ثقافة الهجنة

صناعة الأجيال رهان ثقافي

الجديد  عائشة الدرمكي [نُشر في 01/12/2016، العدد: 23، ص(14)]

لوحة: رمضان حسين
«ماذا يمكن أن تكون فائدة تهجين الثقافات في وقت تتم فيه إعادة هيكلة الأسواق والحدود الثقافية؟».

بهذا السؤال يبدأ نبستور جارسيا مقاله «الثقافات الهجينة واستراتيجيات التواصل»، إذ يرى أن التهجين هو «تخالط» و»تأليف» ثقافي بين مجموعات ثقافية وظواهر، يتظافر التقليدي بالحداثي والثقافي النخبوي بالشعبي، ويعتقد أن مفردة «التهجين» مفيدة للإشارة إلى اختلاط التمثيل الأصلي بالأيقونة «علم الصورة». ولعل هذا ما يجعل من عمليات الاستقلال والبناء الوطني لصناعة الهُوية الوطنية أمرا يحتاج إلى النظر مليّا في الممارسات الفنية والسياسية والحياة الاجتماعية، فالتنمية الاقتصادية السريعة ونمو التعليم الأساسي والتعليم العالي وديناميكية التجريب الأدبي والفني طوال القرن العشرين والتكيف السلس لبعض الطبقات في المجتمع مع الابتكارات التكنولوجية والاجتماعية، والذي -بحسب جارسيا- يشهد التوسع والتجديد الاجتماعي والثقافي في المجتمعات. ولأننا نتحدث عن الثقافة والشباب والأجيال القادمة التي نحمّلها صناعة مستقبل الأمم، فإن مصطلح «التهجين» اليوم يشهد إشكالات متعددة من حيث قدرة الثقافة الهجين على الصمود أمام تحديات العصر التطورات المتسارعة، وهنا يعنّ علينا سؤال مهمّ في هذا الطرح، وهو هل على «التهجين» أن يظلّ يعمل في الخفاء ليل نهار حتى نستطيع القول بأن الجيل الشاب يمكنه أن يندمج في مجتمعه دون الخوف من وقوعه في الطرف أيّا كان نوعه وشكله؟

وإذا أجمعنا على أن «التهجين» والإيمان بـ»التعددية» الثقافية هو الرهان الوحيد لـ»الصمود» أمام تيار العولمة المتسارع الذي يسعى ليكون المجتمع العالمي شكلا وفكرا «وحيدا»، وإذا كنا نتحدث عن «الصمود» فإنه هنا لا يعني عدم الانفتاح وإنما يعني قدرة تلك المجتمعات على الحفاظ على «هُويتها» في ظل المتغيرات المتسارعة والمتلاحقة التي تستهدف جوهر المجتمع (الثقافة) وبالتالي تستهدف فئات المجتمع المنتجة خاصة (الشباب)، فإننا -والحالة كذلك- لا بد من إعادة النظر في المؤسس الذي تتأسس عليه تلك المجتمعات وتقوم بالتالي عليه ثقافتها وهو «الفرد» نفسه الذي يشكل تلك الثقافة ويوجهها مع جماعته، لا سيما فئة الشباب التي تتلقى وتصنع من تلك الثقافة تيارات فكرية جديدة تؤسس عليها ثقافة متطورة من ثقافة المجتمع الأصيلة، وبالتالي ستُنتج تيارات ذات أبعاد اقتصادية وسياسية واجتماعية متعددة، تأخذ أشكالا مختلفة من الاعتدال والتطرف بحسب رؤيتها وما تتأسس عليها، بل بحسب توجهها المستقبلي وما تتلقاه من الخارج عن طريق تيارات العولمة والمتغيرات التقنية المتسارعة، وبالنظر إلى ذلك فإن من أهم المتغيرات التي تطرأ على ثقافة الأفراد في أيّ مجتمع حديث هي «الجماهيرية»؛ فإذا كانت الثقافة الجماهيرية واحدة من أهم أنواع الثقافات اليوم والتي يضعها هرلمبس في كتابه «سوسيولوجيا الثقافة والهُوية» في مقاربة مع الثقافة العامة (الشعبية) والثقافة العالية (النخبوية)، في أنها تختلف عنهما كونها «صُممت لتنال إعجاب ذوي المكانة المتدنية، فلا تحمل صفة التحدّي وليس لها ما تقوله من حيث الأهمية. فهي لا تعبّر عن ثقافة حقيقية كما تقوم بذلك ثقافة الفولكلور، ولا تحقق أيّ قيمة فنية ذاتية كما تفعل الثقافة العليا. هي ببساطة نمطية ذات صبغة تجارية فرضتها شركات الأعمال على الجمهور بهدف الربح».

وهذا ما يؤكده «ماكدولاند» الذي انشغل بالتفريق بين هذه الثقافة «الجماهيرية» والثقافات الأخرى في المجتمع في أن هذه الثقافة فُرضت من «الأعلى»؛ عن طريق برنامج «جرى تصميمه بواسطة التقنيين، وجرى استئجارها من جانب رجال الأعمال، أما المتلقين لها هم من المستهلكين الانفعاليين والسلبيين، حيث إن هؤلاء مشاركتهم مقيدة بالاختيار بين الشراء أو عدمه. والمسوّقون لهذه الثقافة إنما يستغلون الحاجات الثقافية للجماهير لغرض جني الأرباح أو لغرض الحفاظ على السيادة الطبقية لهم». إنها إذن عملية تجارية بحتة يتم خلالها توجيه المجتمع الشبابي خاصة -بوصفه منتفعا وممارسا- وجهة ثقافية معينة تجعل من «الثقافة/الجماهيرية» سيطرة سياسية من ناحية، وسريعة الانتشار من ناحية أخرى لأنها سهلة الفهم ولا تأخذ سوى القليل من الجهد الذهني، ولهذا هي واسعة الانتشار.

ولعل هذا ما جعل «ماكدولاند» يقول بأن الثقافة الجماهيرية «تهدد الثقافة العليا» لأن انتشارها وسهولتها يجعلان الثقافة العليا هامشية ومنحازة لفئة قليلة من المجتمع، ولذا فهي لا تعتبر منافساً للثقافة الجماهيرية من حيث التوسع والانتشار. وهذا يعني أن هذه الثقافة تقود المجتمع نحو ثقافة نمطية محددة من حيث اللغة والكيفية التي تريدها هي «كونها سلطة عليا»، وبالتالي ستصنع «ثقافة» نمطية عامة ليست شعبية، ولا نخبوية بل هي تشق طريقها في الوسط بينهما لتجعلهما في الهوامش، وتأخذ هي جماهيريتها النمطية واسعة الانتشار والتي سوف تكون ضمن نمط «العولمة»، من حيث كونها خارجية المنشأ والتأسيس، هي شركات «عالمية» تقود المجتمعات نحو صناعة ثقافة جماهيرية عامة نحصل من خلالها على نمط عام للثقافة، وبالتالي تصبح ثقافة المجتمع -سواء أكانت شعبية أو نخبوية- مهمشة بالمعنى الجماهيري، ليصبح «المثقف» المنتمي لهما «يغرد خارج السرب».

إن من أشدّ الأخطار التي تواجه المجتمعات ضمن الثقافة الجماهيرية هي انفلات وتفكك التجمعات المجتمعية بحيث يصبح أفراد المجتمع غير قادرين على الالتزام تجاه مجتمعاتهم من ناحية، كما أنها تفرض حالة من الاغتراب داخل تلك المجتمعات من ناحية أخرى؛ حيث نجد أن الصغار يتعلقون بمجالات ثقافية لا تناسب أعمارهم، وهكذا بالنسبة إلى اليافعين، مما يجعل المجتمع في حالة من الارتباك الذي ستتولد عنه تلك الحالة من الاغتراب الثقافي. وهذا ما قد نجده في تلك الشركات الإلكترونية الضخمة التي أصبحت تؤطر ثقافة المجتمعات وتجعلها داخل منظومة أرادتها وخططت لها هي من مثل شركة الفيسبوك، والتويتر، والواتس أب، والإنستغرام، وغيرها الكثير من تلك الشركات التي تصنع الثقافة الجماهيرية للمجتمعات ضمن منظومة سلطوية تحاصر بها الأفراد وتوجههم نحو فكرة أو مجموعة من الأفكار التي تفرض سياسة تلك الشركات.

لوحة: إسماعيل الرفاعي

ولهذا سنجد أن العولمة اليوم تستغل حاجة أفراد المجتمع لا سيما اليافعين والشباب إلى التواصل مع غيرهم داخل مجتمعاتهم أو خارجها لتصنع شبكة من المعطيات التي تؤسس من خلالها منظومة من التحولات الثقافية التي تشتغل بوصفها منظومة ثقافية عامة، ينفلت من خلالها المجتمع مما يميزه ويحاول جاهداً عبر أفراده الوصول إلى «العالمية» التي يتماهى ضمنها رغبة في الوصول إلى «رتبة» في تلك المنظومة (كارتفاع عدد المعجبين أو المتابعين). إلا أنها في نهاية الأمر ليست سوى منظومة رأسمالية تتحدد من خلال أسلوب الإنتاج والتنافس الذي نشهده بين تلك الشركات التي تصنع وتُنتج تلك وتصدِّرها إلى المجتمعات التي تتسابق لشرائها لتحقيق الثقافة «الجماهيرية»، وهي بذلك -كما يقول هابرماس في «العلم والتقنية كأيديولوجيا»- «تقدم شرعية السيطرة التي لا يمكن أن تستجدى من سماء التراث الثقافي، إنما تنتزع من قاعدة العمل الاجتماعي، ومؤسسة السوق التي يتبادل فيها أصحاب ملكيات خاصة بضائعهم، بما في ذلك السوق الذي يتبادل فيه الناس الذين لا ملكية لهم قوة عملهم كبضاعة وحيدة، تعد بعدالة تكافؤ علاقات التبادل»؛ فشركات التواصل الإلكتروني مثلا بهذا المعنى تعمل على إيجاد مساحة «العمل الاجتماعي» الذي يتقدم إليه صاحب العمل والراغب فيه، والمشارك، ضمن قواعد عامة تقدمها وتفرضها هي بوصفها سلطة أعلى. وبهذا فهي تشتغل ضمن مبدأ «تنظيم سيرورات الإنتاج الاجتماعي وسيرورات إعادة هذا الإنتاج ذاته» -على حد تعبير هابرماس-، فهي هنا تبدأ من حاجة المجتمعات لتعيد تنظيم تلك الحاجات ضمن قواعد تفرضها هي متعلقة باللغة والصورة والصوت والكيفية. إنها بهذا شبكة من المعطيات التي توجه ثقافة المجتمع نحو التماهي في الآخر الذي يمثل الطرف المقابل، وبحسب هذا الآخر تتوجه ثقافة المجتمع ويأخذ الأفراد مواقفهم من التغيرات والمعطيات الثقافية المتوفرة.

ولعلّ المجتمعات بدأت تتنبه لهذه السلطات الخارجية التي أصبحت تداهم ثقافاتها بشكل مباشر لصنع ثقافة عامة تبتعد عن ثقافات تلك المجتمعات ضمن تيار منظومة الثقافة الجماهيرية، ولهذا سنجد أنها وظفت الإعلام بوسائله المتعددة ليكون في مواجهة تلك الثقافة السلطوية الآتية من الخارج، ولأنّ الإعلام يتأسّس كما تتأسّس تلك المنظومة على مفهوم التواصل فإنه أيضا يشتغل ضمن منظومته الإعلامية، ليكون مقابلا لها ونداً في التصدي، ولعل المتابع لنشرات الأخبار يجد خلالها مجموعة من الأخبار التي وضعت لنفي خبر شاع على وسائل التواصل الإلكتروني أو لترسيخ فكرة أو تصحيح أخرى شاعت عبر تلك الوسائل بشكل مغلوط أو مناف للدقة أو الصحة، أو أننا قد نجد برامج تلفزيونية تنشر أخبار أهم ما يشاع أو ينشر عبر تلك الوسائل الإلكترونية بغرض الترسيخ أو التصحيح أو المناقشة.

هكذا إذن تتم قيادة وسائل الإعلام التي تعتبر بمنطق الأسبقية «أصيلة» إعلامياً، وتوجيهها نحو ما هو محدث، وهي بذلك تجد نفسها مشتتة، متوترة غير قادرة على ملاحقة الخبر المتجدد والمتلاحق بصورة سريعة جدا، ولعلنا سنجد أن شيوع تلك الوسائل ضمن الثقافة الجماهيرية يجعل من كل مستخدم لها ذا سلطة وقدرة على الصياغة أو التعديل أو حتى النقد، ولهذا سنجد ذلك ظاهراً جدا بوجود تلك الشخصيات (التويترية، أو السنابية أو الفيسبوكية…) وغيرها التي أصبحت ذات شهرة واسعة لا لشيء سوى أنها ناشطة في النشر عن الحياة اليومية وحيثياتها المتلاحقة (الأكل، الشرب، العمل، السياحة وغيرها). هكذا سنجد أن الأمر لا يقف عند حد الإعلام وحسب بل إن هذه الوسائل الإلكترونية ستوجه مناص الحياة كلّها لتخصص الدول والشركات الكبرى (المهتمة بالترويج) مبالغ ضخمة لهذه الشخصيات (التويترية، والسنابية وغيرها) للحضور إلى بلدانها أو زيارة مواقعها بمستوى ترفيهي عال فقط من أجل أن يكتب أو يغرّد في صفحته لتصل تلك الكتابات والتغريدات للملايين ممن يتابعونهم، لتصبح تلك الوسائل مجالا سهلا وسريعا للتسويق، إلا أننا سنجد أن الأمر هنا لا يقف عند حد التسويق أو الشهرة بل إنه يتعدى ذلك إلى توجيه وتحديد فكر المتلقين من اليافعين أو الشباب أولئك الذين يقضون ساعات طوال أمام الأجهزة الإلكترونية يتابعون وينشرون، فهم ممّن يتلقى الفكر ويعيد نشره في الغالب دون وعي واضح، ولعل المتتبع لهذه المواقع سيجد ذلك واضحا؛ إذ نجد أن هناك شخصيات معينة ذات توجهات دينية أو سياسية أو اجتماعية تحاول جاهدة توجيه «الجمهور» ضمن فكرة الثقافة الجماهيرية التي تعطي الفكرة ببساطة لغوية واقتضاب في المعنى بحيث يجزّ العبارة من الفكرة ويوجهها إلى الجمهور دون السياق فتلقى رواجا كبيرا، وهذا الرواج هو المسؤول عن صناعة التوجهات التي تقسم الجمهور وتفرقه بين الـ»نحن» و»الآخر»، وهذا ما سينتج عنه لاحقا فكر التطرف والمغالاة في النظر إلى الفكر المجتمعي، وبالتالي ثقافة المجتمع التي تحاول في الواقع المعيش أن «تختلط» و»تتآلف» مع الثقافات الوسطية القادمة من الخارج والتي تنتج محليا بتعاقب الأجيال. وعليه فإننا سنجد أن المجتمعات اليوم تشهد تشكالات متعددة وتحديات مختلفة في سبيل الوصول إلى ترسيخ فكرة المجتمع الوسطي الذي تسعى إليه، والذي يمكن أن يكون ضمن «ثقافة الهجين» التي تعدّ واحدة من الحلول التي يمكن اعتمادها لوصل الأجيال بعضها ببعض. الثقافات.


كاتبة من سلطنة عمان