نهاية‭ ‬مطبخ

الجديد  مصطفى تاج الدين الموسى [نُشر في 01/01/2017، العدد: 24، ص(26)]

لوحة: دارين أحمد
‭ ‬ـ

ثم‭ ‬هبطت‭ ‬قطرةٌ‭ ‬سابعة،‭ ‬على‭ ‬إثرها‭ ‬حبلُ‭ ‬ماءٍ‭ ‬شرع‭ ‬بالهطول‭.‬

قالت‭ ‬الحفرة‭: ‬أنت‭ ‬خلقتني‭.‬

أجاب‭ ‬صنبور‭ ‬الماء‭: ‬لم‭ ‬أخلق‭ ‬شيئاً‭.. ‬المرضُ،‭ ‬ذلك‭ ‬الكائن‭ ‬اللعين‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬خلقك‭.‬

ـ‭ ‬2‭ ‬ـ

طفلٌ‭ ‬له‭ ‬مزاجٌ‭ ‬سلبيّ،‭ ‬وفراغاتٌ‭ ‬بين‭ ‬أسنانه،‭ ‬أرهق‭ ‬الانتظارُ‭ ‬روحه‭.‬

زوجٌ‭ ‬بعينين‭ ‬جاحظتين‭ ‬وبنصف‭ ‬ذقنٍ‭ ‬ونصف‭ ‬سيجارة‭.‬

زوجةٌ‭ ‬كوردة‭ ‬أصابها‭ ‬الذبول‭ ‬بوجهٍ‭ ‬شاحب،‭ ‬يؤرّقها‭ ‬نهدها‭ ‬شبه‭ ‬الطازج‭ ‬لقلَّةِ‭ ‬استخدامه،‭ ‬شبحٌ‭ ‬لا‭ ‬مرئيّ‭ ‬يجلس‭ ‬بصمتٍ‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الزاوية،‭ ‬وهو‭ ‬يصغي‭ ‬بكل‭ ‬خلاياه،‭ ‬ولا‭ ‬شيء‭ ‬يجيده‭ ‬سوى‭ ‬الإصغاء‭.‬

الثلاثة‭ ‬تجمّدت‭ ‬أجسادهم‭ ‬مقابل‭ ‬شاشة‭ ‬التلفاز،‭ ‬يترقبون‭ ‬بشوق‭ ‬بثَّ‭ ‬حلقةٍ‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬المسلسل‭ ‬الدراميّ‭ ‬اليوميّ‭.. ‬نشرة‭ ‬أخبارِ‭ ‬هذا‭ ‬المساء‭ ‬كانت‭ ‬طويلةً‭ ‬للغاية،‭ ‬فمساحتها‭ ‬قد‭ ‬التهمت‭ ‬وقتَ‭ ‬بثِّ‭ ‬المسلسل‭ ‬اليوميّ‭.. ‬نشرة‭ ‬هذا‭ ‬المساء،‭ ‬تغطي‭ ‬زيارة‭ ‬رئيس‭ ‬البلاد‭ ‬لرئيسٍ‭ ‬في‭ ‬بلادٍ‭ ‬بعيدة‭.‬

الزوج‭ ‬يعبث‭ ‬بعلبةِ‭ ‬التبغ،‭ ‬يحصي‭ ‬سجائره‭.. ‬يطمئن،‭ ‬فيشعل‭ ‬أخرى‭.‬

الزوجة‭ ‬تصنع‭ ‬كأساً‭ ‬من‭ ‬شاي‭ ‬ثقيل،‭ ‬تضعه‭ ‬لزوجها‭ ‬جانب‭ ‬صحنِ‭ ‬السجائر‭.. ‬ترجع‭ ‬حيث‭ ‬تجلس‭ ‬مكانها‭ ‬كما‭ ‬كانت‭.. ‬تتأمّل‭ ‬في‭ ‬فراغ‭ ‬الجدار‭. ‬فشلَت‭ ‬كأسُ‭ ‬الشاي‭ ‬الثقيل،‭ ‬مثلَ‭ ‬كل‭ ‬محاولاتها‭ ‬السابقة،‭ ‬بأن‭ ‬تُذكِّر‭ ‬زوجها‭ ‬بوجود‭ ‬شيء‭ ‬‭-‬في‭ ‬هذه‭ ‬الغرفة‭-‬‭ ‬اسمه‭ ‬زوجة‭!‬

الطفلُ‭ ‬يصل‭ ‬دمه‭ ‬حتى‭ ‬رأس‭ ‬أنفه،‭ ‬يستدير‭ ‬رأسه‭ ‬لينظرَ‭ ‬بحنقٍ‭ ‬إلى‭ ‬ساعة‭ ‬الجدار‭.‬

عند‭ ‬الزاوية‭ ‬شبحٌ‭ ‬لا‭ ‬مرئيّ‭ ‬يلوكه‭ ‬المللُ‭ ‬وكأنّه‭ ‬قطعة‭ ‬اللبان‭ ‬المفضلة‭ ‬عنده،‭ ‬يناجي‭ ‬اللهَ‭ ‬في‭ ‬سرِّه‭ ‬كمتسولٍ،‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬شيئا‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الغرفة‭ ‬يستحقُّ‭ ‬الكتابة‭.‬

ـ‭ ‬3‭ ‬ـ

ـ‭ ‬أبارك‭ ‬لكِ‭.. ‬أنت‭ ‬الآن‭ ‬خارج‭ ‬حدود‭ ‬المطبخ‭!‬

بفرحٍ‭ ‬تنظر‭ ‬كأس‭ ‬الشاي‭ ‬الصغيرة‭ ‬لصحن‭ ‬السجائر‭.. ‬بفرحٍ‭ ‬ينظر‭ ‬إليها‭..‬

ـ‭ ‬4‭ ‬ـ

نهضَت‭ ‬داخلَ‭ ‬ذاكرته‭ ‬صورٌ‭ ‬من‭ ‬احتفالات‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي،‭ ‬أسبوعٌ‭ ‬كان‭ ‬ممتعاً‭ ‬له‭ ‬ولبقيّة‭ ‬التلاميذ‭.‬

صباحاً‭ ‬مدرسةٌ‭ ‬دون‭ ‬دروس،‭ ‬فقط‭ ‬اللهوُ‭ ‬في‭ ‬باحة‭ ‬المدرسة‭ ‬على‭ ‬صدى‭ ‬الأغنيات‭ ‬الوطنيّة،‭ ‬ومساءً‭ ‬الركض‭ ‬بصخبٍ‭ ‬بين‭ ‬الحشود‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬المدينة‭.‬

بائع‭ ‬اللافتاتِ‭ ‬‭-‬كما‭ ‬ظنّه‭-‬‭ ‬أعطاه‭ ‬واحدةً‭ ‬ولم‭ ‬يسأله‭ ‬ثمنها،‭ ‬رفعها‭ ‬سعيداً‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬فشل‭ ‬بإدراك‭ ‬معناها‭.‬

كان‭ ‬يتذكر‭ ‬عندما‭ ‬نظرَ‭ ‬إلى‭ ‬الشاشة‭ ‬مجدداً،‭ ‬داخلها‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬رئيسُ‭ ‬البلاد‭ ‬يشرحُ‭ ‬لصديقه،‭ ‬صورة‭ ‬بلا‭ ‬صوت‭.‬

الطفلُ‭ ‬يتمنّى‭ ‬من‭ ‬الصديق‭ ‬أن‭ ‬يفهم‭ ‬بسرعة،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬المسلسل‭ ‬الدراميّ‭. ‬لكنّه‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬يئس،‭ ‬فالشرح‭ ‬مستمرٌ‭ ‬منذ‭ ‬ساعةٍ‭ ‬ونصف،‭ ‬ويبدو‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬الصديقَ‭ ‬لا‭ ‬يستوعب‭ ‬بسرعة‭.. ‬تماماً‭ ‬مثلَ‭ ‬خالدَ‭ ‬في‭ ‬صفّه‭. ‬عندئذٍ‭ ‬استدارَ‭ ‬إلى‭ ‬والدهِ‭ ‬وسأله‭ ‬بغيظ‭:‬

ـ‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي‭.. ‬هل‭ ‬وضعتَ‭ ‬اسم‭ ‬الرئيس‭ ‬داخل‭ ‬الصندوق؟

تساءل‭ ‬بحنق‭.‬

كانت‭ ‬هذه‭ ‬السيجارةَ‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬حياته،‭ ‬يقذفها‭ ‬وربعها‭ ‬الأخير‭ ‬لم‭ ‬يحترق‭ ‬بعد‭.‬

ساعدُ‭ ‬الأب‭ ‬ترتفع‭ ‬بقبضةٍ‭ ‬مشدودة‭.‬

ـ‭ ‬نعم‭.. ‬نعم‭.. ‬نعم‮…‬

مثل‭ ‬آلةٍ،‭ ‬تعلو‭ ‬القبضة،‭ ‬تنخفض‭.. ‬تعلو،‭ ‬تنخفض‭.. ‬الزوجة‭ ‬تراقب‭ ‬بريبةٍ‭ ‬طفلاً‭ ‬يجلسُ‭ ‬قربها،‭ ‬بزاوية‭ ‬عينها‭.. ‬سؤالٌ‭ ‬من‭ ‬حيرة‭ ‬نبت‭ ‬داخل‭ ‬رأسها‭:‬

ـ‭ ‬أين‭ ‬شاهدتُ‭ ‬هذا‭ ‬الطفلَ‭ ‬قبل‭ ‬الآن؟

ـ‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أنام‭.‬

تمتمَ‭ ‬بغضبٍ‭ ‬ثم‭ ‬استلقى‭ ‬هذا‭ ‬الطفلُ‭ ‬جانب‭ ‬الجدار،‭ ‬على‭ ‬مستطيلٍ‭ ‬من‭ ‬الإسفنج،‭ ‬ليتدثَّر‭ ‬بلحافٍ‭ ‬شبهِ‭ ‬متهرئ‭.‬

البرودة‭ ‬ترجع‭ ‬إلى‭ ‬ملامحه‭ ‬فيرجع‭ ‬الزوجُ‭ ‬ليحصي‭ ‬ثانيةً‭ ‬عددَ‭ ‬سجائر‭ ‬علبته،‭ ‬يمتعضُ‭.. ‬أصابعه‭ ‬تلتقطُ‭ ‬عن‭ ‬الأرض‭ ‬مؤخرةَ‭ ‬السيجارةِ‭ ‬المقذوفة،‭ ‬وبلا‭ ‬اعتذارٍ‭ ‬يشعلها‭ ‬ثانيةً،‭ ‬وهو‭ ‬يصغي‭ ‬بعمقٍ‭ ‬لتلك‭ ‬الصور‭ ‬الصامتةِ‭ ‬في‭ ‬نشرة‭ ‬الأخبار‭.‬

شبحُ‭ ‬الزاوية‭ ‬اللامرئي‭ ‬‭-‬يكادُ‭ ‬يبكي‭-‬‭ ‬هو‭ ‬أيضاً‭ ‬يصغي‭ ‬منتظراً‭ ‬شيئاً‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬بعد‭ ‬ليكتبه‭.‬

ـ‭ ‬5‭ ‬ـ

مرضٌ‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬اسماً،‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬انتصب‭ ‬على‭ ‬مستطيل‭ ‬المجلى،‭ ‬تخيّلها‭ ‬بهدوء‭ ‬ثم‭ ‬همس‭ ‬‮«‬كوني‮»‬‭. ‬فبُعثت‭ ‬الحفرة‭ ‬حيّة‭ ‬ترزق،‭ ‬عندئذٍ‭ ‬قبّلها‭ ‬المرض‭ ‬قبلةً‭ ‬مقدّسة،‭ ‬مباركاً‭ ‬بها‭ ‬ولادتها‭ ‬على‭ ‬يديه‭!‬

وبثيابٍ‭ ‬عسكريّة‭ ‬صار‭ ‬المرضُ‭ ‬يتجوّل‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬المطبخ،‭ ‬مانحاً‭ ‬كلَّ‭ ‬الأشياء‭ ‬الموجودةِ‭ ‬فيه‭ ‬وعداً‭ ‬بالغرق‭.‬

كل‭ ‬الأشياء‭ ‬كانت‭ ‬إذا‭ ‬سمعت‭ ‬وعودَ‭ ‬المرض‭ ‬بالغرق،‭ ‬تمنحه‭ ‬تصفيقاً‭ ‬حارَّاً‭.‬

ـ‭ ‬6‭ ‬ـ

ـ‭ ‬مضت‭ ‬ساعتان‭ ‬من‭ ‬الشرح،‭ ‬الرئيسُ‭ ‬لم‭ ‬يُشعل‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬سيجارة‭!‬

الزوجةُ‭ ‬هكذا‭ ‬باحت‭ ‬لقلبها،‭ ‬ثمّ‭ ‬أرسلت‭ ‬نظرة‭ ‬عشقٍ‭ ‬عبرَ‭ ‬سحائب‭ ‬الدخان‭ ‬من‭ ‬عينيها‭ ‬إلى‭ ‬شاشة‭ ‬التلفاز‭. ‬هناك‭ ‬حيثُ‭ ‬الرئيسُ‭ ‬منهمكٌ‭ ‬بلا‭ ‬سجائر‭ ‬في‭ ‬الشرح‭ ‬لصديقه‭ ‬ذلك‭.‬

تخطيط: حسين جمعان

سيجارةٌ‭ ‬تطل‭ ‬برأسها‭ ‬من‭ ‬علبة‭ ‬التبغ،‭ ‬الزوجُ‭ ‬لم‭ ‬ينتبه‭ ‬لها‭.. ‬الزوجة‭ ‬تراقب‭ ‬بغيرةٍ‭ ‬هذه‭ ‬السيجارة‭.. ‬السيجارة‭ ‬تضحك،‭ ‬الزوج‭ ‬لم‭ ‬يسمع‭ ‬شيئاً،‭ ‬الزوجة‭ ‬سمعت‭ ‬تلك‭ ‬الضحكاتِ‭ ‬التي‭ ‬أغاظتها‭ ‬كثيراً‭. ‬السيجارة‭ ‬تُخرج‭ ‬لسانها‭ ‬من‭ ‬فمها‭ ‬وتحرّكه‭ ‬أمام‭ ‬الزوجة،‭ ‬ثم‭ ‬تهمسُ‭ ‬لها‭ ‬بثقة‭:‬

ـ‭ ‬إنّه‭ ‬مغرمٌ‭ ‬بي‭.. ‬أنت‭ ‬لا‭ ‬يحبُّك،‭ ‬سيتركك‭ ‬قريباً‭.. ‬لقد‭ ‬تزوجني‭ ‬وسنعيش‭ ‬مع‭ ‬بعضنا‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭.‬

كلمة‭ ‬‭(‬الأبد‭)‬‭ ‬أرّقت‭ ‬روحها،‭ ‬الزوجة‭ ‬تحاول‭ ‬ألاّ‭ ‬تُصدِّق‭ ‬كلامَ‭ ‬السيجارة،‭ ‬صار‭ ‬الشكُّ‭ ‬يركلها‭ ‬بين‭ ‬جهاتها،‭ ‬وهو‭ ‬يلهو‭ ‬بتقطيع‭ ‬أعصابها‭.‬

الزوج‭ ‬عيناه‭ ‬الباردتان‭ ‬مصلوبتان‭ ‬على‭ ‬الشاشة،‭ ‬الزوجة‭ ‬تنهض‭ ‬لتمشي‭ ‬حتى‭ ‬الخزانة‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬يقين،‭ ‬تأخذ‭ ‬عن‭ ‬الرفّ‭ ‬دفترَ‭ ‬العائلة‭.. ‬تقلّب‭ ‬صفحاته‭ ‬القديمة‭. ‬على‭ ‬الصفحة‭ ‬الأولى‭ ‬تقرأ‭ ‬اسم‭ ‬زوجها،‭ ‬على‭ ‬الثانية‭ ‬تقرأ‭ ‬اسمها‭. ‬فتعجبها‭ ‬موسيقى‭ ‬حروفِ‭ ‬اسمها،‭ ‬اسمُها‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬تسمعه‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الغرفة‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬طويل‭.‬

في‭ ‬الصفحة‭ ‬الثالثة‭ ‬تشاهد‭ ‬اسم‭ ‬السيجارة،‭ ‬ترجع‭ ‬منكسرةً،‭ ‬لتجلس‭ ‬وثمّةَ‭ ‬حزنٌ‭ ‬يفوحُ‭ ‬من‭ ‬روحها‭ ‬المهجورة،‭ ‬ثمّ‭ ‬تعلّق‭ ‬عينيها‭ ‬فوق‭ ‬الفراغ‭ ‬الممتدِّ‭ ‬على‭ ‬الجدار،‭ ‬محاولةً‭ ‬تجاهل‭ ‬صدى‭ ‬ضحكاتِ‭ ‬السجائر‭.‬

صوتُ‭ ‬بكاءٍ‭ ‬خافت،‭ ‬يصدر‭ ‬عن‭ ‬شبحٍ‭ ‬لامرئيٍّ‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الزاوية‭ ‬من‭ ‬الغرفة‭.‬

ـ‭ ‬7‭ ‬ـ

لبعض‭ ‬الأشياء‭ ‬صفة‭ ‬الأبديّة‭:‬

الله،‭ ‬الشيطان،‭ ‬المرض،‭ ‬وهذا‭ ‬التصفيق‭.‬

ولأشياء‭ ‬أخرى‭ ‬صفة‭ ‬الموت‭:‬

حاسة‭ ‬البصر،‭ ‬المطبخ،‭ ‬هذه‭ ‬القصّة‭ ‬وصاحبها‭.‬

ـ‭ ‬8‭ ‬ـ

لأوّل‭ ‬مرّة‭ ‬في‭ ‬حياته،‭ ‬يخلق‭ ‬له‭ ‬قدره‭ ‬هذا‭ ‬الكمينَ‭ ‬المحكم،‭ ‬سيسقط‭ ‬خلال‭ ‬الصورتين،‭ ‬خطأ‭ ‬لم‭ ‬يقترب‭ ‬منه‭ ‬لسنواتٍ،‭ ‬ومثلَ‭ ‬الكثيرين‭ ‬يحذّرُ‭ ‬من‭ ‬هكذا‭ ‬أخطاء‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تمرُّ‭ ‬على‭ ‬خير‭.. ‬هذا‭ ‬الخطأ‭ ‬‭-‬وبين‭ ‬صورتين‭-‬‭ ‬سيقترفُه‭ ‬الآن‭ ‬عن‭ ‬غيرِ‭ ‬قصد‭.‬

هناك‭.. ‬داخلَ‭ ‬شاشة‭ ‬التلفاز،‭ ‬يظهر‭ ‬كتفُ‭ ‬رئيس‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬الخلف‭ ‬وهو‭ ‬يصافح‭ ‬بحرارةٍ‭ ‬صديقه‭ ‬رئيسَ‭ ‬البلاد‭ ‬الأخرى‭.‬

الزوج‭ ‬ظنّ‭ ‬أنّ‭ ‬الفرصةَ‭ ‬مناسبة،‭ ‬فتثاءبَ‭ ‬بفمٍ‭ ‬فتحه‭ ‬على‭ ‬آخره‭ ‬وكان‭ ‬النعاس‭ ‬قد‭ ‬أرهق‭ ‬عينيه،‭ ‬فجأةً‭ ‬يغلقه‭ ‬إثرَ‭ ‬تحوّل‭ ‬الصورة‭ ‬عن‭ ‬الكتف‭ ‬إلى‭ ‬وجه‭ ‬الرئيس‭.. ‬يصرخ‭ ‬قلبه‭ ‬فزعاً‭:‬

ـ‭ ‬أنا‭ ‬آسف‭.‬

شبحٌ‭ ‬لامرئي‭ ‬عند‭ ‬الزاوية‭ ‬‭-‬كاد‭ ‬ينتحرَ‭ ‬منذ‭ ‬ثوان‭-‬‭ ‬سمعَ‭ ‬وشاهد‭ ‬التثاؤب‭ ‬فقط‭.. ‬ناسياً‭ ‬كلَّ‭ ‬علاماتِ‭ ‬الترقيم،‭ ‬بدأ‭ ‬يكتب‭ ‬بفرح‭.‬

ـ‭ ‬9‭ ‬ـ

شابٌّ‭ ‬يملك‭ ‬جسداً‭ ‬رشيقاً‭ ‬يرتدي‭ ‬ثياباً‭ ‬زاهية،‭ ‬له‭ ‬ذاتُ‭ ‬وجه‭ ‬الطفل‭ ‬ذي‭ ‬الفراغات‭ ‬بين‭ ‬أسنانه‭. ‬يتسلى‭ ‬بالتهام‭ ‬رغيفٍ‭ ‬مصنوعٍ‭ ‬من‭ ‬الشكولاتة‭ ‬خلال‭ ‬قيادته‭ ‬لسيارةٍ‭ ‬فارهة‭. ‬يحلو‭ ‬له‭ ‬العبثُ‭ ‬بمكابحها‭ ‬عند‭ ‬كل‭ ‬منعطف،‭ ‬ثمّ‭ ‬تتوقفُ‭ ‬السيارة‭ ‬أخيراً‭ ‬أمام‭ ‬مركزٍ‭ ‬للاقتراع،‭ ‬أحدهم‭ ‬يفتح‭ ‬له‭ ‬الباب،‭ ‬فيترجلُ‭ ‬بكثيرٍ‭ ‬من‭ ‬الهيبة‭.‬

داخل‭ ‬المركز‭ ‬يأخذ‭ ‬ورقة‭ ‬انتخابٍ،‭ ‬وبطرفِ‭ ‬قميصه‭ ‬يمسح‭ ‬آثار‭ ‬الشكولاتة‭ ‬عن‭ ‬فمه‭. ‬يتريّث‭ ‬فلا‭ ‬يضع‭ ‬الورقة‭ ‬داخل‭ ‬ثقب‭ ‬صندوق‭ ‬الأوراق،‭ ‬يفتحها‭ ‬مخالفاً‭ ‬بهذا‭ ‬قانونَ‭ ‬تجديد‭ ‬البيعة‭.‬

يمسك‭ ‬قلماً‭ ‬ليرسم‭ ‬بهدوءٍ‭ ‬إشارة‭ ‬ضربٍ‭ ‬على‭ ‬اسم‭ ‬رئيس‭ ‬البلاد،‭ ‬ثم‭ ‬يكتب‭ ‬عليها‭ ‬اسم‭ ‬المسلسل‭ ‬الدراميِّ‭ ‬اليوميّ‭.‬

ـ‭ ‬10‭ ‬ـ

داخل‭ ‬المطبخ‭ ‬ردّدتِ‭ ‬الجدران‭ ‬صدى‭ ‬ارتطام‭ ‬قطرة‭ ‬ماء،‭ ‬هطلت‭ ‬عن‭ ‬الصنبور‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬المجلى‭.. ‬صنبور‭ ‬الماء‭.‬

‮«‬تهطل‭ ‬قطرة‭ ‬ثانية‮»‬‭.‬

يعاني‭ ‬من‭..‬

‮«‬تهطُّل‭ ‬قطرة‭ ‬ثالثة‮»‬‭.‬

مرضٍ‭ ‬كثير‭ ‬البشاعة‭..‬

‮«‬قطرة‭ ‬رابعة‮»‬‭.‬

منذ‭ ‬زمنٍ‭ ‬طويل‭..‬

‮«‬قطرة‭ ‬خامسة‮»‬‭.‬

لهذا‭ ‬تكوّنت‭ ‬أسفله‭..‬

‮«‬سادسة‮»‬‭.‬

حفرة‭ ‬عميقة‭..‬

‮«‬سابعة‮»‬‭.‬

إنّه‭ ‬يحتاج‭ ‬لـ‮…‬

صنبور‭ ‬الماء‭ ‬ينفجر‭ ‬بالبكاء،‭ ‬أشياء‭ ‬المطبخ‭ ‬كلّها‭ ‬تدخلُ‭ ‬في‭ ‬الغرق،‭ ‬متسلِّحةً‭ ‬بالتصفيق‭.‬

ـ‭ ‬11‭ ‬ـ

بمجمل‭ ‬طاقاتي‭ ‬العقليّة‭ ‬والجسديّة،‭ ‬فقط‭ ‬أستثني‭ ‬حاسةَ‭ ‬البصر‭. ‬الآن‭.. ‬هذه‭ ‬القصّة‭ ‬أخطُّها،‭ ‬إثرَ‭ ‬انقضاء‭ ‬زمنٍ‭ ‬‭-‬أوسعَ‭ ‬من‭ ‬حياتي‭-‬‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬ظهر‭ ‬المرض‭ ‬داخل‭ ‬مناخِ‭ ‬المطبخ‭.‬

لا‭ ‬تسألني‭ ‬كيف‭ ‬سينتهي‭ ‬هذا‭ ‬المرض،‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭.. ‬لن‭ ‬أكون‭ ‬أبديّ‭ ‬الوجود‭.‬

لا‭ ‬تسألني‭ ‬كيف‭ ‬بدأ‭ ‬هذا‭ ‬المرض،‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭.. ‬كاتبٌ‭ ‬حديثٌ‭ ‬للقصصِ‭ ‬أنا‭.‬

يمكن،‭ ‬كاتبٌ‭ ‬قديمٌ‭ ‬للقصص‭ ‬أن‭ ‬يعرف،‭ ‬وأيضاً‭.. ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭.‬

ـ‭ ‬12‭ ‬ـ

شيءٌ‭ ‬ما‭.. ‬يشبه‭ ‬طفلاً،‭ ‬لديه‭ ‬فراغاتٌ‭ ‬بين‭ ‬أسنانه،‭ ‬نائماً‭ ‬فوق‭ ‬الإسفنج‭. ‬على‭ ‬فمه‭ ‬ترفرف‭ ‬ابتسامةٌ‭ ‬هادئة‭.‬

شيءٌ‭ ‬ما‭.. ‬يشبه‭ ‬زوجاً‭ ‬بنصفِ‭ ‬ذقنٍ،‭ ‬يشعل‭ ‬سيجارةً‭ ‬لا‭ ‬يعرفُ‭ ‬رقمها‭ ‬سوى‭ ‬الله‭.‬

شيءٌ‭ ‬ما‭.. ‬يشبه‭ ‬زوجةً،‭ ‬تتوغّل‭ ‬عيناها‭ ‬الصامتتان‭ ‬في‭ ‬فراغ‭ ‬الجدار،‭ ‬تتخيّل‭ ‬نهدَها‭ ‬يمارس‭ ‬حقّه‭ ‬في‭ ‬الحياة‭.‬

شبحٌ‭ ‬لا‭ ‬مرئي‭ ‬واقفٌ‭ ‬عند‭ ‬الزاوية،‭ ‬ينوي‭ ‬الرحيل‭ ‬متأبّطاً‭ ‬أوراقه‭ ‬الثلاث‭.‬

على‭ ‬الأولى‭: ‬شرح‭ ‬أسباب‭ ‬التثاؤب‭ ‬في‭ ‬حضرةِ‭ ‬الصورة‭.‬

على‭ ‬الثانية‭: ‬كتبَ‭ ‬ذلك‭ ‬الحلمَ‭ ‬الملوّث‭ ‬بالشكولاتة‭.‬

على‭ ‬الثالثة‭: ‬رسمُ‭ ‬حجم‭ ‬ابتسامة‭ ‬هذا‭ ‬الطفلِ‭ ‬المشاغب‭.‬

ثمّ‭ ‬مشى‭ ‬سعيداً‭ ‬بضع‭ ‬خطواتٍ‭.‬

عندئذٍ‭ ‬‭-‬وصدفةً‭-‬‭ ‬تعرقل‭ ‬بصحن‭ ‬السجائر،‭ ‬فسقط‭.‬

لينكسر‭ ‬الشبح‭ ‬اللامرئي‭ ‬إلى‭ ‬جزأين‭:‬

الجزء‭ ‬الأوّل‭ ‬تدحرج‭ ‬حتى‭ ‬دخل‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬الزوجة‭.‬

الجزء‭ ‬الثاني‭ ‬تدحرج‭ ‬حتى‭ ‬دخل‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬الزوج‭.‬


كاتب من سوريا مقيم في تركيا