ديستوبيا الخلافة والحرب الأهلية في أوروبا

مفهوم اليوتوبيا قديم قدم العقل الإنساني، وخاصة في أوروبا، حيث كان تصور المدن الفاضلة والجنان الأرضية أساسيا للفكر السياسي والمخيال الأدبي والديني والفلسفي، ومثل بقية المفاهيم جلبت اليوتوبيا مفهومها النقيض، أي الديستوبيا، الذي يقوم على تخيل المدن الفاسدة والمجتمعات المأزومة التي تعيش ظروفاً كابوسية، ربما كتحذير موجه للحاضر الذي يرى الديستوبيون، على اختلاف مشاربهم ومواقعهم، أنه يحمل بذور خرابه في داخله.

الجديد  محمد سامي الكيال [نُشر في 01/12/2016، العدد: 23، ص(44)]

لوحة: إسماعيل الرفاعي
سادت الدستوبيا، جنباً إلى جنب مع اليوتوبيا، طيلة القرن الماضي، خاصة إبان الحرب الباردة، حين كان التهديد النووي حاضراً بقوة، ما جعل الديستوبيا تمتزج مع التصورات الأبوكاليبسية لنهاية الحضارة الإنسانية، حتى بات عالم «ما بعد المحرقة النووية» عالماً مألوفاً بشدة في الأفلام والروايات وحتى برامج الأطفال. الآن، تعرف أوروبا نوعاً جديداً من الديستوبيا والتصورات الأبوكاليبسية، التي يبدو أنها صارت وحيدة بالميدان في عالم اليوم، الذي يحلو للبعض تسميته بعالم «ما بعد اليوتوبيا».

إثر حالة الخوف والتشاؤم التي سادت أوروبا بعد العمليات الإرهابية في فرنسا وبلجيكا وألمانيا، شهدت الساحة الثقافية الفرنسية جدلاً مثيراً بين اثنين من أهم أقطاب الإسلامولوجيا الفرنسية المعاصرة: أولفييه روا صاحب «فشل الإسلام السياسي» و»الجهل المقدس»، وجيل كيبل مؤلف «ثأر الله» و»النبي والفرعون». ابتدأ الجدل بعدما نشر روا أطروحته المتفائلة نوعاً ما حول «أسلمة الراديكالية»، والتي يرى فيها أن العمليات الإرهابية التي تشهدها أوروبا مؤخرا ليست نتيجة لراديكالية ما متأصلة في الإسلام نفسه، بل لعدمية منتشرة بين الشباب في مختلف أرجاء العالم، يمكن تتبع أسبابها في الظروف الاجتماعية والاقتصادية، وتفكك البنى المجتمعية والثقافية التقليدية تحت ضغط العولمة والتحديث.

العدمية العنيفة، بحسب روا، ليست ظاهرة محدثة، فإلى جانب عمليات القتل العشوائي التي يقوم بها الشباب والمراهقون، وخاصة في الولايات المتحدة، شهد العالم طيلة القرن الماضي حركاتٍ راديكالية، ذات صبغة يسارية على الأغلب، خاضت معارك شديدة العنف ضد السلطات القائمة. ما اختلف في أيامنا فقط هو أن اليوتوبيات اليسارية فقدت جاذبيتها وتأثيرها، وباتت بعض تأويلات الإسلام هي المصدر الوحيد القادر على إنتاج أيديولوجيا متماسكة للاحتجاج العدمي. ليس الإسلام الراديكالي هو من ينتج العدميين، بل العدميون هم من يجعلون الإسلام راديكالياً.

فضلاً عن هذا يرى روا أن ظاهرة أسلمة الراديكالية لا تلقى نجاحا سوى بين أبناء الجيل الثاني من المهاجرين ومجايليهم من معتنقي الإسلام من الفرنسيين، في حين يبدو الجيل الثالث أكثر اندماجاً في المجتمع الفرنسي، وأقلّ عرضةً لتأثير الراديكالية.

جاء ردّ جيل كيبل على هذه الأطروحة قاسياً، حيث اتهم روا بأنه جزء من عملية التعمية العامة التي تقوم بها دوائر معينة من المثقفين الغربيين، والتي تحرم المرء من القدرة على دراسة المفاهيم والعقائد الأساسية التي تحرك المتطرفين، وذلك عن طريق الابتزاز باتهام كل من يفعل ذلك بـ»الإسلاموفوبيا»، كما أن روا، الذي يقيم منذ سنوات طويلة في مدينة فلورنسا الإيطالية، غير مطلع بشكل كاف، حسب كيبل، على التحولات الاجتماعية والعقائدية التي تطال الضواحي الفرنسية التي تعيش بها نسبة عالية من «المسلمين».

في مقابل مفهوم «أسلمة الراديكالية» أكد كيبل على أطروحته التي تدور حول «الجيل الثالث من الجهاديين»، فقد شهدت الأيديولوجيا الإسلامية بحسبه حتى اليوم ثلاثة أجيال أساسية: الجيل الأول هو جيل الجهاد الأفغاني في ثمانينات القرن العشرين وتفرعاته في مصر والجزائر، الجيل الثاني هو جيل القاعدة في تسعينات القرن الماضي ومطلع الألفية، القائم على تنظيم هرمي منضبط، كان يخطط بشكل استراتيجيٍ واعٍ، ويضرب أهدافاً حيوية في الغرب، غالباً ما كانت أهدافاً أميركية. أما الجيل الثالث الذي نعايشه اليوم فقد تأثر أساساً بأفكار أبي مصعب السوري، المنظّر الجهادي السوري- الأسباني، الذي نظّر لاستبدال التنظيم الجهادي الهرمي بتنظيم مرن غير مركزي، يقوم على خلايا غير مترابطة تجند المجاهدين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتضرب الأهداف الأسهل منالاً في الخاصرة الرخوة للغرب: أوروبا.

أوروبا باتت اليوم إذن بالنسبة إلى الجهاديين، بحسب كيبل، المنطقة الأكثر ضعفاً في الغرب، حيث توجد مجتمعات غير مستقرة، تخترقها غيتوهات ضخمة تعيش بها أجيال جديدة من «المسلمين» الذين يشعرون بالظلم والتهميش، وهدف الجهاد هو استثمار هذا الضعف، وضرب هذه المجتمعات في العمق لدفعها للقيام بردود فعل شديدة ضد المسلمين، وهكذا تسقط أوروبا في أتون حروب أهلية عنيفة تدمر كل البنى القائمة، بحيث يصبح من الممكن إقامة الخلافة الإسلامية على أنقاض القارة العجوز.

يوصي كيبل بمجابهة أمنية وثقافية واجتماعية لهذا المخطط دون الوقوع في شرك «الحرب الشاملة على الإرهاب» التي يتوق لها الجهاديون لتنفيذ مشاريعهم في الغرب.

لوحة: إسماعيل الرفاعي

تحذيرات كيبل من الحرب الأهلية الأوروبية لاقت صدىً كبيرا في فرنسا وخارجها، وبدت أكثر توافقاً من نظريات روا مع الجو الأبوكاليبسي السائد، ولهذا لا يبدو مدهشا تصريح جيل كبيل الأخير لصحيفة «taz» الألمانية، الذي أكد فيه أن ميشيل ويلبيك، صاحب رواية «استسلام» الشهيرة، التي تتخيل حكماً إسلامياً مستقبلياً لفرنسا يجيء عقب حرب أهلية طاحنة، قد تأثر بأعماله وكتبه، ونظريته حول «الحرب الأهلية الأوروبية».

إلا أن هذا التأثير الأبوكاليبسي لم يقتصر على مجال الأدب بل طال أيضاً المجال السياسي، حيث حذرت فراوكه بيتري، زعيمة حزب «البديل لأجل ألمانيا»، من حرب أهلية في ألمانيا نتيجة لما وصفتها بسياسات اللجوء الخاطئة التي تنتهجها الحكومة الألمانية، وسرعان ما جاءت أحداث العنف في مدينتي باوتسن وكوتين شرق ألمانيا لتعزز خطورة هذا التصريح.

ضمن هذه التطورات تبدو المقولات التقليدية، التي ينتجها عادة الاستقطاب بين اليمين واليسار في أوروبا، فاقدةً لأهميتها التفسيرية، فلم يعد التكرار المبالغ به لمصطلحات مثل «الإسلاموفوبيا»، «التهميش» و»كراهية الأجانب» معبّراً عن واقع الحال في الدول الأوروبية، كما أن الثنائية المطروقة بين مجتمع أغلبية أبيض ثري عنصري وأقليات مهمشة، لم تعد مقنعة كالسابق، فالمجتمعات الأوروبية باتت تشهد بشكل متصاعد نشوء مجتمعات بيضاء مهمشة تزداد أحوالها سوءاً، في حين تنضم فئات من الأقليات بشكل أكبر إلى النخبة السائدة الليبرالية مستفيدة من سياسات «التمييز الإيجابي»، وبناء على هذا فإن «قضية الأقليات» لم تعد نضالا فئوياً على هامش المجتمع، بل أصبحت سياساتٍ تنتمي للتيار السائد سياسياً واجتماعياً، دون أن تحلّ بالضرورة المشاكل العالقة لمجتمعات الأقليات.

كما أن تفسير الأجواء الأبوكاليبسية السائدة، والتصورات الروائية الديستوبية عن أنظمة حكم شمولية ذات طابع ديني، كما لدى الفرنسي ويلبيك أو الجزائري بوعلام صنصال، باستفحال موجة الفوبيا من الإسلام، يطمس الجوانب المتعددة والمعقدة لظاهرة التشاؤم الأوروبي المستفحل، ويردها فقط إلى اختلال نفسي، أو عنصرية شريرة متأصلة جوهرانياً في «الإنسان الغربي الأبيض».

يُظهر تقدم التطرف الإسلامي الأزمة الهيكلية التي تعاني منها المؤسسات والدول والقيم الأوروبية، والتي لم تعد قادرة على استيعاب التطورات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الجديدة، كما أصبحت عاجزة تماماً عن إدماج عناصرها السكانية، «الأصيلة» منها والوافدة، ضمن أيّ متحد وطني أو ثقافي جامع وشامل، وبعد أن كانت أوروبا في القرنين الماضيين تسعى لدمج العالم بأكمله في نطاق حداثتها، أصبحت في قرننا هذا ترتجف خوفاً من ضياع خصوصيتها وقيمها خلال عملية اندماجها في نطاق ما بعد حداثة العولمة، وترفع الأسوار والأسيجة لحماية ما تبقى لها، بأسلوب يكشف مدى إحساسها بالحصار. يبدو «الإسلام» هنا خطراً نابعاً من قلب العصر الحديث، وليس خطرا ماضوياً قادماً من العصور الوسطى كما يظن البعض.

على مستوى الدول القومية، تسلك أوروبا المأزومة، بنخبها وناخبيها، ردات فعل متفاوتة، فتحاول بريطانيا استعادة عزلتها الجغرافية بوصفها جزيرة متعالية عن الجيران القاريين، في حين تلجأ فرنسا إلى التاريخ وتتشبث بشكل كاريكاتوري بقيم الجمهورية الضائعة، أما الألمان فهم تائهون كالعادة في حيرتهم السرمدية بين الفرنسيين والإنكليز، فلا هم مرتاحون جداَ مع قيم التعددية الثقافية الإنجلوساكسونية، ولا هم قادرون على التشبث بقيم الجمهورية و»دولة الحق» بنفس أسلوب الفرنسيين، خاصة وهم يرون مشروعهم في تزعّم الاتحاد الأوروبي وبناء الهوية الأوروبية يفلت من بين أصابعهم تدريجياً مع اضمحلال الاتحاد. أما على الصعيد الثقافي، يلجأ المثقفون المكرسون إلى إنتاج الصياغة الثقافية لأجواء التشاؤم العام، من ميشيل أونفري الذي يدعو إلى الاستسلام الأنيق والشجاع لحتمية زوال الحضارة الغربية، مروراً بسلافوي جيجيك الذي يؤكد على أن القيم الأوروبية لم تعد ضرورية للرأسمالية العالمية، وصولاً إلى المثقفين اليساريين وأنصار مدرسة ما بعد الكولنيالية الذين ما يزالون يعايرون أوروبا بإرثها الاستعماري وآلياته وآثاره، التي لم ولن تنتهي في نظرهم على ما يبدو، مهما تغيرت بنى الهيمنة والسيادة وحركة رأس المال على المستوى العالمي.

هذا هو الوضع الأوروبي الهش الذي أدركه مبكراً أبو مصعب السوري، والذي قد يجعل أوروبا، وليس هرمجدون الشهيرة في الجغرافيا التوراتية، أو دابق المذكورة في الموروث الإسلامي، هي الميدان المرجح للمعركة الأبوكاليبسية الكبرى التي يتواجه فيها الحق والباطل، وتقوم على إثرها اليوتوبيات الدينية، التي يراها الناس في المعسكر الآخر ديستوبيات مرعبة، تهدد حاضراً مأزوماً بعمق.


كاتب من سوريا