتى‭ ‬عندما‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬العنف‭ ‬بهذا‭ ‬الشكل‭ ‬المدمر‭ ‬الذي‭ ‬يقضي‭ ‬على‭ ‬الأخضر‭ ‬واليابس،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الشأن‭ ‬اليوم،‭ ‬يسود‭ ‬العنف‭ ‬الآخر،‭ ‬‮«‬البارد”،‭ ‬العنف‭ ‬السياسي،‭ ‬البوليسي،‭ ‬المرتبط‭ ‬بطبيعة‭ ‬نظام‭ ‬الحكم،‭ ‬الذي‭ ‬اشتهر‭ ‬باسم‭ ‬الاستبداد،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬إحدى‭ ‬وظائف‭ ‬العنف،‭ ‬كما‭ ‬ورد‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬التعريف‭ ‬السابق‭ ‬للفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ ‬بلاندين‭ ‬كريغل،‭ ‬هو‭ ‬السيطرة‭.‬

فالنظام‭ ‬السياسي‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬صلبه‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬العنف،‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬العقد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الذي‭ ‬تستند‭ ‬إليه‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬الغلبة،‭ ‬المبدأ‭ ‬الذي‭ ‬يفسر‭ ‬به‭ ‬ابن‭ ‬خلدون‭ ‬تاريخ‭ ‬العرب‭ ‬والبربر‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي‭ ‬يعيش‭ ‬ويتنفس‭ ‬العنف‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬‮«‬السلم”‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الحرب‭. ‬إن‭ ‬ابتذال‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان‭ ‬واسترخاصها،‭ ‬سواء‭ ‬عندما‭ ‬يتجلّى‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬الحرمان‭ ‬من‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬وهو‭ ‬أشد‭ ‬أنواع‭ ‬العنف،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬أشكال‭ ‬أخرى‭ ‬كالتعذيب‭ ‬والسجن‭ ‬وما‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬لتبدو‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬كظاهرة‭ ‬مميزة‭ ‬لنمط‭ ‬الحكم‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬الخوف‭ ‬والقهر‭ ‬المعتمد‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭.‬

صحيح‭ ‬أن‭ ‬الحروب‭ ‬تساهم‭ ‬عادة،‭ ‬وهذا‭ ‬تقريبا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬زمان،‭ ‬في‭ ‬ابتذال‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان،‭ ‬ففي‭ ‬الحروب‭ ‬يحدث‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬تطبيع‭ ‬القتل‭ ‬ويصبح‭ ‬الموت‭ ‬شيئا‭ ‬مبتذلا،‭ ‬وحتى‭ ‬مشروعا،‭ ‬إلا‭ ‬أنّ‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬اليوم،‭ ‬وبعضه‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية،‭ ‬يصيب‭ ‬المدنيين‭ ‬بالأساس،‭ ‬وفي‭ ‬أحيان‭ ‬كثيرة‭ ‬بطريقة‭ ‬غاية‭ ‬في‭ ‬البشاعة‭ ‬واللاآدمية‭. ‬فحتى‭ ‬في‭ ‬الحروب،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث،‭ ‬توجد‭ ‬قوانين‭ ‬تحرّم‭ ‬مثلا‭ ‬قتل‭ ‬المدنيين،‭ ‬وأحيانا‭ ‬يفعل‭ ‬الضمير‭ ‬وحده‭ ‬فعله‭ ‬للحيلولة‭ ‬دون‭ ‬التعرض‭ ‬بالأذى،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬بالقتل،‭ ‬للأطفال‭ ‬والنساء‭ ‬والعجزة‭ ‬وغيرهم‭ ‬من‭ ‬المدنيين‭. ‬توجد‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأفلام‭ ‬الدعائية‭ ‬المناهضة‭ ‬للعرب،‭ ‬يعني‭ ‬ذات‭ ‬التوجه‭ ‬الصهيوني،‭ ‬تقدم‭ ‬عن‭ ‬العربي‭ ‬صورة‭ ‬إنسان‭ ‬إرهابي،‭ ‬عنيف‭ ‬ومتوحش‭. ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الدعاية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬التضليل‭ ‬والمبالغة،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬تستغل‭ ‬أيضا‭ ‬عناصر‭ ‬من‭ ‬الواقع‭. ‬وعلى‭ ‬أيّ‭ ‬حال‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬تبثه‭ ‬شاشات‭ ‬العالم‭ ‬عن‭ ‬الجرائم‭ ‬ضد‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬يرتكبها‭ ‬العرب‭ ‬ضد‭ ‬بعضهم‭ ‬البعض،‭ ‬يعني‭ ‬ضد‭ ‬أبنائهم‭ ‬ونسائهم‭ ‬ومدنييهم‭ ‬تعطي‭ ‬للأسف‭ ‬مصداقية‭ ‬لهذه‭ ‬الصورة‭.‬

فكيف‭ ‬نفسر‭ ‬هذا‭ ‬العنف‭ ‬الموجه‭ ‬ضد‭ ‬الذات،‭ ‬هذا‭ ‬العنف‭ ‬الداخلي‭ ‬القائم‭ ‬أحيانا‭ ‬على‭ ‬الاستقواء‭ ‬بالأجنبي‭ ‬الذي‭ ‬يستغل‭ ‬حينها‭ ‬استهتار‭ ‬الحاكم‭ ‬العربي‭ ‬واستخفافه‭ ‬ببني‭ ‬جلدته‭ ‬لتجريب‭ ‬أشد‭ ‬أسلحته‭ ‬فتكا‭ ‬بالبشر؟‭ ‬الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬الجواب‭ ‬عن‭ ‬السؤال‭ ‬مرتبط‭ ‬بما‭ ‬سبق‭ ‬وأن‭ ‬ذكرناه‭ ‬بشأن‭ ‬طبيعة‭ ‬الحكم‭ ‬القائم‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬من‭ ‬صوره‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬مرتبط،‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلينا‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬بالمسألة‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬العالم‭. ‬ونعني‭ ‬هنا‭ ‬مسألة‭ ‬الشرعية‭ ‬في‭ ‬الحكم،‭ ‬تلك‭ ‬المسألة‭ ‬التي‭ ‬أدى‭ ‬فيها‭ ‬عدم‭ ‬قيام‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬على‭ ‬العقد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬إلى‭ ‬اعتماد‭ ‬مبدأ‭ ‬القوة‭ ‬والغلبة‭ ‬كأساس‭ ‬للسلطة،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬أشكال‭ ‬العنف،‭ ‬المادي‭ ‬منه‭ ‬والمعنوي،‭ ‬بل‭ ‬وإلى‭ ‬تفشيه‭ ‬في‭ ‬الجسم‭ ‬الاجتماعي‭. ‬لذلك‭ ‬يرى‭ ‬الفيسلسوف‭ ‬ميشال‭ ‬أونفراي‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬Les‭ ‬deux‭ ‬violences”‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬إذا‭ ‬توقفت‭ ‬مختلف‭ ‬أعمال‭ ‬العنف‭ ‬المشروع‭ ‬‭(‬عنف‭ ‬الدولة‭)‬،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نتصور‭ ‬انخفاض‭ ‬أعمال‭ ‬العنف‭ ‬غير‭ ‬المشروعة”‭.‬

‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬خلوّ‭ ‬المجتمع،‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬نوعية‭ ‬أخرى،‭ ‬دنيا‭ ‬وذات‭ ‬طابع‭ ‬بنيوي،‭ ‬من‭ ‬العنف‭ ‬ومن‭ ‬‮«‬شرعية”‭ ‬قائمة‭ ‬بدورها‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬والغلبة،‭ ‬كما‭ ‬سنرى‭ ‬ذلك‭. ‬بل‭ ‬لعل‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬تفسر‭ ‬أيضا‭ ‬سكوت‭ ‬المجتمع‭ ‬وتعاطيه‭ ‬السلبي‭ ‬لعقود‭ ‬طويلة‭ ‬مع‭ ‬شرعية‭ ‬القوة‭ ‬العليا‭ ‬المؤسسة‭ ‬لنظام‭ ‬الحكم‭ ‬العربي‭. ‬وكان‭ ‬لعدم‭ ‬قيام‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬الشرعية‭ ‬أن‭ ‬نهضت‭ ‬حركات‭ ‬اجتماعية‭ ‬تطالب‭ ‬بها،‭ ‬ليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬العقد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الذي‭ ‬تستند‭ ‬إليه‭ ‬شرعية‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬المعاصرة،‭ ‬كما‭ ‬ظهر‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬احتجاجات‭ ‬ومطالبات‭ ‬سنة‭ ‬2011،‭ ‬بل‭ ‬بشرعية‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬تكفيري،‭ ‬تشارك‭ ‬النظام‭ ‬القائم‭ ‬في‭ ‬الارتكاز‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬القوة‭ ‬والغلبة،‭ ‬لكنّها‭ ‬لا‭ ‬تعترف‭ ‬بشرعية‭ ‬استبداده،‭ ‬وذلك‭ ‬لأنه‭ ‬غير‭ ‬مؤسس،‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظرها،‭ ‬على‭ ‬‮«‬كتاب‭ ‬الله‭ ‬وسنة‭ ‬رسوله”‭. ‬والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬كلا‭ ‬النظامين‭ ‬القائمين‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬السيف،‭ ‬يستمدّان‭ ‬مبرر‭ ‬وجودهما‭ ‬من‭ ‬بعضهما‭ ‬البعض‭. ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منهما‭ ‬يمثل‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬المعادل‭ ‬الموضوعي‭ ‬للآخر‭. ‬لذلك‭ ‬يذهب‭ ‬النظام‭ ‬البوليسي‭ ‬والعسكري‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬إنتاجه‭ ‬وإعادة‭ ‬إنتاجه‭. ‬إن‭ ‬كليهما‭ ‬يقوم‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬على‭ ‬العنف،‭ ‬على‭ ‬توظيف‭ ‬عامل‭ ‬الخوف‭ ‬في‭ ‬الإنسان،‭ ‬على‭ ‬العقاب‭ ‬الجسدي،‭ ‬على‭ ‬الخضوع‭ ‬وعلى‭ ‬تغييب‭ ‬المبدأ‭ ‬القائل‭ ‬بأن‭ ‬الشعب‭ ‬هو‭ ‬مصدر‭ ‬جميع‭ ‬السلطات‭.‬

لوحة: عمار داوود

الهوية‭ ‬والعنف

‭ ‬نخطئ‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬حين‭ ‬نربط‭ ‬مختلف‭ ‬أشكال‭ ‬العنف‭ ‬المنتشرة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬بطبيعة‭ ‬نظامه‭ ‬السياسي‭ ‬وحده،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬يمثل‭ ‬المصدر‭ ‬الأساس‭ ‬لمختلف‭ ‬أشكال‭ ‬العنف‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظرنا‭. ‬لقد‭ ‬سبق‭ ‬وأن‭ ‬ذكرنا‭ ‬بأن‭ ‬العنف‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصله‭ ‬عن‭ ‬ثقافة‭ ‬المجتمع‭ ‬وتاريخه‭ ‬وتركيبته‭ ‬الدينية‭ ‬والعرقية‭ ‬واللغوية‭ ‬وهلمّ‭ ‬جرا‭. ‬ينطبق‭ ‬ذلك‭ ‬بالطبع‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬العربي،‭ ‬فالمجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬لم‭ ‬تعرف‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية‭ ‬والثقافية‭ ‬والعلمية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والدينية‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬المجتمعات‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬استطاعت‭ ‬أن‭ ‬تقطع‭ ‬نتيجة‭ ‬لذلك‭ ‬كل‭ ‬صله‭ ‬لها‭ ‬بالمجتمعات‭ ‬الإقطاعية‭ ‬القروسطية‭ ‬التي‭ ‬سبقتها‭.‬

إن‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬لم‭ ‬تحتك‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬أمرها‭ ‬بالحداثة‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬صورتها‭ ‬الكولونيالية‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬بالإمكان‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إحداث‭ ‬قطيعة‭ ‬مع‭ ‬البنيات‭ ‬التقليدية‭ ‬للمجتمعات‭ ‬المستعمَرة‭ ‬أو‭ ‬مجرد‭ ‬تجاوز‭ ‬لها‭. ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬يفترض‭ ‬نجاح‭ ‬محاولات‭ ‬التحديث‭ ‬والتغيير‭ ‬التي‭ ‬تمت‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬الاستقلال‭. ‬وذلك‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬بسبب‭ ‬استمرار‭ ‬تواصل‭ ‬هذه‭ ‬المجتمعات‭ ‬بوعي‭ ‬أو‭ ‬بغير‭ ‬وعي‭ ‬مع‭ ‬أصولها‭ ‬القبلية‭ ‬ومع‭ ‬بنياتها‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والأيديولوجية‭ ‬التقليدية،‭ ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قناة‭: ‬اللغة،‭ ‬الدين،‭ ‬العادات‭ ‬والتقاليد،‭ ‬الطائفية،‭ ‬البنيات‭ ‬القبلية‭ ‬والعشائرية،‭ ‬الثقافة‭.. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬للتخلف‭ ‬المستشري‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬الأصعدة‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬أبقى‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬الحديثة‭ ‬على‭ ‬صلة‭ ‬وثيقة‭ ‬ببنياتها‭ ‬الموروثة‭. ‬فإن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استمرار‭ ‬القبليّة،‭ ‬بمعناها‭ ‬الضيق،‭ ‬حين‭ ‬يحدث‭ ‬لهذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬أن‭ ‬ترتدي‭ ‬ثوب‭ ‬المدينة،‭ ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬أشكالها‭ ‬الحديثة‭ ‬كالجهوية‭ ‬والشللية‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مخلفاتها‭ ‬النفسية‭ ‬في‭ ‬اللاوعي‭ ‬الفردي‭ ‬والجمعي‭. ‬لهذا‭ ‬كله‭ ‬نجد‭ ‬التكوين‭ ‬الطائفي‭ ‬والقبلي‭ ‬لهذه‭ ‬المجتمعات‭ ‬يشكل‭ ‬أحد‭ ‬المنابع‭ ‬الأساسية‭ ‬للعنف‭ ‬الدموي‭ ‬السائد‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬فالطائفية،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬البنيات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬المشرقية‭ ‬بتناقضات‭ ‬ومآسي‭ ‬الماضي،‭ ‬تؤسس‭ ‬انتماء‭ ‬الأفراد‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬الواحد،‭ ‬أو‭ ‬لنقل‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬المواطنة،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الطائفة‭. ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يشكّل‭ ‬أرضية‭ ‬خليقة‭ ‬بأن‭ ‬تؤدي‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬معينة،‭ ‬كالتي‭ ‬يعيشها‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬اليوم،‭ ‬إلى‭ ‬ابتذال‭ ‬حياة‭ ‬الآخر،‭ ‬المخالف‭ ‬في‭ ‬الانتماء‭ ‬الطائفي‭. ‬ولهذا‭ ‬نلاحظ‭ ‬أن‭ ‬جرائم‭ ‬القتل‭ ‬الجماعي‭ ‬التي‭ ‬تحدث‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬أساس‭ ‬طائفي‭.‬

والظاهرة‭ ‬الطائفية‭ ‬ليست‭ ‬حكرا‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬إنما‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬أسيرة‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الصراعات‭ ‬التي‭ ‬تبتذل‭ ‬فيها‭ ‬الحياة‭ ‬البشرية‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬الحدود‭. ‬لقد‭ ‬كانت‭ ‬الحروب‭ ‬الدينية‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬أوروبا‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر،‭ ‬خصوصا‭ ‬بين‭ ‬البروتستانت‭ ‬والكاثوليك،‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬أحد‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬أفضت‭ ‬في‭ ‬الأخير‭ ‬إلى‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬والدولة،‭ ‬من‭ ‬أكثرها‭ ‬قساوة‭ ‬ودموية‭ ‬وابتذالا‭ ‬للحياة‭ ‬البشرية‭.‬‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬لم‭ ‬يحصل‭ ‬لا‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬والدولة‭ ‬ولا‭ ‬التعايش‭ ‬بين‭ ‬الطوائف‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭. ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬لن‭ ‬يذهب‭ ‬بنا‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬الطائفية‭ ‬تنتج‭ ‬العنف‭ ‬إنتاج‭ ‬دودة‭ ‬القز‭ ‬لخيوط‭ ‬الحرير،‭ ‬إذ‭ ‬توجد‭ ‬طوائف‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬بلدان‭ ‬العالم‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬فيها‭ ‬عنف،‭ ‬فلا‭ ‬وجود‭ ‬لحتمية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬وعليه‭ ‬فإن‭ ‬الطائفة‭ ‬تشكل‭ ‬مصدرا‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬لأن‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬العربي‭ ‬قائم‭ ‬أيضا‭ ‬عليها،‭ ‬مثلما‭ ‬هو‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬القبيلة،‭ ‬فكانت‭ ‬القبيلة‭ ‬بدورها‭ ‬أحد‭ ‬مصادر‭ ‬العنف‭ ‬‭(‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬واليمن‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭)‬‭.‬

كل‭ ‬هذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬مسألة‭ ‬الهوية‭ ‬لها‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬العنف‭ ‬سواء‭ ‬الرمزي‭ ‬منه‭ ‬أو‭ ‬المادي،‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬العربي،‭ ‬حيث‭ ‬تغلبت‭ ‬الهويات‭ ‬الفرعية‭ ‬على‭ ‬الهوية‭ ‬المرجعية‭ ‬الأولى،‭ ‬يعني‭ ‬على‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭. ‬وقد‭ ‬أسهمت‭ ‬المسألة‭ ‬اللغوية،‭ ‬وهي‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬أركان‭ ‬الهوية،‭ ‬بدورها‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬ثقافة‭ ‬العنف،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أدى‭ ‬تحويل‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬إقصاء‭ ‬للغات‭ ‬غير‭ ‬العربية،‭ ‬فحدث‭ ‬مثلا‭ ‬تهميش‭ ‬اللغتين‭ ‬الأمازبغية‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬أفريقيا‭ ‬والكردية‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬والعراق‭. ‬وهو‭ ‬عنف‭ ‬رمزي‭ ‬أفضى‭ ‬إلى‭ ‬عنف‭ ‬مادي،‭ ‬دام‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬وشكل‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬غذّت‭ ‬النزعات‭ ‬الانفصالية،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬والعراق،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬الجزائر،‭ ‬وإن‭ ‬بدرجة‭ ‬أقل‭.‬

الأيديولوجيا‭ ‬والعنف

كما‭ ‬أسهمت‭ ‬الصراعات‭ ‬الأيديولوجية،‭ ‬خاصة‭ ‬بين‭ ‬الإسلاميين‭ ‬والعلمانيين،‭ ‬في‭ ‬انتشار‭ ‬العنف‭ ‬وابتذال‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي‭. ‬والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬العلمانية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬هي‭ ‬رؤية‭ ‬متكاملة‭ ‬وشاملة‭ ‬للكون‭ ‬والإنسان‭ ‬والتاريخ‭ ‬لا‭ ‬تلغي‭ ‬الدين،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬البعض،‭ ‬وإنما‭ ‬تؤسس‭ ‬لدين‭ ‬جديد،‭ ‬دين‭ ‬عصر‭ ‬العلم؛‭ ‬دين‭ ‬لا‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬غيبيات‭ ‬الديانات‭ ‬التقليدية؛‭ ‬فهو‭ ‬دين‭ ‬دنيوي،‭ ‬يحل‭ ‬فيه‭ ‬الإنسان‭ ‬محل‭ ‬الله،‭ ‬والعقل‭ ‬محل‭ ‬الوحي،‭ ‬والفرد‭ ‬محل‭ ‬الإكليروس‭. ‬ولذلك‭ ‬يعرّف‭ ‬أحد‭ ‬مؤسسي‭ ‬العلمانية‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬دين‭ ‬عقلي”‭. ‬كما‭ ‬يتحدث‭ ‬بهذا‭ ‬الصدد‭ ‬لوران‭ ‬فرنسيشيتي‭ ‬في‭ ‬مقالة‭ ‬تدافع‭ ‬عن‭ ‬اللائكية‭ ‬ضد‭ ‬العلمانية،‭ ‬تحمل‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬Le‭ ‬laїcisme‭, ‬religion‭ ‬d’Etat”،‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬عبادة‭ ‬الدولة‭ ‬”‭ ‬وعن‭ ‬‮«‬العبادة‭ ‬العلمانية”‭. ‬وعلى‭ ‬هذا‭ ‬الأساس‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬الإسلاميين‭ ‬والعلمانيين‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬هو‭ ‬صراع‭ ‬بين‭ ‬نوعين‭ ‬من‭ ‬الدين،‭ ‬لا‭ ‬تختلف‭ ‬كثيرا‭ ‬نتائجه‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬ابتذال‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي‭ ‬عن‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬الطوائف‭ ‬أو‭ ‬بين‭ ‬الديانات‭. ‬وهكذا‭ ‬نجد‭ ‬مثلا‭ ‬المثقفين‭ ‬العلمانيين‭ ‬العرب‭ ‬يحجمون‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬عن‭ ‬إدانة‭ ‬المساس‭ ‬بحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬عندما‭ ‬تطال‭ ‬خصومهم‭ ‬من‭ ‬الإسلاميين،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬ذلك‭ ‬مثلا‭ ‬في‭ ‬مجزرة‭ ‬رابعة‭ ‬بمصر‭.‬

الظاهرة‭ ‬الطائفية‭ ‬ليست‭ ‬حكرا‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬إنما‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬أسيرة‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الصراعات‭ ‬التي‭ ‬تبتذل‭ ‬فيها‭ ‬الحياة‭ ‬البشرية‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬الحدود

العنف‭ ‬بين‭ ‬الذكورة‭ ‬والأنوثة

تمثل‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الرجل‭ ‬والمرأة‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬مجالا‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬مجالات‭ ‬ممارسة‭ ‬العنف‭. ‬وهو‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬العنف‭ ‬متفاوت‭ ‬الشدة‭ ‬ومنتشر‭ ‬بهذه‭ ‬الدرجة‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬وفي‭ ‬بلدان‭ ‬عربية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أخرى‭ ‬ويحظى‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬غير‭ ‬قليلة‭ ‬بنوع‭ ‬من‭ ‬الشرعية‭ ‬والقبول‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المرأة‭ ‬نفسها‭.‬‭ ‬فتحت‭ ‬تأثير‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ ‬بيار‭ ‬بورديو‭ ‬‮«‬هابتوس‮»‬‭ ‬‭(‬habitus‭)‬‭ ‬الحادث‭ ‬عن‭ ‬تأثير‭ ‬مختلف‭ ‬وسائل‭ ‬التطبيع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬‭(‬الأسرة،‭ ‬المدرسة،‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدينية‭..‬‭)‬‭ ‬تم‭ ‬تطبيع‭ ‬وتكريس‭ ‬واستبطان‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬العنف‭ ‬المرتبط‭ ‬بعامل‭ ‬التكوين‭ ‬الجنسي،‭ ‬بحيث‭ ‬صار‭ ‬حالة‭ ‬طبيعية‭ ‬تشبّع‭ ‬بها‭ ‬الذكر‭ ‬كما‭ ‬الأنثى‭. ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬العنف‭ ‬المرتبط‭ ‬بالثقافة‭ ‬العربية‭ ‬يتجلى‭ ‬في‭ ‬مظاهر‭ ‬عديدة،‭ ‬مثل‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬المرأة‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬الرجل‭ ‬وبوجوب‭ ‬خضوعها‭ ‬له‭ ‬وتضييق‭ ‬فضائها‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وحرمانها‭ ‬أحيانا‭ ‬من‭ ‬حقها‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬شريك‭ ‬حياتها،‭ ‬بل‭ ‬وممارسة‭ ‬العنف‭ ‬المادي‭ ‬ضدها‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬معينة‭.. ‬إلخ‭. ‬وحسب‭ ‬محمد‭ ‬أركون‭ ‬فإن‭ ‬خضوع‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬العربي‭ ‬يمثل‭ ‬اللبنة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬عليها‭ ‬ديمومة‭ ‬طابع‭ ‬الخضوع‭ ‬المميز‭ ‬لبنية‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭. ‬يقول‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬Penser‭ ‬l’Islam‭ ‬aujourd’hui‮»‬‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬‮«‬تتيح‭ ‬مراقبة‭ ‬الحياة‭ ‬الجنسية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مختلف‭ ‬المحرمات‭ ‬‭(‬tabou‭)‬‭ ‬المحيطة‭ ‬بالمرأة،‭ ‬وإبقاء‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬وضعية‭ ‬قانونية‭ ‬دنيا،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬السلطات‭ ‬المفرطة‭ ‬الممنوحة‭ ‬للرجل‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬القانون‭ ‬‮«‬الديني”‭ ‬ضمان‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬السياج‭ ‬الدوغمائي‭ ‬عبر‭ ‬الطاعة‭ ‬المباشرة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الابن‭ ‬للأب،‭ ‬والفتاة‭ ‬للأخ‭ ‬وللأب،‭ ‬والمرأة‭ ‬للزوج،‭ ‬والأخ‭ ‬الأصغر‭ ‬للأخ‭ ‬البكر‭..‬”،‭ ‬وحسب‭ ‬أركون‭ ‬فإن‭ ‬‮«‬هذا‭ ‬السلّم‭ ‬من‭ ‬المهيمنين‭ ‬والمهيمن‭ ‬عليهم‭ ‬يسري‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬بأسره؛‭ ‬ومقبول‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬احتجاج‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬المستويات‭ ‬بفضل‭ ‬استبطان‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬من‭ ‬الرعية‭ ‬للمعايير‭ ‬التي‭ ‬قدسها‭ ‬القانون‭ ‬الديني‭ ‬الذي‭ ‬قام‭ ‬ببلورتها‭ ‬والتصريح‭ ‬بها‭ ‬والحفاظ‭ ‬عليها‭ ‬والتي‭ ‬طبقها‭ ‬العلماء‮»‬‭. ‬وحسب‭ ‬المفكر‭ ‬الجزائري‭ ‬الراحل‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الشبكة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬من‭ ‬المهيمنين‭ ‬والمهيمن‭ ‬عليهم‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬يتأسس‭ ‬عليها‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬العربي،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬سلّم‭ ‬الخضوع‭ ‬الذي‭ ‬يشكل‭ ‬إخضاع‭ ‬المرأة‭ ‬منطلقه‭ ‬الأساس،‭ ‬ينتهي‭ ‬بـ”طاعة‭ ‬الجميع‭ ‬للأمير،‭ ‬وللسلطان،‭ ‬وللخليفة‭ ‬أو‭ ‬الإمام‭ ‬‭(‬واليوم‭ ‬للقائد،‭ ‬الزعيم،‭ ‬أو‭ ‬للأمين‭ ‬العام‭ ‬للحزب‭..‬‭)‬‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬طابع‭ ‬السيطرة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬العنف،‭ ‬المميز‭ ‬للنظام‭ ‬السياسي‭ ‬العربي،‭ ‬مرتبط‭ ‬بخضوع‭ ‬المجتمع‭ ‬لمبدأ‭ ‬الذكورة،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬هو‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬القوة‭ ‬والهيمنة‭ ‬والغلبة‭. ‬وعلى‭ ‬أيّ‭ ‬حال‭ ‬فإن‭ ‬العنف‭ ‬المستشري‭ ‬بأشكاله‭ ‬المختلفة‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية،‭ ‬بأشكاله‭ ‬المادية‭ ‬والرمزية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمته‭ ‬العنف‭ ‬المرتبط‭ ‬بالمسألة‭ ‬السياسية،‭ ‬هو‭ ‬نتاج‭ ‬الذكورة‭ ‬المسيطرة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المجتمعات‭.‬

لا‭ ‬نخال‭ ‬بالطبع‭ ‬بأننا‭ ‬أحطنا‭ ‬بظاهرة‭ ‬العنف‭ ‬المستشري‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬وجوهها‭ ‬أو‭ ‬أعطينا‭ ‬بشأنها‭ ‬القول‭ ‬الفصل،‭ ‬ولكننا‭ ‬نرى‭ ‬بأن‭ ‬المصدر‭ ‬الأساس‭ ‬لهذا‭ ‬العنف‭ ‬مرتبط‭ ‬بالمسألة‭ ‬السياسية،‭ ‬أي‭ ‬بمعضلة‭ ‬المشروعية‭. ‬وهي‭ ‬قضية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مشكلة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬ولكن‭ ‬هي‭ ‬كذلك‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬أقطار‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭.‬


كاتب من الجزائر