المختصر

الجديد  كمال البستاني [نُشر في 01/12/2016، العدد: 23، ص(154)]

الماضي وهشاشة الأزواج

ياسمينة رضا فرنسية من أصول إيرانية مجرية يهودية، عرفت بأعمالها المسرحية مثل «فن» التي فتحت أمامها أبواب الشهرة العالمية، مثلما عرفت بمحاولات جريئة في كتابة السيناريو وخاصة الرواية. من آخر إصداراتها في هذا الجنس رواية «بابل» التي توجت بجائزة رونودو. هذه الرواية تعالج ثيمات الوحدة وحياة الأزواج والتخلي، من خلال حفلة بورجوازية تحولت إلى مأساة بسبب سوء تفاهم بسيط، بين جان لينو الذي يكره الحيوانات وزوجته الميالة إلى الحديث عن البيولوجيا والإيكولوجيا، وكلاهما يحمل جرحا لم يندمل. هي لم تجد العزاء في فقد حبيب، وهو ضيّع هويته اليهودية. تبدو الأمور في الظاهر طبيعية تسير سيرها المعتاد، ولكن كما في روايات ناتالي ساروت يكفي حبة أو حصاة كي يتعطل السير وينشب الحادث ويتحول إلى كارثة، والكارثة هنا هي إقدام جان لينو على قتل زوجته.

أسطورة الطفل المتوحش

‎جائزة فيمينا للرواية الفرنسية لهذا العام كانت من نصيب ماركوس مالط، عن رواية «الولد» وهي ملحمة تدور أحداثها في النصف الأول من القرن العشرين، تستعيد أسطورة الطفل المتوحش الذي يبلغ مرتبة التحضر، بطلها لا اسم له ولا صوت، ربته أمه في كوخ بمكان قفر جنوب فرنسا. ولمّا ماتت شدّ عصا الترحال بغير هادٍ سوى حدسه وتمسكه بالحياة، إلى أن التقى بمصارع في مدينة ملاه، يدعى برابيك دعاه إلى مرافقته في جولاته عبر القرى والمدن، وشيئا فشيئا ينمو وعيه ويتعرف على الجنس البشري الذي عاش بعيدا عنه ويتعلم لغته ونمط عيشه، وعلاقات أفراده بعضهم ببعض، ولا يلبث أن يكتشف الحب في ملامح الحسناء إيمّا، ولكن الحرب الطاحنة (1914-1918) تكشف له عن الوجه الآخر للوضع الإنساني، وجه الإنسانية البشع، الذي يقتل ويبيد بغير رحمة.

امرأة تعيش بالأدب وللأدب

‎جائزة فيمينا للرواية الأجنبية حصل عليها الرسام والروائي الأميركي من أصل لبناني ربيع علم الدين عن «امرأة غير ضرورية» في أصلها الإنكليزي أو «حيوات الورق» في ترجمتها الفرنسية. رواية تروي طقوس عليا وهي امرأة جاوزت السبعين اعتادت أن توقد في رأس كل سنة شمعتين لوالتر بنيامين، ثم تشرع في ترجمة أحد أعمال كتابها المفضلين: كافكا، بيسّوا، نابوكوف.. إلى العربية. طلّقها زوجها بعد أربعة أعوام من زواجهما، فصارت تملأ بالأدب حياتها وتتنشق أنفاسه على أنغام شوبان، وهي محاطة بالكتب وكراتين الورق، وترجماتها التي تبعث فيها الحياة. فالأدب هو ملاذها ومتعتها، في وقت كانت الحرب فيه تستعر، وبيروت تشتعل بنيران البغضاء والتفرقة. وعندما تخرج إلى الشارع تتذكر أحاديثها مع صديقتها آنا ومكتبتها التي دمّرت، وقراءاتها على ضوء شمعة.. رواية تحتفي بجمال بيروت وشدائدها زمن الحرب، وتعلن حبّها للأدب.

بين عالم منته وعالم ناشئ

‎»آخر واحد منّا»، الرواية الثانية لأديلاييد دو كليرمون تونير الصحافية بمجلة لوبوان، حازت الجائزة الكبرى للرواية التي تمنحها سنويا الأكاديمية الفرنسية. رواية تتنقل أحداثها من درسدن المدمرة تماما عام 1945 إلى منهاتن في نهاية ستينات القرن العشرين وبداية سبعيناته، عبر فرنر زيلخ، اليتيم منذ ولادته، إذ وضعته أمه تحت قنابل الحلفاء، قبل أن يكبر ويصبح مقاولا في البناء، ويتعلق بريبيكا التي صادفها في منهاتن، وهي وريثة غنية لم يمنعها ثراؤها من ممارسة الرسم الفني.

‎من الجبال النمساوية إلى صحراء لوس ألاموس، ومن السهول المتجمدة في بولندا إلى الحفلات النيويوركية، ومن تراجيديا عالم منتهٍ إلى طاقة عالم ناشئ، حيث أخوان عدوّان وامرأتان تربطهما صداقة متينة وشابان يعيشان حبا مستحيلا، يشكلون أبطال هذا العمل السردي اللاهث، أبطال لم يجعلوا المال قيمة مثلى برغم توافره، إذ كانوا يتوقون إلى قيم ومثل بشرت بها تلك المرحلة التي عقبت الحرب

مثقفو فرنسا خلال قرنين

‎»الحياة الفكرية في فرنسا» كتاب ضخم صدر في جزأين، تحت إشراف كريستوف شارل ولوران جان بيير من جامعة باريس 1 و8، ومساهمة 130 من خيرة المتخصصين، فرنسيين وأجانب، في سوسولوجيا المثقفين والحياة الثقافية والعلمية والأدبية والفنية خلال القرنين الأخيرين. يغطي الجزء الأول المساحة الزمنية الممتدة من الثورة الفرنسية إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914. والثاني منذ ذلك التاريخ إلى الآن. هذا العمل الفريد من جهة المدة التي يتناولها، ومن جهة الأبعاد الاجتماعية والثقافية والسياسية والرمزية التي يحاول جمعها، لا يبرز دور الشخصيات والمجموعات والخلافات والأحداث فحسب، وإنما أيضا الظروف المادية والاجتماعية والاقتصادية لإنتاج الأفكار ونشرها. وخلافا لتقاليد تاريخ الأفكار، سعى المساهمون إلى تجنب تناول الموضوع من جهة السردية الوطنية وحدها، وإبراز تضافر الفضاء الفرنسي مع الفضاءات الثقافية الأجنبية، البعيدة والقريبة، الأوروبية وغير الأوروبية، ليبينوا دور المثقفين خلال قرن ونصف في نشر الأفكار، وانحسار هذا الدور في نصف القرن الأخير، حيث فقدوا تأثيرهم ومشروعيتهم في الفضاء العام، وأفكارهم لا تتنقل إلا في الظاهر عبر وسائل الإعلام.

الرعب غاية داعش الاستراتيجية

‎جديد أوليفييه روا الباحث المتخصص في الإسلام السياسي والمحاضر بالمؤسسة الجامعية الأوروبية بفلورنسا كتاب بعنوان «الجهاد والموت»، يبين فيه كيف أن الإرهابيين الذين ضربوا فرنسا، منذ 1995 وحتى 2016، يفجرون أنفسهم أو يقتلهم رجال الأمن، دون أن يبحثوا عن وسيلة للفرار، أو أن يكون الموت ضروريا لتحقيق عملياتهم. فالموت لدى الإرهابي ليس إمكانا أو نتيجة أليمة لفعله، بل هو في قلب مشروعه، تمثلا لمقولة بن لادن (وتنسب إلى الرسول) التي صار الإرهابيون يرددونها «نحبّ الموت كما تحبّون الحياة». ويرى أن الانبهار نفسه نجده لدى الجهاديين الذين يلتحقون بداعش، حيث تغدو عملية الانتحار غاية لانخراطه. والخطر الأكبر أمام هذه الظاهرة ليس الآثار الناجمة، بل الرعب، لأن داعش في نظر الباحث تلهو بخوفنا، وهذا الخوف هو خوفنا من الإسلام. فالأثر الاستراتيجي الوحيد للعمليات الانتحارية هو مفعولها السيكولوجي: فهي لا توثر في قدرات الغرب العسكرية ولا الاقتصاد، بل المؤسسات التي قد نضعها موضع شك عبر التنازع الدائم حول الأولوية بين دولة القانون والأمن. فالخوف في نظر روا هو ما يهدد بانفجار مجتمعاتنا.

نحو تجريم إفساد النظام البيئي

‎»حق جديد للأرض» عنوان كتاب لفاليري كابان المتخصصة في القانون الدولي وحقوق الإنسان والناطقة باسم منظمة «وضع حدّ لقتل كوكب الأرض»، تتساءل فيه كيف يمكن الحديث عن حقوق الإنسان والشعوب والمجتمعات تُجرّد من وسائل عيشها عبر العالم، من خلال تدمير محيطهم. وتبين أن تدمير الأرض ليس جريمة أخرى تضاف إلى الجرائم التي ترتكب ضد حقوق البشر، بل هو الجريمة الأولى، تلك التي تدمر شروط الإقامة في الأرض. فالاختلالات الجارية تغذّي المظالم والتوترات الجيوسياسية فيما يظل مدمّرو كوكبنا بلا عقاب. ومن ثَمّ، ترى كابان أن المطالبة بأشكال جديدة للمسؤولية والتضامن صارت أمرا لا ينتظر الإرجاء. صار عاجلا تحديد معنى جديد وأطر جديدة للعمل الإنساني داخل الحدود الكونية، والقانون الدولي لا بد أن يتغير ويعمّ حول قيمة محورية جديدة هي نظام البيئة الأرضي، مع إقرار جريمة عالمية خامسة هي «جريمة قتل البيئة».

‎ سياسة جديدة لعالم جديد

‎في كتابه الأخير «القرن السياسي الجديد» يعتبر عالم الاجتماع الشهير ألان تورين أن العولمة هي أهمّ تحول شهده العالم منذ سقوط الشيوعية، وأن التقابل يسار-يمين لم يعد مجديا في مقاربة الأوضاع المستجدة، ليس لانعدامهما، وإنما لأن الحياة في كل بلد صارت مسيّرة بالوضع العام للعالم، وبالتالي أصبح التناقض الأساس يضع وجها لوجه من يقبل التعامل مع العالم المعولم ومن يرفضه، ويتساءل تورين كيف يمكن للفرد أن يؤدي واجبه المدني إذا صارت الحدود مشوشة بهذا الشكل، ويطرح قضايا يدعو إلى تناولها من هذه الزاوية كالهوية الوطنية، والمسألة الدينية واللائكية والبيئية ومقاومة الإرهاب. والرهان في رأيه من الأهمية بمكان، «فإذا قبلنا بمواجهة السياسة مع الوعي بأننا دخلنا عالما جديدا، نمنح المواطنين النشيطين فرصة إصغاء القوى التكنولوجية والربح والبروباغندا الجماهيرية إلى أصواتهم».

العولمة كمحرك أساس للعنف

‎يصدّر الأنتروبولوجي ألان بيرتو كتابه الجديد «أطفال الفوضى» بمقولة لجاك لاكان كان أطلقها عام 1959 «ليس من يكون بلا شفقة ولا خشية سوى الشهداء، ويوم ينتصر الشهداء، صدقوني، سينجم حريق كوني». ويتساءل هل تهدد الحروب التي تجتاح الشوق الأوسط بجذب كل الخيبات السياسية والثورات اليائسة للجيل القادم؟ وهل التطرف الإسلامي هو مصدر هذه المأساة وتلك العمليات الإرهابية في العالم؟ ويجيب بأن الفوضى القادمة لا يحركها الجهاد وحده، وإنما أيضا اهتزاز شرعية الدول من طرف العولمة، والأزمة العامة للتمثيلية السياسية، وبحث الأقوياء الذين أوجدوا العنف في العالم عن شرعية أمنية. وهو ما يفسّر تكاثر الانتفاضات والعمليات الإرهابية منذ مطلع الألفية الثالثة في شتى القارات. عندما تصبح نهاية العالم أكثر صدقية لدى عدد من الشباب من نهاية الرأسمالية، يأخذ التمرد وجهة اليأس والاستشهاد. وبذلك فتحت نهاية الفرضية الثورية السبيل أمام هياج الأطفال الذين ضيعتهم الفوضى السياسية والإنسانية للعولمة النيوليبرالية.

في الإسلام السياسي

‎من خلال تجربته في العالم العربي والإسلامي على مدى أربعين عاما، ومتابعته لثورات الربيع العربي وإفرازاتها، يحاول الباحث فرنسوا بورغا في كتابه «فهم الإسلام السياسي» أن يبين أن دوافع الإسلاميين من الجزائر إلى سوريا، مرورا بتونس واليمن وليبيا ومصر وفلسطين وفرنسا، سياسية صرف، فقد سعت الحركات الإسلامية منذ انبعاثها إلى لعب دور سياسي ولمَ لا الوصول إلى السلطة، ولكنها قوبلت بتعسف الأنظمة الحاكمة وقمعها وقوبل قادتها وأتباعها بالسجن والتعذيب والنفي. وفي رأيه أن من الخطأ البحث عن مفاتيح الإسلام السياسي المعاصر في النص الديني، بل ينبغي البحث عنها في المرحلة الكولونيالية، حيث شكلت العودة إلى الدين تأكيدا للهوية ومقاومة ضد الاستلاب وسلاحا ضد المستعمر. كتاب جدير بالقراءة ولو أن فيه نقاطا خلافية كثيرة.


كاتب‭ ‬من‭ ‬لبنان‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬ليدز‭-‬بريطانيا