الثقافة والأفق النقدي

بيّن المرحوم شاكر النابلسي [أنظر كتابه الفكر العربي في القرن العشرين- 2001] أن المعقولية العربية مازالت سجينة التجميع والتفتيش والتأريخ والنقل والتنقيل والشرح والتفسير. فهي لم تصل إلى طور التأليف والابتكار والإبداع والإنتاج الحقيقي للأفكار والمفاهيم والتصورات. فقد بقيت معقوليتنا نقلية في الأساس إذ لم تستطع إلى يومنا هذا أن تقفز قفزة نوعية نحو مرحلة النقد العلمي والجذري الحقيقي لأنّ هذه العقلية مازالت ترزح تحت وطأة المحرّمات والممنوعات والمحجّرات بأنواعها المختلفة دينا وسياسة واجتماعا وثقافة.

الجديد  فتحي التريكي [نُشر في 01/12/2016، العدد: 23، ص(6)]

لوحة: زهير حسيب
الوعي الرديء والمهزوز الذي يسود اليوم المعقولية العربية هو في غالبيته وعي مغلق ومتحجّر يقوم على التقليد الأعمى ويرفض التفكير العقلي المشفوع بالنقد. ما زلنا لم نصل بعد إلى ما سماه الفارابي «جودة الروية» إذ نتحاور بالشعارات والمواقف الصلبة والكل يحاول تمرير أفكاره وكأنها الحقيقة الواحدة المطلقة. فثقافتنا لم تتعلم فعالية السؤال في حد ذاته ونجاعة النقد المتواصل. فهي تبقى معقولية الأجوبة الجاهزة التي لا تتزحزح. سأحاول في هذا البحث أن أتوقف قليلا عند العلاقة العضوية التي تربط الثقافة بالنقد لأبيّن أن الثقافة النقدية شرط ضروري لكل تحديث في الفكر والمجتمع والسياسة.

يدفعنا وجودنا المتأزم في العالم اليوم إلى إعادة التّفكير في معجم التّصوّرات والمصطلحات التي نستعملها لنعرف أنفسنا ونعرف محيطنا ونتعرف على غيرنا. لذلك، لا بد من نقاش متواصل لمعاني بعض المفاهيم حتى نجدّد محتواها ولا نبقى سجناء التقاليد البالية كمفهوم الثقافة الذي يحتاج عندنا إلى إعادة صياغته وبلورة تصوراته واستئناف مستتبعاته كي نواكب ما يحوم حولنا من تجديد متواصل للمفاهيم والتصورات.

لقد بيّنا في أعمالنا السابقة [ أنظر كتابنا فلسفة الحياة اليومية تونس وبيروت- 2009] أن الثّقافة [ليس من الضروري الخوض في تاريخية لفظ الثقافة الذي ظهر في التعبير اللاتيني منذ القرن الحادي عشر، ويعني الشعائر الدينية ثمّ «قطعة أرض مزروعة بهدف إنتاج الخضر». واتّخذ دلالته الاصطلاحية بصفته ثقافة الفكر في منتصف القرن السادس عشر] هي العنصر الجوهري في تعريف الهويّة بما هي انتماء الفرد إلى الجماعة. في هذا المعنى، فإنّ الثّقافة هي الأخرى تصبح ذات وظيفة استراتيجيّة تأخذ بعين الاعتبار الجغرافيّة السّياسيّة العالميّة الحاليّة. وقد بيّن الكثير من المفكرين أن استراتيجية الثقافة هي سمة عصرنا الحالي.

وإذا قبلنا بما أقرّه صاموئيل هنتينغتون [يشغل صاموئيل هنتينغتون كرسي «إيتون» (Eaton) لعلم الحكومة ويدير معهد جون أولان للدراسات الاستراتيجية في جامعة هارفارد. وأستند هنا إلى مقال «صدام الحضارات» الذي هي نتاج مشروع معهد أولان المتعلّق بـ»المحيط المتغيّر للحماية والمصالح الوطنية للولايات المتحدة». تمّت ترجمته إلى الفرنسية وتوزيعه بعناية من قبل المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية. (المؤلف)]، فإنّ السّبب الرّئيس لوضعية الصّراع في العالم في وصورته الحالية، ليس ناجما عن المنافسة الاقتصاديّة المتوحّشة -إلى حدّ ما- رغم الوفاق الدّولي، وليس ناجما عن الاختيارات السّياسيّة والأيديولوجيّة ولا حتّى أيضا، عن إرادة الهيمنة والافتخار بالقوّة. إنّه كامن جوهريّا فيما هو ثقافي، ومثلما يقول هنتينغتون إنّ «السّياسة العامّة ستهيمن عليها المواجهات بين الثّقافات وخطوط الصّدع الموجودة بين الحضارات التي ترسم مستقبل واجهات الصّراع».

وقبل مناقشة هذه الأطروحة ينبغي علينا أن نوضّح دلالات مصطلح ثقافة. وبالفعل ماذا نعني بالثّقافة؟ ما هي قيمة هذه الفرضيّة الاستراتيجيّة وماذا يمكن أن يكون نوع استعمال الثّقافة وأثرها الأيديولوجي في مجتمعنا؟

يجب أن نميّز بين ثلاثة تصوّرات ممكنة للثّقافة. التصوّر الأوّل، ذو طابع أنثربولوجي، والثّاني ذو طابع روحاني وعقلاني، والثّالث ذو طابع سياسي. يشير الأوّل إلى «كلّ مركّب يتضمّن المعارف والعقائد الدّينية والفنّ والأخلاق والحقّ والعادات وكلّ القدرات والتّقاليد التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضوا في المجتمع» [E.B.Tylor, Primitive culture, Murray, London, 1871]. أمّا التّصوّر الثّاني فيشير، على عكس ذلك، إلى التّفكير الفردي والحرّ، أي إلى القدرة الكامنة في كلّ فرد على الخلق والتّأويل، وعلى الإعجاب والحكم، وعلى رفض الأنساق الجماعيّة من الاعتقادات إذا لزم الأمر. أمّا الثالث، فيستعيد معطيات الأوّل ووسائل الثّاني كي ينظّمها رسميّا، ويجمع، إذا جاز القول، المعرفة والإبداعات داخل هدف محدّد سياسيّا أو أيديولوجيّا. يسعى الأوّل ويعمل لمصلحتنا بصفته أداة لإقحام الفرد داخل جماعة معنيّة، والثّاني نقديّ، ويعمل من أجل تحيين المكتسبات وتحرير الفرد من الثّقل الاجتماعي؛ ويعمل الثّالث تحت سيطرة الأيديولوجيا.

إنّ كلّ إبداع هدّام، وإنّ كلّ ثورة فنيّة، والقيادة عينها تجد نفسها مدجّنة ومخفّفة ومستوعبة ومستقلّة بواسطة أيديولوجيا مهيمنة

يمكّننا هذا التّمييز بين هذه التّصورات المختلفة من فهم جدليّة الثّقافة والمؤسّسة التي تميّز في نطاق أوسع وضعيّة عمل الذّهن. وبالفعل يوجد حاليا توجّه، في كلّ مكان من العالم، من أجل فرض التصوّر الأوّل للثّقافة بصفته التّصوّر الوحيد الممكن، والعمل بطريقة تجعل المفهوم الثّاني في خدمة الأوّل. وبهذا يسهل إقحام هذين التّصورين في نسق مركّب محكوم باختيارات سياسيّة وأيديولوجيّة. لقد خضعت مختلف أشكال السّلطات السّياسيّة في منتصف القرن الـ20 إلى عمليّة تغيير كبيرة حين مأسست الثقافات فحرمتها من ميزتها النّقدية وأثبتتها بمراتيج أجهزة محكّمة.

من خلال هذا التّعيين، نشأ التصوّر الثّالث الذي نسمّيه بلفظة «ثقافي» (culturel) [استعمال لفظ «ثقافي» هنا لا يعني اللفظ الذي قدّمه أوغبارن (Ogburn)، in social change,Huebsch, 1922 والذي يفيد اضطراب التحوّلات بين مختلف عناصر الثقافة (مثال تأخّر العناصر اللامادية للثقافة وتأخّر الفنون والدين والأخلاق بالمقارنة مع العناصر المادّية)].

فالثّقافي يمكن تعريفه بما هو السّياسة التي تمنح لكلّ أنشطة الخلق الثّقافي مكانا (topos)، وتخصّص لها وظائف وتؤطّرها داخل خيار أيديولوجي. ويبقى الهدف دوما هو نفسه، سواء سمّي هذا المكان متحفا كي يوجّه بشكل أفضل حبّ الاطّلاع، أو يسمّى دار الثّقافة أو مكتبة أو أيضا دار المسرح. يتعلّق الأمر بجعل الثّقافة ناجعة وذات مردوديّة على المستويات الأيديولوجية والمادّية، وبالفعل حسب راينر هوشليتز «إنّ الحقبة المعاصرة تحاول مأسسة الثّورة وتعمل على ضمان تعايش الهدم والعون»[Rainer Rochlitz, Subversion et subvention, art contemporain et argumentation esthétique, coll. «NRF Essais», éd, Gallimard, Paris, 1994, p19].

إنّ كلّ إبداع هدّام، وإنّ كلّ ثورة فنيّة، والقيادة عينها تجد نفسها مدجّنة ومخفّفة ومستوعبة ومستقلّة بواسطة أيديولوجيا مهيمنة. هذه الاستعادة «توحي خاصّة باستراتيجية جديدة لبورجوازيّة حداثويّة ورأسماليّة مستحدثة تفتح أبوابها جيّدا للأكاديميّين مثلما تفتحها لمبشّري المقدّمة، ومهتمّة بالحفاظ على النّظام القائم وذلك بتحفيز استهلاك الخيرات الثّقافية» [Marc Jiminez, Crise de l’art ou consensus culturel?, éd. Klineksieek, Paris, 1995, p27].

إنّ رغبة الطّلائعيّين في تفكيك الإستتيقا الأورثوذوكسيّة القائمة على قيم شكليّة ما هي إلاّ عمليّة تُضاعف من هدم البنى، وتزيد من هوّة الفوارق وتعمّق من المسافات والتّجديدات، وتكثر من نشر «معاني عدم الاحترام والشّتيمة وإتلاف الآثار الفنيّة من أجل إنهاك كلّ إمكانيّة للثّورة لبضعة عقود» [Claude Karnouh, Adieu à la difference, éd. Arcantères, Paris, 1993, p201]. فهل يمكن الحديث عن موت للفنّ والثّقافة المبدعة بما أن الفنّ في آخر الأمر استعداد للخلق الدّائم والابتكار المستمرّ سواء كان من خلال ثورات شكليّة أو عبر استعمال مواضيع غير معهودة أو أيضا استعمال تقنيات متجدّدة دوما. إنّ الاستعادة ترصد الآثار الفنّية الأكثر خرابا لتحويلها إلى مشهد أو سلعة أو زينة..الخ [Cf. Pierre Gaudibert, Action culturelle : intégration et/ou subversion, éd. Casterman, Paris, 1972].

إنّ من بين الفروق القائمة بين الثّقافي والثّقافة النّقدية يكمن إذن في ما يمكن تسميته بـ«تكثيف المنتوجات» الثّقافيّة على حساب نوعيّة الإبداع. هذا التّكثيف يكون تارة بواسطة الاقتصاد الخالص من قبيل التّسويق، وتصنيع «الثّقافة» في سلسلة (تلفزيون أو سينما وإعادة إنتاج لوحات الرّسم). أمّا الموضة فتُجدّدها غالبا وكالات الإنتاج. ويكون تارة أخرى بواسطة الإشهار الأيديولوجي، مثل أعمال الصّحف (وسائل الإعلام) أو الشّخصيات المهمّة الحاملة ذاتيّا لمختلف القطاعات الثّقافية باسم العمّال والشّباب والتّقدّم.. الخ.

الثّقافة الرّسميّة لها أناسها وصارت شأنا للمختصّين الذين يقرّرون قيمة الإبداعات والذين يقومون بتوزيع الجوائز والشّكر حسب معايير لا تكون دائما جماليّة وعلميّة

للتّذكير، فإنّ الواقعيّة الشّيوعية اضطلعت بهذا التّكثيف ضدّ فنّ النّخبة البرجوازي وقدّمت لنا في كلّ مكان، صور شخصيّات وقادة الشّيوعية مثل صورة ستالين في الاتّحاد السّوفييتي سابقا التي أنجزها «قيراسيموف».

يجب أن نقول إنّ قطاعا شاسعا جدّا للنّشاط الثّقافي المعاصر تلوّث من جرّاء ظاهرة التّكثيف هذه، ويتمثّل أثرها المباشر في توجيه طرائق الحكم عند الفرد ومنعه من الحصول على إحداثيّات جماليّة. فالوسائط الإعلامية تعمل غالبا في مثل هذا المقام على تنمية الذّوق الفاسد ونسيان ثقافة النّقد واختزال الإبداع في ما هو رديء وفي ما هو شبيه بالظّاهرة الإبداعيّة مثلما يبرز في الإشهار. تعكس هذه الظّاهرة في آخر الأمر، تحديد الطّبقة الاجتماعيّة الجديدة، أي طبقة المختصّين المتكوّنة داخل أكبر المدارس وأكبر جامعات العالم، لكي تتطابق، بواسطة أسلوب خاص، مع من يهيمن على الإبداع الثّقافي. إنّ هذه الممارسة المنحرفة والمتنكّرة -المبدعة في البداية- استردّتها السّياسة بسرعة من أجل قيادة أفضل للرّغبة في الفضائح والإهمال واللّهو الذي يوجد عند العامّة بعد أن تمّ حرمانهم من الإحداثيات الجماليّة.

ولكن لا ننسى أن التّخصّص هو نتاج تجزئة المعرفة وأنّ مختصّا في حقل محدّد يكون عادة جاهلا في الحقول الأخرى. ويذهب ليسّاتو وماسادييه إلى حدّ الإقرار بأنّ «الابن العزيز للعمالقة والهلوعين والأميّين والأدمغة المكلّسة، يواصل التمتّع بحظوة مفرطة، لأنّه يعتبر عارفا بكلّ شيء حول المسألة، وهو ما يمكن أن يكون حقيقيّا في أفضل الحالات ولكنّ الحيرة تكمن في كونه لا يعرف شيئا مهمّا آخر» [Bruno Lussato et Gérald Messadié, Bouillon de culture pp 55- 56].

وهكذا إذن، فإنّ الثّقافة الرّسميّة لها أناسها وصارت شأنا للمختصّين الذين يقرّرون قيمة الإبداعات والذين يقومون بتوزيع الجوائز والشّكر حسب معايير لا تكون دائما جماليّة وعلميّة.

فهل يجب إذن تجنّب مأسسة الثّقافة؟ إنّنا لا نقدر على أن نقلّل من شأن الثّقافة الأنثروبولوجيّة وعدم الاعتراف بقوّتها. فهويّة شعب لا تكون إلاّ بهذه القوّة أي بهذه القدرة التي يمتلكها كي يجيب على كلّ الأسئلة والوضعيّات التي يمكن أن تظهر في حياته. يعرف الفيلسوف النّمساوي غوستاف فون غرينوبوم الثّقافة بكونها «نسقا مغلقا من الأسئلة والإجابات المتعلّقة بالكون وبالسّلوك البشري في كلّ المناسبات التي يعترف فيها المجتمع بأمر معياري» [L’identité culturelle de l’islam, éd Gallimard, Paris, 1993, p1 ]، لماذا مغلق؟ «إنّ تعريف الثّقافة بكونها نسقا مغلقا لا يعني ذلك طبعا بأنّه يجب الحدّ من عدد الأسئلة الحائزة على القبول، إنّ العبارة تعني ببساطة أنّ هذه الأسئلة تمتدّ في كلّ قطاعات الكون الذي يدخل، في وقت ما، ضمن الحقل التّعبيري للجماعة» [نفس المصدر السابق].

هذا النّسق ليس ثابتا، إنّه يجمع في ذاته تغيّرات واضطرابات وانحرافات بالنّسبة إلى ذاته وبالنّسبة إلى الأنساق الأخرى، وهذا ما يجب في كلّ الأحيان فعله، أن يشبع النّسق حاجيّات الجماعة، وأن يعيد اكتشاف هويته وحضوره في العالم، وإعادة تشكيل ذاته حسب المقتضيات المكتسبة للثّقافة الإنسانيّة، وتأكيد خصوصيته واختلافه وتنوّع سريرته التي تكوّن العالميّة والإنسانيّة. ويجب ألاّ نقلّل من شأن النّتائج الايجابيّة لمأسسة الثّقافة. إنّ فعلا ثقافيّا وطنيّا يقضي بتدخّل القطاع العام، ليس فقط في مستوى أحكام الدّولة المتعلّقة بالثّقافة، وإنّما أيضا، في مستوى كلّ الإدارات المتعلّقة بالمعلومات والتّربية والعلوم. إن النّظام الأميركي، أساسه ثقافي مؤيّد بواسطة الإدارة ويشتغل كما لو كان وحدة مستقلّة وهذا مثال يعبّر عن الأثر الإيجابي للـ«ثّقافي»، بما أنه يتجنب تواطؤ الأفعال الثّقافية الوطنيّة ويحقق تنوّعها من خلال اتّجاهات التّفكير المختلفة والمتناقضة، ومن خلال العمل على أن يجمع داخل مجالسها، المبدعين والفنّانين والمستثمرين والنّاشرين والمنتجين، وحتى أصحاب القرار السّياسي.

غير أن هذين الشّكلين الثّقافيّين الضّروريّين في الوقت الرّاهن بالنّسبة إلى كلّ جماعة، يجب أن يخضعا إلى مراقبة الشّكل الأسمى للثّقافة، أي الثّقافة النّقدية. لنتذكّر أنّ مهمّة الثّقافة النّقدية الأساسيّة هي أن تسمح بتحرير الإبداع والفكر القائم سلفا. فهي قائمة على أساس الفكر الفردي والانطباع الحرّ والحكم النّقدي، لأنّها ثقافة متكوّنة من النّقديّ ومن الإبداعات ومن التّحليلات والإنتاجات والتّجديدات والتّقديرات. فأن يتثقّف المرء، هو قبل كلّ شيء، أن يرفض حيوانيّته ويعلن إنسانيّته. لقد جعل كانط من الثّقافة بمثابة ما يكون موهبة تسمح للإنسان بالتطوّر داخل نوعه بفضل ضرورة التحضّر والتّخلق. إنّ بناء الثّقافة هو غاية كلّ تربية لأنّه بواسطة الثّقافة نهدف إلى النموّ العامّ لملكات العقل وهي تمتدّ في تربية أخلاقيّة طريقها بلا نهاية [Emmanuel Kant, Critique de la raison pure, théorie transcendantale de la méthode, ch1 ].

لأجل ذلك، فإنّ هذا الشّكل الأرقى للثّقافة هو عنصر ثابت في التّطور الشّخصي والاجتماعي. فهي لا تضع موضع سؤال العناصر القائمة، وإنّما بفضل هذا التّعليم تصل دون خطأ إلى كمال الإنسان وإلى إغناء مجتمعه. إنّ الثّقافة النّقدية هي إذن ثوريّة، وفي الوقت نفسه عقليّة إلى حدّ أنّها تلزم فيه المجموعة على أن تعيَ الرّتابة وسلطان الأمر الواقع، وفي الوقت نفسه، تفرض عليها الإتقان والتخلّق لكي يصير «العيش سويّا» ممتعا.

لوحة: زهير حسيب

هذه الثّقافة النّقدية تسمح أيضا بنموّ الذّوق الجمالي. يجب القول إنّنا نشهد حاليّا، بواسطة ظاهرة التكفّل الثّقافي وتعريفها إعلاميّا تفقيرا للقيم على كلّ المستويات، وخلطا لكلّ الأحكام بأهداف غالبا ما تكون مكسبيّة رغم أن سقراط نبّهنا إلى هذا الخلط، وحاول أن يبرهن لنا بأنّه يجب ألاّ نخلط القيمة الجماليّة بالقيم الأخرى مثل النافع أو الممتع [Platon, Le grand Hippias, pp284-286]. إنّ الحكم الجمالي طريق للفرد كي يؤكّد حضوره بما هو كائن مستقلّ. وعندما نحرمه من معيار للفخر، فإنّنا بذلك نزيل عنه استقطابه لذاته ونُخضعه إلى سطحيّة اليومي. في هذا المعنى تجد الجماليّة نفسها مصاحبة للإيتيقا، وما الإستيتيقا والإيتيقا إلاّ ركيزتا الثّقافة النّقديّة.

لسنا هنا بصدد السّؤال عن إمكان صياغة نظريّة عامّة حول النّقد الذي يسمح بتعيين شروط إمكانه أو معاييره الموضوعيّة، نشير فقط إلى أنّ النّقد هو فكر يستند إلى التّعقل ويتمثّل في اختبار منتوج الفكر أو الإبداع كي يحدّد له صدقه أو خطأه، جماله أو قبحه، وعموما الحكم له أو عليه. فبعد كانط يمكن القول إنّ النّقد أضحى منهجا ووجهة خاصّة وأساسيّة للفلسفة وللفكر عموما، فهو «سلطة العقل عموما، مقارنة مع كلّ المعارف التي يمكن أن تستفيد منها في استقلال عن كلّ تجربة» [Emmanuel Kant, Critique de la raison pure, préface de la 1er édition]. لذا لا بد من التأكيد هنا أن الحكم، فعل خاصّ بالنّقد، يوجّه عمليّات المقارنة والتّجريد والتّفكير من خلال الفكرة المعتدلة والمنظّمة التي تكون معيارا للحكم. وسواء كان هذا الحكم ذا طابع منطقي أو إستيتيقي، فإنّ هذا لا يغيّر شيئا في مرجعيّته إلى هذا الفكر النّسقي [Béatrice Longunesse ,Kant et le pouvoir de juger, éd,PUF,Paris, 1993, p208]. ليس بالإمكان أن نسطّر حدودا واضحة بين النّقد والنّظام النّظري الذي يصدر عنه، لا نرجع هنا بداهة إلى النّقد الذّاتي والانطباعيّة التي تعرض أثر النّقد الذي لحق المنتوج المنقود. في هذا المعنى، كلّ نقد هو تحليل لمنتوج حسب نظريّة مناسبة كي تقوّم مكوّناتها وآثارها، وسواء كانت صوريّة أو محاكية أو تكوينيّة، فإنّ ما يريده النّقد قبل كلّ شيء هو تقديم إضاءة متجدّدة دائما للمنتوج المنقود، وبهذه الصّفة يكون هو الوسيط الضّروري بين الإنتاج والتقبّل، وبين الفنّ وجمهوره وبين الأثر وآثاره.

تفيد كلمة «ثقافة» في أصول اللّغة العربيّة الإتقان في اكتساب المعارف. أمّا الكائن من دلالاتها فيقترب من معنى الحضارة وتدلّ المفردة تقريبا على المعنى الأنثروبولوجي لكلمة ثقافة (Culture)، وهو المعنى الذي يعيّن بالفعل، المعارف والمعتقدات الدّينيّة والفنّ والأخلاق والحقّ والعادات وكلّ ما يمكن للإنسان أن يكتسبه في حياته الاجتماعيّة. فصفات الجودة والإتقان تبتعد شيئا فشيئا من تعريف الثّقافة في أصولها العربيّة الأولى، ويصبح المعنى الأنثروبولوجي مهيمنا ومحدّدا للمعاني الأخرى.

أمّا كلمة «أدب» في اللّسان العربي، فيمكن أن تدلّنا على هذه الثّقافة النّقدية، وبالفعل فإنّ لفظة أدب كانت تعني في بداية الحضارة العربيّة والإسلاميّة صرحا كاملا ومفتوحا للمعارف المختلفة. فالعلم، والمعرفة والموسوعيّة والتّقنية تكوّن بشكل ما جوهر الإنسان المثقّف «الأديب»، أي القارئ الذي له القدرة على «إضاءة كلّ شيء» حسب معادلة أندري ميكال [الأدب العربي، PUF، باريس، 1969]. وما وجب عقد الخنصر عليه في هذا السّياق أنّ مجالية الأدب الإسلامي منذ ميلاده وبداية من القرن الثّالث الهجري، تكمن في انفتاح المجالات المعرفيّة على الفضول الإنسانيّ كلّه، وبديهيّ أنّ هذا الانفتاح كان نتيجة من نتائج فتح العالم واكتشاف حقول جديدة اكتسبها المسلمون والعرب بعد اتّساع سلطة الإسلام، وهو أيضا نتاج إرادة المعرفة والاطّلاع على الجديد ووصفه ووضعه برمّته تحت الضّوء. [فتحي التريكي «الفكر التاريخي في الحضارة العربية والاسلامية»، ص ص 229 -231].

يمكننا طبعا إدراك هذا الطّريق تاريخيّا بواسطة التنوّع الخارق لمسائل الأدب المتباينة، والمناظرات والمناقشات حول تصوّرات فلسفيّة ومذاهب كلاميّة ومواقف سياسيّة، وبواسطة رسائل الأدباء وأذواق الرّأي ونقد العلماء. هناك تنوع كبير في التعابير الإنسانية شكلا ومضمونا في القرنين الثالث والرابع للهجرة، وكان الأدب حقا قاطرة الحضارة العربية الإسلامية تتبلور وتتجدد بلقائها المستمر بالحضارات المجاورة. فالهالة الثقافيّة الكبرى التي تشدّها قوة اقتصاديّة وسياسيّة للجماعة الإسلاميّة، أصبحت ممكنة عصر ذاك بواسطة حركة التّرجمة للآثار الفارسيّة والهنديّة وخاصّة اليونانيّة. كلّ هذا مكّن من جدليّة جديدة هي ما سمته رشيدة بوبكر التريكي «جدلية العودة والتّجاوز»، عودةٌ متجدّدة دوما إلى أصل الإسلام كي يستديم النّموذج الإسلامي في السّلم الثّقافي والاجتماعي، وتجاوزٌ من خلال هذا الفضول الذي تجذّر لدى العلماء والأدباء ورجال الثّقافة إزاء كلّ ما يحيط الحياة بحثا عن الإبداع والتجديد.[رشيدة بوبكر التريكي، الجماليات والسياسة في عصر النهضة (Esthétique et politique à la Renaissance, Publication de l’Université de Tunis, Tunis 1987)].

الهويّة ليست فقط ثباتا داخل الذّات، إنّها أيضا تغييريّة وتحوّلية تثري نفسها بلقائها بالآخر عبر الزمن من خلال إمكاناتها المتواصلة لاكتساب عناصر جديدة

ولعله من الفائدة إن نؤكد ما سبق وحددناه في أطروحتنا حول العقل والتاريخ في الحضارة العربية والإسلامية [Fathi Triki, L’esprit historien dans la civilisation arabe et islamique, Publication de l’Université de Tunis, Tunis 1992] من أن اهتمامات المتكلمين والسّلفيّين والمؤرّخين والعلماء تعارضا أو توافقا، فيما يخص حوار الدّين والعلم، كما أن تنامي المجون ومظاهر الحرّية المفرطة أو الاحتماء بالتّصوّف والمقدّس عموما، كل ذلك لا يعني فقط تحوّل الثّقافة من مظهرها الصّحراوي الأصل إلى المظهر البارز للمدن. ولكنّه سوف يعني أيضا، وإلى نحو قرنين آخرين (القرن الرّابع للهـجرة) أنّ إبيستمية الثّقافة العربيّة لم تقتصر على تجميع معارف الفترة الإسلاميّة الأولى، بل إنّها ستحاول معرفةَ الأشياء معرفة أفضل وعلى النّحو الذي تكون عليه، واعتماد شكل وجود مستقلّ للكائنات وللأشياء، وامتلاكَ نظرة نقديّة وجماليّة حول كلّ ما يحيط بالإنسان من معارف ممكنة.

لقد كان الأدب بمعنى من المعاني حاملا لهذا التّجديد وهذا التفتّح على العالم الخارجي وفي هذا السّياق هو قريب في معناه وفي نتائجه ممّا أسميته بـ»الثّقافة النّقديّة»، وهو أيضا لا يحيل فقط إلى ذاكرة الجماعة المتجذّرة في أصولها، بل إنّه يطلب أيضا كلّ ما هو أفضل عند الآخرين من الحضارات بكيفيّة تهيّئ الفرد كي ينفتح على الغيريّة.

وقصدنا لا محالة من هذه العودة إلى المفهوم الأصلي للأدب والتأكيد على صبغته الانفتاحية والجمالية في الآن نفسه هو التعبير الواضح على أهمية الثقافة النقدية. فالثّقافة النّقديّة هي التي يجب تنميتها حتّى تستطيع التّأقلم والتّكيف والمشاركة الفاعلة في الحياة اليومية مهما كانت الظروف والملابسات.

وكنت قد أكّدت، في مداخلة لي قمت بها أمام «اللّجنة الوطنيّة المتعلّقة بالتّفكير الاستراتيجي حول تونس في مطلع القرن21»، [نشرت هذه المداخلة في «قراءات استراتيجية» إيتاس، تونس 1995، باللغة العربية ضمن تأليف جماعي]، أنّ الثّقافة النّقدية في مظهريها الجمالي والعلمي أصبحت ضروريّة أكثر فأكثر في تكوين الإنسان الحديث حتى يواجه تحدّيات النموّ في السّنوات القادمة. هذه الثّقافة النّقدية تمكّننا من أن نتكيّف بسهولة مع ضرورات العولمة الاقتصاديّة والسّياسية، والتّحكّم في سبل المعارف والمعلومات التي تصنع أكثر فأكثر العالم الحالي. فهي تساهم في تأهيل هويّتنا كي تنقذها من الانطواء على ذاتها والتقوقع في معطياتها وبذلك ستؤثر فعلا في التوجه الإنساني للإنسان المعاصر، وأعني بذلك حريّة الحكم وحريّة الفكر. فدون قوّة النّقد، يفقد الشّعب كنه هويّته ويغرق في الدّغمائية والتّعصّب وينساب إلى اللامعقول.

هذه هي الثّقافة التي تسمح للإنسان أو لمجموعة إنسانيّة بالتّموقع والمطالبة بهوية خاصّة. وكنّا قد بيّنا في مقال سابق نشر في «مجلة الجديد» أنّ الهويّة ليست فقط ثباتا داخل الذّات، إنّها أيضا تغييريّة وتحوّلية تثري نفسها بلقائها بالآخر عبر الزمن من خلال إمكاناتها المتواصلة لاكتساب عناصر جديدة وخلاقة. هذه الثّقافة النّقدية التي تسمح لشعب بأن يعيش هويّته دون انغلاق ودون تقوقع داخل الذّات، هي أيضا ثقافة تجعله مبدعا ومنفتحا على الآخر دون خوف من الذّوبان أو السّقوط في العدم أو الاستنزاف حسب المصطلح الهيغلي. فبفضل رقابته المتواصلة للثّقافة الأنثروبولوجيّة، سيتمكّن حتما من إقامة علاقات سلميّة وتحاورية بين الحضارات والثقافات المختلفة وتحقيق شكل من التّثاقف حيث لا تسود إلاّ المصلحة المتبادلة التي تخوّل شيئا فشيئا إلى الوصول نحو ما سمّيته بـ»التآنس» من حيث هو شرط الإنسانيّة واعتناق الأفكار المجدية والإيجابية والاتّجاهات المختلفة والمتنوعة ولكنّها مشتركة لضمان حياة كلّ البشر.

تكتسي أطروحة هنتينغتون قيمة كبيرة جدّا، لكونها تعقد الخنصر على المشكل الأهمّ في العلاقات الاستراتيجيّة بين الأمم، أي الانتماء إلى قاعدة حضاريّة

على ضوء هذه المعطيات الخاصة بالثقافة النقدية يمكننا الآن التوقف قليلا للنظر في مستتبعات أطروحة صاموئيل هنتينغتون فيما يخص العلاقات الشائكة بين الثقافات وهي أطروحة أصبحت معروفة وأخذت حظها من البحث والدرس وكانت لها سلبيات عديدة منها الحروب الثقافية الحالية وانفجار الهويات وتشرذم بعض الأمم بعد انهيار جدار برلين وسقوط المعسكر السوفييتي وانقسامات جديدة في العالم العربي. ولكننا وددنا التأكيد هنا على أنّ الصّراعات بين الثّقافات بمعناها الأنثروبولوجي هو الذي يمثّل المرحلة الأخيرة في «نموّ الصّراع في العصر الحديث» حسب رأيه. لأجل ذلك ليس من المفيد استراتيجيّا الآن تجميع الدّول في كتل حسب اختياراتهم السّياسيّة والاقتصاديّة أو الأيديولوجيّة كما كان ذلك سائدا في القرن العشرين، بل من هنا فصاعدا حسب أطروحة هنتينغتون ستتحدد شروط التّجميع في الكتل الاستراتيجية وحتى التكتيكية «بالنّظر إلى ثقافتهم وحضارتهم» فالثقافة ستلعب دور المادة الضرورية لتجميع ناس ضد آخرين وستحدد بلغة سميدث العالم السياسي الألماني من هم الأصدقاء ومن هم الأعداء.

هناك بالنسبة إليه أربعة أسباب للمواجهة الحالية بين الثّقافات.

يهمّ السّبب الأوّل الاختلاف الأساسي الموجود بين الحضارات بسبب التّاريخ واللّغة والعادة والدّين. بينما يهمّ السّبب الثّاني الأفعال المتبادلة والمتقابلة بين الحضارات. هذه الأفعال تُشعر «الأفراد بحضارتهم وبالاختلافات بين الحضارات، وكذلك ما هو مشترك داخل حضارة بعينها» وهذا ما يفسّر مثلا ردود الفعل العدائيّة في أوروبا للهجرة المغربيّة. أمّا السّبب الثّالث للمواجهة فيكمن في ابتعاد النّاس عن هويّاتهم الأساسيّة بسبب عولمة الاقتصاد، والدّين على وجه الخصوص، هو الذي يمنح قاعدة للهويّة لإتمام هذا التّباعد. في حين أنّ السّبب الرّابع هو الذّي أتمّه الغرب نفسه، فبمقتضى قوّته، يدفع الآخرين إلى التجذّر داخل حضارتهم، إلى الأسلمة مثلا، أو يكون آسيويا أو أيضا أفريقيّا.. الخ.

يعيّن الكاتب أخيرا «الخطوط الفاصلة» بين الحضارات وتكون في مستويين اثنين: الجغرافيا الجزئيّة عندما تتصارع مجموعات متجاورة ومختلفة حضاريّا من أجل الهيمنة؛ والجغرافيا الكبرى حين تتصارع الحضارات المختلفة من أجل سلطة الرّقابة على المؤسّسات الدّولية سياسيّا واقتصاديّا و«فرض قيمهم الخاصّة السّياسيّة والدّينيّة».

إن المهمّ الذي يجب تأكيده هو أنّ الكاتب يعطي قيمة استراتيجيّة لخطّ الفصل هذا الذي يفرّق بين الحضارتين الغربيّة والإسلاميّة، ليس فقط لأنّ التّاريخ جعلهم في مواجهة متواصلة، وإنّما أيضا لأنّ الحضارة الإسلاميّة هي الآن بصدد النموّ لتأخذ مكانة مهمّة داخل المواقع العالميّة. وفوق ذلك كله، يضع الكاتب الإسلام محرّكا للمواجهات ضدّ الحضارة الكونفيشيوسيّة حينا، وضدّ السّلاف حينا آخر، وضدّ الثّقافة الهنديّة حينا ثالثا ولكن في كلّ الأحوال، يكون الغرب دائما هو الذي ينبغي إنقاذه من غائلة «الدّول الكونفيشيوسيّة الإسلاميّة»، لأنّ الحضارة الغربيّة فقط حسب الكاتب، هي في الوقت نفسه غربيّة وحديثة. أمّا الحضارات غير الغربيّة فقد حاولت أن تكون حديثة كلّيا دون أن تصير غربيّة، وإلى حدّ الآن لم ينجح في ذلك إلاّ اليابان.

فهل هناك إذن كونيّة للقيم؟ يجيب هنتينغتون أنّه في كلّ الحالات «بالنّسبة إلى المستقبل القريب سوف لن توجد حضارة كونيّة، وإنّما يوجد عالم مكوّن من حضارات متعدّدة وكلّ واحدة منها ستتعلّم كيف تتعايش مع الأخرى». هناك إذن نفي للكونية وذلك ليس بغريب عن هذا الكاتب باعتباره مفكر النسبية. فالتعايش مع الآخر في رأيه مصلحيّ بالأساس وستكون القيم الإنسانية هي أيضا مصلحيّة وظرفية.

تكتسي أطروحة هنتينغتون قيمة كبيرة جدّا، لكونها تعقد الخنصر على المشكل الأهمّ في العلاقات الاستراتيجيّة بين الأمم، أي الانتماء إلى قاعدة حضاريّة. غير أنّ سبب الصّراعات الرّئيس في العالم الحالي ليس ثقافيّا فقط، وأنّ مقولة صدام الحضارات ليست حسب رأيي التّفسير المركزي لمسرح السّياسة الإستراتيجيّة للعالم. وأعتقد، أنّه من غير الضّروري تفسير حروب الخليج وما يسمى بالربيع العربي مثلا، بالصّراع بين الحضارات.

يوجد دائما العامل الاقتصادي الذي يوجّه هذه الصّدامات، وتوجد أيضا الاختيارات الأيديولوجيّة والسّياسيّة ذات الدّور الكبير الذي لا يستهان به. هذه الأطروحة تعالج جانبا مهمّا في السّياسة العالميّة، ولكنّها تتجنّب مواجهة مركزيّة الصّراعات، من ذلك، مراقبة اغتناء الثقافي والطّبيعي. إنّ «نظامَ العالم الجديدَ» ليس إلاّ تنفيذا لهذه المراقبة في مستوى عالمي لفائدة الغرب الذي تخلّص بعد حرب باردة دامت سنوات عديدة من الاتّحاد السّوفييتي.

إضافة إلى ذلك، يعتقد صاحب هذه الأطروحة أنّ الحضارات كتلة مغلقة لا سيما الحضارات غير الغربيّة وكأنّها عالم معزول مكتف بذاته منغلق على معطياته. فلا وجود لأيّ تواصل مع الحضارات الأخرى. بل لا وجود لأيّ تأثّر أو توافق بينها. طبعا لا نشك أبدا ، أنّه يوجد في كلّ حضارة مهما كانت أهميتها نواة صلبة تقاوم «عنف» الثّقافات الأخرى كي تبقى وفيّة للمبادئ الأساسيّة التي تكون هويتها وتميزها عن الحضارات الأخرى (تقاليد الشّريعة على سبل المثال) ولكن توجد أيضا قنوات نقل العناصر الحضاريّة التي تؤثّر دائما إيجابيّا أو سلبيّا في كلّ الثّقافات، وخاصّة الحاضرة منها، حيث أضحى العالم متقاربا أكثر مثل «قرية» صغيرة بسبب نموّ القنوات المرئية والسمعية والإلكترونية ووسائل الاتصال بالإعلامية نموّا لا مثيل له. لأجل ذلك، يبدو لي أنّ في تصوّر هنتينغتون الكثير من الثّغرات والأخطاء العلمية والمنهجية، لهذا أناصرُ رأي داريوش شايقان كلّيا عندما يؤكد أنّ «فكرة الحضارة مثلما يفهمها هنتينغتون، تذهب أيضا ضدّ هذه الحقيقة ذات الاتّجاه الواحد، والتي هي في عالمنا الحالي ظاهرة العولمة» التي «تُترْجم، بفضل شيء من الانسجام في أنماط السّلوك، ولكنّه مصاحب أيضا بانتزاع كلّ نوع من أنواع الهوّيات التي تلبس أقنعة شديدة الاختلاف: قوميّة وعرقيّة ودينيّة»[Daryush Shayegan, Le choc des civilisations, in Esprit, avril, Paris 1996, p41].

صحيح أنّ هذا الاختلاف يكتسي غالبا خصيصة تفاعليّة وأنّ حركات الهويّة هذه تنتصب ضدّ هذه العولمة، مثل «أطياف من أشباح الماضي». ولكن هذا لا يعني قطّ أنّ كلّ احتجاج ضدّ هذا النّظام العالمي الجديد هو انكماش على الذّات، وأن كلّ تمجيد للثّقافة الشّخصيّة هو عداوة ناتجة عن ظاهرة إحباط. ومن غير أن نتّهم كونيّة القيم، فإنّ الهويّة الثّقافيّة كما عرّفت سابقا -بما هي ثبات للذّات وتحوّل لها، وليست ثباتا في الذات وتقوقعا لها- هي أسلوب يمكن أن نقول بأنه ناجح كي نقاوم تمزّق شخصيّتنا وأسلوبنا في الوجود وكي نكون حاضرين في العالم وفاعلين فيه تأثيرا وتأثّرا.

في الواقع، تمثّل العولمة ظاهرة قديمة تترجم عن ذاتها دوما بواسطة نسيج من العلاقات المتنوّعة مع المحيط المحلي أو الدّولي. فلا وجود لحضارة معزولة، مهما كانت صغيرة أو «بدائية». لقد أكّد بروديل دائما «رسملة» المكتسبات العلميّة والتّقنية والأيديولوجيّة على مستوى البشريّة قاطبة. معنى ذلك أننا الآن بصدد التحول من عصر العولمة التجمعي الذي يريد تجميع التنوع والاختلاف في قوالب محددة تسهل الهيمنة عليها إلى عصر العولمة الصراعية التي تريد فرض النمط الليبرالي العشوائي بقوة الدبلوماسية وقوة السلاح في الآن نفسه.

لقد تسارعت ظاهرة العولمة الثّقافيّة تسارعا كبيرا بفضل النمّو التّكنولوجي والعلمي ولا تزال تتسارع أكثر بفضل نموّ «الطّرق السيّارة» للمعلومات ولن يعدم هذا الأمر بالضّرورة الاختلافات والخصوصيّات الثّقافية ما دامت كلّ ثقافة تستوعب بطريقتها مكتسباتها والرّسالات التي تأتيها من محيطها. وبلغة أخرى، كلّ عنصر يأتي من ثقافة أخرى لا يمكنه أن يكون فاعلا ومستوْعَبا كما هو إلاّ إذا تمّ إعادة تأويله وإقحامه بواسطة تصوّرات وأفكار ووسائل الثّقافة المستقبِلة، لأجل ذلك، لا يمكن للكونيّة أن تمتزج أبدا بثقافة واحدة، ولا تنبثق قطّ من ثقافة يتيمة. وكلّ ثقافة تزعم أنّها كليّة على حساب الثّقافات الأخرى لا تفعل إلاّ أنّها تظهر طموحاتها التسلّطية التي تصاحب غالبا ممارساتها الاقتصاديّة-السّياسية ذات الطّابع الاستعماري والإمبريالي. فالكونيّة الثّقافية ليست إلاّ حركة للقيم التي يعاد إنشاؤها في كلّ مرّة تكون فيها على صلة بالثّقافات المختلفة. في هذا المعنى، لا تفسد الكونية أبدا الثّقافات التّقليدية ولا تمحو أبدا الاختلافات، وهي أيضا لا تهدّد الهويّة الثّقافيّة، ولا تجعل الثّقافاتِ «المتخلّفةَ» و«البدائيّةَ» و«المتوحّشةَ» «متحضرةً». فهي التي تحثّ الثّقافات على استيعاب قيم جديدة وعلى التّفكير فيها وإعادة تأويلها واستئناف مجرياتها تقييما ونقدا، فهي إذن تدعو إلى التحوّل تارة ببطء وتارة أخرى بسرعة حسب هذه المكتسبات من الانغلاق الخانق إلى الانفتاح الخالق. إذ لا يمكن لأيّ ثقافة أن تدرس وتفسَّر فقط بالنّظر إلى ثبات ذاتها في ذاتها، فالتّحول يشكل عاملا تأسيسيّا لكلّ ثقافة.

فتحليل كل ثقافة لن ينحصر فيما يميزها عن غيرها فقط بل أيضا كيف تعاملت مع غيرها وكيف تأقلمت مع معطيات غريبة عنها وعندما تكون في علاقة مع عالم خارجي، فإنّها تعمل بصفة ثباته الذّاتي من خلال إعادة تأويله بمساعدة تمثّلاتها ورموزها وكلّ تعابيرها المثاليّة. إنّها تعمل أيضا كتحوّل عن طريق فعلها في تمثّلاتها نفسها لتلائم شروط المحيط الثّقافي والسّياسي الجديدة. فكلّ ثقافة تنشئ عالمها وتعيد إنشاءه دون انقطاع، وتغنيه بالمعاني وتجدّد قيمه وتستوعب إبداعاته لتجعلها من ثوابتها المتواصلة. فالثقافة النقدية أو بالأحرى النقد الحر والمتعقل في الثقافة هو الذي يفتح أمامها باب الكونية ويجعلها تحافظ على تراثها وتثريه إبداعا وتحديثا ليصبح عامل نمو وتقدم فينفتح على الثقافة الكونية بل يزيدها ثراء. هكذا سيكون حضورنا في العالم بثقافة النقد والإبداع. وبدون ذلك سنغيب كليا عن الكونية والعالمية.


كاتب‭ ‬من‭ ‬تونس‭ - ‬صاحب‭ ‬كرسي‭ ‬اليونسكو‭ ‬للفلسفة‭ ‬بالعالم‭ ‬العربي