الثقافي‭ ‬يتحدد‭ ‬بعلامته‭ ‬النقدية

الجديد  محمود السرساوي [نُشر في 01/01/2017، العدد: 24، ص(40)]

لوحة: محمد الوهيبي
ربما ‭ ‬أضحت‭ ‬مقولة‭ ‬المثقف‭ ‬شلوا‭ ‬من‭ ‬زمن‭ ‬مضى‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬بددت‭ ‬معالمها‭ ‬المتغيرات‭ ‬التي‭ ‬عصفت‭ ‬بالمنطقة،‭ ‬وأطاحت‭ ‬بفعاليتها‭ ‬حالة‭ ‬التراجع‭ ‬والانكفاء‭ ‬للأحزاب‭ ‬والتيارات‭ ‬التقدمية‭ ‬عموما‭ ‬واليسارية‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬طمس‭ ‬الدلالة‭ ‬والبحث‭ ‬المستمر‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬المعنى‭ ‬وأسبقية‭ ‬المقولة‭ ‬على‭ ‬سواها‭ ‬من‭ ‬توصيفات‭ ‬تقنية‭ ‬الطابع‭ ‬وشكلانية‭ ‬الدور‭ ‬وذاتية‭ ‬الاستهداف‭ ‬كاستبدالها‭ ‬بالمفكر‭ ‬مثلا‭. ‬وهي‭ ‬دعوة‭ ‬خادعة‭ ‬وتنطوي‭ ‬على‭ ‬انتهازية‭ ‬فاضحة‭ ‬في‭ ‬سلخ‭ ‬الثقافة‭ ‬عن‭ ‬نسيجها‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والسياسي‭ ‬و‭ ‬اقتصار‭ ‬عمل‭ ‬الوعي‭ ‬المفارق‭ ‬مجازا‭ ‬على‭ ‬الإنتاج‭ ‬المعرفي‭ ‬الخاص‭ ‬بمالكه‭ ‬دون‭ ‬التلازم‭ ‬العضوي‭ ‬بين‭ ‬النظر‭ ‬والعمل‭ ‬وسياقات‭ ‬الأهداف‭ ‬المراد‭ ‬تحقيقها‭. ‬وتأخذ‭ ‬القضية‭ ‬أبعادا‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬صورتها‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬حالة‭ ‬التشرذم‭ ‬والانقسام‭ ‬والاقتسام‭ ‬التنظيمي‭ ‬التي‭ ‬تسم‭ ‬المشهد‭ ‬الراهن‭ ‬،‭ ‬ويغدو‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الثقافي‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة‭ ‬من‭ ‬ذي‭ ‬قبل‭ ‬أمام‭ ‬محاولات‭ ‬إعادة‭ ‬النقاش‭ ‬عموما‭ ‬إلى‭ ‬عتبة‭ ‬الطائفة‭ ‬والعشيرة‭ ‬والأهل،‭ ‬فكيف‭ ‬ونحن‭ ‬لا‭ ‬زلنا‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬المشروع‭ ‬الوطني‭ ‬التحرري‭ ‬ونتحرك‭ ‬في‭ ‬حقول‭ ‬مابعد‭ ‬مفاعيل‭ ‬أوسلو‭ ‬ونتائجه‭.. ‬إنما‭ ‬في‭ ‬الحالات‭ ‬جميعا‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬السياق‭ ‬النظري‭ ‬للثقافي‭ ‬في‭ ‬علاقته‭ ‬مع‭ ‬السياسي‭ ‬تفترض‭ ‬تكاملا‭ ‬في‭ ‬الدور‭ ‬والقيمة‭ ‬والمعنى،‭ ‬يأخذ‭ ‬فيه‭ ‬المثقف‭ ‬مكان‭ ‬المرشد‭ ‬للخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬وليس‭ ‬تابعا‭ ‬أو‭ ‬هامشا‭ ‬من‭ ‬هوامشه،‭ ‬يقتصر‭ ‬عمله‭ ‬على‭ ‬تسويق‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬وإيجاد‭ ‬المسوغات‭ ‬لممارسته‭ ‬العملية‭ ‬وتجميل‭ ‬قباحة‭ ‬أخطائها‭ ‬‭-‬إن‭ ‬وجدت‭-‬،‭ ‬ويعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬تحديد‭ ‬حضور‭ ‬الثقافي‭ ‬يتم‭ ‬بعلامته‭ ‬النقدية‭ ‬التي‭ ‬في‭ ‬افتقادها‭ ‬يفتقد‭ ‬مبرر‭ ‬وجوده‭. ‬وهذه‭ ‬العلامة‭ ‬تقودنا‭ ‬إلى‭ ‬أهمية‭ ‬وجود‭ ‬الحامل‭ ‬المؤسساتي‭ ‬المستقل‭ ‬مدعوما‭ ‬بالمشروع‭ ‬التنويري‭ ‬وكلاهما‭ ‬مرتبط‭ ‬بالأفق‭ ‬الوطني‭ ‬وانفتاحه‭ ‬على‭ ‬تلاوين‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وأطره‭ ‬الفاعلة‭ ‬داخل‭ ‬فلسطين‭ ‬وخارجها‭ ‬في‭ ‬منظور‭ ‬سياسة‭ ‬ثقافية‭ ‬تحدد‭ ‬الأولويات‭ ‬وتضع‭ ‬البرامج‭ ‬والخطط‭ ‬والاستراتيجيات‭.‬

صحيح‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬الفلسطيني‭ ‬كان‭ ‬ولا‭ ‬زال‭ ‬لا‭ ‬يشير‭ ‬في‭ ‬أغلبه‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬العلامة‭ ‬ولا‭ ‬يدعمها‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬استسلام‭ ‬المثقف‭ ‬‭-‬مجازا‭-‬‭ ‬للسائد‭ ‬وتعزيز‭ ‬اطمئنانه‭ ‬المزور‭ ‬ووعيه‭ ‬المستتب،‭ ‬لقد‭ ‬أوجد‭ ‬الخطاب‭ ‬الأحادي‭ ‬شمولي‭ ‬الدعاوي‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬الكسبة‭ ‬‭-‬ضمن‭ ‬منظور‭ ‬التابع‭ ‬والمتبوع‭ ‬إذ‭ ‬الأحادية‭ ‬أنتجت‭ ‬أشكالا‭ ‬من‭ ‬‮«‬الحول‭ ‬الفكري‮»‬‭ ‬إذا‭ ‬صح‭ ‬التعبير‭-‬‭ ‬تلغي‭ ‬من‭ ‬تشاء‭ ‬وتحضر‭ ‬من‭ ‬تشاء‭ ‬أيضا،‭ ‬وهذه‭ ‬الإقصائية‭ ‬وليدة‭ ‬تربية‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الخندقة‭ ‬السياسية‭ ‬والاحتراب‭ ‬التنظيمي‭ ‬لا‭ ‬تسمح‭ ‬بتعددية‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬تقارب‭ ‬التعددية‭ ‬في‭ ‬الحقل‭ ‬السياسي‭ ‬‭-‬إن‭ ‬وجدت‭-‬‭ ‬ما‭ ‬يمكننا‭ ‬هنا‭ ‬من‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬بنية‭ ‬لا‭ ‬تختزل‭ ‬بقصرها‭ ‬الحقيقة‭ ‬على‭ ‬مالكها‭ ‬الأمير‭ ‬أو‭ ‬الأمين‭ ‬أو‭ ‬الزعيم‭ ‬أو‭ ‬السيد‭ ‬الذي‭ ‬يختصر‭ ‬الوطن‭ ‬والشعب‭ ‬في‭ ‬وجوده،‭ ‬بل‭ ‬بتبديد‭ ‬إنجازاتها‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬السياسة‭ ‬قبل‭ ‬الثقافة،‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬تحصيل‭ ‬حاصل‭ ‬أو‭ ‬مجرد‭ ‬هوامش‭ ‬على‭ ‬دفتر‭ ‬اليومي‭ ‬السياسي‭.‬

لقد‭ ‬تمت‭ ‬عملية‭ ‬إفساد‭ ‬طويلة‭ ‬للحالة‭ ‬الثقافية‭ ‬بدءا‭ ‬من‭ ‬ربطها‭ ‬بمشاحنات‭ ‬وتفاصيل‭ ‬اليومي‭ ‬السياسي‭ ‬ومغانمه‭ ‬وامتيازاته‭ ‬وليس‭ ‬انتهاء‭ ‬باختزالها‭ ‬ضمن‭ ‬المقروء‭ ‬والمكتوب‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬حالة‭ ‬شكلانية‭ ‬لمجموعة‭ ‬تتبادل‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭ ‬نتاجاتها‭ ‬الذاتية،‭ ‬ويتحدد‭ ‬بموجبها‭ ‬المثقف‭ ‬ككاتب‭ ‬أو‭ ‬شاعر‭ ‬أو‭.. ‬إلخ،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬خروج‭ ‬الثقافة‭ ‬من‭ ‬منظورها‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وتخليها‭ ‬عن‭ ‬دورها‭ ‬المفترض‭ ‬في‭ ‬النسيج‭ ‬المجتمعي،‭ ‬وقد‭ ‬تم‭ ‬التوليف‭ ‬على‭ ‬عجل‭ ‬في‭ ‬بدايات‭ ‬الثورة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بين‭ ‬السياسة‭ ‬والثقافة‭ ‬التي‭ ‬تحيل‭ ‬إلى‭ ‬رؤية‭ ‬حضور‭ ‬الثقافة‭ ‬في‭ ‬حضور‭ ‬مرآة‭ ‬القيادة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬ترعاها‭ ‬أو‭ ‬تنبذها‭ ‬حسب‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬استمالتها‭ ‬أو‭ ‬مقاومتها‭ ‬للاحتواء‭ ‬لكنها‭ ‬عموما‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬تدجين‭ ‬أغلب‭ ‬المثقفين‭ ‬الذين‭ ‬أمسوا‭ ‬مجرد‭ ‬موظفين‭ ‬إعلاميين‭ ‬لدى‭ ‬هذا‭ ‬الطرف‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬فوزعت‭ ‬الألقاب‭ ‬على‭ ‬المبدعين‭ ‬وأمست‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬النصوص‭ ‬تفصّل‭ ‬نفسها‭ ‬على‭ ‬مقاس‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬وغدا‭ ‬المثقف‭ ‬التنظيمي‭ ‬ماركة‭ ‬مسجلة،‭ ‬واختلط‭ ‬الحابل‭ ‬بالنابل‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬وتقويم‭ ‬الإبداع،‭ ‬فحمل‭ ‬الإعلام‭ ‬بعض‭ ‬الأسماء‭ ‬وغيب‭ ‬بعضها‭ ‬الآخر،‭ ‬ولم‭ ‬تستطع‭ ‬النوايا‭ ‬الحسنة‭ ‬هنا‭ ‬وهناك‭ ‬لدى‭ ‬هذا‭ ‬الفصيل‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬من‭ ‬انتشال‭ ‬الحالة‭ ‬والمساهمة‭ ‬في‭ ‬إنجاز‭ ‬مشروع‭ ‬ثقافي‭ ‬فلسطيني‭.‬

وقد‭ ‬أعيتنا‭ ‬كثرة‭ ‬الخطابات‭ ‬الفاقعة‭ ‬عن‭ ‬الجبهة‭ ‬الثقافية‭ ‬والقلعة‭ ‬الأخيرة‭ ‬وسدنة‭ ‬المبادئ‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬الإنشائيات‭ ‬إلى‭ ‬برامج‭ ‬عمل‭ ‬أو‭ ‬تأخذ‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬بيد‭ ‬المبدعين‭ ‬وتحفظ‭ ‬لهم‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬العيش‭ ‬الكريم‭. ‬وبالعموم‭ ‬اتحاد‭ ‬كتاب‭ ‬الداخل‭ ‬الفلسطيني‭ ‬مثلا‭ ‬للداخل‭ ‬وحفلات‭ ‬التكريم‭ ‬لمثقفين‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬الأرض‭ ‬المحتلة‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬وليس‭ ‬الحصر‭ ‬هي‭ ‬مبادرات‭ ‬فردية‭ ‬من‭ ‬شعراء‭ ‬أو‭ ‬كتاب‭ ‬بالأصل‭ ‬وليست‭ ‬نهجا‭ ‬جماعيا،‭ ‬وتقتصر‭ ‬عادة‭ ‬على‭ ‬شخصيات‭ ‬تخطت‭ ‬الستين‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬وبعضها‭ ‬لم‭ ‬يحالفه‭ ‬الحظ‭ ‬إلا‭ ‬وهو‭ ‬على‭ ‬فراش‭ ‬الموت،‭ ‬أما‭ ‬اتحاد‭ ‬الخارج‭ ‬فيعتاش‭ ‬على‭ ‬فتات‭ ‬من‭ ‬يناصره‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬بنى‭ ‬تدعو‭ ‬للأسى‭ ‬والأسف‭ ‬معا‭.‬

يأتي‭ ‬الأسى‭ ‬من‭ ‬افتقادنا‭ ‬للمؤسسات‭ ‬الثقافية‭ ‬الحقيقية‭ ‬الجامعة‭ ‬واعتبارها‭ ‬حلقة‭ ‬مركزية‭ ‬متلازمة‭ ‬مع‭ ‬المشروع‭ ‬الوطني،‭ ‬ويجيء‭ ‬الأسف‭ ‬من‭ ‬تكرار‭ ‬واستنساخ‭ ‬الأخطاء‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬السياسة‭ ‬قبل‭ ‬الثقافة‭ ‬أيضا‭.‬

‭ ‬صحيح‭ ‬أننا‭ ‬نعتز‭ ‬بأسماء‭ ‬بارزة‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬إبداعنا‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬وجود‭ ‬مشروع‭ ‬ثقافي‭ ‬ناظم‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنفصل‭ ‬بالتأكيد‭ ‬عن‭ ‬الحالة‭ ‬العربية،‭ ‬وإذا‭ ‬كنا‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬توصيفات‭ ‬عامة‭ ‬فذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬عدم‭ ‬تسمية‭ ‬الأشياء‭ ‬بمسمياتها‭ ‬الحقيقية‭ ‬إنما‭ ‬الاختزال‭ ‬والتكثيف‭ ‬للتوصيف‭ ‬هنا‭ ‬مقصده‭ ‬إفساح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬حوار‭ ‬لا‭ ‬يتغنى‭ ‬بالثقافة‭ ‬كخندق‭ ‬أخير‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يخسر‭ ‬كل‭ ‬حلقاته‭ ‬الأخرى،‭ ‬كما‭ ‬فعلنا‭ ‬ونفعل‭ ‬عادة،‭ ‬ولكن‭ ‬حوار‭ ‬حقيقي‭ ‬خلاق‭ ‬يعيد‭ ‬قراءة‭ ‬التحديدات‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬حالة‭ ‬خاصة‭ ‬وشديدة‭ ‬الحساسية‭ ‬تعيشها‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬عموما‭ ‬وقضيتنا‭ ‬الوطنية‭ ‬منها‭ ‬خصوصا‭.‬


كاتب من فلسطين مقيم في بيروت