جرافيتي بغداد أسئلة الهوية

ما لم تستطع تحقيقه تخيّله ببساطة، أو أرسمه بعبارة أخرى، علّق رسالتك على جدار الآجرّ ودعها تبث مضامينها، أي دعها تكمل تكويناتها في عقول المارة متسارعي الخطى، أما هؤلاء الكادحون الذين يسحبون عربات الحمل الثقيلة بدل الحمير، الغارقون في عرقهم الحلال، فسيلقون نظرة عابرة على تلك الرسالة ويمضون، لكن في الظهيرة، عندما تحين ساعة تناولهم الخبز الجاف وقدح الشاي، سيكون لديهم متّسع من الوقت ليتأملوا تلك الفتاة الراقصة على أنغام الموسيقى وخلفها في الأفق ترتسم علامات السلّم الموسيقي الذي يعتقده التجار سرب عصافير تنتصب فوق أسلاك الكهرباء لتتأمل مثلهم راقصة البالية الرشيقة ذات الشعر المصبوغ والفستان القصير. خلف هذا العالم الآسر من سحر الموسيقى والرقص ثمَّة جدار أجرد أقسى من الحديد، يدير ظهره للقنابل ويحتضن الراقصة ليدرأ عنها، وربما عن الحمالين أيضاً، سعير الشظايا المتطايرة مثل مزق من أقدار حديديّة.

الجديد  محمد حيّاوي [نُشر في 01/12/2016، العدد: 23، ص(68)]

«صبّات» الامبريالية

الـ»الصبّات»، أو العوازل الكونكريتية العملاقة التي باتت تقّطع أوصال مدينة بغداد، ثقافة إمبريالية. لم نكن نعرف تلك الثقافة الشوهاء في العراق حتَّى جاء الاحتلال فأغدق علينا بابتكاراته، وكتل الإسمنت أو الكونكريت التي تجثم على صدر المدينة بلونها الرّمادي البشع أصبحت جزءاً من المشهد اليوميّ، تماماً كما أصبح سياسيو الاحتلال جزءاً منه.

وبسبب تلك الكتل المرصوفة بجانب بعضها لتشكل جدراناً موحشة، يضطرّ الناس لقطع الكيلومترات الطويلة ليلتفّوا حولها، أو نحت ثقوب صغيرة أسفلها تكفي لتمرير أجسادهم الجافلة في رحلتهم اليوميّة إلى المدارس أو الأسواق الشعبية. لم يعتد البغدادي منذ قرون العيش في كانتونات معزولة تحميها الـ»صبّات» الأميركية في الحقيقة. كان طول سنوات البحبوحة ينساب كالماء باحثاً عن الحدور ليستقر في البقعة التي تناسبه. لكن تلك الجدران المرعبة أصبحت حقيقة يوميّة الآن، تطالع الناس يوميّاً بوجوهها الكالحة ولونها الموحش، كبيرة لدرجة يشعر الإنسان بجانبها بالتضاؤل.

حاول البعض إهانتها بتعليق صور مرشّحي الاحتلال عليها فجاء الماعز وأكلها، لصق البعض الآخر عليها صور الأئمة كي يخاف الآخرون ولا يرموا أكياس القمامة عند أقدامها، لكن أكداس القمامة تزايدت باطّراد، فاستغل شاب فقد إحدى ساقيه بانفجار عابر ليحوّلها إلى إعلان مجاني لرافعته، قال ما أكثر الانفجارات في بغداد وما أكثر السيّارات المحترقة التي تقطع الطرق، فاستلف من شقيقته مبلغاً واشترى رافعة صدئة من بقايا جيش الاحتلال أيضاً، « كرين للإيجار.. تلفون 07712767233» هذه العبارة تجدها على «الصبّات» في كل مكان، قرب القصر الجمهوري وعند تخوم المنطقة الخضراء وفي مدخل المسرح الوطني وعلى جدران ملعب الشعب، حتَّى قرب مبنى السفارة الأميركية العملاق الذي يشبه محمية ضباع مدلّلة.

التقطت صورة عابرة وأنا في سيّارة الأجرة للإعلان الشهير وقارنتها بصور سابقة، مازال الخط المكتوب بالصبغ البخاخ يزداد رداءة في الحقيقة، لكنّه حافظ على لونه الأزرق وإن بدرجات متفاوتة. مرّة اتصل صديق بالرقم المدوّن في الإعلان من باب التسرية أو الفضول، فظهر له صوت نسائي في الطرف الآخر، «نعم أخوية تفضل».. أتصل بشأن الـ»كرين».. نعم بخدمتك فقط أعطني موقع الانفجار ورقم هاتفك».. يا إلهي!!.. لِمَ تفترض تلك السيِّدة بأن ثمَّة انفجارا قد حصل؟.. هل ارتبط عملهم بالانفجارات إلى هذا الحدّ؟..

وأمام حيرة صديقي وجفوله وجدتني مضطراً لالتقاط الهاتف منه وتقديم الشكر لتلك السيِّدة، فنحن لسنا بحاجة لخدماتها، على الأقل حتَّى اللحظة. شمس تموز توسّطت كبد السماء وأصبح السير في الشوارع مستحيلاً في مثل هذا الوقت، بعد أن قطعت بلدية الاحتلال جميع الأشجار الوارفة التي كانت تظلل المارّة وتنث فوق رؤوسهم نسمات رحيمة تقيهم الهجير، لكن الجرافيتي الغريب على «الصبّات» مازال يبتكر اقتراحاته ويبث رسائله للعابرين.

حمالون جامعيون

في الكرادة جلس شاب أمام «بسطية» صغيرة يبيع السجائر الرديئة مُتّقياً الشمس بمظلّة متهرئة، خلفه على الجدار غرافيتي باللون الأحمر مكتوب عليه بخط الرّقعة العريض «هل تعرف صركون بولص؟».. مرحباً صديقي.. هل تعرف صركون بولص إذن؟.. نظر الشاب إليّ ضاحكاً.. طبعاً أعرفه.. إنّه شاعر عراقي حداثوي.. لكن لا أعرف إن كان شقيق الباحث شمعون بولص أم مجرّد تشابه أسماء.. أذهلتني المفاجأة أوّل الأمر، لكن الشاب، الذي اتضح أنّه خريج كلية الآداب فرع الأدب الإنكليزي، سألني ساخراً، هل تعرف الشاعر كزار حنتوش؟.. نعم.. لقد كان صديقي رحمه الله.. حسناً لديه قصيدة شهيرة يقول في مطلعها «ذاك الناقد ذو الأنف المعقوف القائل عنّي من يعرف فاطمة في سوق الغزلِ».. أشعر قوله ذاك ينطبق على حالتنا الآن.. ووسط دهشتي وانبهاري وقفت قربنا سيارة رباعية الدفع سوداء اللون، أنزل الرجل الجالس في المقعد الأمامي الزجاج فهبّت علينا نسائم التبريد. كان أسمر البشرة بشارب غليظ ويرتدي بدلة وربطة عنق غير متناسقتين تنمّ عن ذوق سوقي لحديثي النعمة.. «هل لديك مارلبورو أبيض؟».. كان واضحاً أنّه من هؤلاء الذين نزحوا من الجنوب مع الأحزاب الإسلامية وتسنّموا مناصباً مهمة في الحكومة، فانتهزت الفرصة وأشرت إلى الغرافيتي خلفي.. هل تعرف صركون بولص يا سيّدي؟.. نظر إليّ شزراً ثمَّ نظر إلى العبارة والصورة على جدار الإسمنت قبل أن يجيب.. لا.. من هو صركون بولص هذا، ثم استدار لجماعته في السيّارة وقال ساخراً.. أنّه يشبه حسّون الحلاق في الرميثة، وضحك الجميع قبل أن يقفل الزجاج ويمضي.

أستطيع الجزم بأن فنّ الجرافيتي دخل العراق بعد الاحتلال، عندما برزت الحاجة لابتكار وسائل ثورية للتعبير عن الغضب الشعبي، قبل ذلك لم نكن نعرف هذا الفن وقدرته الفذّة على بث الرسائل السياسية. أذكر في ثمانينات القرن الماضي أقنعنا معلم التاريخ في المدرسة المركزية، وكنا في الصف الخامس الابتدائي، بخط عبارة «انتخبوا الجبهة المهنية» وكانت تنظيماً للمعلمين الشيوعيين آنذاك، فلاحقنا رجال الأمن حتّى آخر السوق ومازال أثر عصيهم على عجيزتي، كما لو أنّه حدث أمس.

الآن فنانو الجرافيتي يرسمون أعمالهم باطمئنان نسبي، أحياناً يضايقهم رجال الحرس الوطني قرب نقاط التفتيش وأحياناً يقدّمون لهم الماء البارد ويلتقطون معهم السيلفي، لكن في جميع الأحوال يبقى الجرافيتي في بغداد فنّاً مبتكراً ومهمة باسلة، يواجهه المارّة بعدم اكتراث في أغلب الأحيان ويأخذ عند أقدامه الحمّالون وباعة المفرق من خريجي الجامعات قيلولتهم القصيرة وهم يسخرون في سرّهم من التّجار شبه الأميين الذي يستأجرون خدماتهم لأنّهم ببساطة لا يعرفون الشاعر صركون بولص ولا أستاذ المسرح عوني كرومي أو فنان الفوتوغراف الكبير فؤاد شاكر، ببساطة هم يعرفون سيّد محسن الكعبي، مفتش وزارة التجارة الفاسد الذي يبيع لهم المناقصات ويستقطع نصف ساعات العمل للصلاة، تاركين الحمّالين المثقفين يلوكون خبز كفافهم في الظهيرة قبل أن يتوجّهوا لشارع المتنبي أيام الجمعات ليبتاعوا الكتب والروايات المترجمة.

ذاكرة كونكريتية

من منظور آخر ثمَّة استنتاجات طيفية أو وجدانية تثيرها الصور الخاصّة في البيئات العامّة، على الرغم من اختلاف الرسائل وطبيعتها، ففي جرافيتي آخر ذي طابع وجداني ثمَّة طفل يظهر في زاوية الصورة حزيناً، فالظاهر في الجرافيتي والده الشهيد الذي سيظل معلّقاً على العازل الكونكريتي إلى ما شاء الزمان، كما هو شأنه في قلب الابن الصغير ووجدانه، وفي الجرافيتي ثمَّة عبارة تقول «أنا ابن الواقف في الصورة، النائم في الأرض، الجالس في قلبي، الذائب في ذاكرة الوطن»، فالتأويل الجرافيتي هنا هو السعي لمقارعة الغياب وتجسيد الخلود، لكن هذا المعنى لم يكتمل لولا الجزء الصغير في الصورة الفوتوغرافية حيث تلك الزاوية التي يظهر فيها الابن، كما ولو كان لسان حاله يقول.. انظر ذاك المرسوم على الـ»صبّة» خلفي هو أبي الشهيد النائم مجازياً تحت الأرض، لكن الجالس دوماً في قلبي، وهو بعد هذا وذاك ذائب في ذاكرة الوطن، تلك الذاكرة الكونكريتية الصلدة التي تصدمنا بالحقائق يوميّا.

اكتمال الشروط

الجرافيتي في بغداد يثير أسئلة الهوّية المُلحّة بطريقة عابرة للطوائف، أو كما يقول الباحث سعد سلّوم، مشروع لتحرير المجال العام من الهيمنة في محاولة لبناء دولة المواطنة الحاضنة للتنوّع، ذلك لأن الصراع في العراق هو أيضاً صراع على المجال العام، أو الفضاء المتاح واحتلاله من قبل ثقافات ورموز أحادية طاردة للتنوع، هو نوع من التدمير المنهجي للهوّية الوطنية. بينما تبقى الرموز الثقافية عابرة لخطوط الانقسام الدينية والطائفية والاحتفاء بها فعل يحررنا من هيمنة نخب البزنس الطائفي ورموزهم وأساطيرهم التي تقوض أيّ مشروع عابر للطوائف.

ويبقى الجرافيتي فناً غير مكتمل الشروط إن شئت، فهو فن الشوارع المتمرّد الذي أخرج الفن التشكيلي من صالات العرض المكيّفة ونثره في الشوارع مستوحياً عناصره من بيئته المتناقضة، وهو في الغالب فن يساري مناهض للرأسمالية والامبريالية، بل هو الشكل الديمقراطي للفنون الشعبية، لا يستطيع أحد جمعه وتوحيده، فما إن يولد على الجدران والــ»الصبّات» حتى يصبح جزءاً من الحياة اليوميّة، ويبقى هناك ليبث رسالته البسيطة حتَّى الانفجار اللاحق، ففي بغداد ثمَّة متّسع لبث الرسائل للمارّة بين انفجار وآخر، وفي المحصلة لا تقوَى الانفجارات على الإطاحة بـ»الصبّات» العملاقة، هي تبرقعها بالهباب الأسود وحسب، لكن ما إن تُرفع جثث القتلى ويغسل رجال الإطفاء الشوارع من بقايا الدم، حتَّى يتقدم بائع سجائر رديئة أو حمّال جامعي ويمسح ذلك الهباب بكُمه فتنبثق ابتسامة عوني كرّومي وغرّته المنفوشة من تحت السخام ليبقى السؤال الأزلي «هل تعرف صركون بولص؟» منبثقاً يقضّ مضاجع الفاسدين الذين تسلقوا على رقبة العراق في غفلة من الزمان.

فكرة رسومات «هل تعرف؟» الجرافيتية تعود إلى الفنان والشاعر العراقي حسام السرّاي، وهي مبادرة جديدة تعود إلى مجموعة من المثقفين تطلق على نفسها «مجموعة السياسات الثقافية في العراق» في محاولة لتحرير المجال العام، كما قال الباحث وعضو المجموعة سعد سلّوم، أو مسعى لإيجاد رؤية حديثة لتنظيم الفعاليات الثقافية وإعادة التفكير بأثرها الاجتماعي.

خضير الزيدي: إضاءة الأنفاق المظلمة

"نحن نحيا حياة الصورة» عبارة لرولان بارت، تحمل طابعا مؤثرا، لمن يريد أن يستلهم، موضوع اليومي ورسالته في المتلقي. وهذه العبارة تذكرني، بأيّ منجز جمالي، وفني جديد، أو مشاريع لأفكار علينا أن نعدها رسالة لإحياء الحياة بعيدا عن المتخيل والمعقد منا. وربما نجد، في مجموعة السياسات الثقافية في العراق، ضمن فعاليتها (هل تعرف؟) فكرة ناضجة، تعيد للمتلقي التذكير بأسماء إبداعية، شغلت مكانتها،عبر التاريخ المعاصر. واجد بأن أهمية الفكرة تتعلق بما تحمله من تأثيرات بصرية، ومعلومة يجب البحث عنها من خلال (الصورة المعلقة على الجدار) وأبعاد تركاتها النفسية في التذكير بأسماء لا بد أن تبقى راسخة في المخيلة والذاكرة الجمعية، ما تسعى إليه الفكرة يكمن في إثارة المشاهد نحو معرفة هذا الرمز وقيمته الوطنية، ولا تخلو من العودة إلى إعطاء الذاكرة فاعلية وتنشيطا بمرجعية من وضعت صورهم بعمل جرافيكي على حواجز أقرب لجدران الثكنة وهنا مغزى السؤال. إلى أيّ مدى يمكن آن تنجح هذه العملية الفنية في بث رسالتها للمشاهد؟ الأمر يتوقف على تأثيرات الصورة ومرجعية الأسماء وحسنا صنع القائمون عليها حينما أشاروا لأشخاص بعيدين عن عالم السياسة وكانوا بفعل منجزهم الإبداعي أرفع من السياسيين وأفعالهم وهذا يستوجب لمن يرى تلك الصور إعادة قراءة تاريخهم بالقياس للآخرين، الفكرة تخلق معادلا موضوعيا آخر وهو الالتفات إلى الرمز الوطني بعيدا عن صورة السياسي التي يتذمر منها المواطن ولهذا ستتغير معادلة الصورة بأن تظهر إخلاصا للحس الإنساني والإبداعي حيال ركود صورة السياسي، هذه الطريقة ومعالجاتها وحساسية تأثيرها تظهر لأول مرة في بغداد بفعل نشاط ينجح في بث رسالته نشطاء، لكنها في الحقيقة تبدو مشاكسة ومقصودة المعنى لتبعد الزيف مقابل الأصيل فهل تنجح في ذلك..؟ الأمر متوقف بقوة بلاغة الصورة وإثارة الفضول في المشاهد ولو تسنى للقائمين على الفكرة أن يكرّسوها بنطاق أوسع لجعل المعادلة أكثر انسجاما… مع هذا ليس هناك ما يخيّب الآمال في ذخيرتها الاعتبارية والموضوعية، إنها قيمة تجعل المشاهد يتساءل ويبحث ويحاول أن يكرّس وقتا في الاطلاع على مبدعين من بلاده.. ربما تترك (هل تعرف..؟) أثرها القريب في الجميع لأنها تلعب على المخيلة والذاكرة وتنشط المشاعر وهذا ما عملت على تحريكه أمام كل من يتوقف متأملا تلك الصور الشخصية ويتساءل مع نفسه عليّ أن أعرف ولو بعد حين.

ناقد تشكيلي من العراق

حسام السراي: رؤية جديدة للعلاقة مع الناس

آن الأوان لأنْ يكون فعل المثقف في العراق أقرب من أيّ وقت مضى إلى المجتمع، مُستثمراً الأمكنة والفضاءات العامّة، ومغادراً المساحات القديمة من قاعات وصالونات.

فقبل أنْ نطلق سؤالنا «هل تعرف؟»، كان هناك سؤال عرضيّ لم يُطرح بنحو صريح وواضح، لكنّ الأحداث هي من صاغت علاماته، بأنّ هذا المجتمع المهموم الذي نعيش بينه، وينتقدنا أفراد منه بمثل هذا الرأي «المثقف في العموم بعيد عن الناس»، هل لديه موانع أو تحفّظات في أن يوجّه اهتمامه، نحو التعرّف إلى ثقافته ورموزها التي شكّلت محطات مضيئة من تاريخ العراق المعاصر، على مستويات تبدأ بالأدب ولا تنتهي بالعمارة والمسرح والسينما والرسم.

صحيحٌ أنّه مجتمع لم تتركه الكوارث يحيا يوميات اعتياديّة، إلا أنّ بيئته نفسها شهدت في أشدّ أيّامها عنفاً ودموية فعاليّات وأمسيات متعدّدة في اليوم الواحد. ولأنّ الشكل الذي تخرج به أغلب النشاطات بات متوقفاً عند لحظة من الماضي، عنوانها طاولة وكراس وعدد محدود من الجمهور يتكرّر دائماً، كان لا بدّ من بحثٍ ورؤية جديدة للعلاقة مع الجمهور والتخطيط الثقافيّ لإعادة صياغتها، إذ يفرض الواقع العراقيّ الحالي أنْ تطرح سؤالك وتضع مفردات خطابك على الجدران وعلى واجهات الأبنية، لتستوقف المارّ وتحرّك فيه أسئلة وأفكاراً، حتّى وإن كانت مجرّد لفت انتباه في البداية، وهذا الموضوع بالتحديد أثارته مجموعة السياسات الثقافيّة ذاتها، في مؤتمرها للعام الماضي باسم «إدارة الثقافة في زمن الطوارئ».

فهل انتبهنا إلى المساحة التي تشغلها رموزنا الثقافيّة في المجال العام؟ في مقابل الرموز السياسيّة والدينيّة التي تملأ صورها الشارع اليوم، وما دام الحال كهذا، ولأنّ من حقّ الجميع التواجد والتعبير عن خطابه، لنعبّر نحن عن رموزنا وخطابنا ونطرح رؤيتنا للهويّة العراقيّة من خلال هذه الأسماء التي لن يتجاوز توصيفها هذه العبارات: شاعر عراقي، رسّام عراقي، معماري عراقي.. إلخ، بمعنى ليس بينهم من هو ممثّل عن فئة أو جماعة، وهذا هو أهمّ ما نريد إيصاله إلى الأجيال الجديدة في العراق، فضلاً عن المسعى الأكبر في تقديم الخطاب الثقافي بمحنى جديد (الجرافيتي هنا هو الأداة)، ومن ثمّ الهدف التعريفي بهذه الشخصيات وما تحمله من ارث وتاريخ.

شاعر من العراق

سعد سلوم: تحرير المجال العام

فكرة رائعة، تلك التي يقودها المبدع «حسام السراي». وهي بالفعل تثير سؤال الهوية في عالم يتحول كل ما هو صلب فيه من «الدول/الأمم» إلى غبار من «الطوائف»، من هؤلاء الذين ترتسم صورهم على الجدران؟ في قلب هذا السؤال مشروع لتحرير المجال العام من الهيمنة. وإطلاقه جزء من حراكنا لبناء نموذج دولة مواطنة حاضنة للتنوع.

فالصراع في العراق هو أيضا صراع على المجال العام، واحتلاله من قبل ثقافات ورموز ثقافية أحادية طاردة للتنوع، هو نوع من التدمير المنهجي للهوية الوطنية. الرموز الثقافية عابرة لخطوط الانقسام الدينية والطائفية والاحتفاء بها فعل يحررنا من هيمنة نخب البزنس الطائفي ورموزهم وأساطيرهم التي تقوض أيّ مشروع عابر للطوائف.

أقترح أن تضم السلسلة الثانية رموزا نسوية: نزيهة الدليمي، سارة خاتون، رينيه دنكور،، ميان خاتون، سور ماخانم، الخ فلا يمكن تحرير المجال العام بجعله مقتصرا على الرجال ومحددات الثقافة الذكورية، أيضا أقترح أن ينفتح على رموز ما تزال تنبض بالعطاء (سلسلة أحياء بيننا)، خوفا من أن يتحول إلى ضرب من تمجيد عبادة الموتى. نريد الاحتفال بالحياة والأحياء في ظل ثقافة تقوم على الموت. لذا لتشتعل الجدران بإضاءات حية لأحمد سعداوي وَعَبدالجبار الرفاعي ويوسف توما ولطفية الدليمي ومحمد خضير وغيرهم.

حول أهمية المشروع نرجع لما يطلقه من أسئلة:‎ سؤالٌ.. لربّات البيوت وهنّ يذهبن إلى الأسواق صباحاً، لموظفات ينشغلن بالمسلسلات المدبلجة، سؤال لشاب يقضي نصف يومه مع أرجيلة، وسؤال أيضاً لطاعن في السن يتحسّر اليوم على عهد نوري السعيد، عسى أن يكون عارفاً بأحد هذه الشخوص التي نرسم وجوهها على الجدران ببغداد.

‎فلمن لا يعرف هذه الأسماء: لن يكلّفك البحث عنها سوى نقرة واحدة في Google‎ ولمن يعرفها ندعوك فقط إلى أن تبتسم وتحكي لمن حولك عن منجز هؤلاء أو أفكارهم‎‎ وسيرة كلّ واحد منهم.

شاعر من العراق


كاتب من العراق