خطاب العنف والتطرف والإعلام العربي

القاعدة الذهبية تقر بأن الإعلام الحر نتاج طبيعي لبيئة سياسية حرة، وهو بهذه الحالة يكون تعبيرا عن طموحات المجتمع وما يربتط به من قضايا، ذلك أن القيم الأخلاقية مسألة مهمة في العمل الإعلامي وإن كانت محل جدال أو خلاف، مثل قيمة الموضوعية، وقيم النزاهة والتوازن، حيث لا يمكن لمثل تلك القيم أن تنشأ إلا في بيئة ديمقراطية.

الجديد  ياس خضير البياتي [نُشر في 01/12/2016، العدد: 23، ص(92)]

لوحة: سعاد مردم
لقد اتضح أن فاعلية وتأثير الخطاب الإعلامي التنويري يتوقفان على نوع البيئة السياسية التي يعملان في ظلها فيما إذا كانت مستقرة أو متأزمة، إذ يتعذر على الخطاب الثقافي التنويري من أجل التغيير أن يأخذ مدياته الحقيقية في البيئات المتأزمة، لتعارض مضامينه مع خطابات لجهات متنفذه، وبعضا منها جماعات عنيفة،ويخشى الإعلاميون حملة مشروع ثقافة التغيير الاصطدام بها خوفا على حياتهم.

ولأن البيئة العربية ملوّثة بظواهر سلبية فإنها أنتجت ظواهر سلبية في الحياة الإعلامية والاجتماعية والثقافية، أبرزها على الإطلاق اختفاء دولة المواطنة وظهور دولة المواطن الواحد والحزب السياسي الواحد والطائفة الواحدة. إذ أن المواطن فيها تابع لحلقة أضيق بوضوح هي تبعيته لجهة دينية أو سياسية أو طائفية أو قومية، وهو قد لا يتبع حتى جهته، لأن هذه الانتماءات تختزل المجموع في حزبها وفي زعامتها وطائفتها، وتضع هؤلاء بديلا عن الجمهور، وبالتالي سيجد أتباع الجهات الأخرى أنفسهم مدفوعين برغبة عارمة في الانفصال أو الاحتراب أو العنف مع هذه الدولة، لإنشاء كيانات خاصة بهم، تحفظ كيانهم وهويتهم.

وقد ساعد التطور التقني المعاصر في تطوير وتيسير أساليب فعل العنف وجعلها أكثر فتكا، إلى جانب الاستخدام الواسع والمنظّم لوسائل الإعلام التي تروّج لمختلف مظاهر الإبادة والتعذيب والتخريب والقتل.

وتشهد اليوم منطقتنا العربية نمطا من الحروب يجسّد في صيرورته العنف والعنف المضاد بين الأطراف المتحاربة، والتي تدور رحاها داخل كل بلد على حدة، وبين الدولة الواحدة ومحيطها الإقليمي، كما (نلاحظ نشأة نمط من العنف الداخلي، وهو العنف الطائفي والمذهبي والديني والإثني، ناهيك عن العنف ضد المرأة وهو النمط المتأصل في المجتمعات الذكورية. وقد اختلط العنف بالأيديولوجيات والأديان لينتج أنماطا من العنف تستمد شرعيتها من الخطاب السياسي أو الديني للأطراف المتحاربة حتى تحوّل العنف إلى واجب مقدس، يتجسد في أبرز مظاهره في العنف الإرهابي الديني الذي يجد ضالته في تفسير النصوص المقدسة في تكفير الآخر، وكذلك في الخطاب السياسي الذي يستمد مشروعيته من أوهام البقاء للدفاع عن المصالح التاريخية للأمة كيف ما اتفق، ومن وحي الأفكار السياسية للأنظمة أو من يدّعي الخلافة في الأرض والمستميتة في الدفاع عن عوامل البقاء مهما كلفت التضحيات)!

إن العنف بأنماطه المتعددة المادية، والرمزية، واللفظية والخطابية، هو جزء لا يتجزأ من الأنساق السياسية والدينية والأيديولوجية والاجتماعية والثقافية.. الخ، في المجتمعات الإنسانية، ومن ثم تنتج أشكالاً متعددة ومركبة من الاستبعادات والإقصاءات لفئات وشرائح اجتماعية وقومية ولغوية ودينية ومذهبية، وعرقية، ومناطقية عديدة. يترتب على الإقصاءات والاستبعادات السياسية والثقافية والدينية والسياسية تراكم الإحباطات، والإحساس بالظلم، والحقد والكراهية، والغضب لبعض العناصر المستبعدة. إن التراكمات النفسية والاجتماعية والسياسية المحبطة قد تولد في إحدى مراحل تطوّرها دوافع عدوانية، ومن ثم إنتاج مركب من العنف الذي قد يتخذ وجوهاً احتجاجية أو تمردية أو إرهابية أو فوضوية بما يؤدى إلى المساس بأهداف بشرية أو رموز أيقونية للقوة السياسية، أو الدينية أو الاقتصادية لدولة ما، أو جماعة عرقية أو قومية أو لغوية، أو قادة سياسيين، أو كتاب وصحافيين، ومبدعين، أو أشخاص عاديين يتحولون إلى أهداف بشرية لأعمال العنف، والإرهاب لإشاعة الرعب والخوف المعمم.

خطاب الكراهية والموت

بخصوص تحديد نوع المعالجة الإعلامية لقضايا العنف، توجد نظريتان رئيسيتان تطرحان مدى تأثير التغطية الإعلامية للعنف والإرهاب على الرأي العام وهما كالآتي:

-1 نظرية العلاقة السببية بين الخطاب الإعلامي والعنف والإرهاب: ووفقاً لهذه النظرية فإن التغطية الإعلامية للعنف تؤدي إلى انتشار ظاهرة العنف بأشكاله، حيث تتكاثر العمليات الإرهابية كنتيجة طبيعية للتغطية الإعلامية، وحسب هذه النظرية هناك ثلاثة أنواع للتأثيرات الإعلامية هي الوعي والتبني، انتشار العدوى، الوساطة. فالعلاقة بين الطرفين تأخذ شكلاً دائرياً لا ينتهي، حيث يستفيد كل طرف منهما من الطرف الآخر.

2- نظرية الخطاب الإعلامي والعنف والإرهاب والعلاقات المتباعدة: يرى أصحاب هذه النظرية أنه لا يوجد دليل علمي على أن التغطية الإعلامية للعنف هي المسؤولة عن مضاعفة العمليات الإرهابية، فليست هناك أي علاقة قائمة بين المتغيّرين، ولهذا يدعو أصحاب هذه النظرية إلى عدم التدخل في أداء وسائل الإعلام عامة وفي علاقتها بالإرهاب خاصة، لأنه من غير المعقول حسب رأيهم أن تكون هناك علاقة بين الطرح الإعلامي لقضايا العنف والإرهاب وزيادة معدّله.

ولهذا السبب اقترحت اللجنة الخاصة بموضوع الإرهاب الدولي التابعة للأمم المتحدة على الدول، أن تحصر تغطيتها الإخبارية لأعمال العنف والإرهاب في حدود ضيقة، وذلك لحرمان الإرهابيين من تحقيق هدفهم المتمثل في الحصول على أكبر دعاية دولية ممكنة لعملياتهم.

ولأن المشهد العربي مشهد مركّب ومعقد، فإن الحديث عن الإعلام لا يمكن فهمه بطريقة أحادية الجانب، فهو نسق مرتبط بالأنساق الأخرى السياسية والاجتماعية والثقافية، مثلما هو مرآة لكل الأنساق، بل هو الأخطر في بنائها، وهو الأداة في بناء العقول وتغيير الاتجاهات والسلوك كما هو معروف.

الحديث عن الإعلام لا يمكن فهمه بطريقة أحادية الجانب، فهو نسق مرتبط بالأنساق الأخرى السياسية والاجتماعية والثقافية، مثلما هو مرآة لكل الأنساق، بل هو الأخطر في بنائها، وهو الأداة في بناء العقول وتغيير الاتجاهات

إن التسامح كحقيقة اجتماعية، لا يمكن أن تتجسد دون تطوير الثقافة المجتمعية من خلال وسائل الإعلام العربية. صحيح أن التفاهم لا ينهي الاختلافات الإنسانية، ولكنه بالتأكيد يمنع تأججها وتحوّلها إلى مصدر لممارسة العنف والتطرف، وفي ذات الوقت يبقيها في حدودها الطبيعية.

ولا بد من الاعتراف بأن قيم التسامح في الوطن العربي وصلت إلى أدنى مستوياتها، ولم يعد هناك مكان للتسامح بين المتصارعين، إن عملية التحريض وكيل الاتهامات والشتائم التي تنشرها العديد من وسائل الإعلام المنحازة لأحد أطراف النزاع بدت تؤثر سلبا على الشارع العربي، وتعزز الحقن الطائفي والديني وصولا إلى إشاعة العنف والإرهاب.

إن خطاب الكراهية في الإعلام العربي اتّسع وتشعّب وانتشر بشكل واسع، وأصبح أداة خطيرة للتحريض على الآخر، وبدا وكأنه هو المحرك السياسي للشارع العربي.

ومن المؤكد أن غياب معايير دقيقة وواضحة لمهنة الإعلام العربي، وانتهاك السياقات، وافتقاد التشريعات المناسبة وغيرها من العوامل أسهمت بفاعلية في هشاشة المنظومة الإعلامية. فضلا عن صناعة رسائل اتصالية تعوزها الكثير من مقومات التأثير والإقناع.

والملاحظ في غياب الضوابط الإعلامية، واستخدام التيارات السياسية والثقافية المتصارعة أنماطاً اتصالية مختلفة بضمنها الاتصال الجماهيري الأمر الذي جعل الجماهير أمام وسائل إعلامية تعمل على هواها، وتروّج لثقافات تتعارض بعض مضامينها مع مفاهيم الديمقراطية والثوابت الوطنية، فضلا عن إعلاء شأن ثقافات فئوية ضيقة على حساب الولاء الوطني بوصفه المشترك الذي من شأنه الحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعي. كما تعددت المخاطر المرتبطة بأوضاع التعددية الدينية والمذهبية والعرقية والطائفية في الوطن العربي في ظل ارتباطها بعدد من الأبعاد والاعتبارات، من بينها: العنف المصاحب لعملية الانتقال السياسي التي تشهده بعض الأقطار، وغياب الحد الأدنى من التوافقات والتفاهمات حول القيم السياسية الرئيسة التي يمكن الاعتماد عليها لتأسيس نُظُم ما بعد التغيرات السياسية. ومن ناحية ثانية، نزوع بعض القوى السياسية إلى محاولة إقصاء بعض القوى الأخرى، واستخدام آليات من شأنها ترسيخ التوترات والانقسامات وليس تسويتها.

تربية تفكيك النسيج الاجتماعي

يمكن تسجيل بعض الأدوار السلبية لمضامين هذه الرسائل التي ساهمت في إشعال حريق الطائفية والعنف في الواقع العربي:

-1 انتشرت آفاق النزاع الطائفي والديني في وسائل الإعلام العربية بشكل غير مدروس، وأصبحت الصحف ساحات لتبادل الاتهامات، من خلال نقل تصريحات شديدة اللهجة تحمل في طياتها الكراهية والبغضاء، واستغلت جماعات العنف والإرهاب وسائل الإعلام فنشرت الأفكار المتطرفة والتكفيرية، مثلما ساهمت الفضائيات في نقل مشاهد حيّة للقتل والذبح. وهذه المشاهد والصور التي جاءت على إثر انتشار عمليات التفجير والانتحار التي تبادل المنفذون في استهداف مناطق شيعية ليقابلها في الجانب الآخر استهداف مناطق سنيّة في بغداد والعديد من المدن العراقية كما في التجربة العراقية، ما جعل نقل هذه المشاهد من قبل وسائل الاعلام وكأنها شريكة في العملية تتسابق في عرض الصور والتصريحات وفي الكثير من الأحيان دون التأكد منها.

-2 ساهمت وسائل الإعلام الدينية في تثوير الطائفية، والتحريض على العنف من خلال برامجها وحواراتها، وقيامها بحملات إعلامية منظمة وممنهجة للتحريض الطائفي، خاصة أثناء الأزمات الطائفية والمعارك العسكرية، ومعتمدة على آليات التمييز الديني في الإعلام المتمثلة في:

أ- التحريض المباشر: من خلال السجال الديني الذي تتبناه بعض القنوات الفضائية الدينية والذي يركز على بعض الجوانب العقائدية والطقسية والرمزية، بخطابات تمييزية تركز على نقد العقائد الدينية المخالفة وتجريحها.‏

ب- الكذب الصريح: الذي لا يمكن إرجاعه فقط إلى ضعف المستوى المهني لكثير من العاملين في وسائل الإعلام، ولكنه اختلاق قصدي لأخبار لا أصل لها؛ لإثارة الناس ضد مجموعة معينة.

ج- التمييز الديني بين الأغلبية والأقليات: وذلك فيما يتعلق بالتغطية الإخبارية، والتقارير، والتعليقات بشكل عام. وهذا التمييز الديني لا يقتصر فقط علي انفراد الأغلبية الدينية باستخدام أجهزة الإعلام في الدعوة، ولكنه يصل إلي حدّ عدم تمتع الأقليات الدينية بحق الرد عندما تناقش معتقداتها في أجهزة الإعلام.

د- التغطية المنحازة لأحداث العنف الطائفي: بعدم وصف الاعتداءات الطائفية باسمها الصحيح، والاستعاضة عن ذلك بالحديث عن «جرائم فردية» أو «أحداث جنائية»، أو بالحديث عن «المتطرفين من الجانبين».

هـ - تشجيع وسائل الإعلام العربية ظهور رجال الدين في البرامج الحوارية، وإثارتهم للموضوعات الطائفية، وتدحرجت الفضائيات لتفسح لهؤلاء بنشر الأفكار التطرفية والأفكار التي تلغي الآخر، وتشعل فتنة طائفية كانت خامدة لقرون عديدة بين المذاهب.

و- تبنت بعض وسائل الإعلام العربية ومنها العراقية بالذات الدفاع عن أفكارها المذهبية، من خلال نقلها معارك الفضائيات العربية الدينية إلى الجمهور العراقي، حيث تحولت الفضائيات الدينية إلى ساحة حرب بين الشيعة والسنة وبين الصوفية والسلفية.

ز- استخدام وسائل الإعلام العربية للمصطلحات الطائفية وتكرارها باستمرار، بحيث أصبحت منهجاً اجتماعيا وثقافيا في حياة الجمهور، وأصبحت حروب المصطلحات جزءا من الحروب العقائدية والنفسية بين المذاهب، وتمت استعارة مصطلحات من التنظيمات الإرهابية أو الميليشيات الطائفية لتكون جزءا من العنف و التحريض الطائفي، حيث ظهرت عشرات المصطلحات التي تكفر بالآخر أو تسيء إلى المذاهب، أو مصطلحات استخدمت تاريخيا لوصف جماعات اعتبرت خارج الدين، أبرزها «النواصب» و»الخوارج». كما برزت مصطلحات التكفيريين والوهابيين والرافضة والمجوس والصفويون والنواصب.

ح - تركيز الإعلام على الحدث أكثر من التركيز على الظاهرة، فهو يعطي اهتماماً لعمليات العنف بأنواعه أكثر من الاهتمام الذي يعطيه للعنف والإرهاب كظاهرة لها أسبابها وعواملها. مع هيمنة الطابع الإخباري على التغطية الإعلامية لعمليات العنف والإرهاب، وتقديم تغطية متعجلة وسريعة، وربما أحياناً سطحية، تهتم أساساً بتقديم جواب عن سؤال: ماذا حدث؟!

انتشرت آفاق النزاع الطائفي والديني في وسائل الإعلام العربية بشكل غير مدروس، وأصبحت الصحف ساحات لتبادل الاتهامات، من خلال نقل تصريحات شديدة اللهجة تحمل في طياتها الكراهية والبغضاء

ي - تغيب في الغالب، التغطية الإعلامية ذات الطابع التفسيري والتحليلي، كما تغيب التغطية ذات الطابع الاستقصائي، الأمر الذي يؤدّي إلى بقاء المعالجة الإعلامية على سطح الحدث والظاهرة. وتقع التغطية الإعلامية في أحيان كثيرة في فخي التهوين أو التهويل بظاهرة العنف بأنواعه.

أخيلة التلذذ بالمشاهد الدموية

دون شك فقد ساهمت هذه الوسائل في تعميق الصورة السلبية للعنف من خلال تداول مقاطع العنف والصور الوحشية وتكرارها، وحسب النظريات العلمية، فإن (المشاهدة لها تؤدي إلى اعتياد الناس على المشاهد الدموية؛ فلا تعود تُحدِث بهم نفس ردة الفعل مع مرور الوقت؛ حيث تتضاءل وتقلّ حساسية الشخص مع اعتياده على المناظر، وقد يتحول القلق والنفور إلى إدمان ورغبة في مشاهدة المزيد، قد تصل حد الاستمتاع بها. كما أن مشاهدة مقاطع العنف لا يؤدي إلى التفكير في العنف فقط؛ بل يؤثر على سلوك الشخص ليتسم بالعنف والغلظة، ويصبح إحساسه بالآخرين أقل، ويفتقد القدرة تدريجياً على التصرّف بتهذيب أو ممارسة سلوك مقبول اجتماعياً، وهناك أشخاص قد يصابون بالاكتئاب والقلق والتوتر من مشاهدة العنف قد تصل إلى حدّ الكوابيس، أو اضطرابات النوم والشرود والعزلة وغيرها من الأمراض النفسية). ويحاول التخلص من هذه الآلام عبر الانتقام والانخراط في الجماعات المتطرفة؛ لممارسة العنف على الآخرين، دون أن يشفي غليله.

والسؤال المستمر هل يؤدى النشر الإعلامي عن العنف بأنواعه، وتقنياتها إلى رفع معدلاته؟

قد ثبت علميا، أن نشر بعض أساليب التخطيط الإجرامي في بعض الأحيان، ونوعية الأسلحة والمواد الكيميائية التي استخدمت في بعض الجرائم، استلهمها البعض الآخر في ارتكاب جرائم أخرى مع بعض الابتكارات أو التكييفات التقنية أو التكتيكية في ارتكاب جرائم أخرى. ولم يقتصر الأمر على دور النشر الموسع، أو البث المرئي أو المسموع عن جرائم العنف كالقتل، وأساليب ارتكاب الجرائم العنيفة فقط، وإنما ذهب بعض الباحثين إلى أن تقنيات ارتكاب الجرائم في بعض المسلسلات التلفزيونية، والأفلام السينمائية أو المتلفزة، تؤثر على بعض الأخيلة الإجرامية، ومن ثم تؤدى إلى إنتاج سلوكيات إجرامية تحاول أن تستلهمها حرفياً، أو عبر إدخال تعديلات على ما تمّت مشاهدته في تخييلات السينما، والدراما المتلفزة.

إن قيام بعض القنوات الفضائية بعرض المناظر والمشاهد المأساوية وتصوير الأضرار بشكل متكرّر ومبالغ فيه، إضافة إلى بث وجهات نظر الإرهابيين دون إتاحة الفرصة لتعريتها والردّ عليها الأمر الذي يشكل خطورة تؤدي بدورها إلى حدوث ردود فعل سلبية لدى البعض من شأنها خدمة العمل الإرهابي، فقد ذكر الكثير من الأشخاص المنخرطين في العمل الإرهابي الذين ألقي القبض عليهم في العراق، أنهم تأثروا بما كانت تعرضه القنوات الفضائية العراقية والعربية، فقرروا الالتحاق بالمنظمات التي تحرّض على القيام بالتفجيرات والعمليات الانتحارية. إضافة إلى عوامل أخرى متزامنة مع وسائل الإعلام كالبطالة واليأس والإحباط من الواقع، والشعور بالظلم السياسي والاجتماعي، وفقدان العدالة.

مسألة أخلاقيات العمل الإعلامي هامة جدا ومسؤولية مجتمعية كبرى واقعة بالأساس على الإعلامي نفسه ووعيه بالإعلام ورسالته المجتمعية السامية وضميره المهني الصرف ومدى تمسّكه بما تفرضه عليه هذه المهنة من مهام، مثل الصدق والشرف والنزاهة، وإلى ما شاكل من أخلاقيات، والغرض منها في النهاية هو تحسين الأداء الإعلامي والتحكم في وسائل الإعلام لصالح عامة الناس.

وفي غياب مؤسسة حيادية مستقلة ومنظمات مهنية قادرة على الموازنة بين احترام حرية التعبير وحق الجمهور في الاطلاع على المعلومات، وبين تطبيق معايير السلوك المهني من احترام للخصوصية وعدم التحريض على العنف والترويج للعنصرية، ستبقى أغلب وسائل الإعلام العربية أو المستهدفة للجمهور العربي إحدى أهم وسائل إدامة العنف والصراع وترسيخ ثقافة الكراهية.

إن التعددية الإعلامية في التعبير، وتنوع الرسائل الإعلاميّة في المجتمع العربي ضرورية، وهي حالة صحيّة وإنسانية، ولكن ينبغي استثمارها لبناء ثقافة جديدة للإنسان تعمق لديه مفهوم التوافق الوطني، ووحدة الولاء للوطن قبل الولاء للمذهب والقبيلة والعرق، وإعادة بناء الوطن على أساس المواطنة والقانون واحترامه، ومحاربة الفساد والهدر في ثروات المجتمع، وإشاعة ثقافة التسامح والوحدة الوطنية، وتثقيف المواطن على ممارسة الديمقراطيّة واحترام الرأي الآخر، وتعميق القواسم المشتركة الإيجابية بين فئات الشعب بما يتعلق بوحدة المصير والتضامن الاجتماعي، ومحاربة الإرهاب الموجه للمدنيين ونبذ العنف بأشكاله.

وبالرغم من أن الإعلام العربي ساعد الجماهير على فهم بعض الأحداث الإرهابية، أو على بعض الطرق التي تنفذ بها هذه الأحداث، ولكن يُعاب عليه عُمُوماً، أنه أهمل وتجاهل الحديث عن الأسباب الأساسية، في بروز وتطور ظاهرة العنف والإرهاب بالتحليل والدراسة والحياد. وبذلك فقد دوره التربوي والتعليمي والثقافي والأخلاقي في تجفيف منابع العنف والإرهاب في خطابه الإعلامي.


باحث وكاتب وأكاديمي من العراق