ما‭ ‬العقل؟

من‭ ‬شيمة‭ ‬الفلسفة‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬دائماً‭ ‬لامتحان‭ ‬أسئلتها‭ ‬وامتحان‭ ‬أجوبتها‭. ‬وآية‭ ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬سيرورة‭ ‬المعرفة‭ ‬والقطائع‭ ‬المعرفية‭ ‬تطرح‭ ‬على‭ ‬الفيلسوف‭ ‬مسألة‭ ‬الحقيقة‭ ‬ولهذا‭ ‬نعود‭ ‬لنسأل‭ ‬ما‭ ‬العقل؟‭ ‬سؤال‭ ‬قديم‭ ‬سؤال‭ ‬جديد‭! ‬سؤال‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬اللبس‭ ‬في‭ ‬الجواب،‭ ‬لأن‭ ‬الجواب،‭ ‬أجوبة‭ ‬على‭ ‬سؤال‭ ‬واحد‭.‬ بل‭ ‬إن‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬سؤال‭ ‬ما‭ ‬العقل‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحولات‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬نعيشها‭ ‬وطغيان‭ ‬ما‭ ‬نسميه‭ ‬اللامعقول‭ ‬والعودة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬ثورة‭ ‬العقل‭ ‬الحديث‭ ‬وتكوينه‭ ‬لهو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬الثوري‭ ‬وبالثورة‭ ‬هذا‭ ‬إذا‭ ‬أردنا‭ ‬أن‭ ‬نمتلك‭ ‬عقلاً‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬العالم‭.‬

الجديد  أحمد برقاوي [نُشر في 01/01/2017، العدد: 24، ص(6)]

لوحة: محمد ظاظا
مال العقل ‭ ‬أجاب‭ ‬أرسطو‭ ‬عنه‭ ‬بكل‭ ‬بساطة‭: ‬الإنسان‭ ‬حيوان‭ ‬عاقل،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الجواب‭ ‬حول‭ ‬سؤال‭ ‬ما‭ ‬العقل‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬الإنسان،‭ ‬لكن‭ ‬الجواب‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬الإنسان‭ ‬كان‭ ‬جواباً‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬العقل‭.‬

العقل‭:‬ هو‭ ‬الإنسان‭ ‬الناطق‭ ‬هو‭ ‬صاحب‭ ‬الكلام،‭ ‬التفكير‭ ‬العقل‭.‬

العقل‭=‬‭ ‬التفكير،‭ ‬التفكير‭=‬‭ ‬النطق،‭ ‬النطق‭ ‬‭=‬‭ ‬اللغة‭.‬

ما‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬أفكر؟‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬أعقل‭ ‬العالم،‭ ‬عندما‭ ‬يميز‭ ‬البعض‭ ‬بين‭ ‬تفكير‭ ‬عقلي‭ ‬وتفكير‭ ‬لا‭ ‬عقلي‭ ‬يمنحون‭ ‬العقلي‭ ‬صفة‭ ‬الحقيقة‭ ‬والصواب،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬ذا‭ ‬الذي‭ ‬يعرف‭ ‬مصدر‭ ‬التفكير‭ ‬اللاعقلي‭ ‬وأساسه‭.‬

لو‭ ‬سأل‭ ‬عددٌ‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬السؤال‭ ‬التالي‭: ‬لماذا‭ ‬يحل‭ ‬الظلام‭ ‬لأجابوا‭ ‬أجوبة‭ ‬متعددة‭:‬ الأول‭ ‬يقول‭: ‬لأن‭ ‬الشمس‭ ‬تغرب،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تضيء‭ ‬الأرض،‭ ‬والثاني‭ ‬يجيب‭ ‬هي‭ ‬إرادة‭ ‬إلهية‭ ‬جعل‭ ‬الليل‭ ‬يعقب‭ ‬النهار،‭ ‬الثالث‭ ‬يشرح‭ ‬إن‭ ‬الأرض‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬الشمس‭ ‬كل‭ ‬أربع‭ ‬وعشرين‭ ‬ساعة،‭ ‬وفي‭ ‬عملية‭ ‬الدوران‭ ‬يتعرض‭ ‬نصفها‭ ‬إلى‭ ‬نور‭ ‬الشمس‭ ‬والآخر‭ ‬لا،‭ ‬فيكون‭ ‬نهار،‭ ‬هنا‭ ‬وليل‭ ‬هناك،‭ ‬وليل‭ ‬هنا‭ ‬ونهار‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬نفسه‭.‬

من‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬أجاب‭ ‬جواباً‭ ‬عقلياً،‭ ‬جميعهم‭ ‬أجابوا‭ ‬جواباً‭ ‬صادراً‭ ‬عن‭ ‬عقلهم‭. ‬ولهذا‭ ‬إذا‭ ‬سألك‭ ‬أحدهم‭ ‬لطالما‭ ‬كان‭ ‬الإنسان‭ ‬عاقلاً‭ ‬فما‭ ‬مصدر‭ ‬تفكيره‭ ‬اللاعقلي‭.‬

لا‭ ‬جواب‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬لأنه‭ ‬سؤال‭ ‬زائف‭ ‬ناتج‭ ‬عن‭ ‬حكم‭ ‬زائف‭.‬

العقل‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬الكائن‭ ‬الذي‭ ‬يفكر‭ ‬فقط،‭ ‬ولا‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬كيف‭ ‬يفكر،‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬حصيلة‭ ‬المعرفة‭ ‬التي‭ ‬تصدر‭ ‬عنه،‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬وحدنا‭ ‬بين‭ ‬العقل‭ ‬والمنطق،‭ ‬وصار‭ ‬يحق‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬التفكير‭ ‬العقلي‭ ‬هو‭ ‬التفكير‭ ‬المنطقي‭ ‬بالمعنى‭ ‬الشامل‭ ‬للكلمة،‭ ‬وعندي‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو،‭ ‬إنما‭ ‬الأمر‭ ‬هو‭ ‬تواضع‭ ‬ليس‭ ‬إلا،‭ ‬لكنّه‭ ‬تواضع‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نمتحنه‭.‬

هب‭ ‬أني‭ ‬سألت‭ ‬أحداً‭ ‬ما‭ ‬السؤال‭ ‬التالي‭: ‬لماذا‭ ‬يمرض‭ ‬الإنسان؟‭ ‬فأجاب‭ ‬إن‭ ‬المرض‭ ‬روح‭ ‬خبيث‭ ‬يدخل‭ ‬الجسد‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬غامضة،‭ ‬ولا‭ ‬يُخرج‭ ‬هذا‭ ‬الروح‭ ‬إلا‭ ‬شخص‭ ‬متخصص‭ ‬بطرد‭ ‬الأرواح‭ ‬الخبيثة؟

ما‭ ‬هو‭ ‬مصدر‭ ‬إجابة‭ ‬كهذه؟‭ ‬إنه‭ ‬يفكر‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو،‭ ‬إن‭ ‬عقله‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬قدم‭ ‬له‭ ‬الإجابة،‭ ‬إذن‭ ‬هي‭ ‬إجابة‭ ‬عقلية،‭ ‬لكنها‭ ‬إجابة‭ ‬خاطئة،‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬العلم‭ ‬وصحيحة‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬صاحبها‭.‬

إن‭ ‬صاحبها‭ ‬لا‭ ‬يقول‭ ‬لك‭ ‬أن‭ ‬تفكيره‭ ‬لاعقلي،‭ ‬بل‭ ‬أنت‭ ‬الذي‭ ‬أصدرت‭ ‬حكماً‭ ‬بأن‭ ‬تفكيره‭ ‬لا‭ ‬عقلي‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬اعتقادك‭ ‬أن‭ ‬العقلي‭ ‬هو‭ ‬الصحيح‭ ‬واللاعقلي‭ ‬هو‭ ‬الخاطئ‭. ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬لنسأل‭ ‬لماذا‭ ‬فكر‭ ‬المرء‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬بالمرض؟

ولو‭ ‬سألت‭ ‬السؤال‭ ‬نفسه‭ ‬لشخص‭ ‬آخر‭ ‬لأجاب‭: ‬يمرض‭ ‬الإنسان‭ ‬لسبب‭ ‬عوامل‭ ‬كثيرة،‭ ‬منها‭ ‬الفيروسات‭ ‬ومنها‭ ‬البكتيريات‭ ‬ومنها‭ ‬أسباب‭ ‬نجهلها‭ ‬لكننا‭ ‬قد‭ ‬نعرفها،‭ ‬إنه‭ ‬رد‭ ‬المرض‭ ‬إلى‭ ‬أسباب‭ ‬واقعية،‭ ‬إنه‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬العلم‭ ‬فكّر‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬صحيح،‭ ‬لماذا‭ ‬فكّر‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬صحيح‭ ‬وأصدرت‭ ‬حكماً‭ ‬على‭ ‬إجابته‭ ‬بأنها‭ ‬عقلية؟

لنؤجل‭ ‬الإجابة‭ ‬على‭ ‬السؤالين‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬السؤال‭ ‬الأصل‭ ‬ما‭ ‬العقل؟

لنقل‭ ‬إن‭ ‬العقل‭ ‬وحدة‭ ‬الدماغ‭ ‬والخبرة‭. ‬ولقد‭ ‬أثبت‭ ‬العلم‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬تخريب‭ ‬في‭ ‬الدماغ،‭ ‬وهو‭ ‬جهاز‭ ‬بيولوجي‭ ‬معقد،‭ ‬يمنع‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬أصلاً‭ ‬وإن‭ ‬فكّر‭ ‬فقد‭ ‬يفكّر‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬غير‭ ‬واقعي‭. ‬فإذا‭ ‬خربت‭ ‬خلايا‭ ‬النظر‭ ‬فقد‭ ‬الإنسان‭ ‬النظر،‭ ‬وإذا‭ ‬خربت‭ ‬خلايا‭ ‬اللغة‭ ‬فقد‭ ‬الإنسان‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الكلام‭ ‬وهكذا‭. ‬الدماغ‭ ‬هو‭ ‬جهاز‭ ‬متفق‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬جهاز‭ ‬التفكير،‭ ‬إنه‭ ‬مكون‭ ‬بيولوجياً‭ ‬‭-‬لدى‭ ‬الإنسان‭-‬‭ ‬ليكون‭ ‬مخزناً‭ ‬للمعلومات‭ ‬ومكاناً‭ ‬للذاكرة‭ ‬وأساساً‭ ‬للحواس،‭ ‬ودكتاتورياً‭ ‬في‭ ‬إصدار‭ ‬الأوامر‭ ‬للجسد‭ ‬كله‭ ‬وهو‭ ‬جسد‭.‬

والخبرة‭ ‬هي‭ ‬كل‭ ‬ممارسة‭ ‬عملية‭ ‬للإنسان‭ ‬احتفظ‭ ‬بها‭ ‬الدماغ‭ ‬في‭ ‬الذاكرة،‭ ‬من‭ ‬الصور‭ ‬والأماكن‭ ‬مروراً‭ ‬باللغة‭ ‬وانتهاء‭ ‬بالمعارف‭ ‬المتنوعة‭.‬

إن‭ ‬وحدة‭ ‬الدماغ‭ ‬والخبرة‭ ‬تشكل‭ ‬قدرة‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬عبر‭ ‬جهاز‭ ‬لغوي‭ ‬شديد‭ ‬الصرامة،‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬التفكير‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬وحدة‭ ‬الدماغ‭ ‬والتجربة،‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬العقل‭ ‬فباستطاعته‭ ‬إصدار‭ ‬الأحكام‭ ‬وقبلها‭ ‬صياغة‭ ‬المفاهيم‭.‬

فالعقل‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬مادياً‭ ‬له،‭ ‬هو‭ ‬مفهوم‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬عبر‭ ‬وحدة‭ ‬الدماغ‭ ‬والتجربة،‭ ‬وعبر‭ ‬حضوره‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬تعينه‭ ‬في‭ ‬السلوك،‭ ‬وفي‭ ‬القول‭ ‬في‭ ‬الخطاب،‭ ‬في‭ ‬المعرفة‭.‬

لا‭ ‬يستطيع‭ ‬إنسان‭ ‬أن‭ ‬يتخيل‭ ‬كائناً‭ ‬يفكّر‭ ‬بلا‭ ‬ذاكرة،‭ ‬لا‭ ‬عقل‭ ‬بلا‭ ‬ذاكرة،‭ ‬فاختزان‭ ‬الدماغ‭ ‬للمعلومة‭ ‬شرط‭ ‬أوّلي‭ ‬للتفكير،‭ ‬شرط‭ ‬لوجود‭ ‬العقل‭ ‬لكن‭ ‬العقل‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬المجرد‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬له‭ ‬فاعلية‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بالخبرة‭ ‬والتفكير‭ ‬دون‭ ‬حضورها‭ ‬المباشر‭.‬

أهم‭ ‬حضور‭ ‬للعقل‭ ‬هو‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬الترابط‭ ‬وإقامة‭ ‬الترابط،‭ ‬والاحتفاظ‭ ‬بالترابط‭ ‬والتفكير‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬مبدأ‭ ‬الترابط،‭ ‬وسأكشف‭ ‬لماذا‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬حديثي‭ ‬اللاحق‭. ‬وسأتوقف‭ ‬عند‭ ‬علاقة‭ ‬العقل‭ ‬باللغة‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬اللغة‭ ‬هي‭ ‬العقل‭ ‬وقد‭ ‬صار‭ ‬كلاماً،‭ ‬والواقع‭ ‬وقد‭ ‬صار‭ ‬أسماء‭ ‬ومفاهيم‭ ‬وأحكاما‭ ‬حتى‭ ‬الأبكم‭ ‬يستخدم‭ ‬لغة‭ ‬إشارية‭. ‬اللغة‭ ‬هي‭ ‬الخبرة‭ ‬وقد‭ ‬أخذت‭ ‬شكل‭ ‬القول،‭ ‬اللغة‭ ‬هي‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬وسيلة‭ ‬تفاهم‭ ‬بين‭ ‬بشر‭ ‬تواضعوا‭ ‬على‭ ‬دلالة‭ ‬الكلمات‭.‬

هنا‭ ‬تبدو‭ ‬فاعلية‭ ‬العقل،‭ ‬فاعلية‭ ‬التفكير‭: ‬العالم‭ ‬صار‭ ‬لغةً،‭ ‬واللغة‭ ‬صارت‭ ‬عالماً‭ ‬وكل‭ ‬فاعلية‭ ‬للعقل‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬يغني‭ ‬العالم‭ ‬لغة،‭ ‬وكل‭ ‬انغماس‭ ‬في‭ ‬اللغة،‭ ‬في‭ ‬فاعلية،‭ ‬يغني‭ ‬الإنسان‭ ‬المعرفة‭ ‬واللغة‭ ‬والواقع‭.‬

كل‭ ‬ثراء‭ ‬في‭ ‬امتلاك‭ ‬اللغة‭ ‬أسماء‭ ‬ومفاهيم‭ ‬وأحكاما‭ ‬ثراء‭ ‬في‭ ‬امتلاك‭ ‬العالم،‭ ‬الواقع،‭ ‬الوجود‭.. ‬كل‭ ‬ثراء‭ ‬في‭ ‬امتلاك‭ ‬اللغة،‭ ‬وكل‭ ‬نشاط‭ ‬في‭ ‬إبداع‭ ‬اللغة،‭ ‬قدرة‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬التفكير،‭ ‬زيادة‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التفكير‭.‬

لوحة: محمد ظاظا

وقد‭ ‬يسألني‭ ‬سائل‭: ‬لماذا‭ ‬ميزت‭ ‬بين‭ ‬الأسماء‭ ‬والمفاهيم؟‭ ‬بسبب‭ ‬بسيط‭: ‬كل‭ ‬مفهوم‭ ‬هو‭ ‬اسم‭ ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬كل‭ ‬اسم‭ ‬هو‭ ‬مفهوم‭.‬

المفهوم‭ ‬اسم‭ ‬دال‭ ‬على‭ ‬صفة‭ ‬مشتركة‭ ‬بين‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة‭ ‬فيما‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬الاسم‭ ‬دالا‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬مفرد‭. ‬فالمفاهيم‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬أكثرها‭ ‬حسية‭ ‬إلى‭ ‬أعلاها‭ ‬نظرياً‭ ‬هي‭ ‬صفة‭ ‬ماهوية‭ ‬أساسية‭ ‬مشتركة‭ ‬بين‭ ‬شيئين‭ ‬أو‭ ‬أكثر،‭ ‬الكأس،‭ ‬الترابط،‭ ‬الحرية‭ ‬هي‭ ‬هكذا،‭ ‬جميع‭ ‬المفاهيم‭ ‬ضرورية‭ ‬للتفكير،‭ ‬والمفهوم‭: ‬هو‭ ‬بالأساس‭ ‬حكم‭ ‬في‭ ‬اسم،‭ ‬حكم‭ ‬عام‭. ‬الاسم‭ ‬حكم‭ ‬فردي،‭ ‬زيادة‭ ‬في‭ ‬الإيضاح‭ ‬جبل‭ ‬مفهوم،‭ ‬الحكم‭ ‬المضمر‭ ‬مكان‭ ‬مرتفع‭ ‬عن‭ ‬الأرض،‭ ‬يتكون‭ ‬من‭ ‬قمة‭ ‬وواد‭ ‬مثلاً‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬مرتفع‭ ‬عن‭ ‬الأرض‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬متفق‭ ‬عليه‭ ‬متكون‭ ‬من‭ ‬قمة‭ ‬وواد‭ ‬هو‭ ‬جبل‭. ‬أحمد‭ ‬برقاوي‭ ‬اسم،‭ ‬يعرف‭ ‬عبر‭ ‬المفاهيم،‭ ‬لأنه‭ ‬فرد‭.‬

الأبرز‭ ‬أسماء‭ ‬التصورات،‭ ‬الله‭ ‬ليس‭ ‬مفهوماً،‭ ‬الله‭ ‬تصور‭ ‬فكرة،‭ ‬لأنّي‭ ‬لم‭ ‬أجرد‭ ‬مفهوم‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الآلهة،‭ ‬وأثبت‭ ‬صفة‭ ‬ماهوية‭ ‬مشتركة‭. ‬فلو‭ ‬كان‭ ‬الإله‭ ‬مفهوماً‭ ‬لما‭ ‬عاد‭ ‬إله‭ ‬كما‭ ‬يتصوره‭ ‬المؤمنون‭ ‬به،‭ ‬لأن‭ ‬الإله‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬المؤمنين‭ ‬به‭ ‬ليس‭ ‬كمثله‭ ‬شيء،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لم‭ ‬يجرد‭ ‬ولم‭ ‬يعمم‭.‬

لنقل‭ ‬إن‭ ‬العقل‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬تفكير‭ ‬هو‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التعبير،‭ ‬والتعبير‭ ‬إنتاج‭ ‬عبارة،‭ ‬وقل‭ ‬العبارة‭ ‬حكم،‭ ‬كل‭ ‬اللغة‭ ‬المعبرة‭ ‬مجموعة‭ ‬أحكام‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الجملة‭ ‬الفعلية‭. ‬ولما‭ ‬كان‭ ‬العالم‭ ‬صار‭ ‬لغة‭ ‬في‭ ‬امتلاكي‭ ‬له،‭ ‬فالعالم‭ ‬في‭ ‬امتلاكي‭ ‬له‭ ‬أحكام،‭ ‬أحكام‭ ‬وجود،‭ ‬أحكام‭ ‬قيم،‭ ‬أحكام‭ ‬نظرية،‭ ‬تجريبية،‭ ‬جمالية،‭ ‬أخلاقية،‭ ‬عادية،‭ ‬جزئية،‭ ‬عامة‭.. ‬الخ‭.‬

في‭ ‬اعتبار‭ ‬العقل‭ ‬لغة،‭ ‬في‭ ‬وحدة‭ ‬الدماغ‭ ‬والتجربة،‭ ‬فنحن‭ ‬لا‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬انفصال،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬كيف‭ ‬جديد‭ ‬لفاعلية‭ ‬الجسد‭-‬الكائن‭.‬

كل‭ ‬ما‭ ‬أفكر‭ ‬فيه،‭ ‬كل‭ ‬مشاعري‭ ‬وأحاسيسي،‭ ‬كل‭ ‬عواطفي‭ ‬وحكمتي،‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يطلق‭ ‬عليه‭ ‬جانبي‭ ‬الروحي،‭ ‬هو‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الكيف‭ ‬الجديد‭ ‬الناتج‭ ‬عن‭ ‬وحدة‭ ‬الدماغ‭ ‬والخبرة‭.‬

ها‭ ‬أنا‭ ‬قد‭ ‬حررت‭ ‬مفهوم‭ ‬العقل‭ ‬من‭ ‬حكم‭ ‬القيمة‭ ‬الذي‭ ‬لازمه‭ ‬طوال‭ ‬عمره،‭ ‬فالعقل‭ ‬هو‭ ‬مصدر‭ ‬كل‭ ‬تعيناتي‭ ‬البشرية‭: ‬العلم‭ ‬والجهل،‭ ‬الخطأ‭ ‬والصواب،‭ ‬الخير‭ ‬والشر،‭ ‬كل‭ ‬التغيرات‭ ‬المتنوعة‭ ‬عن‭ ‬وجودي،‭ ‬عن‭ ‬مواقفي‭.‬

أنا‭ ‬عقل‭: ‬إذن‭ ‬أنا‭ ‬الإنسان‭ ‬الكلّي‭ ‬الذي‭ ‬يعبّر‭ ‬عن‭ ‬وحدة‭ ‬الجسد‭ ‬والعالم‭-‬الخبرة‭.‬

ويبدو‭ ‬العقل‭ ‬مستقلاً،‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬بمستقلٍ‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬هو‭ ‬ظهور‭ ‬الإنسان‭ ‬مفكراً،‭ ‬رساماً،‭ ‬شاعراً،‭ ‬روحياً،‭ ‬عاشقاً‭ ‬عاقلاً،‭ ‬وما‭ ‬يدرون‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الظهور‭ ‬ليس‭ ‬انفصالاً‭ ‬عن‭ ‬مفهومي‭ ‬الجسد‭-‬الدماغ‭ ‬والخبرة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬وحدة‭ ‬الجسد‭ ‬والخبرة‭ ‬التي‭ ‬جعلتني‭ ‬مختلفاً‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬أنماط‭ ‬الحيوانات‭ ‬التي‭ ‬دوني،‭ ‬وعن‭ ‬الحياة‭ ‬الأولى‭ ‬للنبات‭.‬

وزيادة‭ ‬في‭ ‬الإيضاح،‭ ‬أعلم‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬فعل‭ ‬عملي‭ ‬أو‭ ‬نظري‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬عمل‭ ‬بلا‭ ‬نظر‭ ‬ونظر‭ ‬بلا‭ ‬عمل،‭ ‬هو‭ ‬فعل‭ ‬عقلي،‭ ‬بدءًا‭ ‬من‭ ‬فعل‭ ‬الحمال‭ ‬وانتهاءً‭ ‬بفعل‭ ‬الفيلسوف‭.‬

إذا‭ ‬كان‭ ‬العقل‭ ‬أفكارا،‭ ‬تصورات،‭ ‬خيالات،‭ ‬أشكال‭ ‬فهم،‭ ‬معارف‭ ‬مسبقة،‭ ‬نظريات‭ ‬علمية،‭ ‬أساطير،‭ ‬أوهام،‭ ‬أحكام،‭ ‬قيم،‭ ‬معتقدات،‭ ‬سلوك،‭ ‬أحاسيس،‭ ‬مشاعر،‭ ‬لغة‭ ‬إشارية‭ ‬لغة‭ ‬كلامية‮…‬‭ ‬الخ،‭ ‬فالوجود‭ ‬الإنساني‭ ‬إذن‭ ‬هو‭ ‬عقل‭ ‬بالمعنى‭ ‬الذي‭ ‬حددته‭ ‬للعقل‭.‬

إذن‭ ‬كل‭ ‬ثمرة‭ ‬من‭ ‬ثمار‭ ‬امتلاكي‭ ‬للعالم‭ ‬عقل‭ ‬متعيّن،‭ ‬وكل‭ ‬عقل‭ ‬متعين‭ ‬ومتكون‭ ‬تاريخياً‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬جهاز‭ ‬معرفتي‭ ‬بالعالم‭. ‬وهناك‭ ‬عقل‭ ‬مشترك‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬اتفاقهم‭ ‬بصحة‭ ‬بعض‭ ‬الوقائع‭ ‬والأحكام،‭ ‬فما‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬ينكر‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬جبالا‭ ‬وأنهارا‭ ‬وترابا‭.. ‬الخ‭.‬

وما‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬ينكر‭ ‬أن‭ ‬‮«‬كل‭ ‬نفسٍ‭ ‬ذائقة‭ ‬الموت‮»‬،‭ ‬وما‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬لا‭ ‬يقر‭ ‬أن‭ ‬النار‭ ‬تحرق‭ ‬الجسد‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬ألقي‭ ‬الجسد‭ ‬فيها،‭ ‬وهكذا‮…‬‭ ‬لكن‭ ‬العقول‭ ‬المتفقة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬‮«‬كل‭ ‬نفسٍ‭ ‬ذائقة‭ ‬الموت‮»‬‭ ‬تختلف‭ ‬في‭ ‬مصير‭ ‬الإنسان‭ ‬بعد‭ ‬الموت،‭ ‬فهناك‭ ‬عقائد‭ ‬وأديان‭ ‬وتصورات‭ ‬متعددة‭ ‬حول‭ ‬مصير‭ ‬الإنسان‭ ‬بعد‭ ‬الموت‭.‬

فإذا‭ ‬كان‭ ‬الإنسان‭ ‬مادياً‭ ‬ملحداً‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬طرح‭ ‬السؤال‭ ‬أيّ‭ ‬قيمة‭: ‬ما‭ ‬مصير‭ ‬الإنسان‭ ‬بعد‭ ‬الموت،‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬الروح‭ ‬تنفصل‭ ‬عن‭ ‬الجسد‭ ‬لتعود‭ ‬إلى‭ ‬خالقها،‭ ‬والبعض‭ ‬يؤمن‭ ‬بالتناسخ‭ ‬والتقمص‭..‬

وقس‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬الاختلاف‭ ‬في‭ ‬أمورٍ‭ ‬وأشياء‭ ‬كثيرة،‭ ‬لماذا‭ ‬تختلف‭ ‬العقول؟‭ ‬ببساطة‭ ‬لأني‭ ‬لست‭ ‬أمام‭ ‬شيء‭ ‬موجود‭ ‬أعطي‭ ‬لكل‭ ‬الناس‭ ‬اسمه‭ ‬العقل‭. ‬بل‭ ‬أمام‭ ‬هذا‭ ‬المتكون‭ ‬التاريخي‭ ‬الناتج‭ ‬عن‭ ‬وحدة‭ ‬الدماغ‭ ‬والخبرة‭. ‬فالخبرة‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬خبرة‭ ‬فردية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬وخبرة‭ ‬جماعية‭ ‬طويلة‭ ‬تتوارثها‭ ‬الأجيال‭.‬

وبالتالي‭ ‬فالعقل‭ ‬بوصفه‭ ‬وحدة‭ ‬الدماغ‭ ‬والخبرة‭ ‬يتعين‭ ‬بأشكال‭ ‬متعددة‭ ‬وتحدد‭ ‬طريقة‭ ‬العقل‭ ‬في‭ ‬امتلاك‭ ‬العالم‭ ‬والتجوال‭ ‬فيه‭.‬

فالطفل‭ ‬يكتسب‭ ‬‭-‬ودون‭ ‬أن‭ ‬يعي‭ ‬ذلك‭-‬‭ ‬عالماً‭ ‬واسعاً‭ ‬وغنياً،‭ ‬ويظل‭ ‬الإنسان‭ ‬يكتسب‭ ‬حتى‭ ‬رحيله،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬المعرفي‭ ‬والعملي‭. ‬فالغالب‭ ‬عند‭ ‬الناس‭ ‬أنهم‭ ‬يتمثلون‭ ‬ثقافة‭ ‬وسطهم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الذي‭ ‬عاشوا‭ ‬فيه،‭ ‬وتلقّوا‭ ‬التربية‭ ‬من‭ ‬محيطهم‭ ‬الأسروي،‭ ‬والعلم‭ ‬من‭ ‬مدارسهم‭ ‬الوطنية‭ ‬وهكذا‭.‬

واختلاف‭ ‬العقول‭ ‬راجع‭ ‬إلى‭ ‬اختلاف‭ ‬العوالم،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تختلف‭ ‬العقول‭ ‬بامتلاكها‭ ‬للعالم‭ ‬والنظرة‭ ‬إليه‭ ‬وبالسلوك‭.‬

فالبوذي‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يفكّر‭ ‬أو‭ ‬يسلك‭ ‬إلا‭ ‬بوذياً،‭ ‬والإسلامي‭ ‬إسلامياً،‭ ‬والوثني‭ ‬وثنياً‭ ‬وهكذا،‭ ‬والثقافة‭ ‬هذه‭ ‬الخبرة‭ ‬الأعظم‭ ‬تصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬العقل‭ ‬الفاعل‭.‬

فاختلاف‭ ‬العقول‭ ‬بين‭ ‬البشر‭ ‬اختلاف‭ ‬في‭ ‬الخبرة‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬الحدّ‭ ‬المختلف‭ ‬الذي‭ ‬يكون‭ ‬العقل‭. ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬الخبرة‭ ‬الفردية‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬ثقافي‭ ‬واحد‭ ‬تختلف‭ ‬باختلاف‭ ‬الأفراد‭. ‬وبالتالي‭ ‬فالأفراد‭ ‬الذين‭ ‬ينتمون‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭ ‬والتربية‭ ‬والعقائد‭ ‬يختلفون‭ ‬في‭ ‬عقل‭ ‬العالم‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬خبرتهم‭ ‬الفردية‭ ‬التي‭ ‬تكوّنت‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬محدد،‭ ‬قرية،‭ ‬مدينة،‭ ‬بداوة،‭ ‬ثراء،‭ ‬فقر‭.. ‬الخ‭.‬

إنني‭ ‬لا‭ ‬أدري‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الدقة‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬أدمغة‭ ‬البشر‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬جبلتها،‭ ‬ولا‭ ‬أدري‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬البيولوجيا‭ ‬مسؤولة‭ ‬مسؤولية‭ ‬مباشرة‭ ‬عن‭ ‬التمايز‭ ‬بين‭ ‬الأذكياء‭ ‬والأغبياء‭. ‬لكني‭ ‬أدرك‭ ‬أمراً‭ ‬متأكد‭ ‬من‭ ‬وجوده‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬تفاوتاً‭ ‬بين‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬درجة‭ ‬الذكاء،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬مرده‭ ‬إلى‭ ‬البيولوجيا‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬الخبرة‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬الاثنين‭ ‬معاً‭.‬

يعتقد‭ ‬بعض‭ ‬البشر‭ ‬عاديين‭ ‬كانوا‭ ‬أو‭ ‬فلاسفة‭ ‬أو‭ ‬علماء‭ ‬لغة،‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬مبادئ‭ ‬عقلية‭ ‬مسبقة‭. ‬كمبدأ‭ ‬عدم‭ ‬التناقض،‭ ‬ومبدأ‭ ‬الهوية،‭ ‬ومبدأ‭ ‬السببية‭ ‬ومبدأ‭ ‬الغائية‭ ‬ومبدأ‭ ‬الثالث‭ ‬المرفوع،‭ ‬بل‭ ‬وصارت‭ ‬مبادئ‭ ‬المنطق‭ ‬هي‭ ‬مبادئ‭ ‬العقل‭. ‬ولست‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬النقاش‭ ‬العقيم‭ ‬الذي‭ ‬دار‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالعقليين‭ ‬وما‭ ‬يسمى‭ ‬بالاختباريين،‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أطرحه‭ ‬على‭ ‬بساط‭ ‬البحث‭ ‬الفرضية‭ ‬التالية‭: ‬كل‭ ‬ما‭ ‬ظُن‭ ‬أنه‭ ‬مبادئ‭ ‬عقلية‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬ثمرة‭ ‬فاعلية‭ ‬الإنسان‭ ‬بوصفه‭ ‬دماغا‭ ‬وتجربة‭ ‬لمعرفة‭ ‬الواقع،‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬ظن‭ ‬بأنه‭ ‬مبادئ‭ ‬عقلية‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬معرفة‭ ‬إنسانية‭ ‬وصلت‭ ‬حداً‭ ‬من‭ ‬اليقين‭ ‬صارت‭ ‬معها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أساس‭ ‬تفكيرنا‭ ‬اللاحق‭ ‬بالعالم،‭ ‬إنها‭ ‬معرفة‭ ‬صارت‭ ‬مبادئ‭-‬وسيلة‭ ‬للمعرفة‭.‬

وكما‭ ‬قلنا‭ ‬إن‭ ‬فاعلية‭ ‬الدماغ‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬له‭ ‬عبر‭ ‬ديالكتيك‭ ‬الدماغ‭ ‬والتجربة‭ ‬أن‭ ‬يستخلص‭ ‬استقراءً‭ ‬وتجريداً‭ ‬وتعميماً‭ ‬واستدلالاً‭ ‬مبادئ‭ ‬يرفعها‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬الأساس‭ ‬للتفكير،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬أكده‭ ‬‮«‬هيوم‮»‬‭ ‬في‭ ‬نظرته‭ ‬إلى‭ ‬مبدأ‭ ‬السببية‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬عادة‭ ‬تفكير‭.‬


كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات