وحش‭ ‬الجهل‭ ‬وسلطان‭ ‬الصمت

النظام التعليمي‮ ‬ومنهجه في‮ ‬الوطن العربي

الجديد  الأصمعي بشري [نُشر في 01/11/2016، العدد: 22، ص(70)]

لوحة: ياسر صافي
من‭ ‬البديهي‭ ‬أوّلا،‭ ‬تسجيل‭ ‬هذا‭ ‬الاعتراف‭ ‬الصّريح،‭ ‬وهوَ‭ ‬أنّ‭ ‬السُّلطة‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬بكافة‭ ‬أشكالها‭ ‬وتجليِّاتها،‭ ‬دائمًا‭ ‬ما‭ ‬تعيش‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التنافر‭ ‬والتّضاد‭ ‬الكبيرين‭ ‬مع‭ ‬المجتمع‮ ‬‭ ‬وتكويناته‭ ‬المدنيِّة‭ ‬والثَقافية،‭ ‬ودائمًا‭ ‬ما‭ ‬تنشأ‭ ‬معارك‭ ‬بينهما‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬الاتجاهات‭ ‬فمن‭ ‬جهة‭ ‬الثقافة‭ ‬والفكر‭ ‬تحديدًا،‭ ‬وهما‭ ‬محوران‭ ‬مهمان‭ ‬وأساسيان،‭ ‬ويفرزان‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬الصِّراعات‭ ‬الأخرى.

مازالت السُّلطة‭ ‬الدينية‭ ‬والأبوية‭ ‬هي‭ ‬المهيمنة‭ ‬برغم‭ ‬اتساع‭ ‬رقعة‭ ‬التحدّيث‭ ‬والتكرّيس‭ ‬لها‭ ‬بمختلف‭ ‬الأساليب‭ ‬والرؤى‭ ‬واعتبار‭ ‬تاريخيتًّها‭ ‬المستمدة‭ ‬من‭ ‬الحقب‭ ‬والفترات‭ ‬الاستعمارية‭ ‬المختلفة،‭ ‬فكل‭ ‬التشريعات‭ ‬والقوانين‭ ‬الصادرة‭ ‬من‭ ‬السلطة،‭ ‬بمختلف‭ ‬أشكالها‭ ‬وأفكارها‭ ‬وبرامجها،‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬تعطيل‭ ‬حركة‭ ‬الحداثة،‭ ‬وخلق‭ ‬بدائل‭ ‬مشوهة،‭ ‬لاعبة‭ ‬على‭ ‬وتر‭ ‬السياسي‭ ‬والأيديولوجي‭ ‬وتذويبهما،‭ ‬فتثبيت‭ ‬مفهوم‭ ‬الموروث‭ ‬والمعتقد‭ ‬تحت‭ ‬غطاء‭ ‬المقدس‭ ‬والديني‭ ‬تارة،‭ ‬والقومية‭ ‬‮ ‬تارة‭ ‬أخرى،‭ ‬متمسكة‭ ‬بشكلها‭ ‬الوجودي‭ ‬الصنمي،‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والمذهبي‭ ‬الجامدين،‭ ‬فإذا‭ ‬ما‭ ‬وضعنا‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬أن‭ ‬القانون‭ ‬والُّسّلطة،‭ ‬هما‭ ‬الطَّابع‭ ‬المتمثل‭ ‬دائما‭ ‬من‭ ‬ناحيتي‭ ‬السّياسة‭ ‬والثقافة،‭ ‬ومنهما‭ ‬يتم‭ ‬توليد‭ ‬روح‭ ‬المجتمع‭ ‬وحراكه‭ ‬ونظم‭ ‬تعليمه‭ ‬وتقويمه،‭ ‬وبذر‭ ‬نواة‭ ‬استمراريته،‭ ‬فبالتأكيد‭ ‬أننا‭ ‬سنواجه‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬التجربة،‭ ‬ومن‭ ‬نماذج‭ ‬‮ ‬كثيرة‭ ‬حولنا‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬التساؤلات،‭ ‬فلا‭ ‬سبيل‭ ‬لإيجاد‭ ‬مخرج‭ ‬حقيقي‭ ‬لأهم‭ ‬وأكبر‭ ‬معضّلات‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬العربية،‭ ‬سوى‭ ‬طرحها‭ ‬بشجاعة‭ ‬ومواجهتها‭ ‬بشفافية‭ ‬وتصويب‭ ‬أسئلتها‭ ‬‮ ‬النقدية‭ ‬مباشرة‭ ‬بلا‭ ‬مواربة‭.‬

أسئلة البدايات

‮ ‬فسلطة‭ ‬الأسرة‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬كأول‭ ‬جدار‭ ‬يقف‭ ‬مواجها‭ ‬ومراقبا‭ ‬لأسئلة‭ ‬البدايات‭ ‬الكبيرة‭ ‬لدى‭ ‬الفرد،‭ ‬وبسطوتها‭ ‬الأبويّة‭ ‬والأزلية تخفي‭ ‬عمدا‭ ‬أدوات‭ ‬الوعي‭ ‬بالوجود‭ ‬المستقل‭ ‬للإنسان،‭ ‬وتضليل‭ ‬ذاكرته‭ ‬الباحثة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التحقق،‭ ‬وتحجمّها‭ ‬باسم‭ ‬العاطفة‭ ‬والرعاية‭ ‬‮ ‬وتصويب‭ ‬المسار‭ ‬لمصلحتها،‭ ‬وهي‭ ‬لا‭ ‬تدري‭ ‬بأنّها‭ ‬تقدمه‭ ‬بهذا‭ ‬المنوال‭ ‬صيدا‭ ‬سهلا‭ ‬لوحش‭ ‬الجهل،‭ ‬وسلطان‭ ‬الصمت،‭ ‬تغلق‭ ‬أمامه أبواب‭ ‬النهل‭ ‬من‭ ‬المعرفة‭ ‬الحقيقية،‭ ‬وتسلبه‭ ‬‮ ‬بجبروتها‭ ‬المهاب‭ ‬إرادة‭ ‬مواجهة‭ ‬غموض‭ ‬الطبيعة‭ ‬ولغز‭ ‬الحياة،‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يتعرّف‭ ‬‭-‬تحت‭ ‬هذه‭ ‬السطوة‭-‬‮ ‬على‭ ‬إجابات‭ ‬تشفي‭ ‬غليله‭ ‬ولا‭ ‬تنضجه‭ ‬اختراقات‭ ‬الأسئلة‭ ‬العميقة‭ ‬والمشروعة‭ ‬بحكم‭ ‬بديهيات‭ ‬إعمال‭ ‬العقل،‭ ‬حيث‭ ‬يظل‭ ‬كتاب‭ ‬خياراته‭ ‬ووجهته‭ ‬بيدها،‭ ‬ودائما‭ ‬هو‭ ‬أسير‭ ‬أحلامها‭ ‬وأمنياتها،‭ ‬وجنديا‭ ‬مخلصا‭ ‬مطيعا‭ ‬لتعليماتها‭ ‬وأوامرها،‭ ‬فسلطة‭ ‬الأسرة‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تعي‭ ‬باكرا‭ ‬لحجم‭ ‬مسؤوليتها‭ ‬بمنحه‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬تصويب‭ ‬الأسئلة،‭ ‬وتعمل‭ ‬معه‭ ‬لإيجاد‭ ‬إجابات‭ ‬مقنعة‭ ‬ومحرضة‭ ‬له‭ ‬لمزيد‭ ‬من‭ ‬المعرفة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنّ‭ ‬السلاح‭ ‬الأكثر‭ ‬فتكا‭ ‬هو‭ ‬التجاهل‭ ‬لرغبته‭ ‬واقتحام‭ ‬أسوار‭ ‬كينونته‭ ‬وذاته‭ ‬لزرع‭ ‬قيم‭ ‬أخرى‭ ‬باسم‭ ‬التربية‭ ‬والأخلاق،‭ ‬فهذا‭ ‬يجافي‭ ‬الطبيعة‭ ‬البشرية،‭ ‬وهنا‭ ‬تشتعل‭ ‬حروب‭ ‬الوجدان‭ ‬والضمير،‭ ‬وتمتد‭ ‬أثارها‭ ‬دائما‭ ‬كلما‭ ‬تقدم‭ ‬العمر،‭ ‬واستجدت‭ ‬‮ ‬عناصر‭ ‬الحياة،‭ ‬مخلفة‭ ‬أرتالا‭ ‬من‭ ‬الضحايا،‭ ‬والمبدعين‭ ‬غير‭ ‬الفاعلين‭ ‬والمجهولين‭ ‬والمهمشين‭.‬

فالنظام‭ ‬التربوي‭ ‬والتعليمي‭ ‬ومساره‭ ‬التاريخي‭ ‬عبر‭ ‬السنين،‭ ‬ظل‭ ‬هو‭ ‬المسؤولية‭ ‬المشتركة‭ ‬بين‭ ‬سلطات‭ ‬عديدة،‭ ‬أهمها‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬سلطتي‭ ‬الأسرة‭ ‬والمجتمع،‭ ‬ويرتبط‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬ارتباطا‭ ‬وثيقا‭ ‬بواقع‭ ‬ومستقبل‭ ‬الفرد‭ ‬والمجتمع‭ ‬‮ ‬ككل،‭ ‬حتى‭ ‬لكأنّ‭ ‬التاريخ‭ ‬يعيد‭ ‬نفسه‭ ‬بين‭ ‬كل‭ ‬حقبة‭ ‬زمنية‭ ‬والأخرى،‭ ‬لدرجة‭ ‬التسليم‭ ‬بأن‭ ‬التاريخ‭ ‬في‭ ‬حركته‭ ‬في‭ ‬قبضة‭ ‬السلطة،‭ ‬ورهينا‭ ‬لقوانينها‭ ‬وحزمة‭ ‬تقاليدها،‭ ‬إذن فثمة‭ ‬تحديات‭ ‬جسام‭ ‬يواجهها‭ ‬النظام‭ ‬التعليمي‭ ‬دائما،‭ ‬باعتباره‭ ‬النواة‭ ‬الأولى‭ ‬لمجتمع‭ ‬يسهل‭ ‬تركيعه‭ ‬وتسليمه‭ ‬لسلطة‭ ‬الواقع،‭ ‬وعليه‭ ‬تستند‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬الملحة،‭ ‬والمؤشرات‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬القياس‭ ‬بها‭ ‬مدى‭ ‬حرية‭ ‬وتبعية‭ ‬المجتمع‭ ‬وتخلفه،‭ ‬وكيفية‭ ‬خضوعه‭ ‬لفلسفات‭ ‬قديمة‭ ‬وأنماط‭ ‬بالية،‭ ‬وركونه‭ ‬لقيم‭ ‬معرفية‭ ‬وأخلاقية‭ ‬سالبة،‭ ‬تعد‭ ‬بحساب‭ ‬الراهن‭ ‬وتجلياته‭ ‬شكلا‭ ‬متخلفا‭ ‬وغير‭ ‬مواكب،‭ ‬ويجب‭ ‬نقده‭ ‬وخلق‭ ‬مسارات‭ ‬جديدة‭ ‬تنهي‭ ‬سيطرته‭ ‬وارتهان‭ ‬إرادته‭ ‬وقانونه‭ ‬للماضي،‭ ‬بل‭ ‬تذهب‭ ‬ابعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬بكثير،‭ ‬لتخليصه‭ ‬من‭ ‬أسباب‭ ‬تخلفه،‭ ‬ووهنه‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭..‬

‮ ‬تحديات مستمرة

‮ ‬إنّ‭ ‬كشف‭ ‬عتمة‭ ‬الهوّة‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬تُشكل‭ ‬آلام‭ ‬وتطلعات‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي،‭ ‬تبقى‭ ‬تحديات‭ ‬مستمرة‭ ‬له‭ ‬ولتطلعاته‭ ‬وطموحاته،‭ ‬فالجيل‭ ‬الذي‭ ‬يحس‭ ‬غربته‭ ‬ومنفاه‭ ‬في‭ ‬واقعه‭ ‬المهزوم،‭ ‬فهذه‭ ‬التحديات‭ ‬هي‭ ‬بالأحرى‭ ‬أسئلة‭ ‬شائكة‭ ‬تحرض‭ ‬للحفر‭ ‬عميقا‭ ‬في‭ ‬تربة‭ ‬الوجود‭ ‬للإنسان‭ ‬العربي،‭ ‬فالإحساس‭ ‬المقلق‭ ‬والمختبئ‭ ‬وراء‭ ‬النزوع‭ ‬باتجاه‭ ‬الرفض‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عادي‭ ‬والتمرد‭ ‬على‭ ‬سطوته،‭ ‬وخلق‭ ‬علاقات‭ ‬مختلفة‭ ‬تؤول‭ ‬دائما‭ ‬للشعور‭ ‬باللاجدوى‭ ‬وأحيانا‭ ‬تضرب‭ ‬على‭ ‬تخوم‭ ‬العبث،‭ ‬فتشريح‭ ‬معضلاته‭ ‬وتحقيق‭ ‬ذاته‭ ‬في‭ ‬اللحاق‭ ‬بركب‭ ‬الأمم،‭ ‬فالأصوات‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬الآن‭ ‬تنادي‭ ‬‭-‬وإن‭ ‬بدا‭ ‬صوتها‭ ‬خافتا‭ ‬ومقموعا‭ ‬بشكل‭ ‬فظيع‭-‬‭ ‬يجب‭ ‬السماع‭ ‬لها،‭ ‬فهي‭ ‬الخبيرة‭ ‬من‭ ‬وحي‭ ‬معايشة‭ ‬أحوال‭ ‬الإنسان‭ ‬الضحية،‭ ‬والأكثر‭ ‬التصاقا‭ ‬بتجربته‭ ‬وبغرق‭ ‬الغريب‭ ‬منه‭ ‬في‮ ‬نهر‭ ‬الواقع،‭ ‬والمعوّل‭ ‬عليها‭ ‬فتح‭ ‬نوافذ‭ ‬الأسئلة‭ ‬الكبيرة‭ ‬والمقلقة،‭ ‬ولها‭ ‬أدواتها‭ ‬الجديدة في‭ ‬سبر‭ ‬أغوار‭ ‬الظلام،‭ ‬ولها‭ ‬أيضا‭ ‬مبرراتها‭ ‬العقلانية‭ ‬بانحيازها‭ ‬لمشاريع‭ ‬النّهضة‭ ‬والتنوير،‮ ‬فهي‭ ‬أيضا‭ ‬قد‭ ‬انتبهت‭ ‬باكرا‭ ‬لضرورة‭ ‬تجديد‭ ‬بنية‭ ‬الوعي‭ ‬الخلاق،‭ ‬وأحست‭ ‬بوهج‭ ‬وإشراقات‭ ‬العولمة‭ ‬واكتساح‭ ‬فيضانها‭ ‬لكل‭ ‬المجتمعات،‭ ‬وعرفت‭ ‬أنّ‭ ‬الوقوف‭ ‬ضد‭ ‬تيارها‭ ‬يشكل‭ ‬خطرا‭ ‬محدقا‭ ‬وكارثة‭ ‬داوية‭ ‬لا‭ ‬تبقي‭ ‬ولا‭ ‬تذر،‭ ‬فالأساس‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬اعتباره‭ ‬حجر‭ ‬الزاوية‭ ‬للتغيير‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬تشريح‭ ‬بنية‭ ‬النظام‭ ‬التعليمي‭ ‬والتربوي،‭ ‬وفتح‭ ‬آفاق‭ ‬أرحب‭ ‬لقطف‭ ‬ثمراته،‭ ‬وبث‭ ‬روح‭ ‬وملكات‭ ‬الخلق‭ ‬والابتكار‭ ‬في‭ ‬منهجه،‭ ‬ومنحه‭ ‬الدرجة‭ ‬الأولي‭ ‬لقيادة‭ ‬وتوجيه‭ ‬المجتمع،‭ ‬فما‭ ‬قاله‭ ‬السيد‭ ‬بيتر‭ ‬كروبوتكين‭ ‬مثلا في‭ ‬سفره‭ ‬العظيم‭ ‬الموسوم‭ ‬بـ‮»‬السلطة‭ ‬والقانون‮»‬،‭ ‬فهو‭ ‬يمثل‭ ‬تعبيرا‭ ‬صارخا‭ ‬ومفيدا‭ ‬عن‭ ‬واقع‭ ‬التعليم‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي،‭ ‬حيث‭ ‬ذكر‭ ‬السيد‭ ‬بيتر‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬إننا‭ ‬فاسدون‭ ‬بسبب‭ ‬التعليم‭ ‬الذي‭ ‬يقتل‭ ‬فينا‭ ‬روح‭ ‬الثورة‭ ‬منذ‭ ‬الطفولة،‭ ‬ليضع‭ ‬فينا‭ ‬روح‭ ‬الخضوع‭ ‬للسلطة،‭ ‬إننا‭ ‬فاسدون‭ ‬بوجودنا‭ ‬تحت‭ ‬عصا‭ ‬القانون‭ ‬الذي‭ ‬يتحكّم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬‭-‬ولادتنا‭ ‬وتعليمنا‭ ‬وتطورنا‭ ‬وحبنا‭ ‬وصداقاتنا‭-‬‭ ‬ولو‭ ‬استمرت‭ ‬دولة‭ ‬السلطة‭ ‬والقانون‭ ‬فسنفقد‭ ‬كل‭ ‬مبادرة‭ ‬وكل‭ ‬عادة‭ ‬تفكير‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أنفسنا‭. ‬والظاهر‭ ‬أن‭ ‬مجتمعنا‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬إمكانية‭ ‬وجوده‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬سيادة‭ ‬قانون‭ ‬وضعته‭ ‬حكومة‭ ‬نيابية‭ ‬تمثيلية‭ ‬تدار‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬حفنة‭ ‬من‭ ‬الحكام‭. ‬وعندما‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬تحرير‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬العبودية،‭ ‬كان‭ ‬همه‭ ‬الأول‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬العبودية‭ ‬على‭ ‬الفور‭. ‬ولم‭ ‬تستمر‭ ‬‘سنة‭ ‬أولى‭ ‬حرية’‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬يوم‭ ‬واحد،‭ ‬لأنَ‭ ‬الرجال‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬مباشرة‭ ‬وضعوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬تحت‭ ‬وطأه‭ ‬القانون‭ ‬والسلطة‭..‬

والحقيقة،‭ ‬أنه‭ ‬لبضعة‭ ‬آلاف‭ ‬من‭ ‬السنين،‭ ‬لم‭ ‬يفعل‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬حكمونا‭ ‬شيئا‭ ‬سوى‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬التغيرات‭ ‬المبنية‭ ‬على‭ ‬‘احترام‭ ‬القانون‭ ‬وطاعة‭ ‬السلطة’،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬المناخ‭ ‬الأخلاقي‭ ‬الذي‭ ‬نشّأ‭ ‬فيه‭ ‬الآباء‭ ‬أطفالهم،‭ ‬ولم‭ ‬تخدم‭ ‬المدرسة‭ ‬شيئا‭ ‬قدر‭ ‬تأكيد‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬الغامضة‭. ‬فغرست‭ ‬‭-‬بدهاء‭-‬‭ ‬في‭ ‬ذهن‭ ‬الأطفال‭ ‬نفايات‭ ‬منسّقة‭ ‬من‭ ‬العلم‭ ‬الزائف‭ ‬لإثبات‭ ‬ضرورة‭ ‬القانون،‭ ‬وأصبحت‭ ‬طاعة‭ ‬القانون‭ ‬دينا‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها،‭ ‬وصُهر‭ ‬الخير‭ ‬الأخلاقي‭ ‬وقانون‭ ‬السادة‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الذات‭ ‬المقدسة‭. ‬وصار‭ ‬البطل‭ ‬التاريخي‭ ‬لغرفة‭ ‬الدراسة‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬يطيع‭ ‬القانون‭ ‬ويدافع‭ ‬عنه‭ ‬‮ ‬ضد‭ ‬المتمردين‮»‬‭ ‬‭(‬انتهى‭ ‬كلام‭ ‬بيتر‭)‬،‭ ‬فالمتأمل‭ ‬لكلامه‭ ‬ولما‭ ‬‮ ‬يرمي‭ ‬إليه‭ ‬برويِّة،‮ ‬يجد‭ ‬الحقائق‭ ‬المذهلة‭ ‬والأليمة‭ ‬ماثلة‭ ‬وواضحة،‭ ‬ماثلة‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬تجربته‭ ‬الشخصية‭ ‬مع‭ ‬غول‭ ‬التعليم‭ ‬وقوانينه‭ ‬الجائرة‭ ‬وأساليبه‭ ‬الفاسدة،‭ ‬وواضحة‭ ‬في‭ ‬شؤم‭ ‬‮ ‬الحاضر‭ ‬اليوم،‭ ‬ومن‭ ‬المهم‭ ‬جدا‭ ‬أن‭ ‬يتخيل‭ ‬المرء‭ ‬مستقبل‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬استمر‭ ‬الحال‭ ‬وظلت‭ ‬مقاليد‭ ‬الأمور‭ ‬ومفاتيحها‭ ‬بيد‭ ‬سدنة‭ ‬وزبانية‭ ‬السلطة‭ ‬الحالية وحوارييهم‭ ‬مِمّن‭ ‬يدّعون‭ ‬الفكر‭ ‬الصّائب‭ ‬والخبرة‭ ‬التراكمية،‭ ‬وهل‭ ‬حقا‭ ‬نحن‭ ‬عاجزون‭ ‬بالفعل‭ ‬عن‭ ‬فهم‭ ‬طبيعة‭ ‬وجودنا؟‭ ‬وهل‭ ‬التغيرات‭ ‬الحالية‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬بها شعوبنا‭ ‬هي‭ ‬محض‭ ‬تحولات‭ ‬سطحيّة‭ ‬ومزيفة‭ ‬طالما‭ ‬أن‭ ‬السَابقين‭ ‬قد‭ ‬شيّدوا‭ ‬حصونا‭ ‬يصعب‭ ‬دكها‭ ‬وتكسيرها؟‭ ‬وأننا‭ ‬فقط‭ ‬نستنسخ‭ ‬صورا‭ ‬تشبه‭ ‬خضوعنا؟‭ ‬إذا‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬أمسِّ‭ ‬الحاجة‭ ‬لتفعيل‭ ‬الهمة‭ ‬والسعي‭ ‬الجاد‭ ‬والحثيث‭ ‬للتغيير‭ ‬الشامل‭ ‬والحقيقي،‭ ‬وانتشال‭ ‬الأجيال‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬مستنقع‭ ‬الواقع‭ ‬المرير،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬التغيير‭ ‬الشامل‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬المجتمعات‭ ‬شعارا‭ ‬مقدسا‭ ‬لكل‭ ‬نفس‭ ‬أبية،‭ ‬وصاحب‭ ‬هم‭ ‬بالمستقبل‭ ‬العريض،‭ ‬أو‭ ‬أيّ‭ ‬جماعة‭ ‬تعمل‭ ‬بتجرد‭ ‬ونكران‭ ‬ذات‭ ‬للتعجيل‭ ‬بإنجاز‭ ‬مهامها‭ ‬والتبشير‭ ‬بمستقبل‭ ‬غايتها،‭ ‬فالمرحلة‭ ‬الحالية‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬شعوبنا‭ ‬تستحق‭ ‬بالفعل‭ ‬اجتراح‭ ‬الأسئلة‭ ‬الحرجة،‭ ‬وتحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬النبيلة‭ ‬التي‭ ‬تخدم‭ ‬غرض‭ ‬الأمة‭ ‬وتجسير‭ ‬هوتها‭ ‬نحو‭ ‬بر‭ ‬الأمان‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬مستقبل‭ ‬زاهر‭ ‬ومضيء‭.‬

البيئة‭ ‬التعليمية‭ ‬الفاسدة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬لا‭ ‬تنتج سوى‭ ‬قادة‭ ‬فاسدين،‭ ‬والمسيّجة‭ ‬بجدار‭ ‬العزلة‭ ‬والكبت‭ ‬لا‭ ‬تخرّج‭ ‬سوى‭ ‬أجيال‭ ‬متطرفة،‭ ‬وجامدة‭ ‬وغير‭ ‬نافعة‭ ‬لأوطانها‭ ‬ولا‭ ‬العالم

العولمة‭ ‬ومسألة‭ ‬التعليم

لعل‭ ‬من‭ ‬أحرج‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬مسيرة‭ ‬التعليم‭ ‬الآن،‭ ‬هو‭ ‬سؤال‭ ‬قضية‭ ‬العولمة‭ ‬وثورة‭ ‬المعلومات‭ ‬الهائلة،‭ ‬وبروز‭ ‬مجتمعات‭ ‬شبكية‭ ‬تحمل‭ ‬سمات‭ ‬مختلفة،‭ ‬ولها‭ ‬اشتراطاتها‭ ‬الافتراضية‭ ‬الخاصة،‭ ‬وظروفها‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬المغايرة‭ ‬تماما،‭ ‬توازيها‭ ‬بالمقابل‭ ‬ضرورة‭ ‬ظهور‭ ‬اتجاهات‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬المناهج‭ ‬والأساليب‭ ‬التعليمية‭ ‬والتربوية،‭ ‬وكيفية‭ ‬التماهي‮ ‬معها‭ ‬والتكيف‭ ‬وفقا‭ ‬لمعطياتها‭ ‬وإفرازاتها‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالتطور‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والثقافي،‭ ‬فهو‭ ‬بالتأكيد‭ ‬سؤال‭ ‬المستقبل‭ ‬العربي‭ ‬وطوق‭ ‬نجاة‭ ‬أجيالنا‭ ‬القادمة،‭ ‬فالتخطيط‭ ‬السّليم‭ ‬والبناء‭ ‬المواكب‭ ‬لتطلعات‭ ‬العصر‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يرتبط‭ ‬ارتباطا‭ ‬كاملا‭ ‬بالعملية‭ ‬التربوية‭ ‬والتعليمية‭ ‬وتقاطعاتها‭ ‬مع‭ ‬قضايا‭ ‬التنمية‭ ‬والاقتصاد،‭ ‬ومن‭ ‬قبلها‭ ‬القوانين‭ ‬والتشريعات‭ ‬المواكبة،‭ ‬فالعولمة‭ ‬صيرورة‭ ‬شاملة،‭ ‬وحركة‭ ‬كونية‭ ‬مكتملة‭ ‬تتلاشى‭ ‬على‭ ‬أثرها‭ ‬كل‭ ‬الحدود‭ ‬الجغرافية‭ ‬والفواصل‭ ‬الثقافية،‭ ‬ولها‭ ‬خاصية‭ ‬هضم‭ ‬التحولات‭ ‬والتفاعلات‭ ‬وتقديمها‭ ‬في‭ ‬قوالبها‭ ‬الخاصة،‭ ‬وإنتاج‭ ‬مركزها‭ ‬الواحد،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لها‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬كسب‭ ‬صراعاتها‭ ‬وحروبها‭ ‬الخفية،‭ ‬دون‭ ‬تكلفة‭ ‬تذكر،‭ ‬لذا‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬مدارها‭ ‬واليقين‭ ‬بجاذبيتها،‭ ‬وتبقى‭ ‬الثقافة‭ ‬والتعليم‭ ‬والهوية‭ ‬والكينونة‭ ‬مجردة‭ ‬من‭ ‬سماتها‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تتحسن‭ ‬ظروف‭ ‬تطورها،‭ ‬وتمليكها‭ ‬أدوات‭ ‬تبادلها‭ ‬المعرفي‭ ‬والحضاري‭ ‬مع‭ ‬رصيفاتها،‭ ‬تبقى‭ ‬حجر‭ ‬الزاوية‭ ‬لبقائها‭ ‬واستمرارها،‭ ‬دون‭ ‬شروط‭ ‬تحد‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬وتبعا‭ ‬لمنظومات‭ ‬وقوانين‭ ‬تمنحها‭ ‬صفة‭ ‬التواؤم‭ ‬والتكيف‭.‬

فالعملية‭ ‬التعليمية‭ ‬بشقيها‭ ‬التربوي‭ ‬والمادي‭ ‬في‭ ‬بلداننا‭ ‬العربية،‭ ‬تحتاج‭ ‬لنقلة‭ ‬حضارية‭ ‬كبيرة،‭ ‬ونوعية‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬بإنشاء‭ ‬خطط‭ ‬تنموية‭ ‬تستوعب‭ ‬طموح‭ ‬وتطلعات‭ ‬أجيالنا‭ ‬للحاق‭ ‬بركب‭ ‬الأمم‭ ‬المتطورة،‭ ‬فالتشريع‭ ‬لنظام‭ ‬تعليمي‭ ‬حديث‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬الاستقلالية‭ ‬وتحقيق‭ ‬الكفاءة‭ ‬العالية،‭ ‬ومخاطبة‭ ‬الوجدان‭ ‬المبدع‭ ‬والعقل‭ ‬الخلاق،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬مناهج‭ ‬تستجيب‭ ‬لهذا‭ ‬التطور‭ ‬وتهيئ‭ ‬الفرد‭ ‬للانتقال‭ ‬الدائم‭ ‬نحو‭ ‬العولمة‭ ‬واستقلال‭ ‬كينونته‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية،‭ ‬فكل‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يتأتى‭ ‬إلا‭ ‬بالنظر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬التعليم‭ ‬ضرورة‭ ‬فلسفية‭ ‬لبناء‭ ‬الفرد‭ ‬والمجتمع،‭ ‬وتبنّى‭ ‬وجهات‭ ‬نظر‭ ‬حقيقية‭ ‬وشاملة‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ترقية‭ ‬التعليم‭ ‬بما‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬حاجة‭ ‬الفرد‭ ‬والمجتمع‭ ‬وتطلعاتهما‭ ‬معا،‭ ‬وعليه‭ ‬فإن‭ ‬إخضاع‭ ‬المناهج‭ ‬والنظم‭ ‬والقوانين‭ ‬لرؤية‭ ‬متجددة،‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬قفزة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬أساليب‭ ‬الابتكار،‭ ‬وطرح‭ ‬الأسئلة‭ ‬المهمّة‭ ‬في‭ ‬البناء‭ ‬المجتمعي‭ ‬وحرية‭ ‬الفرد،‭ ‬فالتمسك‭ ‬بالثوابت‭ ‬واليقينيات‭ ‬والتقاليد‭ ‬البالية،‭ ‬يتناقض‭ ‬تناقضا‭ ‬كاملا‭ ‬مع‭ ‬مسألة‭ ‬احترام‭ ‬الفرد‭ ‬وتطوير‭ ‬المجتمع،‭ ‬فالمدرسون‭ ‬وهم‭ ‬عصب‭ ‬الترقي‭ ‬في‮ ‬السلم‭ ‬التعليمي،‭ ‬عليهم‭ ‬يقع‭ ‬العبء‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬العالم‭ ‬للنشء‭ ‬ككتلة‭ ‬واحدة‭ ‬ونظام‭ ‬واحد،‭ ‬وإرشادهم‭ ‬إلي‭ ‬ضرورة‭ ‬إزالة‭ ‬مسببات‭ ‬العزلة‭ ‬والانكفاء‭ ‬على‭ ‬الذات،‭ ‬وإظهار‭ ‬القيمة‭ ‬الإنسانية‭ ‬لهم‭ ‬كغاية‭.‬

كما‭ ‬يقع‭ ‬على‭ ‬عاتقهم‭ ‬تهيئة‭ ‬البيئة‭ ‬التعليمية‭ ‬السليمة،‭ ‬ومناخها‭ ‬المعافى‭ ‬من‭ ‬أمراض‭ ‬التسلط‭ ‬الأعمى،‭ ‬وعاهات‭ ‬الكبت‭ ‬والحجر‭ ‬على‭ ‬عقول‭ ‬النشء،‭ ‬واستبعاد‭ ‬الطرائق‭ ‬العقيمة‭ ‬والسالبة‭ ‬في‭ ‬مجالي‭ ‬التربية‭ ‬والتلقين،‭ ‬واعتبار‭ ‬المدرسة‭ ‬بيئة‭ ‬صالحة‭ ‬للتبادل‭ ‬والحوار‭ ‬وإبراز‭ ‬المواهب،‭ ‬وصقلها‭ ‬بما‭ ‬يتماشى‭ ‬مع‭ ‬روح‭ ‬العصر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حقول‭ ‬الفنون‭ ‬والثقافة‭ ‬والعلوم،‭ ‬فليس‭ ‬الوقت‭ ‬الآن‭ ‬لإرسال‭ ‬الرسائل‭ ‬الجامدة،‭ ‬والمحرضة‭ ‬لتحويل‭ ‬المدرسة‭ ‬لقلاع‭ ‬أيديولوجية‭ ‬صماء،‭ ‬وحصنا‭ ‬تتحطم‭ ‬عليه‭ ‬طموحات‭ ‬أجيال‭ ‬وأجيال‭ ‬وتكسر‭ ‬فيها‭ ‬القيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬العظيمة،‭ ‬وتتحجر‭ ‬فيها‭ ‬العقول‭ ‬باسم‭ ‬الهويات‭ ‬والمركزيات‭ ‬والجهويات،‭ ‬ويشعر‭ ‬فيها‭ ‬المرء‭ ‬بغربته‭ ‬وموت‭ ‬كينونته،‭ ‬فتتسرب‭ ‬روحه‭ ‬وعقله‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬الكآبة‭ ‬والأمراض‭ ‬النفسية‭ ‬والعقلية،‭ ‬ونتائجها‭ ‬الكارثة،‭ ‬فهنالك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬النماذج والأمثلة‭ ‬في‭ ‬محيطنا‭ ‬القريب‭ ‬قد‭ ‬وقعت‭ ‬وكانت مآسي‮ ‬وفجائع‭ ‬وخسارات‭ ‬جمة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬حصرها‭ ‬هنا‭.‬

فالبيئة‭ ‬التعليمية‭ ‬الفاسدة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬لا‭ ‬تنتج سوى‭ ‬قادة‭ ‬فاسدين،‭ ‬والمسيّجة‭ ‬بجدار‭ ‬العزلة‭ ‬والكبت‭ ‬لا‭ ‬تخرّج‭ ‬سوى‭ ‬أجيال‭ ‬متطرفة،‭ ‬وجامدة‭ ‬وغير‭ ‬نافعة‭ ‬لأوطانها‭ ‬ولا‭ ‬العالم،‭ ‬بل‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬ضررا‭ ‬وتهديدا‭ ‬لأمن‭ ‬وسلامة‭ ‬الآخرين،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬فإن‭ ‬محاولة‭ ‬تغبيش‭ ‬الوعي‭ ‬بمفاهيم‭ ‬لا‭ ‬تمت‭ ‬للواقع‭ ‬بصلة،‭ ‬وغير‭ ‬معنية‭ ‬بالإنسان‭ ‬كثروة‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬تنميتها،‭ ‬ولا‭ ‬تعتني‭ ‬بخصوصيات‭ ‬الآخر‭ ‬وقبوله،‭ ‬تقدم‭ ‬للعالم‭ ‬كائنات‭ ‬مشوهة‭ ‬وتصطدم‭ ‬بواقع‭ ‬مختلف‭ ‬لا‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يوازن‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬ذاته،‭ ‬فيقع‭ ‬فريسة‭ ‬سهلة‭ ‬لسهام‭ ‬الصمت‭ ‬والجنون،‭ ‬وتتبدل‭ ‬أهواؤه‭ ‬لتناقض‭ ‬نفسه،‭ ‬فالانسجام‭ ‬الكامل،‭ ‬والتصالح‭ ‬مع‭ ‬المجتمع‭ ‬والآخر‭ ‬هو‭ ‬لبّ‭ ‬المسألة‭ ‬التعليمية،‭ ‬وأحد‭ ‬أهم‭ ‬‮ ‬أهداف‭ ‬التربية‭ ‬السليمة،‭ ‬والخلاصة‭ ‬المرجوّة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تهيئة‭ ‬البيئة‭ ‬الإبداعية‭ ‬النظيفة،‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭ ‬نكون‭ ‬كمن‭ ‬يحرث‭ ‬في‭ ‬البحر،‭ ‬ونحن‭ ‬نرى‭ ‬أجيالنا‭ ‬تتسرب‭ ‬في‭ ‬صمت،‭ ‬وتغادر‭ ‬بلا‭ ‬ضجيج‭ ‬باتجاه‭ ‬الغرق،‭ ‬في‭ ‬نهر‭ ‬الواقع‭ ‬العدمي‭.‬


شاعر من السودان

مقالات أخرى للكاتب:

  • ضد‭ ‬النهايات